الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والقائم، ولو فرضنا أن نرغم الرجل على المرأة وهو لا يريدها لم يكن في ذلك فائدة ولا نتيجة للمرأة، والمرأة: الرجل لم يأخذ منها شيئًا، وإنما مكث معها ينفعها، أعطاها صداقًا ودفع لها مدة حياته ينفقها، لم يأخذ منها شيئًا، كان هذا الذي يقول: إنما ضاع جمالها! ! ضاع بالأيام والليالي، الأيام والليالي هي التي أضاعته، الرجل لم يضعه ولم يجن عليه.
عجوز تمنت أن تكون صبية
…
وقد قوس العينان واحدودب الظهر
فجاءت إلى العطار تبغي شبابها
…
ولا يصلح العطار ما أفسد الدهر (1)
الرجل ليس هو الذي جنى عليها!
[السؤال التاسع: ] أريد أن يبين الشيخ للناس أن المرأة ليست لعبة بين يديّ الرجل؛ لأن يكون الرجل عادلًا مع المرأة ويعطيها حقها، ولا يجعلها لعبة أي: إذا زال الغرض فيُلقيها عنه فهذا ليس من القِسط وليس من الإنسانية
؛ لأنكم حثيتم على قيمة الإنسان في محاضرتكم، والإسلام يعطي حقًّا كثيرًا للإنسانية ومن الإنسانية أن يعطى للمرأة حقها أليس كذلك؟
الجواب: على كل حال هذه الفكرة كأنها تتسمَّم بفكرة أجنبية
(1) البيتان في الكامل للمبرد (1/ 405) ولفظهما:
عجوزٌ تُرجِّي أن تكون فَتِيَّة
…
وقد لُعِبَ الجَنْبَان واحدَودَب الظهر
تَدُسُّ إلى العطَّارِ سِلعةَ أهلِها
…
وهل يُصْلِحُ العطارُ ما أفسَدَ الدهرُ
عن الإسلام، ونحن نبين ونقول: إن الإسلام أحاط للمرأة جميع منافعها ولم يُضِعْ لها بمنفعة، ولم يتلاعب لها بمنفعة، أما الرجل الذي جاءها لم يجز له أن يتزوجها إلا بصداق ومال، والمدّة التي يمكث معها يجب عليه إنفاقها وكفايتها من كل شيء، وإذا زالت بكارتها وزال غرضه منها لا مانع من أن يطلقها، وليس فيه تضييع لحياتها، فكم من ثيب جميلة تُختار على آلاف الأبكار، وهذا أمر مشاهد؛ لأنها إذا كانت ذات جمال ولو عجوزة، والشاعر قال (1):
أبى القلب إلا أم عمرو وحبها
…
عجوزًا ومن يحبب عجوزًا يفند
كثوب اليماني قد تقادم عهده
…
ورقعته ما شئت في العين واليد
فإذا كانت جميلة لا تضرها زوال البكارة، بل كم من ثيب يتنافس فيها الخُطَّاب وتأتيها الركبان من بلد إلى بلد، وأزواج النبي -وهو سيد الخلق- واختار له أكثرهن ثيبات، لم يتزوج بكرًا إلا واحدة. والله قدم الثيبات في القرآن فقال:{ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} [التحريم: 5] والمرأة زوال بكارتها لا يضرها، فكم من ثيب يُرغب فيها أكثر -يعني- من بكر، وهذا لا يُضيع جمالها، بل يتزوجها رجل آخر ويعطيها كما شاءت، وهذا الرجل لم يضرها بشيء، إنما البكارة التي أزالها فيها الصداق، والله يقول:{وَكَيفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} [النساء: 21]. فجعل ثمن البكارة الصداق الذي دُفع لها، فهو ثمن تمام، أصلًا أخذت صداقها الكامل تعقد
(1) ديوان الحماسة (2/ 128).
ما تشاء كيف تشاء، وذلك ثمن بكارتها والاستمتاع بها الذي يؤخذ؛ ولذا قال الله:{وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَال زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20) وَكَيفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ} [النساء: 20، 21] فثمن بكارتها المال التي استلمته، وقد يكون تفتح منه دكاكين وتكون غنية منه إلى الأبد، ومادامت عنده هي مُؤمّنة حياتها، وإذا طلقها إذا كانت جميلة فجمالها يجلب لها الرجال، وإذا كانت قبيحة فعلى بختها، ودين الإسلام لم يظلمها بشيء، ولم يعمل لها إلا كفالة الحقوق والكمال على ما ينبغي، وكم من ثيب طلقها رجل وأزال بكارتها وتزوجت رجلًا أعظم منه، وكم طلقها الثاني وتزوجت أغنى من ذلك، وهذا أمر معروف مشاهد في الدنيا. والذوق الذي يقول:"إنها إذا زالت بكارتها لا يُرغب فيها" ذوق أفرنجي معكوس مخالف للحقائق، وكم من رجل يختار الثيب على آلاف الأبكار، وهذا مشاهد في الدنيا؛ لأنه كم من ثيب جميلة خير من ألف بكر، والبكر بعد ليلة واحدة ترجع ثيبة، فإن دين الإسلام لم يظلم المرأة بشيء، ولم يغمط لها حقًّا من الحقوق، بل أعطاها حقوقها كاملة، وإزالة البكارة أخذت ثمنها صداقًا وافيًا كاملًا تمامًا.
كما قال (1): "أبغض الحلال" لم يجعله كمان تمام (2)، يعني
(1) هنا وقعت مداخلة من السائل أشار فيها إلى كون الطلاق أبغض الحلال فعقب عليه الشيخ رحمه الله بهذا التعقيب.
(2)
عبر الشيخ رحمه الله باللغة الدارجة، والمراد: أنه لم يجعله أيضًا بتلك =
يُبغّض في الطلاق ويأمر الرجل بهذا فقال: {فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا (19)} [النساء: 19] يعطف قلب الرجل على المرأة ويُزيّن البقاء معها والصبر معها والمعاشرة معها على أكمل ما يكون، والمصالحة كما قال:{وَالصُّلْحُ خَيرٌ} [النساء: 128]. هذه النظرة نظرها دين الإسلام ويحض إليها تمامًا، ولكن إذا انقطعت الأسباب في الرجل ولم يصبر ما نقول: رغم أنفك وأنت ظلمتها! ! ما هو صحيح! ! أوجب لها السكنى ليرجع له غرض فيها ويأخذها مجال" (1)، وجعل له الإقالة مرتين لتمكنه المراجعة، والنبي يقبّح لهم الطلاق فهو لا ينبغي، وفي بعض الأحاديث: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق" (2). والله يأمر على هذا يقول: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا كَثِيرًا (19)} [النساء: 19] هذا عطف على الصبر معهن، والصبر عليهن، ومعاشرتهن وعدم الطلاق. هذا يأمر به الإسلام أمرًا حثيثًا، ومن أعظمه آية: {فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ
= المثابة من الكمال، أي: لم يستحسنه.
(1)
أي: يكون هناك فسحة لتحصل المراجعة.
(2)
أخرجه أبو داود في النكاح، باب في كراهية الطلاق. حديث رقم (2163 - 2164) 6/ 226 - 227 عون المعبود، وابن ماجة في الطلاق، حديث رقم (2018) 1/ 650، والحاكم (2/ 196)، والبيهقي (2/ 322)، وابن حبان في المجروحين (2/ 64)، وابن عدي في الكامل (4/ 323)، (6/ 461). وانظر الكلام عليه في العلل المتناهية (2/ 149)، والتلخيص (3/ 205)، كشف الخفاء (1/ 28)، إرواء الغليل (252، 2040)، وإسناده ضعيف.