المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثانيا: تذوق الفصل والوصل في القرآن الكريم - الفصل والوصل في القرآن الكريم

[منير سلطان]

الفصل: ‌ثانيا: تذوق الفصل والوصل في القرآن الكريم

‌ثانيا: تذوق الفصل والوصل في القرآن الكريم

فصل القرآن الكريم بين المفردات، وفصل بين أركان الجملة الواحدة، وفصل بين الجملتين وفصل بين عدة جمل.

أولا: الفصل بين المفردات بطرح الواو:

وذلك في قوله {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} 1، وفي قوله:{رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} 2، وفي قوله:{عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} 3.

ثانيا: الفصل بين أركان الجملة الواحدة:

وكان ذلك بضمائر الفصل أو بالجملة المعترضة.

"أ" الفصل بضمائر الفصل:

وقد أشار إليه سيبويه4 والفراء5 والمبرد6 والجرجاني7 والزمخشري8 وغيرهم، ويشرح المالقي معنى ضمائر الفصل بقوله:"اعلم أن هذه الألفاظ "أنا وأنتَ وأنتِ وأنتما وأنتن" ضمائر منفصلة

وإنما سماه البصريون باب الفصل لأن هذه الألفاظ المذكورة يفصل بها بين الخبر وذي الخبر من غير اعتداد بها في الإعراب ولا احتياج إليها في العودة على الأسماء، وإنما وضعت تأكيدا

ومنها قوله تعالى: {إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ} 9، وقوله:{اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ} 10، وقوله:{وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} 11، وقوله:

1 الحشر: 24.

2 ص: 65.

3 التحريم: 5.

4 انظر ص38 من البحث.

5 انظر ص39 من البحث.

6 انظر ص39 من البحث.

7 انظر ص57 من البحث.

8 انظر ص93 من البحث.

9 الأنبياء: 64.

10 الأنفال: 32.

11 القصص: 58.

ص: 174

يوجد سقط في الأصل.

"ب" الفصل بالجملة المعترضة:

وأشار إليها ابن جني2 وابن وهب3 والجرجاني4 والزمخشري5، ويعرفها الزركشي بأن "يؤتى في أثناء كلام أو كلامين متصلين معنى، بشيء يتم الغرض الأصلي بدونه، ولا يفوته بفواته، فيكون فاصلا بين الكلام والكلامين لنكتة"6، ومثال الفصل بين أركان الجملة الواحدة قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا، أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ} 7، و {أُولَئِكَ} خبر، و {إِنَّا لَا نُضِيعُ} اعتراض"8 وأيضا قوله تعالى:{فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا -وَلَنْ تَفْعَلُوا- فَاتَّقُوا النَّارَ} {ولَنْ تَفْعَلُوا} اعتراض بين فعل الشرط وجوابه، وأيضا قوله تعالى:{وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ- قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ} 10 فاعترض بين "إذا" وجوابها، بقوله تعالى:{وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ} فكأنه أراد أن يجيبهم عن دعواهم فجعل الجواب اعتراضا11.

1 المائدة: 117، والمالقي، رصف المباني في شرح حروف المعاني 128-130، تحقيق أحمد محمد الخراط، 1975م، ط دمشق.

2 انظر ص39 من البحث.

3 انظر ص40 من البحث.

4 انظر ص57 من البحث.

5 نظر ص93 من البحث.

6 البرهان 3/ 56.

7 الكهف: 30، 31.

8 البرهان 3/ 58.

9 البقرة: 24، وانظر ابن أبي الإصبع 42، تحقيق د. حفني شرف ط2، نهضة مصر، القاهرة.

10 النحل: 101.

11 البرهان 3/ 59.

ص: 175

ثالثا: الفصل بين الجملتين، ومن أدواته:

1-

واو الاستئناف:

أشار إليها الزمخشري1، وعنها يقول الزركشي: وتسمى "واو القطع"، وهي التي يكون بعدها جملة غير متعلقة بما قبلها في المعنى ولا مشاركة في الإعراب ويكون بعدها الجملتان، فالاسمية كقوله تعالى:{ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} 2، والفعلية كقوله تعالى:{لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ} 3

وإنما سميت واو الاستئناف لئلا يتوهم أن ما بعدها من المفردات معطوف على ما قبلها4.

2-

الفاء:

أورد الدكتور محمد عبد الخالق عضمية مثالين لفاء الاستئناف في "دراسات لأسلوب القرآن" قائلا "وتحتمل الفاء الاستئناف في قوله تعالى:

"أ"{وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} [إبراهيم: 4] في العكبري 2/ 35 "فيضل" بالرفع، ولم ينصب على المعطوف على "ليبين" لأن العطف يجعل معنى المعطوف كمعنى المعطوف عليه. والرسل أرسلوا للبيان لا للضلال، وقال الزجاج: ولو قرئ بالنصب على أن تكون اللام للعاقبة لجاز، وانظر ما قاله السمين: الجمل 2/ 507".

1 انظر ص92 من البحث.

2 الأنعام: 2.

3 الحج: 5.

4 البرهان 4/ 437، والمالقي، رصف المباني 416، وابن هشام، المغني 470 ط بيروت المحققة سنة 1992م، ودراسات لأسلوب القرآن 3/ 526 وما بعدها.

ص: 176

"ب"{الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ} [النحل: 28] في العكبري 2/ 43 "فألقوا" يجوز أن يكون معطوفا على {قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} ، ويجوز أن يكون معطوفا على {تَتَوَفَّاهُمُ} ويجوز أن يكون مستأنفا، البحر "5/ 486"1.

والمالقي في رصف المباني يذكر أننا إذا أردنا الاستئناف بعدها من غير تشريك بجملتين، كانت حرف ابتداء، إما للكلام، وإما يأتي بعدها المبتدأ وخبره نحو: قام زيد فهل قمت، وقام زيد فعمرو منطلق

ومنه قوله تعالى: {أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} 2، وقوله تعالى:{هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ} 3.

3-

ثم:

وتأتي للاستئناف، كقوله تعالى:{وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ} 4، ومنها قوله تعالى:{فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} 5، ثم قال:{ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ} 6.

4-

أم المنقطعة:

وأشار إليها الزمخشري7، وعنها يقول الزركشي: وهي بمعنى "بل" وتقدر بـ "بل" و"الهمزة" واختلفوا في كونها عاطفة أو غير عاطفة، ومن أمثلتها قوله تعالى:{الم، تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ} 8، ثم قال:{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} تقديره: بل أيقولون؟ "9.

1 دراسات لأسلوب القرآن، ق1 ج2 ص242.

2 الأنبياء: 108.

3 الروم: 28 ورصف المباني 378.

4 آل عمران: 111.

5 المؤمنون: 14.

6 المؤمنون: 15، 16، والبرهان 4/ 269، ورصف المباني 175، و.

7 انظر ص من البحث.

8 السجدة: 1-3.

9 البرهان 4/ 180، ورصف المباني 95، والمغني 65 الطبعة المحققة.

ص: 177

5-

بل:

وأشار إليها الزمخشري1، وعنها يقول الزركشي:"حرف يفيد الإضراب عن المعنى الأول وإثبات المعنى الثاني"، فهو يقطع ويفصل، ولأن إثبات الثاني لم يجيء إلا بإبطال الأول، فهو مرتبط به موصول بوجوده، أي أنه فصل موصول، أو قطع مربوط، نحو قوله تعالى:{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} 2. ومن أنواع الإضراب الانتقال من حديث إلى حديث آخر، والخروج من قصة إلى قصة من غير رجوع عن الأولى، وهي في هذه الحالة عاطفة -كما قال الصفار- كقوله تعالى: {لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا} 3، وكقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} 4. انتقل من القصة الأولى إلى ما هو أهم منها -ومن أنواع الإضراب القطع الصريح، بأن تكون "بل" استئنافية، كقوله تعالى:{ق وَالْقُرْآَنِ الْمَجِيدِ، بَلْ عَجِبُوا} 5، وقوله تعالى:{ص وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ} 6.

6-

الجملة الاعتراضية:

وتفصل بين الجملة للتنزيه -كما يقول الزركشي- كقوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ -سُبْحَانَهُ- وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ} 7. فاعتراض سبحانه بغرض التنزيه والتعظيم، وفيه الشناعة على من جعل البنات لله، ومنها كون الثاني بيانا للأول، كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} 8، فإنه

1 انظر ص95 من البحث.

2 الأنبياء: 26.

3 الكهف: 48.

4 السجدة: 3.

5 ق: 1، 2.

6 ص: 1، 2، وانظر في "بل" البرهان 4/ 258، ورصف المباني 153، والمغني 1/ 151.

7 النحل: 57.

8 البقرة: 222.

ص: 178

اعتراض وقع بين قوله "فأتوهن" وبين قوله تعالى: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} 1، وهما متصلان معنى لأن الثاني بيان للأول، كأنه قيل: فأتوهن من حيث يحصل منه الحرث، وفيه اعتراض بأكثر من جملة

إلخ2.

7-

الاستثناء المنقطع:

أشار إليه الطبري3 والزمخشري4، وعنه يقول المالقي: اعلم أن "إلا" حرف معناه الاستثناء ولفظه موضوع لذلك

وهي تنقسم إلى قسمين: قسم يخرج بعض الشيء من كله وهو الذي يسمى "الاستثناء المتصل"، وقسم بمعنى "لكن" ويسمى ما يكون له كذلك "الاستثناء المنفصل، والاستثناء المنقطع"، وضرب الزركشي أمثلة له منها قوله تعالى:{لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ} 5، وقوله تعالى:{قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا} 6، وقوله:{فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ} 7

إلخ8.

رابعا: الفصل بين عدة جمل:

مثل قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} 9.

1 البقرة: 223.

2 البرهان: 3/ 56 وما بعدها.

3 انظر ص40 من البحث.

4 انظر ص95 من البحث.

5 الغاشية: 22، 23.

6 الفرقان: 57.

7 يونس 98.

8 انظر في الاستئناف المنقطع، البرهان 4/ 236، ورصف المباني 85، ودراسات لأسلوب القرآن 1/ 243.

9 آل عمران: 118.

ص: 179

ثانيا: مواضع الوصل:

"1" الوصل بين المفردات:

وصل القرآن الكريم بأدوات الربط، ولم يقتصر على حروف العطف كما سنرى، وقد توقف الجرجاني عند "إن" التي تغني غناء الفاء العاطفة، وضرب أمثلة عديدة من القرآن الكريم منها:{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ} 1، وقوله تعالى:{يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} 2 وغيرها3.

وتوقف أيضا عند الوصل بـ "الذي" ليكون وصلة إلى وصف المعارف بالجمل، كما اجتلب الحرف "ذو" ليتوصل إلى الوصف بأسماء الأجناس: نحو: مررت بزيد الذي أبوه منطلق، ونحو: مررت برجل ذي مال4.

وتوقف الزمخشري عند حرف الجر "على"5، و"لام الجر"6 و"إلى"7 و"قد"8 و"ربما"9 وأداتي الشرط "إن" و"إذا"10.

والمتتبع لمعاني أدوت الربط في القرآن يلحظ ظاهرة جديرة بالدرس، وهي أن الأداة بمعناها العام حيث تربط بين معنيين أو تفصل بينهما تكتسب معنى جديدا إضافيا، مما نستطيع معه أن نحدد المعنى الأصلي للأداة -بلا اطراد- والمعاني الإضافية التي اكتسبتها من وصلها أو قطعها. يقول الزركشي في الكلام على المفردات من الأدوات "

ولهذا توزع الكلام على حسب مواقعها"، "أي

1 الحج: 1.

2 لقمان: 17.

3 الدلائل 316، 317.

4 الدلائل 199.

5 انظر ص115 من البحث.

6 انظر ص115 من البحث.

7 انظر ص116 من البحث.

8 انظر ص116 من البحث.

9 انظر ص117 من البحث.

10 انظر ص117 من البحث.

ص: 182

مواقع الحروف"، وترجح استعمالها في بعض المحال على بعض بحسب مقتضى الحال"1، وقد امتلأت كتب معاني الحروف والنحو والتفسير باجتهادات العلماء في هذا المضمار.

فمثلا "الواو"2 يقول فيها الزركشي "الواو -حرف يكون عاملا وغير عامل، فالعامل قسمان: جار وناصب

وأما الواو غير العاملة فلها معان: الأول: وهو أصلها - العاطفة تشرك في الإعراب والحكم وهي لمطلق الجمع على الصحيح، ولا تدل على أن الثاني بعد الأول، بل، قد يكون كذلك وقد يكون قبله وقد يكون معه- فمن الأولى {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} 3 فإن الإخراج متأخر عن الزلزال، وذلك معلوم من قضية الوجود من "الواو"، ومن الثاني {وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} 4، والركوع قبل السجود، ولم ينقل أن شرعهم كان مخالفا لشرعنا في ذلك

إلخ، والمعنى الثاني: واو الاستئناف: وتسمى واو القطع، والثالث: واو الحال: كقوله تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} 5، والرابع: للإباحة: نحو، جالس الحسن وابن سيرين لأنك أمرت بمجالستهما معا، وعلى هذا أخذ مالك قوله تعالى:{إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} 6، والخامس: واو الثمانية: نحو قوله تعالى: {سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ} 7، والسادس: للتوكيد، كقوله تعالى:{إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ} 8، بدليل الآية الأخرى9.

1 البرهان 4/ 175.

2 انظر في "الواو" المغني 463 ورصف المباني 409.

3 الزلزلة: 1، 2.

4 آل عمران: 43.

5 البقرة: 22.

6 التوبة: 60.

7 الحاقة: 7.

8 الحجر: 4.

9 الشعراء: 208.

ص: 183

فالمعنى الأصلي للواو، كما يقرر الزركشي وغيره، أن تكون عاطفة تشرك في الإعراب والحكم وهي لمطلق الجمع، أما المعاني الإضافية فتلك التي اكتسبتها من وصلها بين مفردين أو جملتين أو فصلها بينهما.

وقد وصل القرآن الكريم بين المفردات "بالواو" كقوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} 1، و"بالفاء" في قوله تعالى:{وَالصَّافَّاتِ صَفًّا، فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا} 2، وبـ "أو" كقوله تعالى:{فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا، عُذْرًا أَوْ نُذْرًا} 3، وبـ "أم" المتصلة كقوله تعالى:{أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} 4، وبحروف الجر نحو:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى} 5، وقوله تعالى:{وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} 6

إلخ.

"2" الوصل بين الجمل.

"أ" الوصل بين الجملة والمفرد:

وصل القرآن بين الجملة والمفرد، كقوله تعالى:{أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} 7، وقوله تعالى:{إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ} 8، وكذا قوله تعالى: {فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا، فَأَثَرْنَ

1 الحديد: 3.

2 الصافات: 1-3، والبرهان 4/ 294.

3 المرسلات: 5، 6، والبرهان: 4/ 208.

4 يوسف: 39، والبرهان 4/ 180، وانظر دراسات لأسلوب القرآن "عطف الصفات"، ق1 ج3 ص562 وما بعدها.

5 الإسراء: 1 وانظر في حروف الجر: شرح ابن عقيل 2/ 109، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد وحاشية الصبان على شرح الأشموني 2/ 203، وشذور الذهب 317، وتحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، والنحو الوافي 2/ 431.

6 البقرة: 48.

7 الملك: 19.

8 الحديد: 18.

ص: 184

بِهِ نَقْعًا} 1، وغيرها2.

"ب" الوصل بين الجملة والجملة:

وصلهما القرآن الكريم بالعديد من الروابط، وصلهما "بالفاء"، و"ثم"، كقوله تعالى:{ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ، ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ} 3، وبـ "أو"، قال تعالى:{أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا} 4، وبـ "أم" المتصلة، قال تعالى:{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ، أَمْ أَمِنْتُمْ} 5، وبـ "أن" ناصبة المضارع، قال تعالى:{يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} 6، و"أن" المخففة من الثقيلة، قال تعالى:{عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى} 7، وهي في ربطها أضيفت إليها معان أخرى8، وكذا "أن" وتكون للتوكيد كالمكسورة المشددة، نحو قوله تعالى:{وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ} 9، وتأتي بمعنى لعل10، و"إن" الشرطية، نحو {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} 11، و"إذًا": وتدل على إنشاء السببية والشرط بحيث لا يفهم الارتباط من غيرها12 نحو قوله تعالى: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} 13، ومثلها "إذا": الشرطية، نحو قوله تعالى:{إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا} 14، "ومن": نحو قوله تعالى: {مَنْ جَاءَ

1 العاديات: 1-4.

2 انظر دراسات لأسلوب القرآن، ق1 ج3 ص528.

3 عبس: 21، 22.

4 المائدة: 33.

5 الملك: 16، 17.

6 المائدة: 52.

7 المزمل: 20.

8 البرهان: 4/ 223.

9 فصلت: 39.

10 البرهان 4/ 230، ورصف المباني 127.

11 الأنعام: 29.

12 البرهان: 4/ 187.

13 المؤمنون: 91.

14 الأنفال: 45.

ص: 185

بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} 1، "وما": نحو: {مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا} 2، و"مهما": نحو: {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} 3، و"أي": نحو: {أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} 4، "وأينما": نحو: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ} 5، و"لو" نحو:{وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا} 6، و"لولا": نحو: {لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} 7، و"قد": وتأتي للتوكيد إذا دخلت على المضارع، قال الزمخشري:"قد" في قوله تعالى: {لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} 8. معناه التوكيد، كأنه قال: تعلمون علما يقينا لا شبهة لكم فيه9.

وكذا وصل القرآن بين عدة جمل، كقوله تعالى:{إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ، وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ، وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ، وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ، وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ10، وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ، وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ، وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ، وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ، وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ، عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} 11، وقوله تعالى: {أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا

} 12.

1 الأنعام: 160.

2 فاطر: 2.

3 الأعراف: 132.

4 الإسراء: 110.

5 النساء: 78.

6 الأعراف: 176.

7 سبأ: 31.

8 الصف: 5.

9 البرهان 4/ 307، والكشاف 4/ 419.

10 سجرت: أي ملئت وفجر بعضها إلى بعض حتى تعود بحرا واحدا، الكشاف 4/ 221.

11 التكوير: 1-14.

12 عبس: 25-27.

ص: 186

"ج" الوصل بين مجموع جمل ومجموع جمل أخرى:

وإليه أشار الجرجاني بقوله "فأمر العطف إذا موضوع على أنك تعطف تارة جملة على جملة، أو تعمد أخرى إلى جملتين أو جمل فتعطف بعضا على بعض، ثم تعطف مجموع هذه على مجموع تلك، وضرب لذلك مثلا، قول المتنبي:

تولوا بغتة فكأن بينا

تهيبني ففاجأني اغتيالا

فكان مسير عيسهم زميلا

وسير الدمع إثرهم انهمالا1

وأيضا أشار إلى جمل الشرط المعطوفة على جمل الجزاء بقوله: "وينبغي أن يجعل ما يصنع في الشرط والجزاء من هذا المعنى أصلا يعتبر به، وذلك أنك ترى متى شئت جملتين قد عطفت إحداهما على الأخرى ثم جعلتا بمجموعهما شرطا، ومثال ذلك قوله تعالى:{وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} 2، الشرط كما لا يخفى في مجموع الجملتين لا في كل واحدة منهما على الانفراد، ولا في واحدة منهما دون الأخرى، لأنا إذا قلنا: أنه في كل واحدة منهما على الانفراد جعلناهما شرطين، وإذا جعلناهما شرطين اقتضتا جزاءين وليس معنا إلا جزاء واحد3.

وكما تربط أيضا بين أداة الربط وبين مجموع جمل ومجموع جمل أخرى، تربط أيضا بين عناصر القصة، أو تربط بينها وبين ما يشبهها في المضمون أو الهدف، ليتحولا إلى قصة طويلة متعددة الأجزاء، ففي سورة البقرة عطف قصة المنافقين من أول قوله تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} 4، إلى قوله تعالى:{يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} 5 على

1 الدلائل 244، وانظر ص69 من البحث.

2 النساء: 112.

3 الدلائل 245، 246 وانظر ص70 من البحث.

4 البقرة: 8.

5 البقرة: 20.

ص: 187

قصة الذين كفروا، من قوله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} 1 إلى قوله تعالى: {وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} 2 لأن المنافقين جبناء يظهرون غير ما يبطنون، فلا يناسبهم في المقام إلا أن يعطفوا بقصتهم على قصة الكفار، وبذا تصير القصتان قصة طويلة لها جزآن3.

1 البقرة: 6.

2 البقرة: 7.

3 الكشاف: 1/ 165 وانظر ص128 من البحث.

ص: 188