المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ثانيا: الجرجاني يبرز المضمون ويحلل عناصر الجمال: - الفصل والوصل في القرآن الكريم

[منير سلطان]

الفصل: ‌ثانيا: الجرجاني يبرز المضمون ويحلل عناصر الجمال:

‌ثانيا: الجرجاني يبرز المضمون ويحلل عناصر الجمال:

ليس الشكل بمعزل عن المضمون، ولا الصياغة بمنأى عن معناها، فهما وجهان لفكرة نبتت في كيان صاحبها حتى إذا نضجت خرجت تؤدي دورها في شكل ألفاظ وجمل وفقرات، وكلما تميز الشكل وتحددت معالمه وضح المضمون وأفصح عن مقاصده، ونضج المضمون يؤدي إلى اختيار الشكل الدقيق القادر على التلبيغ والتأثير، فهما معا يخدمان الغاية التي قصد إليها المتكلم.

والجرجاني هنا أراد أن يبرز بلاغة الفصل والوصل فيسلك سبيلين:

أحدهما: ضبط القواعد لإحكام الشكل.

الآخر: تحليل عناصر الجمال.

وكان ذلك من خلال عرض فني برع في نسج خيوطه، معتمدا على حسن اختيار للشواهد، وعلى التريث أمام مواطن الجمال والصبر على التحليل.

أما حسن الاختيار:

فنراه قد تبدى فيه ذوق الجرجاني المعروف -والاختيار جزء من صاحبه- فهو ذوق فيه رفاهية وثراء وخصوبة، فتارة يستشهد بالآيات القرآنية الكريمة التي ظهر فيها الفصل أو الوصل، بدرجة من الوضوح والجمال تؤكد عمق فهم الجرجاني لفن الفصل والوصل، وتارة يتمثل بأبيات من الشعر اتسمت بالصنعة الفنية المتقنة.

ويبدو أنه قد تأنق في اختيارها وامتحن قدرتها على العطاء قبل تقديمها، انظر إليه يتحدث عن الشعر الشاعر والكلام الفاخر قائلا: ومنه ما أنت ترى الحسن يهجم عليك منه دفعة، ويأتيك منه ما يملأ العين ضربة، حتى تعرف من البيت الواحد مكان الرجل في الفضل، وموضعه من الحذق، وتشهد له بفضل المنة وطول الباع، وحتى تعلم -إن لم تعلم القائل- أنه من قيل شاعر فحل، وأنه خرج من تحت يد صناع، وذلك ما إذا أنشدته وضعت فيه اليد على شيء

ص: 73

فقلت: هذا، هذا! وما كان كذلك فهو الشعر الشاعر والكلام الفاخر

، ثم إنك تحتاج إلى أن تستقري عدة أبيات، بل أن تفلي ديوانا من الشعر، حتى تجمع منه عدة أبيات، وذلك مثل قول الأول، وتمثل به أبو بكر الصديق رضوان الله عليه حين أتاه كتاب خالد بالفتح في هزيمة الأعاجم:

تمنانا ليلقانا بقوم

تخال بياض لأمهم السرابا

فقد لاقيتنا فرأيت حربا

عوانا تمنع الشيخ الشرابا

انظر إلى موضع "الفاء" في قوله: "فقد لاقيتنا فرأيت حربا"1.

بهذا المفهوم يقدم لنا شواهد فن الفصل والوصل قائلا: "ومما له مأخذ لطيف في هذا الباب قول أبي تمام

"2 أو "من النادر أيضا في ذلك قول الآخر

"3 أو "من الحسن البين في ذلك قول المتنبي

"4 أو قال "أرطاة بن سهية وهو لطيف جدا"5.

ومع الآيات القرآنية يقول: "ومن الواضح البين في هذا المعنى، قوله تعالى

"6 أو "ومما هو في غاية الوضوح، قوله تعالى

"7.

وأحيانا يلجأ إلى جفاف علم الكلام، ويوغل في عرض فكرته من خلال "فإن قلت:

فالجواب: أن السبب في ذلك

، وإن قلت:

قيل:

، ومما يدل على فساد ذلك

إلخ"8.

1 الدلائل 89 واللأم: جمع لأمة وهي الدرع. وهذا من شعر الصحابي زياد بن حنظلة التميمي.

2 نفسه 227.

3 نفسه 238.

4 نفسه 238.

5 نفسه 209.

6 الدلائل 228.

7 نفسه 241.

8 نفسه 215 و217.

ص: 74

ولكن هذا لا يقلل من حسن الاختيار وجمال العرض، فالجرجاني له طريقة خاصة في عرض موضوعاته، تعتمد على إقناع القارئ بإثارته وترغيبه واستدراج اهتمامه بمختلف الأدلة والعديد من الشواهد مع الصبر على التحليل، والتكرار الذي يصل إلى درجة الإلحاح في بيان مدى أهمية الفكرة وقيمتها وأسرارها البلاغية، هو لا يُعلِّم قارئه، إنما يسامره في مجلس علم

إن الحديث من القرى.

وهو بارع في التحليل الفني. ومن الصعوبة اختيار مثال على ذلك، فجلها مثير وطويل، ولنأخذ مثالا مختصرا. حين يحلل كيف تأتي الجملة الثانية مفصولة لتؤكد المعنى في الجملة الأولى، يقول: ومن الواضح البين في هذا المعنى قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا

} 1 لم يأت معطوفا نحو "وكأن على أذنيه وقرا" لأن المقصود من التشبيه بمن في أذنيه وقر هو بعينه المقصود من التشبيه بمن لم يسمع، إلا أن الثاني أبلغ وآكد في الذي أريد، وذلك أن المعنى في التشبيهين جميعا أن ينفى أن يكون لتلاوة ما تلي عليه من الآيات فائدة معهن ويكون لها تأثير فيه، وأن يجعل حاله إذا تليت عليه كحاله إذا لم تتل، ولا شبهة في أن التشبيه بمن "في أذنيه وقر" أبلغ وآكد في جعله كذلك من حيث كان لا يصلح منه السمع -إن أراد ذلك- أبعد من أن يكون لتلاوة ما يتلى عليه فائدة من الذي يصح منه السمع، إلا أنه لا يسمع إما اتفاقا وإما قصدا إلى أن لا يسمع -فاعرفه وأحسن تدبره2. وفي بيان سبب فصل قوله تعالى:{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} 3 عن {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} يسطر الصفحات، ويدور مع الآية، ويفتن في التحليل، ثم لا يكتفي بما فعل، فيعلق قائلا "وإذا استقريت وجدت هذا -الذي ذكرت لك، من تنزيلهم الكلام إذا جاء بعقب ما يقتضي سؤالا منزلته إذا صرح بذلك السؤال- كثيرا، فمن لطيف

1 لقمان: 7.

2 الدلائل 229.

3 البقرة: 14 و15.

ص: 75

ذلك

"، ويأتي على سبعة أبيات مختارات، ويتولى شرح جمال الفصل فيها1.

أما عن ضبط القواعد، فهو لا يترك الأمر إلى التحليل والاستحسان، إنما نراه يخلص إلى قاعدة محددة يبرزها ويدور حولها شرحا وتحليلا. ونستطيع أن نشير إلى بعض تلك القواعد التي بنى عليها شكلا محكما للفصل والوصل.

- فالواو لها منزلة خاصة بين أدوات الوصل وهي تصل بين الأشباه والنظائر وأيضا بين النقائض لعلاقة.

- الوصل ليس بحروف العطف فقط بل بها وبـ "إنَّ".

- الوصل يكون في المفردات كما هو في الجمل.

أما عن وصل الجمل:

- فإذا كانت الجملة الثانية مع التي قبلها حال الاسم، يكون غير الذي قبله إلا أنه يشاركه في الحكم، ويدخل معه في معنى، مثل أن يكون كلا الاسمين فاعلا أو مفعولا أو مضافًا أو مضافًا إليه، فيكون حقها العطف والغاية إشراك الثانية في حكم الأولى.

- وإذا أخبرت الجملتان عن مسند إليه واحد مثل "هو ينفع ويضر" ازداد المعنى بالوصل قوة وازداد اقترابا بينما يؤدي الفصل إلى نقيض هذا المعنى.

- جملة جواب الشرط يعطف عليها المعنى المستقل عنها مثل "إن تأتني أكرمك أعطك وأكسك"، وأيضا المعنى المترتب عليها مثل "إذا رجع الأمير أستأذنت وخرجت" فالخروج لا يكون حتى يكون الاستئذان.

- وكما يكون الوصل بين جملة وجملة، يكون بين مجموع جمل ومجموع جمل

1 الدلائل 231-235.

ص: 76

أخرى، وكذلك جمل الشرط إذا توالت يوصل مجموعها بمجموع جمل الجزاء مثل قوله تعالى:{وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} [النساء: 112] .

وأما عن الفصل:

فهو استئناف معنى جديد، غير المعنى الذي سبقه، لكنه يتصل به في الاشتراك في المعنى العام للموضوع، فالوصل ربط المعنى الثاني بالأول وهما معا بالموضوع العام. والفصل قطع المعنى الثاني عن الأول اللذين يرتبطان معا بالموضوع العام.

ومن أدواته ترك العطف وضمير الفصل والجملة الاعتراضية.

- ويفصل بين المفردات كما يفصل بين الجمل.

- والجملة الثانية تفصل عن الأولى، إذا كانت صفة لها أو مؤكدة لها أو بدلا منها، فترك العطف، إما للاتصال إلى الغاية أو للانفصال إلى الغاية.

- ويكون الفصل بين الجمل إذا كانت الثانية منقطعة عن الأولى ولكنها تجيب عن سؤال منبثق من الأولى

إلخ.

وهكذا فثمة قواعد ثابتة يدور حولها الكلام، قواعد العطف والتوكيد والجملة الحالية، وكلها تهدف إلى خدمة المعنى، فاستحالة الفصل توجب الوصل والعكس، والمعنى الذي نضج عند صاحبه وأراد له الوصول إلى المخاطب لا بد أن يكتسى ما يوضحه أو يؤكده أو يثبته أو يوجزه بحيث يكون مؤثرا. وهنا قد يكون الوصل أفضل أو الفصل أبلغ، والحكم هو جلاء المعنى وفاعليته مع ذكاء المتكلم، لاستجابة المستمع.

ص: 77

تحليل عناصر الجمال:

وقد تمثلت عناصر الجمال في:

1-

الجانب المنطقي.

2-

مراعاة مقتضى حال المخاطب.

أقول، إن تحليل جمال المضمون يساعد على مزجه بالشكل، فالشكل جزء من المضمون وليس إطارا خارجيا له، والمضمون مؤثر في الشكل وليس جزأه الداخلي، وتفصيل جوانب جمال المضمون تفصيل للعوامل التي أثرت في المعنيين المتتاليين ففصلت بينهما أو وصلت، والمعاني في ذلك -يقول الجرجاني- كالأشخاص1 يفيدهم الالتحام لهدف كما يفيدهم الانفصال لهدف. وهدفهما وضوح المعنى في أحسن صورة من اللفظ، فيخرج من النفس ليستقر في النفس.

1-

الجانب المنطقي:

استحالة الوصل توجب الفصل، والعكس، يقول الجرجاني "ومما هو أصل في هذا الباب أنك ترى الجملة وحالها مع التي قبلها حال ما يعطف ويقرن إلى ما قبله، مثال ذلك، قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ، أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} 2 إنما جاء {إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} مستأنفا مفتتحا بألا، لأنه خبر من الله تعالى بأنهم كذلك -والذي قبله من قوله: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} حكاية عنهم، فلو عطف للزم عليه مثل الذي قدمت ذكره من الدخول في الحكحاية، ولصار خبرا من اليهود ووصفا منهم لأنفسهم بأنهم مفسدون، ولصار كأنه قيل: "قالوا إنما نحن مصلحون، وقالوا إنهم هم المفسدون"، وذلك ما لا يشك في فساده3.

1 الدلائل 226.

2 البقرة: 11، 12.

3 الدلائل 232.

ص: 78

وكذلك يأتي الوصل لاستحالة الفصل:

وذلك إذا قلت "جاءني وغلامه يسعى بين يديه"، و"رأيت زيدا وسيفه على كتفه". يقول الجرجاني - كان المعنى على أنك بدأت فأثبت المجيء والرؤية ثم استأنفت خبرا، وابتدأت إثباتا ثانيا لسعي الغلام بين يديه، ولكون السيف على كتفه، ولما كان المعنى على استئناف الإثبات احتيج إلى ما يربط الجملة الثانية بالأولى، فجيء بالواو، كما جيء بها في قولك: زيد منطلق وعمرو ذاهب

فإن قلت: قد علمنا أن علة دخول "الواو" على الجملة أن تستأنف الإثبات ولا تصل المعنى الثاني بالأول في إثبات واحد، ولا تنزل الجملة منزلة المفرد، ولكن بقي أن تعلم

، وما الذي منع في قولك: جاءني زيد وهو يسرع أو هو مسرع أن يدخل الإسراع في صلة المجيء، ويضامه في الإثبات

فالجواب: أن السبب في ذلك أن المعنى في قولك: جاءني زيد وهو يسرع، على استئناف إثبات للسرعة، ولم يكن ذلك في "جاءني زيد يسرع"، وذلك أنك إذا أعدت ذكر زيد، فجئت بضميره المنفصل لمرفوع، كان بمنزلة أن تعيد اسمه صريحا فتقول "جاءني زيد وزيد يسرع" في أنك لا تجد سبيلا إلى أن تدخل "يسرع" حتى صلة المجيء وتضمه إليه في الإثبات، وذلك أن إعادتك ذكر زيد لا يكون حتى تقصد استئناف الخبر عنه بأنه يسرع، وحتى تبتدئ إثباتا للسرعة، لأنك إن لم تفعل ذلك تركت المبتدأ -الذي هو ضمير "زيد" أو اسمه الظاهر- بمضيعة، وجعلته لغوا في البين "أي: بينهما"، وجرى مجرى أن تقول: "جاءني زيد وعمرو يسرع أمامه"، ثم تزعم أنك لم تستأنف كلاما، ولم تبتدئ للسرعة إثباتا، وأن حال "يسرع" ها هنا حاله إذا قلت: "جاءني زيد يسرع"، فجعلت السرعة له، ولم تذكر "عمرا"، وذلك محال1.

1 الدلائل 214-216.

ص: 79

2-

مراعاة مقتضى حال المخاطب:

وذلك:

"أ" بإيضاح المعنى له عن طريق التوكيد:

والتوكيد لا يأتي إلا بجملة مفصولة، تحمل نفس معنى الجملة الأولى ولا غرض لها سوى أن تثبت المعنى في نفس المخاطب، مثلما قال تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} ، {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 6 و7] ، فقوله تعالى:{لا يُؤْمِنُونَ} تأكيد لقوله: {سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ} ، وقوله:{خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} تأكيد ثانٍ أبلغ من الأول، لأن من كان حاله إذا أنذر مثل حاله إذا لم ينذر، كان في غاية الجهل، وكان مطبوعا على قلبه لا محالة1.

"ب" بإشباع حاجة نفسه إلى المعرفة:

فالشاعر اليزيدي يحكي لنا:

ملكته حبلى ولكنه

ألقاه من زهد على غاربي

وقال:

إني في الهوى كاذب

...

...

...

وكأنه أحس أن المستمع يتشوف إلى معرفة رأي الشاعر فيمن اتهمه بالكذب، ماذا سيفعل به؟ أيعاقبه أم يدعو عليه؟ فيجيب اليزيدي بمعنى مستأنف مفصول عما قبله جوابا لهذا السؤال المتوقع، ويكون:

...

...

... انتقم الله من الكاذب2

1 الدلائل 228.

2 الدلائل 237.

ص: 80

ومثله قول المتنبي:

وما عفت الرياح له محلا

...

...

..

ولما نفى أن يكون الذي يرى به من الدروس والعفاء من الرياح،

، وكان في العادة إذا نفي الفعل الموجود الحاصل من واحد، أن يسأل المستمع: فما عفاه إذا؟ فيجيب المتنبي مستأنفا معنى جديدا مفصولا عن المعنى الأول:

.

...

...

..عفاه من حدا بهم وساقا1

وفي القرآن من هذا القبيل قوله تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ، اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} 2، يقول الجرجاني: وها هنا أمر سوى ما مضى يوجب الاستئناف وترك العطف، وهو: أن الحكاية عنهم بأنهم قالوا: كيت وكيت، تحرك السامعين لأن يعلموا -مصير أمرهم وما يصنع بهم، أتنزل بهم النقمة عاجلا أم لا تنزل ويمهلون- وتوقع في أنفسهم التمني لأن يتبين لهم ذلك، وإذا كان كذلك، كان هذا الكلام الذي هو قوله:{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} في معنى ما صدر جوابا عن هذا المقدر وقوعه في أنفس السامعين وإذا كان مصدره كذلك، كان حقه أن يؤتى به مبتدأ غير معطوف ليكون في صورته إذا قيل: فإن سألتم قيل لكم: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} 2.

ويبدو هذا أيضا في التنزيل في لفظ "قال" الذي يأتي مفصولا غير موصول، ففي قوله تعالى في قصة ضيف إبراهيم:

- {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ} .

- {فَقَالُوا سَلَامًا} .

1 الدلائل 238.

2 البقرة: 14، 15.

3 الدلائل 235.

ص: 81

- {قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} .

- {فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ} .

- {قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ} .

- {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} .

- {قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} 1.

يقول الجرجاني: جاء على ما يقع في أنفس المخلوقين من السؤال.

فلما كان في العرف والعادة فيما بين المخلوقين، إذا قيل لهم:"دخل قوم على فلان، فقالوا كذا" أن يقولوا: "فما قال هو؟ " ويقول المجيب "قال كذا

" أخرج الكلام ذلك المخرج. لأن الناس خوطبوا بما يتعارفونه، وسلك باللفظ معهم المسلك الذي يسلكونه، وكذلك في قوله: {قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ} وذلك أن قوله: {فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ} يقتضي أن يتبع هذا الفعل بقول: فكأنه قيل والله أعلم: "فما قال حين وضع الطعام بين أيديهم؟ " فأتى قوله: {قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ} جوابا عن ذلك. وكذا: {قَالُوا لَا تَخَفْ} لأن قوله: {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} يقتضي أن يكون من الملائكة كلام في تأنيسه وتسكينه مما خامره، فكأنه قيل: "فما قالوا حين رأوه، وقد تغير ودخلته الخيفة؟ " فقيل:{قَالُوا لَا تَخَفْ} وذلك -والله أعلم- المعنى جميع ما يجيء منه على كثرته، كالذي يجيء في قصة فرعون عليه اللعنة، في رد موسى عليه السلام2، ومما هو في غاية الوضوح في سورة الحجر3، وفي سورة

ص: 82

يس1 وغيرها2، والجمل المستأنفة المفصولة تقوم بهذا الغرض خير قيام.

وبعد، فقد أقام الجرجاني صرحه هذا على قاعدتين أساسيتين في إعادته تشكيل المادة.

- أنه ضبط قواعد الفصل والوصل ليحكم ويحدد المعالم، ثم انطلق يحلل عناصر الجمال التي تمثلت في نظره في الجانب المنطقي الذي يخاطب العقول والمعقول عند المستمع أو القارئ

ثم راعى:

- جانب التأثير النفسي الذي يهتم بمراعاة مقتضى حال السامع بإيضاح المعنى له بطريق التوكيد، وبطريق الإجابة عن سؤاله المتوقع لإشباع حاجة نفسه إلى المعرفة.

ومع الجرجاني نلحظ أنه لم يقصر الفصل والوصل على الجمل بل جعل المفردات مدخلا لها -بالرغم من أنه لم يتوقف عند هذا الجانب. ولم يقصر الوصل على حرف الواو فقط، ولم يكن الوصل عنده بين المفردات والجمل فقط، بل كان أيضا بين مجموع جمل ومجموع جمل أخرى، وكان بمجموع جمل الشرط على مجموع جمل الجزاء -الأمر الذي لم يلتفت إليه أحد من البلاغيين التالين.

ورأى الجرجاني أن الواو في وصلها تجمع بين الأشباه والنظائر، وتجمع أيضا بين النقائض لعلاقة، والعلاقة تتضح من السياق، أي أن الجمال عنده موضعي، وقد كان هذا كافيا ليعلم من يريد تقعيد البلاغة أن البلاغة ليس من طبيعتها احتمال كل ما بها من قواعد راسخة، وإنما هي أيضا تطبيقات واجتهادات تسمح باجتهادات أخرى أوسع وأعمق، وسنرى هذا الجانب واضحا عند

1 قال تعالى:

{قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} .

{قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ

} [يس: من 15-16] .

2 الدلائل 240-242.

ص: 83

الزمخشرى الذي فتح آفاقا عجيبة في فن الفصل والوصل، وطوف ما طوف، فجنى ما جنى، وكانت ثمارا طيبة.

وبقدر ما كان للجرجاني فضل على درس الفصل والوصل لكنه أضر بالفصل والوصل. فالعنصر الكلامي في معاجلة الجرجاني المتكلم الأشعري قد تسرب منه إلى كل من عالج الدرس البلاغي، كل قدر ما يستطيع أو قدر ما يستسيغ، كما أنه لم يلفت النظر إلى ضرورة الخروج إلى رحاب القرآن الكريم للتحرر من قيد الشواهد التعليمية الراسخة، فما أن اختارها للتطبيق حتى صارت ثوابت لا يجوز الخروج عليها، وعذره أنه كان يضع الأسس التي انتظرت المطبق لها، المضيف إليها، والمعترض عليها أيضا، من علمه وذوقه، الأمر الذي قام به الزمخشري كما قلنا.

ومما سببه الجرجاني أيضا بدون قصد -أن اللاحقين تصوروا أنه قد وضع الشكل النهائي لفن الفصل والوصل. فراحوا يطبقون ويشرحون ويلخصون، ولم يتصوروا أن الجرجاني قد وضع الأساس لكي يرتفع البناء، فضاعت منهم -ومنا- أجمل سني عمرهم وأروع ثمرات جهدهم في الشروح والتلخيص.

ص: 84