الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[5] الرابطة الإيمانية
(1)
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..
أما بعد: فإن رابطة الإسلام التي جمعتنا بكم في هذا السفر البعيد هي أعظم رابطة، ونحن دائمًا في المناسبات نبين أنها أقوى من رابطة النسب، والدليل على أن رابطة الإسلام أقوى من رابطة النسب أن الله تعالى يقول في كتابه:{لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22] لأن أقرب العصبات الآباء والأبناء والإخوان والعشائر، كما أننا نبين دائمًا بالمناسبات أن رابطة الإسلام لقوتها ربطت بين السماء والأرض، وربطت بين الخلق والخالق؛ ولذلك كان الله ولي المؤمنين من أجل رابطة الإيمان، قال تعالى:{اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة: 257] وقال تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ} الآية [المائدة / 55] وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا} [محمد: 11] هذه الآيات تبين أن الله هو ولي المؤمنين؛ لقوة رابطة الإيمان، كما بين أن المؤمنين أيضًا المتقين أولياء الله، قال:{أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)} [يونس: 62] ثم بين أن سبب ولايتهم لله هو الإيمان والتقوى حيث قال بعد قوله: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)} [يونس: 62] مبينًا أولياء الله، قال الله في ذلك:{الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)} [يونس: 62، 63].
ولأجل هذه الرابطة العظمى رابطة الإسلام كان النبي صلى الله عليه وسلم ولي
(1) من الشريط السادس.
المؤمنين، لأن الله يقول:{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} [المائدة: 55].
ويقول: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [الأحزاب: 6].
كذلك هذه الرابطة جعلت الملائكة أولياء المؤمنين، قال الله تعالى في ذلك:{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} [فصلت: 30، 31] ولأجل هذه الرابطة القوية - رابطة الإيمان - التي ربطت بين بني آدم والملائكة فوق السموات من شدة ربطها عطفت قلوب الملائكة من فوق سبع سماوات علي بني آدم في الأرض، فدعوا لهم بذلك الدعاء العظيم المذكور في القرآن في قوله تعالى:{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ} [غافر: 7] فوصف الملائكة بالإيمان ثم قال: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} فوصف الآدميين بالإيمان فعُرف من ذلك أن الرابطة بين الآدميين والملائكة: الإيمان، كان من نتائج ذلك الرابط - وهو الإيمان - أن دعوا للآدميين كما ذكره الله عنهم في قوله: {رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ
…
} إلى آخر الآيات [غافر / 7، 8].
هذه الرابطة عطفت علينا قلوب الملائكة من فوق سبع سماوات مع اختلافنا معهم في الأصل والعنصر، فدل ذلك على أنها تربط بيننا ونحن أبناء رجل واحد وامرأة واحدة ربطا وثيقًا؛ ولأجل ذلك بين
النبي صلى الله عليه وسلم أن جميع المسلمين في أقطار الأرض من مشارقها ومغاربها وجنوبها وشمالها كأنهم جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، فعلينا أن نتساعد ونتعاون في الخير، وأن نحافظ على أعمالنا حتى تكون صالحة ترضي الله، وقد بين لنا الله في كتابه أن العمل الصالح هو ما استكمل ثلاثة أمور إذا اجتمعت هذه الأمور الثلاثة فالعمل صالح يرضي الله، وإذا اختل واحد منها فالعمل غير صالح:
الأول من هذه الأمور الثلاثة: هو أن يكون ذلك العمل مطابقًا لما
جاء به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله يقول في هذا: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7] ويقول: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] ويقول: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31].
الثاني من تلك الأمور الثلاثة: هو كون العمل فيما بين الإنسان وبين ربه في نيته التي لا يعلمها إلا الله خالصًا لوجه الله، لا لقصد غرض دنيوي، ولا مال ولا جاه؛ لأن الله يقول:{وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5] ويقول: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14)} [الزمر: 14].
الأمر الثالث: أن يكون العمل مبنيًّا على أساس العقيدة الصحيحة؛ لأن العمل كالسقف، والعقيدة كالأساس؛ لأن الله يقول:{وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النساء: 124] فقيد العمل بالإيمان، ثم بين أن الأعمال الصالحة من غير المؤمنين باطلة، قال تعالى:{وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23)}
[الفرقان / 23] وقال تعالى في أعمال الكفار في آيةٍ: {أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} [إبراهيم: 18] وقال في آية أخرى: {أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ} [النور: 39].
فتبين مما قلنا أن على المؤمن أن يتحافظ على هذه الأمور الثلاثة، فيكون عمله مطابقًا للشرع، مخلصًا فيه لله، ويكون على أساس العقيدة الصحيحة، وخير ما تؤخذ منه العقيدة الصحيحة: القرآن العظيم، كما بينه الشيخ عثمان فودي في أول كتابه إحياء السنة، فعلينا أن نثبت ما أثبته القرآن، وأن ننفي ما نفاه القرآن، وأن نسكت عما سكت عنه القرآن لنهتدي دائمًا بكتاب الله.
ومما دلنا القرآن عليه: أنا لا نأمن مكر الله؛ لأن الله يقول: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99)} [الأعراف: 99] وأن نخاف من الله، وإذا كان أحدنا عنده أسلاف صالحون لا نتكل على ذلك؛ لأن الإنسان بحسب عمله، والله يقول:{لَيسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ} [النساء: 123، 124].
وسنضرب أمثالًا في القرآن؛ لأن الإنسان لا يتكل إلا على الله ثم على عمله: أفضل البشر على الإطلاق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأبو طالب عمه الذي رباه لما حضرته الوفاة كما ثبت في صحيح مسلم والبخاري - وذلك أصح الصحيح - جاءه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا عم قل لي كلمة أشهد لك بها عند الله، فأنزل الله عليه جبريل بهذه الآية: {إِنَّكَ لَا
تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)} (1)[القصص: 56] (
…
) (2).
* * *
(1) أخرجه البخاري في التفسير، باب: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ
…
} ، حديث رقم (4772)، (8/ 506)، وأطرافه في (1360، 3884، 4675، 6681)، ومسلم في الإيمان، باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ما لم يشرع في النزع. حديث رقم (24)، (1/ 54).
(2)
في هذا الموضع انقطع التسجيل، وقد تقدم كلام الشيخ رحمه الله على هذا الموضوع ضمن المحاضرة رقم (4)، وسيأتي أيضًا في المحاضرة رقم (6).