المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

الفصل: ‌ في الوصل:

2‌

‌ في الوصل:

"أ" للواو موضع لا تصلح فيه الفاء:

يقول سيبويه في وصل المفردات، لو قلت:"مررت بزيد أخيك وصاحبك" كان حسنًا، ولو قلت: مررت بزيد أخيك فصاحبك، والصاحب زيد لم يجز، وكذلك لو قلت: زيد أخوك فصاحبك ذاهب، لم يجز، ولو قلتها بالواو حسنت، كما أنشد كثير من العرب لأمية ابن أبي عائذ:

ويأوي إلى نسوة عطل

وشعث مراضيع مثل السعالي1

ولو قلت: فشعث، قَبُح2.

1 وصف صائدا يسعى لعياله فيعزب عن نسائه في طلب الوحش ثم يأوي إليهن، والعطل: جمع عاطل وهي التي لا شيء لها، أو التي لا حلي لها والثاني أوفق، لا كما زعم البغدادي، والشعث: جمع شعثاء، وهي التي تغير شعرها وتلبد لبعد تعهده بالدهن. والمراضيع: جمع مرضاع، وهي الكثيرة الإرضاع، والسعالي جمع سعلاة، وهي الغول. والشاهد فيه عطف "شعث" على "عطل" بالواو لا بالفاء لأنها تفيد التفرقة. هامش الكتاب بسيبويه. تحقيق هارون 1/ 399.

2 الكتاب 1/ 399.

ص: 44

ويعلل "الأعلم" سبب الحسن مع وجود الواو، وسبب القبح مع دخول الفاء لقوله: "حمل شعث على عطل لأنهما صفتان ثابتتان معا في الموصوف. فعطفت إحداهما على الأخرى بالواو، لأن الواو معناها الاجتماع ولو عطفت بالفاء لم يجز لأن الفاء للتفرقة1.

"ب" الجملة تأتي موصولة مرة ومفصولة أخرى للتفسير:

وذلك في قوله تعالى في سورة إبراهيم: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} 2. فجملة "يذبحون" جاءت مرة بالواو ومتصلة بما قبلها، وأخرى بدون الواو ومنفصلة عما قبلها3، ويفسر الفراء ذلك بقوله: "فمعنى الواو أنه يمسهم العذاب غير التذبيح، كأنه قال: يعذبونكم بغير الذبح وبالذبح، ومعنى طرح الواو، كأنه طرح لصفات العذاب، وإذا كان الخبر من العذاب أو الثواب مجملا في كلمة ثم فسرته، فاجعله بغير الواو، وإذا كان أوله غير آخره فبالواو4، ويضرب مثلا آخر للمجمل قوله عز وجل: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا} 5، فالآثام فيه نية العذاب قليله وكثيره، ثم فسره بغير الواو فقال: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} 6، ولو كان غير مجمل لم يكن ما ليس به تفسيرا له، ألا ترى أنك تقول: عندي دابتان بغل وبرذون ولا يجوز: عندي دابتان وبغل وبرذون، وأنت تريد تفسير الدابتين بالبغل والبرذون. ففي هذا كفاية عما نترك من ذلك فقس عليه7.

1 الكتاب 1/ 199 ط الأميرية 1318هـ.

2 إبراهيم: 6.

3 البقرة: 49، {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ

} .

4 الفراء، معاني القرآن 2/ 68 و69.

5 الفرقان: 68.

6 الفرقان: 69.

7 معاني القرآن 2/ 69.

ص: 45

"ج" جواز وصل الجملة الخبرية بالجملة الإنشائية خلافًا للمشهور:

ذكر السبكي أن الشيخ "أبا حيان" نقل عن سيبويه جواز عطف المختلفتين بالاستفهام والخبر مثل: هذا زيد ومن عمرو؟ وقد تكلموا على ذلك في قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} 1، ويعقب السبكي "لا خلاف بين الفريقين لأنه عند من جوزه يجوز لغة ولا يجوز بلاغة"2.

ويعلق الدكتور عبد القادر حسين "ولا ندري لماذا لم يأخذ البلاغيون بجواز عطف الإنشاء على الخبر أو العكس، وإن وجدوا شيئا من ذلك أولوه، وقدروا عطف خبر على خبر أو إنشاء على إنشاء3، ولماذا لم يكن شأن البلاغيين شأن النحاة في قبول هذا الرأي ولو كان البلاغيون رفضوا هذا النوع لأنهم لم يجدوا إلا أمثلة من صنع النحاة لالتمسوا لهم العذر في هذا الرفض. ولكن القرآن شاهد بهذه الآية على وجود هذه الصورة، ولا نقتنع بقول السبكي: إن هذا يجوز لغة ولا يجوز بلاغة

وقد ساورني الشك أول الامر على اعتبار أن الواو في قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ} ربما تكون للحال وليست للعطف فتخرج الآية عن صحة الاستدلال بها في عطف الخبر على الإنشاء

ففتشت في تفسير الطبري والكشاف والقرطبي والبيضاوي فما وجدت أحدًا قد عرض لهذه الواو في كونها للعطف أو للحال"4.

"د" قد يكون الوصل

- لأمن اللبس:

ذكر الجاحظ القصة المشهورة عن أبي بكر. قال: ومر رجل بأبي بكر رضي الله تعالى عنه ومعه ثوب. فقال: أتبيع الثوب؟ فقال: لا عافاك الله، فقال

1 الأنعام: 121.

2 السبكي، عروس الأفراح 3/ 27.

3 رجع د. عبد القادر إلى "السيالكوني" على المطول 20 و21 ط استانبول.

4 د. عبد القادر حسين، أثر النحاة في البحث البلاغي 97 و98 ط دار نهضة مصر للطبع والنشر.

ص: 46

أبو بكر: لقد علمتم، لو كنتم تعلمون، قل: لا وعافاك الله1، وكذا قصة المجاشعي، أن الحسن البصري كان يخطب في دم كان فيهم، فأجابه رجل بأن قال: قد تركت ذلك لله ولوجوهكم، فقال الحسن: لا تقل هكذا، بل قل: لله ثم لوجوهكم وآجرك الله2.

- للتمييز تشريفًا:

ولا يبيح ابن جني عطف الخاص على العام إلا لميزة يتمتع بها ذلك الخاص، لأنه يدخل في جملة العام، والشيء لا يعطف على نفسه، يقول:"وأنت لا تقول: جاء القوم وزيد، وقد جاء زيد معهم، لأن الشيء لا يعطف على نفسه. كذلك قوله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} 3 لا يكون جبريل وميكال داخلين في جملة الملائكة، لأنهما معطوفان عليهم، فلا بد أن يكونا خارجين منهم، مازَ "جبريل" و"ميكال" من جملة الملائكة تشريفًا لهما4، وقد وضح هذا المغزى البلاغي قبل ابن جني أستاذه أبو علي الفارسي "377هـ" مستشهدا في بيانه بعديد من الآيات القرآنية3.

- لتوكيد تفرد العلم الإلهي بالتأويل:

يقف القاضي عبد الجبار أمام القصد من عطف {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} على {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} ، وكيف لا يتعارض علم هؤلاء الراسخين بتأويل متشابه القرآن مع تفرده سبحانه بالعلم الإلهي، وذلك في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ

1 الجاحظ، البيان والتبيين 1/ 261 تحقيق عبد السلام هارون، ط4.

2 نفسه والصفحة.

3 البقرة: 98.

4 ابن جني، المحتسب 2/ 53 المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ط الحلبي.

5 أبو علي الفارسي، الحجة، 1/ 13 دار الكتاب العربي.

ص: 47

تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} 1، يقول القاضي:"اعلم أن الأولى في معنى قوله: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} أن يكون عطفا على ما تقدم، ودالا على أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله بإعلام الله تعالى إياهم، ونصبه الأدلة على ذلك، فيكون قوله تعالى: {يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ} دلالة على أنهم برسوخهم في العلم يجمعون بين الاعتراف والإقرار، وبين المعرفة، لأنه تعالى مدحهم بذلك ولا يتكامل مدحهم إلا بضم الإيمان والتصديق وإظهار ذلك، إلى المعرفة بتأويله"2.

هذا لو كان واو "الراسخون" للعطف، ولكن كبيرا من شيوخ المعتزلة رأى أنها للاستئناف، ولو كانت عطفا لشارك الراسخون ربهم -سبحانه- في العلم بالتأويل. فيجيب القاضي: فإن قال "قائل" أليس قد قال كبير من شيوخكم: إن قوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} يقتضي تمام الكلام، وأنه تعالى المتفرد بعلم تأويله، ثم استأنف قوله تعالى:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا} ، ولذلك علق بذكرهم خبرا، ولو كان عطف على ما تقدم لم يصح ذلك فيه، أفما يدلكم ذلك على بطلان ما قدمتم، قيل له: إن من يذهب في تأويله الآية إلى هذه الطريقة "يقصد ذلك المعتزلي" لا يمنع من أن يعلم العلماء المراد بالمتشابه، لكنه يقول: إنه أراد بقوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} على نحو قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} 3، أراد بالتأويل المتأول، وهو عز وجل المتفرد بالعلم بالمتأول وأوقاته وأحواله"4.

وبعد، فهذا ما تمكنت من جمعه من نصوص تبعثرت في ثنايا البحوث المختلفة بعضها في الفصل والآخر في الوصل، ولم أقصد أن أقول: إن الجرجاني تأثر بها

1 آل عمران: 7.

2 عبد الجبار، المغني 16/ 378 تحقيق أمين الخولي، ط وزارة الثقافة 1960م.

3 الأعراف: 53.

4 المغني 16/ 379.

ص: 48

هي في ذاتها بقدر ما أحاول أن أرصد حركة المادة نفسها، شكل الحياة التي عاشتها قبل أن تمتد إليها يد الجرجاني، بغض النظر عن تأثره بها في ذاتها أو بغيرها الذي لم يصل إلينا أو وصل، لأنه لم ينص على شيء في ذلك.

والظاهرة الملموسة فيما عرضت من جهود أنها تميل إلى رصد القاعدة، وأنها عَدَّدَتْ أدوات الفصل، ولم تقصره على طرح الواو فقط، وأنها لم تتوقف عند التحليل الجمالي بقدر ما كانت تحاول الشرح وضرب الأمثلة، بالإضافة إلى أنها كانت تعرض للفصل والوصل بالقدر الذي يحتاجه الموضوع الرئيسي الذي يعالجه صاحبه من تفسير أو نحو أو كلام أو موضوعات بلاغية، ولم يلتفت أي منهم إلى ضم الأجزاء وعرضها في سياق متصل كما فعل الجرجاني، وبالرغم من ذلك فإن لهم فضل السبق والتمهيد.

ص: 49