الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[6](الرابطة الإيمانية)
(1)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
نريد في هذا الاجتماع المبارك أن نبيّن أمام إخواننا العلماء الأفاضل جُملًا من محاسن دين الإسلام.
أولًا: نبيّن أن رابطة الإسلام هي أعظم جميع الروابط، لأنّ الروابط ما عداها إنَّما هي حول أمور دنيويّة، كرابطة النسب، ورابطة الصداقات، وروابط التجارات، وغير ذلك من الروابط الأرضية، أمَّا رابطة الإسلام وحدها فهي في الله الذي خلق السموات والأرض، وما كان في خالق السموات والأرض فلا شكّ أنه أعظمُ مما سواه.
ونحن دائمًا -في المناسبات- نبيّن أنّ رابطة الإسلام -لشدّة قوتها- ربطت بين السماء والأرض، وربطت بين الخالق والمخلوق، ومن أجلها كان الله ولي المؤمنين، قال تعالى:{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 257]. وقال تعالى: {اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا} [محمد: 11]، وولاية الله للمؤمنين التي ذكرناها الآن في القرآن إنّما هي بقوّة رابطة دين الإسلام وهذه الرابطة جعلت المؤمنين المتقين أيضًا أولياء الله، قال الله تعالى:{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)} [يونس: 62] ثمّ بين أولياء الله من هم فقال: {الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} فكون المؤمنين المتقين أولياء الله، وكون الله وليّ المؤمنين، كلّ هذا من رابطة دين الإسلام؛ ولأجل هذه الرابطة كان النبي صلى الله عليه وسلم وليّ المؤمنين، قال الله تعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَى
(1) من الشريط العاشر.
بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6]، وقال تعالى:{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} [المائدة: 55] هذه الولاية بين المسلمين وسيَّد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم التي بيَّناها الآن في القرآن إنما هي بقوة رابطة الإسلام، وهذه الرابطة جعلت المؤمنين في أقطار الدنيا بعضهم أولياء بعض، قال تعالى:{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} [التوبة: 71].
ولقوة هذه الرابطة ربطت بين بني آدم في الأرض وبين الملائكة الكرام من فوق سبع سموات، كما نصّ الله على ذلك في قوله تعالى:{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} [غافر: 7] فوصف حملة العرش فوق سبع سماوات بأنهم يؤمنون بالله، ثم بين من نتائج ذلك ما نصّ عليه في قوله:{وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7]، فوصف بني آدم بالإيمان أيضًا، فعلم من الآية أن الرابطة بين الملائكة وبين الآدميين هي الإيمان، كان من نتائج هذه الرابطة أن دعوا -الملائكة- للآدميّين هذا الدعاء العظيم الذي ذكره الله في القرآن العظيم في قوله:{رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ} إلى آخر الآيات [غافر / 7]، وقال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [فصلت: 30، 31] فقول الملائكة للآدميين: {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ} تلك الولاية فيه برابطة دين الإسلام.
فإذا تبين من هذه الآيات القرآنية أن رابطة الإسلام لشدّة قوتها ربطت بين الخلق والخالق، وبين الأمّة والرسول العظيم، وبين
الآدميين والملائكة؛ فإن ذلك يدل على أنّها تربط بيننا -معاشر المسلمين- لأنّنا أولاد رجل واحد وامرأة واحدة، كما يبيّن لنا ربّنا في القرآن العظيم في قوله:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} [الحجرات: 13].
فهذه الرابطة التي ربطت بين الملائكة والآدميين مع اختلافهم في العنصر، واختلافهم في المكان، واختلافهم في الاتجاهات والميول، لا شكّ أنّها تربط أقوى الربط بين المسلمين الذين هم جنس واحد من رجل واحد وامرأة واحدة، فعلينا ألا نضيع هذا الربط السماويّ العظيم الذي جعله الله بيننا بسبب تشريع ربِّ العالمين، فيجب علينا أن نتعاون ونتعارف ونتساعد على توجيه المسلمين، ورفع مستوى دين الإسلام، لتكون كلمة الله هي العليا.
وممّا يدعونا إليه دين الإسلام: أن نترك الخلافات والنزاعات، ونكون يدًا واحدة على الخير؛ لأنّ الاختلاف والمنازعات يؤدي للفشل وضياع القوة، والله يقول في كتابه العظيم:{ولَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46]، ويقول تعالى:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103].
وقد بيّن القرآن العظيم في سورة الحشر أن الاختلاف والنزاعات سببها ضعف العقل، ذلك في قوله تعالى في قوم كانوا مختلفين:{تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} [الحشر: 14]، ثم بيّن العلّة فكأن قائلًا قال: ما العلةُ في كون قلوبهم شتى؟ قال الله مبيّنًا تلك العلة: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [الحشر: 14] فآية سورة الحشر هذه التي قال
الله فيها: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ} [الحشر: 14] هي دليل على أن منشأ الاختلافات إنّما هو ضعف في العقل؛ لأنّ العاقل يعلم أن الاتفاق خير من الاختلاف؛ فإذا اتفقت أنت وأخوك كانت جهوده معك، وإذا اختلفتما كانت جهود كل منكما ضدّ الآخر، وضعف العقل إنما يداوى بدواء القرآن؛ لأن القرآن نور، يقول الله:{فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا} [التغابن: 8]، ويقول:{وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [الشورى: 52]، هذا النور القرآني هو الذي يكشف ظلام الجهل، ويبيّن الحق من الباطل، والنّافع من الضار، والحسن من القبيح، والله يقول في كتابه:{أَوَمَنْ كَانَ مَيتًا فَأَحْيَينَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام: 122].
فهذه الآية بيّنت أن دين الإسلام حياة بعد الموت، ونور بعد الظّلام، فعلينا أن نستضيء بهذا النَّور -نور القرآن العظيم- ونرى الحق في باطنه حقًّا، والباطل باطلًا، ونميز بين ما يضر وما ينفع، والسبب الأساسي لذلك أن نتحد ونكون إخوانًا متعاونين، لأنّ الخلاف هو سبب كل شرّ، وكلّ تأخر، وقد يكون العقلاء بينهم اختلاف وجهات نظر، ولكنّ هذا الخلاف لا يؤثر؛ لأنّ الأصول العظام لا خلاف فيها؛ دين واحد، وربّ واحد، ونبيّ واحد، وكتابٌ واحد، وقبلةٌ واحدة، كلّنا نستقبل قبلةً واحدة، ونحجّ بيتًا واحدًا، ونتلوا قرآنًا واحدًا، ونؤمن برب واحد، ونصدق بالنبي صلى الله عليه وسلم، هو رسولنا، وإنَا نصدق بجميع الرّسل ولا سيّما رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، فالخلاف في المسائل البسيطة لا ينبغي أن يكون سببًا للتفكك، وعدم المساعدة، والصحابة -رضوان
الله عليهم- كانوا يختلفون في بعض المسائل، ولا يؤثر هذا على الاتحاد والجماعة، والأئمة الأربعة رضي الله عنهم مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد يختلفون في بعض المسائل، وذلك لا يؤثر على الألفة والاتحاد. لأن اختلاف وجهات النظر في الفروع لا يؤثر، ولا يتخذه سببًا للافتراق إلّا الجهلة، أنها أهل العلم فهذا لا يؤثر عندهم، ولا يفكّك الأخوة الإسلامية السامية.
ونحن دائمًا نضرب المثل لهذا بصورة هذه الصّورة: أنّه ثبت في صحيح البخاري -وهو أصحّ كتاب بعد القرآن- أن النبي صلى الله عليه وسلم لمّا أراد أن يغزو يهود بني قريظة قال: "من كان سامعًا مطيعًا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة"(1) فأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهموا هذا النص، ولكن اختلفت وجهات نظرهم في فهمه، فقومٌ قالوا: مراد النبي: أننا نسرع إلى خيبر، وليس مراده تأخير الصلاة، فصلوا وأسرعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقومٌ آخرون من الصحابة وقفوا مع ظاهر اللفظ ولم يصلّوا العصر إلا بعد العشاء في بني قريظة، فاجتمع الجميع عند النبي صلى الله عليه وسلم في الليل بعد العشاء وقد اختلفوا قوم صلّوا في الطريق، وقوم لم يصلوا إلا بعد العشاء، وهذا خلاف، والنبي صلى الله عليه وسلم وفّق الجميع وصوّبهم، ولم ينتقد على هذا ولا على هذا، وهو -صلوات الله وسلامه عليه- لا يقرّر على
(1) أخرجه البخاري في صلاة الخوف، باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماءً، حديث رقم (946) 2/ 436. وطرفه في (4119)، ومسلم في الجهاد والسير، باب: المبادرة بالغزو وتقديم أهم الأمرين المتعارضين.
حديث رقم (1770) 3/ 1391.
شيء باطل أبدًا، فدلّ على أنّ كلّهم فعل حقًّا غير باطل، وهم مختلفون.
فهذه صورة نبوية تبين أن الخلاف في الفروع والاتجاهات في فهم النصوص لا أثر لها، فالذي يتخذها وسيلة للتفكك والخلاف هو يجني على المجتمع، ويجني على الدّين، فعلينا جميعًا أن نتفطن لهذا، وأن لا نجعل النزاعات والخلافات واختلاف وجهات النظر سببًا لتفككنا؛ لأنَّا إذا تفرّقنا لم تكن لنا قوة، هذا مما يرشد إليه دين الإسلام، وهو يرشد إلى جميع الخير في جميع الميادين، وإن شاء الله في الاجتماع القادم سنبين زيادات كثيرة، وأمثلة كثيرة ممّا يدعو إليه دين الإسلام من الخير والمحاسن. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
* * *