المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ - الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور - جـ ١

[حكمت بشير ياسين]

فهرس الكتاب

- ‌[[أهمية علم التفسير بالمأثور]]

- ‌[[نبذة عن نشأة التفسير بالمأثور]]

- ‌[[نبذة عن مراحل التفسير بالمأثور ومنهج الصحابة والتابعين فيه]]

- ‌[[أشهر تفاسير أتباع التابعين وما بعدهم]]

- ‌[[أشهر تفاسير القرن الثالث والرابع]]

- ‌[[من أسباب تأليف هذا التفسير]]

- ‌المنهج في الجمع والتخريج والاختصار:

- ‌[[دراسة أشهر الطرق والأسانيد المتكررة]]

- ‌الإسناد إلى أُبي بن كعب رضي الله عنه

- ‌الإسناد عن أبي العالية رفيع بن مهران الرياحي:

- ‌الأسانيد عن ابن عباس:

- ‌(1) طريق سعيد بن جبير:

- ‌(2) طريق عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس:

- ‌(3) طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس:

- ‌الإسناد عن عطاء بن أبي رباح:

- ‌الإسناد عن عكرمة مولى ابن عباس:

- ‌الإسناد عن قتادة بن دعامة السدوسي:

- ‌(1) طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة:

- ‌(2) طريق شيبان بن عبد الرحمن النحوي عن قتادة:

- ‌(3) طريق معمر بن راشد عن قتادة:

- ‌الإسناد عن مجاهد بن جبر المخزومي:

- ‌أولاً: طريق عيسى بن ميمون عن ابن أبي نجيح عن مجاهد:

- ‌ثانيا: طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد:

- ‌ثالثا: طريق شبل بن عباد المكي عن ابن أبي نجيح عن مجاهد:

- ‌وأما منهجي في الاختصار فهو كالتالي:

- ‌(1)

- ‌(2)

- ‌(4)

- ‌(5)

- ‌(6)

- ‌(7)

- ‌1

- ‌2

- ‌ 3

- ‌4

- ‌6)

- ‌ 7

- ‌ 8

- ‌18)

- ‌ 23

- ‌25

- ‌30)

- ‌38)

- ‌48

- ‌65

- ‌83)

- ‌90)

- ‌ 190

- ‌ 222)

- ‌(278)

- ‌ آل عمران

- ‌(1)

- ‌(3)

- ‌6

- ‌7

- ‌ 10

- ‌16)

- ‌ 33

- ‌92)

- ‌ 95

الفصل: قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ

قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحًا وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ)

قال الإمام أحمد: ثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني قال حدثني النضر بن شميل المازني قال حدثني أبو نعامة قال حدثني أبو هنيدة البراء بن نوفل عن والان العدوي عن حذيفة عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فصلى الغداة ثم جلس حتى إذا كان من الضحى ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جلس مكانه حتى صلى الأولى والعصر والمغرب كل ذلك لا يتكلم حتى صلى العشاء الآخرة ثم قام إلى أهله فقال الناس لأبي بكر لا تسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شأنه صنع اليوم شيئاً لم يصنعه قط قال: فسأله فقال: "نعم عرض علي ما هو كائن من أمر الدنيا وأمر الآخرة فجمع الأولون والآخرون بصعيد واحد ففظع الناس بذلك حتى انطلقوا إلى آدم عليه السلام والعرق يكاد يلجمهم فقالوا يا آدم أنت أبو البشر وأنت اصطفاك الله عز وجل اشفع لنا إلى ربك قال لقد لقيت مثل الذي لقيتم انطلقوا إلى أبيكم إلى نوح (إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) قال: فينطلقون إلى نوح عليه السلام، فيقولون: اشفع لنا إلى ربك، فأنت اصطفاك الله واستجاب لك في دعائه

فذكر الحديث بطوله.

(المسند 1/4) . وأخرجه ابن أبي حاتم (التفسير- آل عمران- آية‌

‌ 33

ح 390) عن أحمد بن منصور المروزي عن النضر بن شميل. قال أحمد شاكر: إسناده صحيح (المسند ح 15) . وأخرجه ابن حبان من طريق النضر بن شميل به (الإحسان 8/134-136 ح 6442) . وقال الهيثمي: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار ورجالهم ثقات (مجمع الزوائد 10/375) .

أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: هم المؤمنون من آل إبراهيم وآل عمران: آل ياسين وآل محمد يقول الله عز وجل (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه) .

ص: 411

قوله تعالى (ذرية بعضها من بعض)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (ذرية بعضها من بعض) يقول: في النية والعمل والإخلاص والتوحيد له.

قوله تعالى (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا) الآية كانت امرأة عمران حررت لله ما في بطنها، وكانوا إنما يحررون الذكور، وكان المحرر إذا حرر جعل الكنيسة لا يبرحها، يقوم عليها ويكنسها.

قوله تعالى (فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى)

المرأة لا تستطيع أن يصنع بها ذلك يعني أن تحرر للكنيسة، فتجعل فيها تقوم عليها وتكنسها فلا تبرحها مما يصيبها من الحيض والأذى، فعند ذلك قالت (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) .

قوله تعالى (وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)

قال البخاري: حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من مولود يولد إلا والشيطان يَمسّه حين يولد، فيستهل صارخا من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها". ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) .

(الصحيح 8/60 ح 4548- ك التفسير، سورة آل عمران) . (وأخرجه مسلم 4/1838 ح 2366- ك الفضائل، ب فضائل عيسى عليه السلام .

ص: 412

قوله تعالى (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا)

أخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن شيبان عن قتادة: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا) قال حُدثنا أنهما كانا لا يصيبان الذنوب كما يصيبها بنو آدم.

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) قال: سهمهم بقلمه.

وأخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) يقول: ضمها إليه.

قوله تعالى (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا)

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: في قوله (وجد عندها رزقاً) قال: عنبا وجده زكريا عند مريم يا غير زمانه.

قوله تعالى (قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة) يقول: مباركة.

قوله تعالى (فنادته الملائكة)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن السدي: (فنادته الملائكة) وهو جبريل.

قوله تعالى (إن الله يبشرك بيحيى مصدقاً يكلمة من الله)

أخرج ابن أبي حاتم بسنده الصحيح عن قتادة: (أن الله يبشرك بيحيى) قال: عبد أحياه الله بالإيمان.

وأخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (مصدقاً بكلمة من الله) يقول: مصدقاً بعيسى بن مريم، وعلى سنته ومنهاجه.

قوله تعالى (وسيداً وحصوراً)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (وسيداً) إي والله، لسيد في العبادة والحلم والعلم والورع.

ص: 413

وأخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله عز وجل: (وسيداً) قال: السيد: الكريم على الله. وبه عن مجاهد الحصور: الذي لا يقرب النساء.

قوله تعالى (قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر)

قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا القدر الذي بلغ من الكبر، ولكنه بين في سورة مريم أنه بلغ من الكبر عتيا. وذلك في قوله تعالى عنه (وقد بلغت من الكبر عتيا) والعتى: اليبس والقحول في المفاصل والعظام من شدة الكبر.

أخرج ابن أبي حاتم بسنده الحسن عن السدي: (قال رب أنى يكون لي غلام) يقول: من أين.

قوله تعالى (قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا)

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا) قال: إيماؤه بشفتيه.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (إِلَّا رَمْزًا) إلا إيماء.

وانظر لبيان قصة زكريا سورة مريم الآيات (2-11) وسورة الأنبياء (89-90) .

قوله تعالى (وسبح بالعشي والإبكار)

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (وسبح بالعشي والإبكار) قال: الإبكار أول الفجر، والعشي ميل الشمس حتى تغيب.

قوله تعالى (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين)

انظر قصة مريم سورة مريم الآيات (16-29) .

أخرج آدم بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله: (إن الله اصطفاك وطهرك) قال: جعلك طيبة إيماناً.

ص: 414

قال البخاري: حدثني أحمد بن أبي رجاء حدثنا النضر عن هشام قال: أخبرني أبي قال: سمعت عبد الله بن جعفر قال: سمعت علياً رضي الله عنه يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "خيرُ نسائها مريم ابنة عمران، وخيرُ نسائها خديجة".

(الصحيح 6/470 ح 3432- ك أحاديث الآنبياء، ب (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك

) ، (وأخرجه مسلم 4/1886 ح 2430- ك فضائل الصحابة، ب فضائل خديجة) .

قال البخاري: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة قال: سمعت مرّة الهمداني يُحدِّث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فضلُ عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام. كَمُلَ من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون".

(الصحيح 6/471-472 ح 3433- ك أحاديث الأنبياء، ب قوله تعالى (إذ قالت الملائكة يا مريم) إلى قوله (فإنما يقول له كن فيكون)) .

قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حسبك من نساء العالمين: مريم ابنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون".

(المصنف 11/430 ح 20919) ، وأخرجه أيضاً في التفسير (1/128 ح 403) بالإسناد نفسه.

ومن طريق عبد الرزاق أخرجه: الترمذي في جامعه (5/703 ح 3878- ك المناقب، ب فضل خديجة رضي الله عنها ، وأحمد في مسنده (3/135) ، وأبو يعلى كذلك في مسنده (5/380 ح 3039) ، وابن حبان في صحيحه (الإحسان 9/71 ح 6964) والطبراني في الكبير (22/402 ح 1003)، والحاكم في المستدرك 3/157) . قال الترمذي: حديث صحيح. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ووافقه الذهبي. وصحح إسناده الحافظ ابن حجر (فتح الباري 6/471) . وأدخله البغوي في قسم الحسن من "مصابيحه"(انظر المشكاة 3/1745 ح 6181) . وصححه الشيخ الألباني (صحيح الجامع 3143 وصحيح الترمذي رقم 3053) .

وقد روي عن أنس بلفظ: "خير نساء العالمين

"، أخرجه كذلك ابن أبي عاصم (الآحاد والمثاني 5/364 ح 2961) ، والطبراني في الكبير (22/402 ح 1004) ، وابن مردويه في تفسيره -كما في تفسير ابن كثير 1/362) - ثلاثتهم من طريق أبي جعفر الرازي، عن ثابت، عن أنس به. ويشهد له حديث علي رضي الله عنه مرفوعاً: "خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة" أخرجه البخاري (6/470 ح 3432 الفتح) ومسلم (4/1886 ح 2430) .

ص: 415

قوله تعالى (يا مريم اقنتي لربك)

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (يا مريم اقنتى لربك) قال: أطيلي الركوع، يعني القنوت.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (اقنتي لربك) أطيعي ربك.

وانظر سورة البقرة آية (116) .

قوله تعالى (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (وما كنت لديهم) يعني محمداً صلى الله عليه وسلم.

أخرج آدم بسنده الصحيح عن مجاهد: (يلقون أقلامهم) زكريا وأصحابه، استهموا بأقلامهم على مريم حين دخلت عليهم.

قوله تعالى (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين)

قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا هذه الكلمة التي أطلقت على عيسى لأنها هي سبب في وجوده من إطلاق السبب وإرادة مسببه، ولكنه بين في موضع آخر أنها لفظة كن وذلك في قوله (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن) .

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (بكلمة منه) قال: قوله كن.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (ومن المقربين) يقول: من المقربين عند الله يوم القيامة.

قوله تعالى (ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين)

قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا ما كلمهم به في المهد. ولكنه بينه في سورة مريم بقوله (فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا والسلام عليّ يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا) .

ص: 416

قال البخاري: حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى.

وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلى، فجاءته أمه فدعته، فقال: أجيبها أو أصلي؟ فقالت: اللهم لا تمته حتى تريَه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعته، فتعرّضت له امرأة وكلمته فأبى، فأتت راعياً فأمكنته من نفسها، فولدت غلاماً، فقالت مِن جريج، فأَتوه فكسروا صومعته وأنزلوه وسبُّوه، فتوضأ وصلى، ثم أتى الغلام فقال: مَن أبوك يا غلام؟ قال: الراعي، قالوا: نبني صومعتك من ذهب؟ قال: لا، إلا من طين. وكانت امرأة ترضع ابناً لها من بني إسرائيل، فمرّ رجل راكب ذو شارة، فقالت: اللهم اجعل ابني مثله، فترك ثديها وأقبل على الراكب فقال: اللهم لا تجعلني مثله، ثم أقبل على ثديها يمصه"، -قال أبو هريرة: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يمُص إصبعه- "ثم مرّ بأمة فقالت اللهم لا تجعل ابني مثل هذه، فترك ثديها فقال: اللهم اجعلني مثلها، فقالت: لم ذاك؟ فقال: الراكب جبار من الجبابرة، هذه الأمة يقولون سرقت زنيت ولم تفعل".

(صحيح البخاري 6/549 ح 3436- ك أحاديث الأنبياء، قول الله (واذكر في الكتاب مريم

)) . (صحيح مسلم 4/1976-1977 بعد رقم 2550- ك البر والصلة، ب تقديم بر الوالدين على التطوع بالصلاة)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة (ويكلم الناس في المهد وكهلاً ومن الصالحين) يقول: يكلمهم صغيراً وكبيراً.

قوله تعالى (قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر) الآية

قال الشيخ الشنقيطي: أشار في هذه الآية إلى قصة حملها بعيسى وبسطها مبينة في سورة مريم بقوله (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فاتخذت من دونهم حجابا) . إلى آخر القصة وبين النفخ فيها في سورة التحريم والأنبياء، معبراً في التحريم بالنفخ في فرجها، وفي الأنبياء بالنفخ فيها.

ص: 417

قوله تعالى (ويعلمه الكتاب والحكمة)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (ويعلمه الكتاب والحكمة) قال: الحكمة: السنة.

قوله تعالى (وأبرئ الأكمه والأبرص)

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (وأبرئ الأكمه) قال: الأكمه: الذي يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل، فهو يتكمه.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قال: الأكمه: الأعمى.

قوله تعالى (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم)

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله: (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) قال: بما أكلتم البارحة، وما خبأتم منه عيسى ابن مريم يقوله.

قوله تعالى (ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) كان الذي جاء به عيسى ألين مما جاء به موسى، وكان قد حرم عليهم فيما جاء به موسى لحوم الإبل والشروب، وأشياء من الطير: الحيتان.

قوله تعالى (وجئتكم بآية من ربكم)

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (وجئتكم بآية من ربكم) قال ما بين لهم عيسى من الأشياء كلها، وما أعطاه ربه.

قوله تعالى (إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم)

انظر سورة الفاتحة الصراط المستقيم: الإسلام.

ص: 418

قوله تعالى (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) الآية.

قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا الحكمة في ذكر قصة الحواريين مع عيسى ولكنه بين في سورة الصف أن حكمة ذكر قصتهم هي أن تتأسى بهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم في نصرة الله ودينه، ذلك في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله) الآية.

قوله تعالى (قال الحواريون نحن أنصار الله)

قال البخاري: حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا عبد العزيز -هو ابن أبي سلمة- عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لكل نبي حواريا، وإن حواريَّ الزبير بن العوام".

(الصحيح 7/99 ح 3719- ك فضائل الصحابة، ب مناقب الزبير بن العوام) . وأخرجه مسلم في (الصحيح 4/1879 ح 2415- ك فضائل الصحابة ب من فضائل طلحة والزبير) من طريق ابن عيينة، عن ابن المنكدر به.

قوله تعالى (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين)

قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا مكر اليهود بعيسى ولا مكر الله باليهود، ولكنه بين في موضع آخر أن مكرهم به محاولتهم قتله، وذلك في قوله (وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله) وبين أن مكره بهم إلقاؤه الشبه على غير عيسى وإنجاؤه عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذلك قوله:(وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) وقوله (وما قتلوه يقينا. بل رفعه الله إليه) الآية.

قوله تعالى (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ)

أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (إني متوفيك) يقول: إني مميتك.

قوله تعالى (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)

انظر حديث البخاري ومسلم عن معاوية المتقدم عند الآية (120) من سورة البقرة، والآتي عند الآية (181) من سورة الأعراف.

ص: 419

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) هم أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسنته، فلا يزالون طاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة.

قوله تعالى (وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين)

أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس قوله: (وعملوا الصالحات) يقول: أدوا فرائضي.

قوله تعالى (ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم)

أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: الذكر: القرآن. الحكيم: الذي قد كمل في حكمته.

قوله تعالى (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون)

وقد بين الله تعالى قصة خلق عيسى عليه السلام في سورة مريم آية 16-36.

قوله تعالى (الحق من ربك فلا تكن من الممترين)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (الحق من ربك فلا تكن من الممترين) يعني: فلا تكن في شك من عيسى أنه كمثل آدم، عبد الله ورسوله، وكلمة الله وروحه.

قوله تعالى (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِين)

قال البخاري: حدثنا عباس بن الحسين، حدثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن صِلة بن زُفر، عن حذيفة قال: جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يُريدان أن يُلاعناه قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل،

ص: 420

فوالله لئن كان نبياً فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدِنا. قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلاً أميناً، ولا تبعث معنا ألا أميناً. فقال:"لأبعثن معكم رجلاً أميناً حق أمين". فاستشرف له أصحابُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"قم يا أبا عبيدة بن الجراح". فلما قام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا أمينُ هذه الأمة".

(الصحيح 7/695 ح 4380- ك المغازي، ب قصة أهل نجران) ، وأخرجه مسلم (الصحيح - ك فضائل الصحابة، ب فضل أبي عبيدة بن الجراح- ح 2420 من حديث حذيفة) .

قال مسلم: حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن عباد (وتقاربا في اللفظ) قالا: حدثنا حاتم (وهو ابن إسماعيل) عن بكير بن مسمار، عن عامر بن سعد بن أبي وقّاص، عن أبيه، قال: أمر معاوية بن أبي سفيان سعداً فقال: ما منعك أن تسبّ أبا التراب؟ فقال: أما ما ذكرتُ ثلاثاً قالهن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلن أسُبّه.

لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلى من حمر النعم. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له، خَلفه في بعض مغازيه، فقال له عليٌ: يا رسول الله! خلّفتني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى. إلا أنه لا نبوة بعدي". وسمعته يقول يوم خيبر لأعطين الراية رجلاً يحب الله ورسوله، ويُحبه الله ورسوله" قال فتطاولنا لها فقال:"ادعوا لي عليّا". فأتى به أرمد. فبصق في عينه ودفع الراية إليه. ففتح الله عليه. ولما نزلت هذه الآية: (فقل تعالوا ندع أبناءَنا وأبناءكم) دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: "اللهم! هؤلاء أهلي".

(الصحيح 4/1871 ح 32- ك فضائل الصحابه، ب من فضائل علي رضي الله عنه) .

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم) أي في عيسى: أنه عبد الله ورسوله، من كلمة الله وروحه (فقل تعالوا ندع أبناءَنا وأبناءكم) إلى قوله:(على الكاذبين) .

قال الطبري: حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: لو خرج الذين يباهلون النبي صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا.

ورجاله ثقات إلا الحسن فصدوق والإسناد حسن.

ص: 421

قوله تعالى (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ)

قال البخاري: حدثني إبراهيم بن موسى عن هشام عن معمر ح. وحدثني عبد الله ابن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري قال أخبرني عُبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال حدثني ابن عباس قال: حدثني أبو سفيان من فيه إلى في قال: انطلقت في المدّة التي كانت بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: قال: فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب من النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل

فإذا فيه: "بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإنى أدعوك بدعاية الإسلام. أسلم. تسلَم، وأسلمْ يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين. (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله -إلى قوله- اشهدوا بأنا مسلمون) فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عندَه، وكثر اللَّغط، وأمر بنا فأُخرجنا. قال: فقلت لأصحابي حين خرجنا: لقد أمِرَ أمرُ ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملكُ بني الأصفر. فما زلت موقناً بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيظهر حتى أدخل الله عليَّ الإسلام. قال الزهري: فدعا هرقل عظماء الروم فجمعهم في دار له، فقال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد آخر الأبد، وإن يثبتَ لكم ملككم؟ قال: فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب فوجدوها قد غلقت.

فقال: عليَّ لهم. فدعا بهم فقال: إني إنما اختبرتُ شدتَّكم على دينكم، فقد رأيت منكم الذي أحببتُ، فسجدوا له ورضوا عنه".

(الصحيح 8/62-63 ح 4553- ك التفسير، سورة آل عمران) .

انظر حديث الحاكم عن ابن عباس المتقدم تحت الآية رقم (136) من سورة البقرة.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) عدل بيننا وبينكم (ألا نعبد إلا الله) الآية.

أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية: كلمة السواء لا إله إلا الله.

ص: 422

قوله تعالى (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون)

قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا ما وجه محاجتهم في إبراهيم، ولكنه بين في موضع آخر أن محاجتهم في إبراهيم هي قول اليهود: إنه يهودي، والنصارى إنه نصراني وذلك في قوله (أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله) وأشار إلى ذلك هنا بقوله (والله يعلم وأنتم لا تعلمون ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا) الآية.

أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن ابن إسحاق عن ابن عباس قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهوديا! وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانيا! فأنزل الله عز وجل فيهم (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون) : قالت النصارى: كان نصرانيا! وقالت اليهود كان يهوديا فأخبرهم الله أن التوراة والإنجيل ما أنزل إلا من بعده، وبعده كانت اليهودية والنصرانية.

قوله تعالى (ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم) يقول: فيما شهدتم ورأيتم وعاينتم (فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم) فيما لم تشاهدوا ولم تروا ولم تعاينوا (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) .

قوله تعالى (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مُسلماً وما كان من المشركين)

يفسرها قول ابن عباس السابق. وانظر سورة البقرة آية (135) لبيان كلمة حنيفاً.

ص: 423

كقوله تعالى (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين)

قال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن أبيه، عن أبي الضحى عن مسروق، عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لكل نبي وُلاة من النبيين وإن وليِّى أبي وخليل ربي" ثم قرأ (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين) .

وقال الترمذي: حدثنا محمود، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن أبيه عن أبي الضحى عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم مثِله، ولم يقل فيه عن مسروق. قال أبو عيسى: هذا أصح من حديث أبي الضحى عن مسروق، وأبو الضحى اسمه مسلم بن صبيح. حدثنا أبو كريب. حدثنا وكيع عن سفيان عن أبيه عن أبي الضحى عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو حديث أبي نعيم وليس فيه عن مسروق) . سنن الترمذي 5/223- 224 ح 2995- ك تفسير القرآن، ب من سورة آل عمران) . وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي. وأخرجه الطبري (التفسير 6/498)، والحاكم (المستدرك 2/292-553) كلاهما من طريق الثوري به وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال أحمد شاكر في تعليقه على رواية الطبري: إسناد صحيح متصل) .

أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: يقول الله سبحانه (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه) وهم المؤمنون.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه) يقول: الذين اتبعوه على ملته وسنته ومنهاجه وفطرته (وهذا النبي) وهو نبي الله محمد (والذين آمنوا) معه وهم المؤمنون الذين صدقوا نبي الله واتبعوه. كان محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين معه من المؤمنين، أولى الناس بإبراهيم.

قوله تعالى (ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلا أنفسهم وما يشعرون)

بيان هذه الطائفة ورد في الآية (72-73) من السورة نفسها.

قوله تعالى (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون) يقول: تشهدون أن نعت محمد نبي الله صلى الله عليه وسلم في كتابكم، ثم تكفرون به وتنكرونه ولا تؤمنون به، وأنتم تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة والإنجيل النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته.

ص: 424

قوله تعالى (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون)

أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن ابن إسحاق عن ابن عباس قال: قال عبد الله بن الصيف، وعدى بن زيد، والحارث بن عوف بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدوة ونكفر به عشية، حتى نلبس عليهم دينهم، لعلهم يصنعون كما نصنع فيرجعوا عن دينهم! فأنزل الله عز وجل فيهم:(يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل) إلى قوله (والله واسع عليم) .

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل) يقول: لم تلبسون اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل غيره، الإسلام، ولا يجزى إلا به.

وأخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله (وتكتمون الحق وأنتم تعلمون) كتموا شأن محمد، وهم يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل، يأمرهم المعروف وينهاهم عن المنكر.

قوله تعالى (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا الذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره) فقال بعضهم لبعض: أعطوهم الرضى بدينهم أول النهار، واكفروا آخره، فإنه أجدر أن يصدقوكم، ويعلموا أنكم قد رأيتم فيهم ما تكرهون، وهو أجدر أن يرجعوا عن دينهم.

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قول الله عز وجل: (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار) يهود تقوله. صلت مع محمد صلاة الصبح وكفروا آخر النهار، مكرا منهم، ليُروا الناس أن قد بدت لهم منه الضلالة بعد أن كانوا اتبعوه.

ص: 425

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (لعلهم يرجعون) يقول: لعلهم يدعون دينهم، ويرجعون إلى الذي أتم عليه.

قوله تعالى (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) هذا قول بعضهم لبعض.

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم) حسدا من يهود أن تكون النبوة في غيرهم، وإرادة أن يُتبعوا على دينهم.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم) يقول: لما أنزل الله كتابا مثل كتابكم، وبعث نبيا مثل نبيكم، حسدتموهم على ذلك (قل إن الفضل بيد الله) الآية.

قوله تعالى (يختص برحمته من يشاء)

أخرج الطبري بسنده الصحيح عن مجاهد: (يختص برحمته من يشاء) قال: النبوة، يخص بها من يشاء.

قوله تعالى (وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً)

قال البخاري: وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر رجلاً من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل أن يُسلفه ألف دينار فقال: ائتني بالشهداء أُشهدهم، فقال كفى بالله شهيدا. قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلاً. قال: صدقتَ، فدفعها إليه على أجل مسمّى. فخرج في البحر فقضى حاجته، ثم التمس مركبا يركبها يقدم عليه للأجل الذي أجَّله فلم يجد مركباً، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثم زجّج

ص: 426

موضعها، ثم أتى بها إلى البحر فقال:"اللهْم إنك تعلم أني كنتُ تسلْفتُ فلاناً ألف دينار فسألني كفيلاً فقلت: كفى بالله كفيلاً، فرضي بك. وسألني شهيداً فقلت: كفى بالله شهيداً، فرضى بذلك. وإني جهدت أن أجد مركباً أبعث إليه الذي له فلم أقدر، وإنى أستودعكَهَا. فرمى بها في البحر حتىَ ولجت فيه، ثم انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الرجل الذي كان أسلفه ينظر لعل مركباً قد جاء بماله، فإذا بالخشبة التي فيها المال، فأخذها لأهله حطباً، فلمّا نشرها وجد المال والصحيفة، ثم قدِم الذي كان أسلفه فأتى بالألف دينار فقال: والله ما زِلتُ جاهداً في طلب مركب لآتيك بمالك فما وجدتُ مركباً قبل الذي أتيتُ فيه. قال: هل كنت بعثتَ إليّ بشيء؟ قال: أخبرك أنى لم أجد مركباً قبل الذي جئت فيه. قال: فإن الله قد أدى عنك الذي بعثتَ في الخشبة، فانصرف بالألف الدينار راشداً".

(الصحيح 4/548-549 ح 2291- ك الكفالة، ب الكفالة في القرض والديون

وكذا وقع عند البخاري هنا معلقاً، وقد جاء في موضع آخر موصولاً في رواية أبي ذر، ولم يذكر لفظه وإنما ذكر طرفاً منه فقط (الصحيح 4/350 ح 2063- ك البيوع، ب التجارة في البحر) قال: حدثني عبد الله بن صالح حدثني الليث،.. به. وأخرجه أحمد (المسند 2/348-349) عن يونس بن محمد عن الليث به. وتقدم تفسير القنطار في الآية (14) من هذه السورة.

وانظر الآية (14) من هذه السورة لبيان القنطار.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (إلا ما دمت عليه قائما) إلا ما طلبته واتبعته.

قوله تعالى (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) الآية قالت اليهود: ليس علينا فيما أصبنا من أموال العرب سبيل.

قوله تعالى (بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين)

أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: اتقى الشرك، (فإن الله يحب المتقين) . المتقين: الذين يتقون الشرك.

ص: 427

قوله تعالى (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم)

قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد الواحد بن زياد عن الأعمش قال: سمعت أبا صالح يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل كان له فضل ماء بالطريق، فمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع إمامه لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها رضي، وإن لم يعطه منها سخط. ورجل أقام سِلعته بعد العصر فقال: والله الذي لا إله غيره لقد أعطيتُ بها كذا وكذا، فصدّقه رجل". ثم قرأ هذه الآية (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً) .

(الصحيح 5/34- ح 2358- ك المساقاة، ب إثم من منع ابن السبيل من الماء) ، وأخرجه مسلم (الصحيح 1/103 ح 108- الإيمان، ب بيان غلظ تحريم إسبال الإزار) .

قال البخاري: حدثني إسحاق أخبرنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوّام، حدثني إبراهيم أبو إسماعيل السكسكي، سمع عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنهما يقول: أقام رجل سِلعته فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يُعطها. فنزلت: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً) قال ابن أبي أوفى: "الناجش آكل رباً خائن".

(الصحيح 5/286 ح 2675- الشهادات، باب قوله تعالى (إن الذين يشترون بعهد الله)) .

قال البخاري: حدثنا حجاج بن منهال حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف يمين صبرٍ ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله تصديق ذلك (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً، أولئك لا خلاق لهم في الآخرة) إلى آخر الآية. قال: فدخل الأشعث بن قيس وقال: ما يحدثك

ص: 428

أبو عبد الرحمن؟ قلنا كذا وكذا، قال: فيَّ أنزلت، كانت لي بئر في أرض ابن عمّ لي، قال النبي صلى الله عليه وسلم:"بيِّنتك أو يمينه". فقلت: إذا يحلف يا رسول الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"مَن حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم وهو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان".

(الصحيح 8/60- 61 ك التفسير، ب سورة آل عمران- الآية. ح4549، 4550) ، وأخرجه

مسلم (1/122-123ح 1338- ك الإيمان، ب وعد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار) .

قوله تعالى (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون)

أخرج آدم بسنده الصحيح عن مجاهد: (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب) قال: يحرفونه.

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة: (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب) حتى بلغ: (وهم يعلمون) وهم أعداء الله اليهود، حرفوا كتاب الله، وابتدعوا فيه وزعموا أنه من عند الله.

قوله تعالى (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانييِن بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون)

أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن ابن إسحاق عن ابن عباس قال أبو رافع القرظي حين اجتمعت الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعاهم إلى الإسلام: أتريد يا محمد أن نعبدك، كما تعبد النصارى عيسى ابن مريم؟ فقال رجل من أهل نجران نصراني يقال له الرئيس: أو ذاك تريد منا يا محمد، وإليه تدعونا! أو كما قال، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: معاذ الله أن نعبد غير الله أو نأمر بعبادة غيره ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني أو كما قال. فأنزل الله عز وجل في ذلك من قولهم:(ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة) الآية إلى قوله (بعد إذ أنتم مسلمون) .

ص: 429

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله) يقول: ما كان ينبغي لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة، يأمر عباده أن يتخذوه رباً من دون الله.

قوله تعالى (كونوا ربانيين)

أخرج آدم بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (كونوا ربانيين) قال: فقهاء. علماء. حكماء.

قوله تعالى (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب) الآية: هذا ميثاق أخذه الله على النبيين أن يصدق بعضهم بعضا، وأن يبلغوا كتاب الله ورسالاته، فبلغت الأنبياء كتاب الله ورسالاته إلى قومهم، وأخذ عليهم -فيما بلغهم رسلهم- أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويصدقوه وينصروه.

أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن ابن إسحاق عن ابن عباس قال: ثم ذكر ما أخذ عليهم -يعني أهل الكتاب- وعلى أنبيائهم من الميثاق بتصديقه -يعني بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم إذ جاءهم، وإقرارهم به على أنفسهم.

فقال: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة) إلى آخر الآية.

قوله تعالى (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون)

قال ابن كثير: يقول تعالى منكرا على من أراد دينا سوى دين الله الذي أنزل به كتبه وأرسل به رسله وهو عبادة الله وحده لا شريك له الذي له أسلم من في السموات والأرض أي استسلم له من فيهما طوعا وكرها كما قال تعالى (ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها) الآية، وقال تعالى (أو لم يروا

ص: 430

إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون) .

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة في قوله: (أفغير دين الله يبغون) الآية، فأما المؤمن فأسلم طائعا فنفعه ذلك وقبل منه، وأما الكافر فأسلم كرها حين لا ينفعه ذلك، ولا يقبل منه.

أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية: (وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون) قال: كل آدمي قد أقر على نفسه بأن الله ربي وأنا عبده، فهذا الإسلام لو استقام عليه فلما تكلم بهذا صارت حجة عليه، ثم أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرها، ومنهم من شهد أن الله ربي وأنا عبده ثم أخلص له العبودية فهذا الذي أسلم طوعا.

قال الطبري حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان عن منصور عن مجاهد:(وله أسلم من في السموات والأرض) قال: هو كقوله: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله) سورة الزمر: 38.

ورجاله ثقات وإسناده صحيح.

أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: عبادتهم لي أجمعين طوعا وكرها وهو قوله (ولله يسجد من في السموات والأرض طوعا وكرها) .

أخرج آدم بسنده الصحيح عن مجاهد في قوله: (طوعا وكرها) قال: سجود المؤمن طائعا، وسجود الكافر وهو كاره.

قوله تعالى (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم

)

انظر حديث البخاري عن أبي هريرة المتقدم عند الآية (136) من سورة البقرة.

وفي الآية نفسها بيان الأسباط عن أبي العالية.

ص: 431

قوله تعالى (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)

أخرج الطبري وابن أبي حاتم بسنديهما الحسن عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال: قوله (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من ءامن بالله واليوم الآخر) إلى قوله (ولا هم يحزنون) فأنزل الله عز وجل بعد هذا (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) .

قوله تعالى (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم يُنظرون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم)

انظر سورة البقرة آية رقم (159-161) .

قال النسائي: أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: حدثنا يزيد -وهو ابن زريع- قال: أنبأنا داود عن عكرمة عن ابن عباس قال كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك ثم تندم فأرسل إلى قومه سلوا لي رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة؟ فجاء قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن فلانا قد ندم وإنه أمرنا أن نسألك هل له من توبة، فنزلت (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم

)

إلى قوله (غفور رحيم) فأرسل إليه فأسلم.

(السنن 7/107 ك تحريم الدم، ب توبة المرتد)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان 10/329 ح 4477) من طريق بشر بن معاذ العقدي عن يزيد به. قال محققه: إسناده صحيح.

وأخرجه الحاكم في (المستدرك 2/142) من طريق حفص بن غياث عن داود بن أبي هند به، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي) ، وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي.

قال الطبري: حدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الحسن في قوله:(كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم) قال: هم أهل الكتاب كانوا يجدون محمداً صلى الله عليه وسلم كتابهم، ويستفتحون به فكفروا بعد إيمانهم.

وسنده حسن.

ص: 432

قوله تعالى (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم)

أخرج الطبري بسنده الحسن عن قتادة قوله: (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا) أولئك أعداء الله اليهود، كفروا بالإنجيل وبعيسى، ثم ازدادوا كفرا بمحمد والفرقان.

أخرج ابن أبي حاتم بسنده الجيد عن أبي العالية في قوله: (لن تقبل توبتهم) قال: تابوا من بعض، ولم يتوبوا من الأصل.

قوله تعالى (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به)

قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي عن قتادة، عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم. ح. وحدثني محمد بن معمر، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا سعيد، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول:"يُجاء بالكافر يوم القيامة فيقال له: أرأيت لو كان لك ملء الأرض ذهباً أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم. فيقال له: قد كنتَ سُئلت ما هو أيسر من ذلك".

(الصحيح 11/408 ح 6538- ك الرقاق، ب من نوقش الحساب عذب) . وأخرجه مسلم (الصحيح 4/2160 ح 2805- ك صفات المنافقين، ب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهباً) .

قوله تعالى (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)

قال البخاري: حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك، عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة نخلاً، وكان أحب أمواله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيِّب. فلما أنزلت (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وقام أبو طلحة فقال يا رسول الله، إن الله يقول (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وأن أحب أموالي إليَّ بيرحاء. وأنها صدقة لله أرجو برّها وذُخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بَخٍ ذلك مال رابح، ذلك مال رابح. وقد سمعت ما قلتَ وإني

ص: 433