الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القسم الثاني (السؤالات)
السؤال الأوّل (1): قوله تعالى: {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلا مَا ذَكَّيتُمْ} ، ما قول أئمة الفروع من المالكية في قوله:{إلا مَا ذَكَّيتُمْ} (2)[المائدة / 3].
الجواب: هذا الخلاف معلوم في هذه الآية، وحاصل هذا المقام أن مثل هذا الذي سأل عنه فضيلة الشيخ ذُكر في أربع آيات من كتاب الله، اثنتان منهما: وهي الأولى والأخيرة في كل واحدة منهما زيادة، والوسطيان منهما لا زيادة فيهما.
أول ما نزل في هذا: قوله تعالى في سورة الأنعام: {قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام: 145] فحرّمت هذه الآية هذه الأشياء، وزادت التقييد بكون الدّم مسفوحًا.
ثمّ إن الله حرَّم هذه الأشياء الأربعة في سورة النحل، وهي النازلة بعد الأنعام، فسورة النحل نزلت في مكة قبل الهجرة على التحقيق إلا الآيات الأخيرة منها:{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126]، فقد نزلت في تمثيل المشركين بشهداء أحد، وهم حمزة وأصحابه، والدليل على أن النحل نازلة بعد الأنعام في القرآن في موضعين: أحد هذين الموضعين: قوله تعالى في سورة النحل: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيكَ مِنْ قَبْلُ} [النحل:
(1) السؤال الأول إلى السادس من الشريط الثاني.
(2)
انظر: تفسير القرطبي (6/ 50).
118]، والنازل المقصوص المحال عليه من قبل نازل في سورة الأنعام بالإجماع في قوله:{وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيهِمْ شُحُومَهُمَا} [الأنعام: 146].
الموضع الثاني من الموضعين: أن الله قال في سورة الأنعام: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا} [الأنعام: 148]، فبين أنهم سيقولون هذا القول في المستقبل، وأنهم وقت نزول الآية لم يقولوه فعلًا، ثم بين في النحل أن ذلك القول الموعود به وقع تمامًا، فتبيّن أنها بعدها، وذلك في قوله:{وَقَال الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا} [النحل: 35].
قال في النحل النازلة بعد الأنعام كما بيّنا: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيكُمُ الْمَيتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ} [النحل: 115] ولم يزد شيئًا، ثم إنه نزل في البقرة وهي نازلة في المدينة بالإجماع:{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيكُمُ الْمَيتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيرِ اللَّهِ} [البقرة: 173]، ولم يزد فيها شيئًا، ثم نزلت سورة المائدة بعد الجميع، نزل بها:{حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ} ، وذُكرت أصناف من أصناف الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردّية، وزيد في هذه الاستثناء، فزيد في الآية الأولى: التقيد بالمسفوحية، وزيد في الآية الأخيرة: الاستثناء بالتذكية، وكل منهما يحتاج إلى كلام.
والآن نتكلم على محل السؤال: هذا الاستثناء أصله معروف عند علماء التفسير أن فيه وجهين:
أحدهما: أنه استثناء منقطع، وهو قول القليل، منهم مالك بن
أنس، وقول الجمهور: أنه استثناء متصل، والحكم يختلف باختلاف التفسيرين. أما الجمهور الذين قالوا: إنه استثناء متصل فإنهم قالوا: حرمت عليكم الموقوذة إلا ما أدركتم فيه ذكاةً ما وذكيتموه، وحرّم عليكم ما أكل السّبع إلا ماذكيتم ولو أدركتم فيه أدنى شيء يصدق عليه اسم الحياة.
ومالك بن أنس راعى أن الاستثناء منقطع، وكأنه يقول:[(1) حرمت عليكم هذه الأشياء لكن ما ذكيتم فهو الذي لم يحرم]، وعند مالك قول يوافق الجمهور. قال ابن العربي المالكي: إن قول الإمام مالك في هذا كأنه فيه شبه تناقض؛ لأنه يقول في المريضة: إنها تؤكل وإن يئس من حياتها يأسا كليًا، ويؤكل المذكى وإن يئس من حياته. ويقول في التي يئس من حياتها بالوقذ كالتي يتناثر دماغها، أو بأكل السبع كالتي تنتثر حشوتها، ومع أن فيها حركة قوية: أنها لا تُؤكل. قالوا: هذا تناقض؛ لأنك ما دمت أحللت مثل ذلك في المريضة، فكيف لا تحلّه في أكيلة السبع؟ والجمهور على أنّ أكيلة السبع مثل المريضة عند مالك لو أدرك فيها أي حياة لأكلت، وكان بعض العلماء يقول: لو كان كل ما أُنفذ مقتله مات لكانت وصية عمر بن الخطاب بجعل الخلافة شورى بين الستة لا تقبل؛ لأنه أنفذ مقتله، والطبيب قال له: أوصِ فقد أنفذ مقتلك. وقد أوصى وعُمل بوصيته، وجعل الخلافة شورى بعد نفذ مقتله، جاء ذلك يدل على
(1) في هذا الموضع انقطاع يسير في التسجيل، وما بين المعقوفين زيادة من القرطبي (6/ 50) يتم بها الكلام.
أن هناك حياة.
والمالكية يقولون: مثل هذه الحياة كحياة المذبوح، لا نعتبرها حياة في الذكاة، والجمهور يقولون هذا (1)، وهذا قول مالك، وسبب الاختلاف هو الاختلاف: هل الاستثناء منقطع أو متصل كما بيّنا.
السؤال الثاني: ظاهر قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} [المائدة: 5] إباحة صيد الكتابي مطلقًا، فهل الآية التي استدل بها مالك على تحريم صيده تخصص هذا العموم، أم لا؟ وهي قوله تعالى:{أَيدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ} [المائدة: 94]، وهل خالفه أحد من أصحابه، أم لا؟ وهل وافقه أيضًا أحد من الأئمة أم لا؟ (2).
الجواب: أمّا هذا فلم يوافق الإمام مالكًا فيه أحد من الأئمة الثلاثة، وخالفه جماعة من أصحابه، وروى عنه ابن بشير أنه مكروه لا حرام، وجمهور العلماء على أن صيد الكتابي كذكاته، وأنّ ذكاته بالعقر كذكاته بالذبح، وهذا عليه جمهور العلماء، ولم يوافق مالكًا فيه أحد من الأئمة الثلاثة، وكثير من أصحاب مالك خالفوه في هذا، وروى بعضهم عنه أنه مكروه كراهة تنزيه، وليس بمحرّم، وقد رواه ابن بشير وغيره، والرواية المشهورة من رواية ابن القاسم
(1) يقصد الشيخ بهذا: يعني الذي ذكرنا قبل وهو أن ما أدرك منه أدنى ما يصدق من عليه اسم الحياة جازت تذكيته.
(2)
انظر: أحكام القرآن لابن العربي (2/ 663)، القرطبي (6/ 301).