الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
4- الفقيه القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد:
زعيم فقهاء وقته بأقطار الأندلس والمغرب ومقدمهم المعترف له بصحة النظر وجودة التأليف ودقة الفقه، وكان إليه المفزع في المشكلات، بصيراً بالأصول والفروع والفرائض والتفنن في العلوم، وكانت الدراية أغلب عليه من الرواية كثير التصنيف مطبوعه؛ ألف كتابه المسمى بكتاب البيان والتحصيل في شرح كتاب العتبي المستخرج من الأسمعة وهو كتاب عظيم نيف على عشرين مجلداً، وكتابه على الكتب المدونة المسمى بالمقدمات، وكتابه في اختصار الكتب المبسوطة من تأليف يحيى بن إسحاق بن يحيى، وتهذيبه لكتاب الطحاوي وأجزاء كثيرة في فنون من العلم مختلفة وكان مطبوعاً في هذا الباب حسن القلم والروية حسن الدين كثير الحياء قليل الكلام متسمتاً نزهاً، مقدماً عند أمير المسلمين عظيم المنزلة معتمداً في العظائم أيام حياته. ولي قضاء الجماعة بقرطبة سنة إحدى عشرة وخمسمائة ثم استعفى منها سنة خمس عشرة إثر الهيج الكائن بها من العامة وأعفي. وزاد جلالةً ومنزلةً؛ وإليه كانت الرحلة للتفقه من أقطار الأندلس مدة حياته إلى أن توفي، رحمه الله، في ذي القعدة سنة عشرين وخمسمائة.
كان تفقهه بأبي جعفر ابن رزق وعليه اعتماده وبنظرائه من فقهاء بلده، وسمع الجياني وأبا عبد الله ابن فرج وأبا مروان ابن سراج وابن أبي العافية الجوهري وأجازه العذري.
جالسته كثيراً وساءلته واستفدت منه وسمعت بعض كتابه في اختصار المبسوطة من تآليفه يقرأ عليه وناولني بعضها، وأجازني الكتاب المذكور وسائر رواياته؛ وتوفي رحمه الله، ليلة الأحد الحادي عشر من ذي قعدة سنة عشرين وخمسمائة.
وحدثنا، رحمه الله، عن أبي العباس العذري إجازةً قال؛ حدثنا أبو عمرو السفاقسي قال؛ حدثنا أبو نعيم الأصبهاني قال؛ حدثنا الحسن بن عبد الله بن سعيد قال؛ حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن غالب قال؛ حدثني أبي قال؛ حدثنا عباد بن صهيب قال؛ حدثنا ابن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة قال:
قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم:((من حفظ على أمتي أربعين حديثاً يبتغي بذلك وجه الله؛ فيه الحلال والحرام، ينذر بالحرام ويبشر بالحلال حشره الله يوم القيامة فقيهاً عالماً)) .
قال أبو نعيم؛ وحدثنا أبو حفصٍ محمد بن حسين الوادعي القاضي قال؛
حدثنا عبيد بن يعيش قال؛ سمعت وكيعاً يقول؛ سمعت الحسن بن صالح يقول: الناس يحتاجون إلى العلم في الدين كما يحتاجون إلى الطعام والشراب.
وأخبرنا، رحمه الله، عن شيخه أبي علي الحسين بن محمد الغساني عن أبي عبد الله محمد بن سعدون، وقرأته على الشيخ الصالح الحسن بن طريف قال؛ حدثني أبو عبد الله ابن سعدون عن أبي بكر الغازي النيسابوري قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن الحسن قال؛ حدثنا أبو بكر بن إسحاق وغير واحدٍ من شيوخه، عن عبد الله بن أيوب بن زاذان الضرير قال؛ حدثنا محمد بن سليمان الذهلي حدثنا عبد الوارث بن سعيد قال:
قدمت مكة فوجدت أبا حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، فسألت أبا حنيفة فقلت: ما تقول في رجلٍ باع بيعاً وشرط شرطاً فقال: ((البيع باطلٌ
والشرط باطل)) . ثم أتيت ابن أبي ليلى فسألته فقال: ((البيع جائزٌ والشرط باطلٌ)) ، ثم أتيت ابن شبرمة فسألته، فقال:((البيع جائز والشرط جائز)) فقلت: سبحان الله! ثلاثة من فقهاء العراق واختلفتم علي في مسألة واحدة، فأتيت أبا حنيفة فأخبرته فقال: ما أدري ما قالا، أخبرني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي، صلى الله عليه وسلم، ((نهى عن بيعٍ وشرط البيع باطلٌ والشرط باطل)) ثم أتيت ابن أبي ليلى فأخبرته فقال: ما أدري ما قالا أخبرني هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: ((أمرني النبي صلى الله عليه وسلم، أن أشتري بريرة فأعتقها، البيع جائز والشرط باطل)) ثم أتيت ابن شبرمة فأخبرته فقال: ما أدري ما قالا حدثني مسعر بن كدام عن محارب بن دثار عن جابر قال: ((بعت من النبي، صلى الله عليه وسلم، ناقةٌ وشرط لي حملانها إلى المدينة، البيع جائزٌ والشرط جائز)) .
5-
الفقيه القاضي أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد الأموي، رحمه الله: شيخ بلدنا وقاضيه ومفتيه وصالحه، ولي القضاء مرتين: مرة أيام برغواطة والأخرى أول دولة المرابطين، وكان حافظاً للفقه والفرائض، مشاركاً في التفسير وعلم الناسخ والمنسوخ وغير ذلك، لكنه كان يقصر به لسانه عن تأدية بعض ما عنده إذ كان لم يطالع شيئاً من علم العربية صالحاً ورعاً مشهوراً بالخير. سمع من القاضي أبي الأصبغ ابن سهل ومروان بن عبد الملك، وكان شأنه الحفظ والتفقه ولم يكن له كبير شغل بالسماع والرواية.
وأخبرني أنه روى عن الفقيه أبي الأصبغ [ابن سهل كتاب الكنز تأليف أبي الأصبغ القرشي المعروف بابن المش من أهل قرطبة وسمعه عليه، حدثه به عن أبيه عبد المهيمن عنه وهو في روايتنا عن الفقيه أبي إسحاق ابن جعفر عن أبي الأصبغ] بسنده المذكور.
وناظرت عليه مدةً طويلةً في المدونة وأخذت عنه فوائد من العلم كثيرة.
تفقه بأبي علي بن البرية وبأبي عبد الله ابن العجوز والمسيلي وابن سهل.
وشوور قديماً وكان موصوفاً بالصلاح والعفة من صغره من أهل الورع والتحري. وتوفي، رحمه الله، يوم الأحد سادس رجب سنة سبع عشرة وخمسمائة؛ مولده سنة ثلاثٍ وثلاثين وأربعمائة.