الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القانون المناط سنّهُ بالمجالس التشريعية
وبيان جواز إطلاق كلمة القانون على ما تصدره المجالس التشريعية
أولاً: التعريف
القانون في اللغة: مقياس كل شيء وطريقه كما ورد في القاموس المحيط (1)، وفي لسان العرب قانون كل شيء طريقه ومقياسه (2) وقال الجوهري في الصحاح: القوانين الأصول الواحد قانون وليس بعربي (3).
ثانياً: في الاصطلاح
القانون يعني القاعدة والنظام الثابت.
وقال الجرجاني أن القانون في الاصطلاح هو أمر كلي منطبق على جميع جزيئاته التي يتعرف أحكامه منه كقول النحاة: الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب والمضاف إليه مجرور (4).
وقال الدكتور محمد عبدالجواد محمد أن القانون يعني النظام الثابت وعلى ذلك فالنظام تعريف القانون، قال: وكلمة قانون يونانية الأصل وانتقلت إلى اللاتينية ثم إلى الفرنسية ومعناها القاعدة (5).
وإذاً فإن القانون المطلوب سنّهُ أو استنباطه من قبل المجالس التشريعية هو القانون العادل الذي لا غنى للأمة من الأخذ به وحسن تطبيقه في نص واضح بعد صياغته وإصداره في صيغة قوانين ضمن الضوابط والشروط التي سنأتي على بيانها سواءً كان في المسائل المتجددة والتي بها تنتظم الحياة أو فيما يتعلق بالمسائل الاقتصادية والاجتماعية
(1) - القاموس المحيط - مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي - طبعة عالم الكتاب - بيروت.
(2)
- انظر لسان العرب لمحمد بن أبكر بن منظور المصري - الدار المصرية للتأليف والترجمة. ج 17 - ص 229.
(3)
- انظر تاج اللغة وصحاح العربية لإسماعيل بن حماد الجوهري، دار العلم للملايين ،الطبعة الثانية ، ج6 / ص2185 ،باب النون/فصل القاف.
(4)
- انظر كتاب التعريفات لعلي بن محمد بن علي المعروف بالسيد الشريف الجرجاني - مكتبة لبنان - بيروت - ص 177.
(5)
- التطور التشريعي في المملكة العربية السعودية - الطبعة الأولى - ص 14 وما بعدها.
وغيرها مما لا نص فيه أو فيما يتعلق بحسن تطبيق الأحكام الشرعية فيما فيه نص واضح بعد صياغته في شكل قانون. ومع ذلك فإن المجالس التشريعية فيما تصدره من قوانين مقيدة بالشريعة غاية ووسيلة، فهي لا تملك وضع قوانين تخالف الدستور الإسلامي المتمثل بالكتاب والسنة أو المستمد منهما فإن فعلت كانت متعدية لقوله تعالى:(ومَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)(1).
فصلاحية السلطة التشريعية في المفهوم الإسلامي مقيدة بالنصوص الشرعية، فهي لا تملك أن تلغي نصاً من النصوص الشرعية أو تبدله بغيره، ولكنها تملك حق تفسير النصوص عن طريق الاجتهاد فيما يتناسب مع الظروف الزمانية والمكانية، وسواءً كانت هذه الاجتهادات موافقة للاجتهادات الصادرة عن المجتهدين السابقين أو مخالفة لها كما سبق أن أشرنا إلى ذلك، وليس هناك في شريعة الله ما يمنع من وضع المسائل الشرعية في شكل نصوص قانونية، ولا ما يمنع من استنباط الأحكام الشرعية في المسائل المستجدة والذي تنتظم به شؤون الحياة وصياغة هذه المواد على شكل نصوص قانونية ويصدر بها قرارٌ بقانون من رئيس الدولة إذا كان النظام جمهورياً أو مرسوم ملكي إذا كان شكل النظام ملكياً بحسب شكل نظام الدولة الإسلامية الذي تختاره الأمة في أحد أشكال الدولة القانونية الحديثة، ولا يوجد ما يمنع من استعمال كلمة قانون في التشريعات الإسلامية.
فالكثير من علماء هذه الأمة المشهود لهم بالفضل والدين وعُرِفوا بتحكيم شرع الله واستنباط الأحكام من كتاب الله ومن السنة النبوية قد أطلقوا كلمة القانون على كثير من القواعد الشرعية فقالوا: القوانين الشرعية والقوانين السياسية، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع فتاواه يقول: فتلك القواعد الفاسدة التي جعلوها قوانين ثم إن هذه القوانين فيها ما هو صحيح لا ريب فيه (2).
(1) - الآية (1) سورة الطلاق.
(2)
- انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية - جمع وترتيب عبدالرحمن محمد قاسم العاصمي النجدي الحنبلي - الطبعة الأولى سنة 1381هـ - المجلد الخامس ص 341.
وقد جعل الفقيه المالكي ابن حزم عنوان كتابه في الفقه قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية، وابن رشد يقول في بداية المجتهد لتكون كالقانون بالمجتهد (1) والقرافي يقول: وعلى هذا القول تراعى القوانين وبهذا القانون تعتبر جميع الأحكام، (2) والماوردي في الأحكام السلطانية يقول بأنه مندوب لحفظ القوانين واستيفاء الحقوق، (3) وبهذا يتضح أن الكثير من العلماء قد استعمل هذه الكلمة (القانون) دونما حرج. ونكتفي بهذه الإشارة التي تزيح الشك وتذهب اللبس وتبين أن علماء كبار قد استعملوا كلمة قانون دونما حرج، (4) أما كلمة التقنين المصطلحة فمأخوذة من القانون والقانون معناه العام يقابل الشريعة فهو مجموع القواعد العامة الملزمة التي تحكم سلوك الأفراد. (5)
فالتقنين على هذا الأساس هو وضع هذه القوانين المتعلقة بفرع من فروع القانون في مجموعة على شكل مواد مرتبة ومبوبة يرجع إليها عند التطبيق، فيقال مثلاً قانون الأحوال الشخصية أو قانون العقوبات أو قانون المرافعات المدنية أو الجزائية أو قانون الخدمة المدنية
…
الخ. فكل من القوانين يعالج مسائل مختلفة عن الأخرى ولا يهم التسمية بالقانون أو التقنين وإنما المهم المبدء الذي يقوم عليه هذا الأمر وهو إلزام هذه الجهة أو تلك أو هؤلاء الجماعة بالعمل بمقتضى هذه القوانين دون خروج عنها، وإن كانت بعض الدول تسمي القانون نظاماً كما هو الحال في المملكة العربية السعودية فإنه لا ضير في ذلك، وقد سبق وأن بيّنا في تعريف المصطلحات أن القانون يعني القاعدة والنظام الثابت.
وإذا كان هناك من اختلاف في مصطلح البحث من حيث الترتيب طبقاً لمنهج البحث القانوني فإن الترتيب المعهود للتشريعات الوضعية هو أنه يأتي الدستور أولاً ثم القانون ثم
(1) - انظر بداية المجتهد ونهاية المقتصد لمحمد بن أحمد بن رشد - مطبعة الكليات الأزهرية بمصر 1386هـ ج2 - ص 31.
(2)
- انظر نهذيب الفروق مطبوع على هامش الفروق للقرافي - مطبعة ج1 - ص 177. والماوردي في الأحكام السلطانية.
(3)
- انظر الأحكام السلطانية لأبي الحسن علي محمد حبيب الماوردي - دار الكتب العلمية- بيروت - ص 114.
(4)
- انظر مؤلفنا عمدة المسير في بيان سلطة القاضي في تقدير الدليل وبيانه - ج 4 - ص33.
(5)
- المدخل لدراسة القانون - لعبد الباقي البكري - الطبعة الأولى ص 17.
النظام ثم اللائحة فالتشريعات حينما تصدر قانوناً يشترط أن لا تخالف القانون الأعلى فيها كالدستور والقانون الأصلي الذي انبثقت عنه تلك التشريعات.
وإذا كان من المعلوم أن الحياة متجددة ومتطورة فإن القوانين تتطور بتطورها، فالقانون الموضوع لمجتمع إنساني معين يجب أن يساير هذا المجتمع في تطوره الحضاري ولهذا فإنه يفترض ويشترط فيه عند وضعه العمومية والتجريد وأن يحقق مصالح راجحة وأن لا تخالف قواعده أحكام الشرع وأن تكون قواعده وأحكامه مناسبة للمجتمع الذي وضع فيه، فالأحكام قد تتبدل بتبدل الأعصار، فمثلاً إذا كانت العادة أن تكون عمارة البيوت كلها على نسق واحد وكان العرف أن من رأى بيتاً واحداً واشترى عدة بيوت فإن رؤية ذلك البيت تكفي، ثم إذا تبدل العرف وجرت العادة أنها لا تكفي رؤية بيت واحد لمن يريد شراء مجموعة بيوت لأن العادة قد تغيرت وصار الناس يعمرون البيوت بأشكال مختلفة إذا فإنه لا بد من رؤية كل بيت على حدة، ووفقاً للعادة الحالية لا القديمة، وكذلك تقدير الأجرة للمساكن وتقدير أجر المسافات للركوب على وسائل النقل فإنه لا يمكن تقرير أحكام ذلك العرف والعادة القديمة بالقانون القديم الذي بني على العرف والعادات القديمة ، نظراً لتبدل الوسائل وتطور الزمن، ولهذا فإن الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين وضع عنواناً قال فيه: فصل في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأمكنة والأزمنة والأحوال والعوامل، وخير مثال على ذلك ما حصل من تغيير في آراء الإمام الشافعي رضوان الله عليه لمجرد انتقاله من الحجاز إلى العراق إلى مصر، ولما كان ذلك فإن استنباط الأحكام من الأدلة الشرعية ومعالجة أوضاع الناس وأحوالهم في هذا العصر يعتبر من أكبر الواجبات، فيتعين على المجالس التشريعية أخذ القواعد والضوابط التشريعية التي تعالج شؤون الحياة من منهج الله ونظامه وسننه وأحكامه، فالشريعة صالحة لكل زمان ومكان.
وبهذا العرض الوجيز نكون قد أتينا على بيان أهم الضوابط التي يجب أن تراعى في المجالس التشريعية عند إصدار القوانين وأوضحنا جواز إطلاق كلمة القانون على ما يصدر من هذه المجالس.
وما أحوج الأمة اليوم إلى أن تدفع بمجموعة من علمائها إلى المجالس التشريعية لتستخرج من الأدلة الشرعية تشريعاً فيه شفاء لعلل الأمة وأدوائها في شتى مجالات الحياة وفي جميع أبواب المعاملات لتكون قوانينها هي مرجع الناس جميعاً حكاماً ومحكومين ومنهل ورودهم ومحل تطبيقهم لشرع الله، فهذه هي الدعوة الصادقة لتحكيم شرع الله والاعتصام به (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)(1).
ومسألة التقنين وإن كانت لم تظهر في شكلها المعاصر في العالم الإسلامي إلا في أواخر الدولة العثمانية (1255هـ الموافق 1839م) كما يقول الدكتور عبد الناصر موسى (2)، أما أبي الأعلى المودودي فهو يرى أن الهند هي أول من أدخل القوانين الوضعية في البلدان الإسلامية حيث يقول: وكان أول بلد استبدلت فيه القوانين الإسلامية بالقوانين الوضعية هو الهند في عام 1791م كأثر للاستعمار البريطاني (3) ، وتأتي الجزائر بعد ذلك سنة 1830م (4) ، فتكون الدولة العثمانية بعد ذلك أي في عام 1839م ، وما بعد قد أوجدت ازدواجاً تشريعياً وقضائياً كنتيجة لأثر من آثار الضعف الذي أصاب الدولة الإسلامية والحضارة العربية الإسلامية، ولا شك أن الاعتقاد الذي ساد بأن الاقتباس من النظم الأوربية ومن الدول المتقدمة يؤدي إلى تقدم الدول الإسلامية الضعيفة قد زاد من وهن الدولة الإسلامية لحصول الازدواجية في التشريع وعدم إحياء الحضارة العربية الإسلامية بما يجعلها تواكب الحضارة الغربية، وكل ذلك أدى إلى العزوف عن أحكام الشريعة وعدم العودة إلى الفقه الإسلامي لاستنباط الأحكام وتقنينها في شتى مناحي الحياة تعويلاً على ما يأتي من الغرب فعمت ازدواجية التشريع الكثير في البلدان الإسلامية إن لم نقل أنه تم الاستبدال في بعض الأحوال للقانون الإسلامي بالقوانين الغربية دون مراعاة لحاجيات المجتمع العربي وخصوصياته الإسلامية (5).
(1) - الآية (101) سورة آل عمران.
(2)
- انظر الحكم القضائي في الشريعة الإسلامية والقانون لعبدالناصر موسى- الطبعة الأولى ص 388.
(3)
- انظر أبي الأعلى المودودي في نظرية الإسلام وهديه في السياسة والدستور والقانون - ترجمة محمد عاصم من سنن الرسالة - بيروت 1389هـ - ص 138.
(4)
- انظر الدكتور محمد عبدالجواد في بحثه تشريعات البلاد العربية بين القوانين الغربية والشريعة الإسلامية ص 35.
(5)
- انظر مؤلفنا عمدة المسير - ج4 - ص38.
وإذا ما استثنينا بعض الأقطار الإسلامية كاليمن ونجد وأفغانستان فإن ازدواجية التشريع كما يقول الدكتور محمد عبدالحميد عمت مختلف الأقطار الإسلامية وقد رأى كثير من العلماء ضرورة تقنين أحكام الشريعة، ومن هؤلاء العلماء الشيخ محمد عبده (1) والأستاذ العلامة محمد رشيد رضا (2) والشيخ محمد عبدالعزيز حفيظ والعلامة أحمد شاكر والعلامة أبو العلاء المودودي وكذلك الشيخ علي الخفيف والشيخ حسن مخلوف والأستاذ العلامة مصطفى الزرقا وغيرهم ممن يرون وجوب التقنين، وممن يرى أن ذلك نافعاً العلامة علي الطنطاوي من علماء الشام (3)، والعلامة الدكتور وهبه الزحيلي (4) والأستاذ الدكتور محمد فتحي الدريني، وممن يرى جواز التقنين العلامة محمد المرمر والشيخ أحمد فهمي أبو سنه والشيخ عبدالعزيز عبدالله آل الشيخ والشيخ عبدالوهاب الحافظ (5) وغيرهم الكثير.
والخلاصة أن التقنين لأحكام الشريعة الإسلامية في المجالس التشريعية من قبل متخصصين علماء تحويهم هذه المجالس هي ضرورة لا بد منها حتى تكون هناك قواعد عامة ملزمة تحكم سلوك الأفراد في شتى مناحي الحياة، فالتقنين على هذا الأساس هو وضع هذه القواعد المتعلقة بفرع من فروع القانون في مجموعها على شكل مواد مرتبة ومبوبة، ويشترط فيها ألا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية والدستور المنبثق منها، وسنأتي على ضوابط التصويت وإطاره الأخلاقي في المجالس التشريعية، ولكننا قبل ذلك نشير بإيجاز إلى أهم عوامل نجاح المجلس التشريعية وماذا يجب عليها أن تعمل في هذه المجالس حتى تصوت على مشاريع القوانين.
(1) - انظر مجلة المنار ج 4 - مجلة 16 - ص 270.
(2)
- انظر فتاوى الإمام الأستاذ محمد رشيد رضا ج 1 - ص 168.
(3)
- انظر فتاوى علي الطنطاوي ص 125 - جمع مجاهد درانيه.
(4)
- انظر الفقه الإسلامي وأدلته ج 6 للدكتور وهبه الزحيلي ص 747 - الطبعة الأولى.
(5)
- انظر الإسلام وتقنين الأحكام - ص 38.