الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أيمانها وخمست بالغضب فصدقها الشرع، ولم يلزم هذا حد ولم يلزم هذا حد، ولم تقم على واحد منهما حجة بأنه وقع في محذور، والله لمّا بيّن هذا بيَّن أن بناء هذه الأمور الشرائع القطعية على ظواهر زائفة غير حقيقية أنه من حكمته في التشريع؛ ولذا أتبع آية اللعان بقوله:{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10)} [النور: 10] أي: لولا ذلك لما قبل منكم هذه التشريعات وهذه التسهيلات التي أنتم تعلمون أن بواطنها لا حقيقة لها، فنحن نعلم أنّ أحدهما كاذب، ونعلم أنه لو تعين كذبه لكان عليه جلد القذف، ولو تعين كذبها لكان عليها الرجم؛ لأنها زانية محصنة، وهذا ثابت، وقد سقط عنه الجلد وعنها الرجم، وصُدّقا معًا في ظاهرِ حكم -باطنُهُ نحن نعلم أن أحد الشخصين كاذب- وبهذا نعلم أن للشرع ظواهر وبواطن، وأنه قد تكون ظواهر الشرع قطعية، والبواطن لا يلزم أن تكون مطابقة لما في نفس الأمر.
[السؤال السابع عشر: ] هل الخلع طلاق أو فسخ؟ وما هو رأيكم في تعدد الزوجات
؟
الجواب: أن أنظار العلماء اختلفت في الخلع هل هو فسخ، أو طلاق؟ فكانت جماعة من العلماء منهم: عبد الله بن عباس، والإمام أحمد، والشافعي يقولون: إن الخلع فسخ لا طلاق، واستدلوا بالقرآن؛ لأن الله قال:{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} ثم ذكر الخلع بعد هاتين المرتين فقال: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: 229] ثم جاء بالطلقة الثالثة في قوله: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ} [البقرة: 230].
وهنالك قوم آخرون قالوا: إن الخلع طلاق، وقالوا: هذه الآية -وإن استدل بها ترجمان القرآن ابن عباس- لا دليل فيها؛ لأنه لما قال: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ} ذَكَرَ جواز الخلع لا يقتضي أن الخلع طلقة ثالثة، وقد جاء في حديث مرسل حسن أن الثالثة في قوله:{أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} [البقرة: 229] فتكون الثالثة جاءت قبل ذكر الخلع فلا دليل في الخلع.
وأنا أقول: أقرب الوجهين عندي للمعنى قول من قال: إنه طلاق؛ لأن الخلع معاوضة، وأحد المتعاوضين لا يدفع إلا شيئًا يملكه، والرجل لا يملك نوعًا من الفراق للمرأة إلا الطلاق، فالذي يظهر أن عوض المال من جهة المرأة يقابله عوض مملوك للرجل من جهة الرجل، ولا يملك من ذلك شيئًا إلا الطلاق، ويستأنس لهذا بما ثبت في الصحيح في بعض روايات مخالعة ثابت بن قيس وامرأته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:"خذ الحديقة وطلقها تطليقة"(1). فكأن هذا يستأنس له بأنه جعل الطلقة في مقابلة المال. والله تعالى أعلم.
أما تعدد الزوجات فينظر فيه بنظرين: أما هو من أصله دل القرآن على إباحته، وفيه مصالح عظيمة للرجل وللمرأة وللأمة؛ لأن المرأة الواحدة تمرض وتحيض وتنفس فتكون عاجزة عن أخصّ لوازم الزوجية بتلك الأعذار والعوائق، والغرض الأكبر من أغراض النكاح: التناسل وكثرة الأمم؛ لتقوم الأمة في وجه عدوها لتكون كلمة الله هي العليا؛ ولأن الله أجرى العادة بأن الرجال أقل عددًا في أقطار [الدنيا
(1) أخرجه البخاري في الطلاق، باب الخلع، حديث رقم (5273) 9/ 395. وأطرافه في:(5274 - 5277).
من] (1) النساء؛ لأنهم أكثر تعرضًا لأسباب الموت، فلو قُصر واحد على واحدة لبقي عدد ضخم من النساء لا أزواج لهن، فيضطررن لركوب الفاحشة والفاقة، فهو من قبيل الشرع منصوص في كتاب الله، وحِكمُه ظاهرة.
أما هذا العرف الجاري في هذه البلاد من أنه لا يمكن أن يجمع رجل بين اثنتين من بنات القبائل من البيوت التي يشار إليها، فهذا يتكلم فيه من جهتين:
إحداهما: أن بعض الناس يقول: هذا العرف حرام وليس بجائز، وهذه شروط ليست في كتاب الله، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط.
ونحن لا نقول بهذا، بل نقول: إن المرأة إذا خطبها الخاطب تقول له: أما إجابتي إياك فهو حقي، والشرع أعطاني الاختيار إن شئت أجبتك وإن شئت لم أُجبك، وأنا أجيبك بشرط أن لا تتزوج علي. واقتصاره على واحدة جائز شرعًا، فهي ما اشترطت عليه إلا أمرًا يجوز له، فإن رضي بهذا الشرط فهذا الشرط في كتاب الله، لأن الله يوجب على المسلمين الوفاء لإخوانهم المسلمين بالشروط، والله يقول:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [المائدة -1] والألف واللام للاستغراق، ويقول:{وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34)} [الإسراء: 34] ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "آية المنافق ثلاث" إلى أن قال: "وإذا
(1) ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق.