المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌بعض سمات الدعوة في هذا العصر - المؤتمر العالمي لتوجيه الدعوة وإعداد الدعاة

[-]

فهرس الكتاب

- ‌افتتاح المؤتمر

- ‌كلمة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز

- ‌كلمة معالي وزير التعليم العالي

- ‌كلمة فضيلة الشيخ عبد المحسن العباد

- ‌كلمة فضيلة الشيخ أبي الحسن الندوي

- ‌اختيار سماحة الشيخ بن باز رئيساً للمؤتمر

- ‌كلمة رئيس المؤتمر

- ‌كلمة فضيلة الشيخ العباد بعد انتخابه نائباً لرئيس المؤتمر:

- ‌كلمة فضيلة الشيخ محمد الغزالي مقرر المؤتمر

- ‌أعضاء المؤتمر يرفعون برقية شكر إلى سمو نائب جلالة الملك

- ‌رد سمو الأمير فهد بن عبد العزيز

- ‌رئيس وأعضاء المؤتمر يشكرون سمو الأمير فهد بن عبد العزيز

- ‌جواب سمو الأمير فهد بن عبد العزيز

- ‌دليل المؤتمر

- ‌مدخل

- ‌محتوى الدليل

- ‌تقديم

- ‌الأهداف العامة للمؤتمر

- ‌الموضوعات الرئيسية للمؤتمر

- ‌من البحوث التي قدمت للمؤتمر

- ‌لجان المؤتمر

- ‌المدعوون لحضور المؤتمر

- ‌من خارج المملكة العربية السعودية

- ‌من داخل المملكة

- ‌برنامج المؤتمر

- ‌اليوم الأول

- ‌الفترة الصباحية

- ‌اليوم الثاني

- ‌فترة الصباح

- ‌فترة المساء:

- ‌اليوم الثالث

- ‌فترة الصباح

- ‌فترة المساء:

- ‌اليوم الرابع

- ‌فترة الصباح

- ‌فترة المساء:

- ‌اليوم الخامس

- ‌فترة الصباح

- ‌فترة المساء:

- ‌اليوم السادس

- ‌فترة الصباح

- ‌فترة المساء:

- ‌يوم الجمعة

- ‌من بحوث المؤتمر

- ‌‌‌بعض سمات الدعوة في هذا العصرلفضيلة الشيخ أبي الحسن الندوي

- ‌بعض سمات الدعوة في هذا العصر

- ‌كيفية إعداد الداعية للدكتور أحمد أحمد غلوش

- ‌تمهيد

- ‌وجوب تبليغ الدعوة وإعداد الدعاة

- ‌الصفات الواجبة للدعاة

- ‌الإيمان العميق

- ‌ العلم الدقيق

- ‌ الخلق المتين

- ‌كيفية إعداد الدعاة

- ‌مدخل

- ‌ الإشراف المنظم:

- ‌ إقامة دورات للتعليم والتدريب:

- ‌ مكتبة الداعية:

- ‌ المؤلفات الموضوعية:

- ‌ المجلة المتخصصة:

- ‌ تحسين المستوى الإجتماعي للدعاة:

- ‌تهيئة الدعاة الجدد

- ‌الإختيار المبكر

- ‌مدارس الدعاة:

- ‌ كليات الدعوة:

- ‌الدعاة المبعوثين للخارج

- ‌العون الواسع

- ‌ تعيين مساعدين للدعاة:

- ‌ حماية الدعاة:

- ‌الخاتمة

- ‌إعداد الداعية ومعالجة بعض مشاكل الدعوة للشيخ محمد محمد أبو فرحة

- ‌مدخل

- ‌الظروف مواتية:

- ‌مهمة الداعي

- ‌واجب هيئات الدعوة

- ‌الطريق إلى الدعوة

- ‌هيئة عامة للدعوة

- ‌(مهمة الهيئة)

- ‌مقر الهيئة

- ‌كلية خاصة بالدعوة

- ‌مدخل

- ‌المواد الدراسية

- ‌التفرقة في التخصص

- ‌(الناحية العملية في تربية الدعاة)

- ‌واجب الدعاة نحو أنفسهم

- ‌مشكلات الدعوة والدعاة في العصر الحديث وكيفية التغلب عليها؟ للدكتور محمد حسين الذهبي

- ‌مدخل

- ‌أولا: تمويل الدعوة

- ‌ثانيا ـ جهاز الدعوة

- ‌ثالثا: مناخ الدعوة

- ‌عقبات وتحديات تعترض طريق الدعوة

- ‌من هنا فلنبدأ أعمالنا للدعوة للشيخ محمد المجذوب

- ‌تمهيد

- ‌من أين نبدأ:

- ‌الإسلام والجاهليات

- ‌تصحيح الداخل أولا:

- ‌هذه التناقضات:

- ‌تراثنا المهدد:

- ‌من هنا فابدأوا:

- ‌لابد من حوار:

- ‌لا منقذ إلا الإسلام:

- ‌وأخيرا:

- ‌‌‌بين يدي العلاجللدكتور محمد الهراس

- ‌بين يدي العلاج

- ‌رسالة الإعلام في بلاد الإسلام وعلاقتها بالدعوة الإسلامية للشيخ عبد الله بن إبراهيم الأنصاري

- ‌مدخل

- ‌نحو خطة إعلامية سليمة:

- ‌نحو خطة إعلامية هادفة

- ‌الدعوة الإسلامية ووسائل الإعلام للدكتور عبد المنعم محمد حسين

- ‌مقدمة

- ‌ أساس الدعوة الإسلامية

- ‌الدعوة الإسلامية في العصر الحالي:

- ‌ خطر وجود وسائل الإعلام بصورتها الحالية

- ‌ ضرورة إيجاد إعلام إسلامي

- ‌واجب الإعلام الإسلامي:

- ‌((خاتمة))

- ‌الأساليب التبشيرية في العصر الحديث للدكتور علي محمد جريشة

- ‌تمهيد

- ‌الفصل الأول: التبشير الحديث.. من الغرب

- ‌مقدمة:

- ‌المطلب الأول: أساليب التبشير الحديث

- ‌المطلب الثاني: ((التغيير السياسي))

- ‌الفصل الثاني: الغزو الفكري من الشرق

- ‌توطئة

- ‌المطلب الأول: الماركسية.. مبدأ

- ‌المطلب الثاني: الماركسية.. وسيلة

- ‌الفصل الثالث: الدعوة الإسلامية في وجه الغزو الفاجر

- ‌((توطئة))

- ‌المطلب الأول: وسيلة الإسلام

- ‌المطلب الثاني: هدف الإسلام

- ‌توصيات المؤتمر

- ‌مدخل

- ‌في مجال الدعوة الإسلامية ووسائلها وأساليبها وسبل تعزيزها وتطوير أدائها

- ‌في مجال ((إعداد الدعاة))

- ‌في مجال مشاكل الدعوة والدعاة:

- ‌في مجال وسائل الإعلام:

- ‌في مجال الدعوات والاتجهات المضادة للإسلام:

- ‌توصيات عامة

الفصل: ‌بعض سمات الدعوة في هذا العصر

‌من بحوث المؤتمر

‌‌

‌بعض سمات الدعوة في هذا العصر

لفضيلة الشيخ أبي الحسن الندوي

بعض سمات الدعوة في هذا العصر

بعض سمات الدعوة في هذا العصر

لفضيلة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي رئيس جمعية ندوة العلماء في لكهنو (بالهند)

الحمد رب لله العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وخاتم النبيين محمد وآله وصحبه أجمعين ومن أتبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد فإنني سأتحدث في هذه المناسبة الكريمة وهي ((دورة مؤتمر الدعوة)) التي تعقدها الجامعة الإسلامية في مدرسة الدعوة الإسلامية الأولى ومنطلق الدعاة إلى الله في العالم (المدينة المنورة) عن بعض السمات البارزة التي يجب أن تتسم بها الدعوة والدعاة في هذا العصر حتى يستطيعوا أن يقوموا بدور الدعوة في أتم وجه ويبلغوا رسالة الرسل عليهم السلام ويؤثروا التأثير المطلوب

أما الدعوة الإسلامية فيجب أن تكون هذه الدعوة جامعة بين تحريك الإيمان في نفوس المخاطبين والمجتمع الإسلامي وإثارة الشعور الديني، وبين إكمال الوعي وتنميته وتربيته، فإن المتتبع لأحوال العالم الإسلامي اليوم وواقع الأقطار الإسلامية وحكوماتها وشعوبها يعرف أن تمسك هذه الشعوب والجماهير بالإسلام وحبها له هو الحاجز السميك والسد المنيع لكثير من القيادات التي خضع للحضارة الغربيةوقيمها ومفاهيمها، وفلسفاتها ونظمها، وآمنت بها إيمانا كإيمان المتدينين بالديانات المؤمنين بالشرائع السماوية، وفقدت الثقة بصلاحية الإسلام لمسايرة العصر الحديث وتطوراته وأحداثه، وكرسالة خالدة عالمية، فإسلام هذه الشعوب والمجتمعات وكونها لا تفهم إلا لغة الإيمان والقرآن ولا تندفع إلا لما يجيء عن طريقهما، ولما يمس قلبها ويخاطب ضميرها، يعوق كثيرا من هذه القيادات عن نبذ الإسلام نبذا كليا وإعلان الحرب عليه، وقد لجأ بعض هذه القيادات في ساعات عصبية إلى إثارة هذا الإيمان والحماس الديني، واستخدامهما لكسب المعركة أو الإنتصار على العدو حين رأت أن لا ملجأ من الله إلا إليه، وإلى إيمان هذه

ص: 65

الشعوب السليمة المؤمنة، فرفعت هتفات التكبير)) الجهاد ((و)) الشهادة ((في سبيل الله، ومحاربة العدو الكافر المهاجم كما فعلت الجزائر في حربها مع الفرنسيين وباكستان في حرب 1965م وجربت فائدة هذا الإيمان وقوة هذه العاطفة.

فأصبح إيمان هذه الشعوب وتمسكها بالإسلام وتحمسها له، هو السور القوي العاي الذي يعتمد عليه في بقاء هذه البلاد، وكثير من القيادات والحكومات الإسلامية في حظيرة الإسلام، فإذا تهدم هذا السور ـ لا سمح الله بذلك ـ أو تسوره دعاة الكفر واللادينية، أو تيار الردة الفكرية والحضارية فالخطر كل الخطر على الإسلام في هذه البلاد، ولا يمنع هؤولاء القادة المحاربين للإسلام، والمضمرين له العداء والحقد شيء من أن يخلعوا العذار ويطرحوا الحشمة والتكلف، ويجردوا هذه الأقطار والشعوب العريقة في الإسلام من كل ما يمد إلى الإسلام بصلة، فإن الشيء الوحيد الذي يخافون معرته، ويحسبون له حسابا هو ثورة هذه الشعوب على هذه القيادات بدافع الإيمان والحماس الإسلامي، فيفقدهم ذلك ما يتمتعون به من كراسي الحكم ومركز القيادة، فإذا زال الحاجز لم يقف في وجههم شيء.

إذن فيجب على دعاة الإسلام والعاملين في مجال الدعوة الإسلامية الإحتفاظ بهذه البقية الباقية من الإيمان في نفوس الشعوب والجماهير، والمحافظة على الجمرة الإيمانية من أن تنطفي.

ولا يصح الإقتصار على تحريك الإيمان، وإثارة العاطفة الدينية في نفوس الشعوب والجماهير، بل يجب أن تضم إليه تنمية الوعي الصحيح وتربيته والفهم للحقائق والقضايا، والتمييز بين الصديق والعدو وعدم الإنخداع بالشعارات والمظاهر، فقد رأينا أن الشعوب التي يضعف فيها هذا الوعي أو تحرمه يتسلط عليها ـ رغم تمسكها بالإسلام وحبها له ـ قائد منافق، أو زعيم ماكر أو عدو جبار، فيصفق له الشعب بكل حرارة ويسير في ركابه1، فيسوقها بالعصا سوق الراعي لقطعان من الغنم، لا تعقل ولا تملك من أمرها شيأ، ولا يمنعها تمسكها بالإسلام وحبها له من أن تكون فريسة سهلة أو لقمة سائغة للقيادات اللادينية أو المؤامرات ضد الإسلام.

وقد كان ما يمتاز به المجتمع الإسلامي

1 كما وقع في مصر في عهد جمال عبد الناصر.

ص: 66

الأول المثالي الصحابة رضي الله عنهم بفضل التربية النبوية الدقيقة الشاملة الجمع بين الدين المتين الذي لا مغمز فيه، والإيمان القوي الذي لا يعتريه وهن، وبين الوعي الناضج الكامل فكانوا لا يخدعون ولا ينخدعون، ولا يسيغون شيأ ينافي الإسلام وينافي العقل، والذي يضرهم ويجني عليهم أو يوقعهم في خطر أو تهلكة، قد بلغوا من الرشد واستكملوا الحصافة والنضج، فلا يؤخذون على غرة ولا يقعون في شرك ينصبه العدو الماكر، يخطئون ولا يصرون، ولا تتكر منهم غلطات وتورطات، وقد جاء في حديث صحيح " لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين " بخلاف الشعوب الفاقدة الوعي فهي تلدغ مرة بعد مرة، وذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخذهم بتربية وتعاليم أمنوا بها عن الوقوع في الشباك، وامتنعوا بها عن قبول ما لا يتفق مع تعاليم الإسلام، وآدابه والفطر السليمة والعقول المستقيمة، فكان مجتمعا نمودجيا مثاليا في كل شيء.

أعرض لكم ـ على سبيل المثال ـ مثالين من هذا العقل الحصيف والوعي الكامل:

الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مرة "أنصر أخاك ظالما أو مظلوما " وهو مثل جاهلي قديم وعرف من أعراف العرب الأولين، تمسك به العرب في جاهليتهم كما قال العلامة الحافظ ابن حجر في شرح هذا الحديث في كتابه الجليل فتح الباري فكان المتوقع المعقول أن يتلقاه الصحابة ـ وقد نشأووا في الجاهلية وعاشوا في الجزيرة ـ إما بالقبول وإما بالسكوت.

وقد صدر هذا الكلام من النبي المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى {إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى} . وقد عرف حبهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم وفداؤهم له بالنفس والنفيس، وكان حبا لا نظير له في تاريخ الديانات والرسالات، وفي تاريخ الحب والطاعة العالمي، وكان تفسيرا للحديث المشهور "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وولده والناس أجمعين" وجاء في بعض الروايات من نفسه ولكن كل ذلك لم يمنعهم كم التساؤل أو الإستيضاح فإن ظاهر الكلام كان ينافي ما فهموه من تعليم الإسلام وما شاهدوه من تربية الرسول وأخلاقه، وما آمنوا به من مبدأ الإنصاف والمساواة وقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} وقوله تعالى {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا

ص: 67

اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} . فقالوا يا رسول الله، هذا نصرته مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ هنالك فسره رسول الله صلى الله عليه وسلم تفسيرا يتفق مع تعاليمه السابقة الدائمة فقال "تمنعه من الظلم فذاك نصرك إياه1 ".

هنالك إقتنع الصحابة رضي الله عنهم، وشفيت صدورهم، فازدادوا إيمانا على إيمان، وهو مثال بليغ رائع من أمثلة الوعي الإيماني العقلي الذي كان شعارا لصاحبة الرسول صلى الله عليه وسلم والصدر الأول.

والمثال الثاني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل سرية، وأمر الصحابة بطاعة الأمير، وقد كان في هذه السرية ما لم يرض الأمير، وشك في انقيادهم له فأمر بالحطب، فجمع، وأمر بالنار فأشعلت ثم قال خوضوها، فامتنع الصحابة رضي الله عنهم عن طاعته في ذلك لأنه " لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق" وقالوا إنما فررنا من النار ولما رجع إلى المدينة شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصوب فعلهم وقال "لو دخلوا فيها لم يزالوا فيها" وقال:"لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف"2.

وكانت نتيجة ضعف بعض الشعوب المسلمة القوية في إيمانها، الغنية في مظاهرها الإيمانية ومراكزها الدينية وثروتها العلمية، أنها كانت فريسة سهلة للهتافات الجاهلية والنعرات القومية أو العصبيات اللغوية والثقافية، ولعبة القيادات الداهية والمؤامرات الأجنبية، وذهبت ضحية سذاجتها وضعفها في الوعي الديني، والعقل الإيماني كما وقع في باكستان الشرقية في (197م) قامت فيها مجزرة إنسانية هائلة، وما ذلك إلا بسحر دعوات العصبية اللغوية والعصبية الوطنية على هذا الشعب المسلم، المؤمن الذي كان له تاريخ مجيد في البطولات الإسلامية وخدمة الإسلام والعلم، ونهض فيه علماء كبار ودعاة إلى الله، وغصت بلادها بالمساجد والمدارس وكانت عاصفة هوجاء هبت ثم ركدت، ونار حامية التهبت ثم انطفأت، ولكنها زلزلت أركان الإسلام في هذه المنطقة، وأضعفت الكيان الإسلامي، وكانت حجة لأعداء الإسلام الذين يقولون إن الإسلام لا يستطيع أن يقاوم العصبيات القومية ولا يقتلع جذورها من نفوس أتباعه.

1 ـ حديث متفق عليه..

2 ـ إقرأ القصة بطولها في سنن أبي داود كتاب الجهاد..

ص: 68

وواجب ثالث مقدس من واجبات العاملين في مجال الدعوة الإسلامية هو صيانة الحقائق الدينية والمفاهيم الإسلامية من التحريف، وإخضاعها للتصورات العصرية الغربية، أو المصطلحات السياسية والاقتصادية التي نشأت في أجواء خاصة، وبيئات مختلفة ولها خلفيات وعوامل وتاريخ، وهي خاضعة دائما للتطور والتغيير، فيجب أن نغار على هذه الحقائق الدينية والمصطلحات الإسلامية غيرتنا على المقدسات وعلى الأعراض والكرامات بل أكثر منها وأشد، لأنها حصون الإسلام المنيعة وحماه وشعائره، وإخضاعها للتصورات الحديثة وتفسيرها بالمصطلحات الأجنبية إساءة إليها لا إحسان، وإضعاف لها لا تقوية وتعريض للخطر لا حصانة ونزول بها إلى المستوى الواطي المنخفض لا رفع لشأنها كما يتصور كثير من الناس، فإذا قلنا الحج مؤتمر إسلامي عالمي، لم ننصف الحج ولم ننصف لمن نخاطبه ونريد أن نفهمه حقيقة الحج وروحه ولما شرع له ولم ننصح لكليهما، وإن روح الحج وسر تشريعه غير ما يعقد له المؤتمرات صباح مساء، ولو كان الحج مؤتمراً إسلامياً عالميا لكان له شأن ونظام غير هذا النظام، وجو غير هذا الجو، ولكان النداء له مقصور على طبقات مثقفة واعية فقط وعلى قادة الرأي وزعماء المسلمين1.

كذلك حقيقة العبادة وحقيقة الصلاة، وحقيقة الزكاة والصوم، فلا يجوز العبث بهذه المصطلحات والتجني عليها، وإخضاعها للفلسفات الجديدة، وتفسيرها بالشيء الذي لا ثقة به ولا قرار له، وقد استخدمت هذه)) الإستراتيجية الدعائية ((الباطنية في القرن الخامس الهجري فما بعده ففسروا المصطلحات الدينية بما شأوا وشأت أهوائهم ومصالحهم وتفننوا فيه، وأتوا بالعجب العجاب، وحققوا به غرضهم من إزالة الثقة بهذه الكلمات المتواترة التي هي أسوار الشريعة الإسلامية وحصونها، وشعائرها، ونشر الفوضى في المجتمع الإسلامي، والجماهير المسلمة، وإذا فقدت هذه الكلمات التي توارثت فهمها الأجيال المسلمة وتواتر في المسلمين وأصبح فيها مساغ لكل داع إلى نحلة جديدة، ورأي شاذ، وقول طريف، فقد أصبحت قلعة الإسلام مفتوحة لكل مهاجم ولكل منافق، وزالت الثقة بالقرآن والحديث واللغة العربية، وجاز

1 ـ راجع معرفة أسرار الحج ومقاصد الشريعة الإسلامية فيه في كتابنا الأركان الأربعة.

ص: 69

لكل قائل أن يقول ما شاء ويدعو إلى ما شاء، وهذه فتنة لا تساويها فتنة وخطر لا يكلفئه خطر.

إن مفاهيم هذه الكلمات معينة على اتساع بلاغتها وعمقها وكثرة معانيها وإن الأمة توارثت هذه المفاهيم المعينة كما توارثت أشكال الصلاة والصوم والحج ونظمها الظاهرة، وتناقلتها وحافظت عليها من غير أقل انقطاع أو أقصر فترة، وإنه معنى قوله تعالى {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً} وهو معنى الحديث المشهور الذي صح معناه "لا تجتمع أمتي على الضلالة" 1 وقد أثبت شيخ الإسلام ابن تيمية أن سنة واحدة من السنن الكثيرة لم ترفع من هذه الأمة بشكل كلي، وإنها لا تزال طائفة من أمتي ظاهرة على الحق.

والكلمات هي الوسيلة الوحيدة لنقل المعاني والحقائق من جيل إلى جيل ومن عصر إلى عصر، ومن إنسان إلى إنسان، فإذا وقع الشك في مدلول هذه الكلمات ومصداقها، أو صار التلاعب بها هيناً اضطربت دعائم الدين وتزلزلت أركانه، وهذا يعم التاريخ والشعر والأدب، لذلك كانت الفوضى اللغوية Liguistic Anarchy أشد خطراً وأكثر ضراراً من الفوضى السياسية Political Anarchy 2 وليست قضية الأسماء والمصطلحات من البساطة بالمكان الذي يتصوره كثير من الناس، فإنها تؤثر في النفس تأثيراً خاصاً، وتثير معاني وأحاسيس ذات صلة بالماضي وذات صلة بالعقائد والأعراف أحياناً، ولذلك كره رسول لله صلى الله عليه وسلم أن يقال)) العتمة ((مكان العشاء، ويوم العروبة بدل الجمعة، واستبدال كلمة يثرب بمدينة الرسول أو بالمدينة، ولها أمثلة أخرى في الشريعة الإسلامية.

وكذلك أحذركم أيها الإخوان مما لوحظ من بعض الكتاب من الضغط على

1 ـ انظر البحث في هذا الحديث في كتابنا "النبوة والأنبياء ".

2 ـ ومن أمثلة هذا التلاعب بالمصطلحات الدينية، أن أستاذا في إحدى جامعات الهند الكبرى، وهو يدرس اللغة العربية وآدابها، ألقى محاضرة في دورة مؤتمر الدراسات الإسلامية الأخيرة قال فيها أن المراد بكلمة الصلاة حيث وردت في القرآن مطلقة الحكومة المحلية أو الإقليمية والمراد بالصلاة الوسطى الحكومة المركزية أو الخلافة العامة وكان المقال باللغة العربية، وقد رددت عليه في حينه وقلت في تعليقي عليه أنه تلاعب بالقرآن وبالعقل وتمهيد لفوضى لغوية فكرية، وفتح الباب للإلحاد على مصراعيه، ونالت هذه الكلمة رضا المستمعين وتلقوها بالقبول والاستحسان..

ص: 70

أن هذه الأركان الدينية وفرائض الإسلام كالصلاة والزكاة والصيام والحج وسائل لا غايات، إنما شرعت لإقامة الحكم الإسلامي وتنظيم المجتمع المسلم، وتقويته وأحذركم من كل ما يحط من شأن روح العبادة والصلة بين العبد وربه وامتثال الأمر، ومن التوسع في بيان فوائدها الخلقية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية أحياناً توسعاً يخيل للمخاطب أو القارئ أنها أساليب تربوية أو عسكرية أو تنظيمية، قيمتها ما يعود منها على المجتمع من قوة ونظام أو صحة بدنية وفوائد طبية فإن أول أضرار هذا الأسلوب من التفكير أو التفسير أنه يفقد هذه العبادات قيمتها وقوتها وهو امتثال أمر الله وطلب رضاه بذلك، والإيمان والاحتساب والقرب عند الله تعالى، وهي خسارة عظيمة لا تعوض بأي فائدة، وفراغ لا يملأ بأي شيء في الدنيا.

والضرر الثاني أنه لو توصل أحد المشرعين أو الحكماء المربين إلى أساليب أخرى قد تكون أنفع لتحقيق هذه الأغراض الاجتماعية أو التنظيمية أو الطبية لاستغنى كثير من الذين آمنوا بهذه الفوائد عن الأركان والعبادات الشرعية، وتمسكوا بهذه الأساليب أو التجارب الجديدة، وبذلك يكون الدين دائما معرضاً للخطر ولعبة للعابثين والمحرفين.

وهذا لا ينافي الغوص في أعماق هذه الأركان والأحكام والحقائق الدينية، والكشف عن أسرارها وفوائدها الاجتماعية، وقد أفاض علماء الإسلام قديماً وحديثاً في بيان مقاصد الشريعة الإسلامية وأسرار العبادات والفرائض والأحكام الشرعية، وألفوا كتباً مستقلة وكتبوا بحوثاً جليلة، كالغزالي والخطابي وعز الدين بن عبد السلام وابن القيم الجوزية، وأحمد بن عبد الرحيم الدهلوي ولكن كل ذلك من غير تحريف لحقيقة هذه العبادات والأحكام والغاية الأولى التي شرعت لها، وهي امتثال الأمر الإلهي، والتقرب إليه بذلك والإيمان والاحتساب فيها ومن غير إخضاع لها للفلسفات العجمية أو الأجنبية في عصرهم ومن غير خضوع بسحرها وبريقها.

وأحذركم ثانية أيها الشباب من كل ما يقلل من شناعة الوثنية العقائدية والشرك الجلي من عبادة غير الله والسجود له وتقديم النذور والقرابين وإشراكه في صفات الله من قدرة علم وتصرف وإماتة وإحياء، وإسعاد وإشقاء، وأحذركم من الاكتفاء بالتركيز على شناعة الخضوع للحكومات والنظم الإنسانية والتشريعات البشرية وتحويل،

ص: 71

حق التشريع للإنسان، وأن ذلك وحده هو عبادة الطاغوت والشرك وأن الوثنية الأولى وعبادة غير الله قد فقدت أهميتها، وإنما كانت لها الأهمية في العصر القديم العصر البدائي، وأنه لا يقبل عليها الآن الرجل الجاهل الذي لا ثقافة له، ففضلاً عن أن هذه الوثنية والشرك الجلي لا يزال له شيوع وانتشار، ودولة وصولة يجربه كل إنسان في كل زمان ومكان، فإنها الغاية الأولى التي بعث لها الأنبياء وأنزلت لها الكتب السماوية، وقامت لها سوق الجنة والنار، وكانت دعوة جميع الأنبياء تنطلق من هذه النقطة، وكانت جهودهم مركزة على محاربة هذه الجاهلية والقرآن مملوء بذلك بحيث لا يقبل تأويلاً 1.

وإن كل ما يقال من أهمية محاربة الشرك الجلي وعبادة غير الله سواء أكانوا أشخاصاً أو أرواحاً، أو ضرائح ومشاهد، والعناية بمحاربة النظم والتشريعات والحكومات فحسب إحباط لجهود الأنبياء واتجاه بهذا الدين عن منهجه القديم السماوي إلى المنهج الجديد السياسي وهو تحريف لا محالة هذا من غير أن أقلل من قيمة التركيز على أن التشريع لله وحده، وله الحكم والأمر وحده وأن من يدعو إلى طاعة نفسه الطاعة المطلقة العمياء منافس للرب وطاغوت، وأنه يجب أن يدعى إلى التشريع الإلهي وإلى إقامة الحكم الإسلامي القائم على منهاج الكتاب والسنة ومنهاج الخلافة الراشدة وأن لا يدخر سعي في ذلك على حساب الدعوة إلى التوحيد والدين الخالص ومحاربة الوثنية والشرك، فإنها لا تزال في الدرجة الأولى وهي أكثر انتشاراً، وأعظم خطراً في الدنيا والآخرة، فقد قال الله تعالى {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} وقد قال {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ} ..

أما ما يتصل بصفات العاملين في مجال الدعوة الإسلامية وجنود الدعوة إلى الله، فإني أركز في هذا الحديث على نقطة واحدة، وهو يجب أن يكون الدعاة يمتازون عن الدهماء والجماهير، ودعاة النظم

1 اقرأ على سبيل المثال سورة الأعراف وسورة هود وسورة الشعراء والحديث عن كل نبي ودعوته.

ص: 72

الجديدة والفلسفات الجديدة، والفلسفات السياسية والاقصادية بقوة إيمانهم وحرارة قلوبهم، وزهدهم في زخارف الدنيا وفضول العيش ونهامة للمادة، ومرض التكاثر، فإنهم لا يستطيعون أن يؤثروا فيمن يخاطبونهم، ويحملوهم على إيثار الدين على الدنيا والآجلة على العاجلة، وتلبية نداء الضمير والإيمان على نداء المعدة والنفس والشهوات، وإشعال مجامر قلوبهم التي انطفأت أو كادت تنطفئ، إلا إذا شعر الناس فيهم بشيء لا يجدونه في قلوبهم وحياتهم، فإن الناس ما زالوا ولا يزالون مفطورين على الإجلال لشيء لا يجدونه عندهم، فالضعيف مفطور على احترام القوي، والفقير مفطور على احترام الغني، والأمي مفطور على احترام العالم، حتى اللئيم مفطور على احترام الكريم، أما إذا رأى الناس علماء ودعاة لا يقلون عنهم في حب المادة والجري ورائها والتنافس في الوظائف والمناصب والإكثار من الثراء والرخاء، والتوسع في المطاعم والمشارب، وخفض العيش ولين الحياة، فإنهم لا يرون لهم فضلاً عليهم وحقاً في الدعوة إلى الله، وإيثار الآخرة على الدنيا، والتمرد على الشهوات، والتماسك أمام المغريات، وقد قيل)) إن فاقد الشيء لا يعطيه ((وكذلك القلب الخاوي لا يملأ آخر بالإيمان والحنا، وأن الموت لا ينشأ الحياة. وأن البرودة لا تعطي الحرارة وأن الرماد الذي لا تكمن فيه جمرة لا يلهب القلوب الخامدة ولا يحي النفوس الميتة، والكشاف لا ينير الطريق إذا كانت قد نفذت شحنته، فلا بد أن تشحن القلوب بشحنة جديدة، وإذا كانت بطارية من غير شحنة كانت أقل عناء وقيمة من عصا يحملها الإنسان فقيمة البطارية الشحنة وقيمة الشحنة النور، فإذا لم تكن شحنة أو كانت شحنة ولا نور فالعصا خير منه.

أسألكم أيها الإخوة أليس هذا العصر هو العصر الذي انتشر فيه العلم وكثرت فيه وسائل الإعلام والتربية، وازدهرت فيه الخطابة والكتابة، وبلغت حد الشعر والسحر، وعمت الجامعات في كل مكان، وتدفق السيل من المطبوعات والمنشورات من المطابع ودور النشر، ونبغ فيها علماء وباحثون ووعاظ ومرشدون. فلماذا فقد العلماء والموجهون التأثير في النفوس والقلوب في صد تيار المادية أو الاستغلال والجشع والنهامة للمال؟ هذه البلاد العربية بما فيه البلاد المقدسة أصبحت مصداقاً لما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم في إحدى خطبه قبل وفاته

ص: 73

"ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخاف أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم ".

وأخوف ما نخافأن تكتسح هذه البلاد الموجة العارمة من التكاثر في الأموال، واستغلال حاجة الناس وضعفهم والانتهازية، وهي الموجة التي لا تعرف الرحمة والهوادة، ومكارم الأخلاق التي عرف بها العرب في العصر الجاهلي، وربما يعود ذلك خطراً كبيراً على الحج ومركزه، ويمكن أن يشكل محنة للوافدين إليه، فيضطر الدعاة في صد هذه الموجة إلى مكافحة خلقية وحملة دعوية تربوية تنظم لإصلاح الحال، وإيقاظ الضمير وإثارة الغيرة الإسلامية والشعور النبيل، وتنطلق من المنابر والصحف، والإذاعة ووسائل الإعلام، وتجند لها الطاقات والألسن والأقلام.

وسمة الدعوات الحية المخلصة التي تقتبس النور من مشكاة النبوة، وتسير على نهجها، أنها تجس نبض المجتمع جسا صحيحا أمينا، وتهتدي إلى الداء الحقيقي ومواضع الضعف في جسم هذا المجتمع، وتضع أصبعها عليها، وتضرب على الوتر الحساس، من غير محاباة أو مداهنة، ولا تكترث بألم هذا المجتمع أو ملامه، كما فعل شعيب في دعوته، فوجه دعوته ـ بعد الدعوة إلى التوحيد ـ إلى ايفاء الكيل والوزن بالقسطاس المستقيم، وشنع على التطفيف، إذ كان ذلك عيب المجتمع الذي بعث فيه، وسمته البارزة، وكذلك فعل غيره من الأنبياء.

وهذه كانت سنة الدعاة إلى الله من المخلصين الربانيين في تاريخ الإسلام، فكانوا ينتقدون المجتمع في الصميم، ويصيبون المحز، ولذلك كان وقع كلامهم في النفوس عظيما وعميقا، وما كان يسع المجتمع أن يتاغفل عنهم أو يمر بهم مرا سريعا، أو يسلي نفسه بأنه إنما يعنون غيره من المجتمعات التي لم تخلق بعد، وهذا كان شأن الحسن البصري في مواعظه إذ كان دائماً يشير إلى النفاق الذي داء المجتمع الإسلامي، وهو في أوج مجده ورخائه، ويذم حب الدنيا وطول الأمل، وهذا كان شأن الشيخ عبد القادر الكيلاني، فيدعو إلى التوحيد الخالص وقطع الرجاء، والخوف من غير الله وأنه لا يضر ولا ينفع سواه، أن الناس كانوا قد ربطوا مصيرهم بالخلفاء والأمراء وأصحاب الحول والطول والأمر والنهي في العاصمة، وهذا كان شأن

ص: 74

ابن الجوزي في مواعظه، الساحرة، ومجالسة المزحومة، فإنه كان يشنع على الحياة اللاهية الماجنة التي كان يحياها كثير من الناس في بغداد، وعلى الذنوب والمعاصي التي كانت تقترف جهاراً، والمنكرات التي شاعت، فكان مئات وآلاف من الناس يتوبون ويقلعون عن الذنوب وكان نشيج يعلو وقلوب ترق، وعيون تدفع، وموجة من الإنابة والرقة تكتسح الجموع الحاشدة لأنه كان يمس القلوب ويصور الواقع، ولا يكتفي بالكلام العام والوعظ التقليدي1.

وهنا أنقل إليكم قطعة من كتابنا)) رجال الفكر والدعوة في الإسلام ((والمؤلف يتحدث عن الإمام أحمد بن حنبل وزهده.

وقد رأينا الزهد والتجديد مترافقين في تاريخ الإسلام، فلا نعرف أحداً ممن قلب التيار وغير مجرى التاريخ ونفخ روحاً جديدة في المجتمع الإسلامي أو فتح عهداً جديدا في تاريخ الإسلام، وخلف تراثاً خالداً في العلم والفكر والدين، وظل قروناً يؤثر في الأفكار والآراء، ويسيطر على العلم والأدب إلا وله نزعة في الزهد، وتغلب على الشهوات، وسيطرة على المادة ورجالها ولعل السر في ذلك أن الزهد يكسب الإنسان قوة المقاومة، والاعتداد بالشخصية والعقيدة، والاستهانة برجال المادة وبصرعى الشهوات، وأسرى المعدة، ولذلك ترى كثيراً من العبقريين والنوابغ في الأمم، كانوا زهاداً في الحياة، متمردين على الشهوات، وبعيدين على الملوك والأمراء والأغنياء في زمانهم، ولأن الزهد يثير في النفس كوامن القوة، يشعل المواهب، ويلهب الروح، وبالعكس إن الدعة والرخاوة تبلد الحس وتنيم النفس وتميت القلب.

وهناك تعليلات أخرى يوافق عليها علم النفس وعلم الأخلاق، ولا أطيل بذكرها، وأقتصر على هذه الملاحظة التاريخية، وألح على أن منصب التجديد والبعث الجديد يتطلب لا محالة زهداً وترفعا عن المطامع وسفاف الأمور ويأبى الاندفاع إلى التيارات، ويتنافى مع الحياة الوادعة الرخية والعيشة الباذخة الثرية، إنما هو خلافة للرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم، وقد قيل له، {وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً

1 ـ اقرأ تفاصيل مجالس ابن الجوزي وتأثيرها في كتاب صيد الخاطر ورحلة ابن جبير.

ص: 75

مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى} وأمر بأن يقول لأزواجه {إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً} وهذه سنة الله فيمن يختاره لهذا الأمر العظيم، ومن يرشح نفسه ويمنيها بهذا المنصب الخطير، ولن تجد لسنة الله تحويلاً1.

ومن أبرز سمات الدعوة التي يقوم بها الأنبياء وخلفاءهم أنها تقوم على الإيمان بالآخرة والتحذير من عقابها والترغيب في نعمائها وثوابها ويكون مناط العمل فيها الإيمان والاحتساب والآخرة والثواب، لا على الإغراء بالفوائد الدنيوية والجاه والمنصب والمال والملك فإنه أساس ضعيف منهار ولا يتفق مع طبيعة دعوات الأنبياء، والمساومة فيه سهلة، وقد يملك أعدائهم وخصومهم والقادة السياسيون مثله أو أكثر منه، ومن رضع بلبان هذه المطامع لم يمكن فطامه عنها، ولا يصح الاعتماد عليه، وإنما يبنون دعوتهم على رضى الله وثوابه وما أعده لعباده المؤمنين وما وعدهم به على لسان أنبياءه، من نعيم لا يزول ولا يحول والصحف السماوية ـ غير صحف العهد القديم التوراة ـ2 مملوءة بالحديث عن الآخرة والاهتمام بها والبناء عليها وقد جعل الإسلام والإيمان بها عقيدة أساسية شرطاً لصحة الإيمان والنجاة وقد جاء في القرآن صريحاً {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} .

وهنا أستعير لنفسي من نفسي ما قلته في إحدى المحاضرات التي ألقيتها في هذه الجامعة العزيزة سنة 1382 هـ تحت عنوان)) النبوة والأنبياء في ضوء القرآن ((وأختم به هذا الحديث مؤملاً في أن تكون هذه السمات التي تحدثت عنها شعار الدعوة التي يقوم بها الدعاة المتخرجون من هذه الجامعة أو القائمون بأعبائها في كل ناحية من نواحي العالم الإسلامي، قلت وأنا أتحدث عن الفرق بين منهج الدعوات النبوية وبين الدعوات الإصلاحية.

ولم تكن دعوة الأنبياء إلى الإيمان بالآخرة أو الإشادة بها كضرورة خلقية أو كحاجة إصلاحية لا يقوم بغيرها مجتمع فاضل ومدنية صالحة فضلاً عن المجتمع الإسلامي. وهذا وإن كان

1 ـ رجال الفكر والدعوة الجزء الأول ترجمة الإمام أحمد بن حنبل ص 132.

2 فقد تجردت بعد التحريف من ذكر الآخرة ونعمائها والترغيب فيها بطريقة عجيبة.

ص: 76

يستحق التقدير والإعجاب ولكنه يختلف عن منهج الأنبياء وسيرتهم ومنهج خلفائهم اختلافاً واضحاً. والفرق بينهما أن الأول منهج الأنبياء إيمان ووجدان، وشعور وعاطفة وعقيدة تملك على الإنسان مشاعره، وتفكيره وتصرفاته، والثاني اعتراف وتقدير وقانون مرسوم وأن الأولين يتكلمون عن الآخرة باندفاع والتذاذ ويدعون إليها بحماسة وقوة وآخرون يتكلمون عنها بقدر الضرورة الخلقية والحاجة الاجتماعية وبدافع من الإصلاح والتنظيم الخلقي، وشتان ما بين الوجدان والعاطفة وبين الخضوع للمنطق والمصالح الاجتماعية.

ص: 77