الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
هذه الفروق الجنسية والفردية على مستوى الشعوب والأفراد أصبحت أساسا مقررا وحقيقة مسلمة لدى علماء النفس والإجتماع وخبراء التربية، وقد إعتمدت عليها نظم التعليم في كل الدنيا، وآن لنا أن نستفيد منها في مجال الدعوة الذي رأينا كيف أسسه القرآن الكريم على أساس الفهم المشترك العميق بين الداعي والمدعو، ليتم الإتصال الذي يحقق الغاية كاملة.
لابد للدعوة من توافر هذين الأمرين ـ
التمويل الكافي
والجهاز المقتدر
ويبقى بعد توافر هذين العاملين شرط إذا لم يتوافر هو الآخر ضاعت الآمال المعلقة بالدعوة، وتبخرت الأهداف المنوط بها تحقيقها.
وهذا الشرط يتمثل في توفير مناخ صالح تنطلق فيه الدعوة إلى الله خالصة من كل قيد، متجردة من كل غاية إلا غاية وحيدة هي ـ هداية الخلق إلى صراط الله مستقيم، ومعناه ـ أن ترفع عن أجهزة الدعوة في كل بلاد المسلمين أثقال أجهزة السلطة التي تمنعها حرية الكلمة، وتوجهها في كثير من الأحيان لتتحول من دعوة إلى الله، إلى بوق من أبواق الدعاية أو وسيلة من وسائل الإعلام، أوتجمد حركتها بحيث تصبح مجرد وظيفة إجتماعية تتيح لصاحبها موردا للرزق يصبح الحصول عليه هو الغاية الأخيرة.
تمويل الدعوة، جهازها، مناخها - هذه الثلاثة هي الميادين التي يجب البحث فيها عن مشكلاتها، والتي يمكن معالجة هذه المشكلات في نطاقها أيضاً.
ولنتناول بإيجاز مشكلات كل ميدان من الثلاثة مقترحين ما نراه من علاج ملائم..
أولا: تمويل الدعوة
ـ
وقد آثرنا البدء به، لأنه يمثل عنق الزجاجة، ويعتبر الصخرة التي تؤسس للبناء أو تصطدم بها وتتحطم عليها الجهود.
نحن في عصر تحول فيه صراع الأمم والشعوب من صراع عسكري إلى صراع إقتصادي في جوهره، يتخفى وراء صراع فكري عقدي أو مذهبي، وأصبح من المصطلحات الشائعة في عالم اليوم ما يتردد عن)) الغزو الفكري ((الذي اشتدت ضراوته، واصطنعت له الأساليب والمناهج التي خدمها العلم بجانبيها النظري والعملي على السواء. هذا الغزو الفكري المتبادل بين الشرق
والغرب، وبين مختلف النظم والمذاهب المعاصرة بعضها وبعض، يركز ويكثف جهوده على بلاد العالم الإسلامي بخاصة، وعلى البلاد النامي بوجه عام، فهي- من جهة- مطمح نظره، يرى فيها طلبته التي تحقق مطامعه الإقتصادية، ومن جهة ثانية، يراها مختلفة، وتخلفها يجعلها أكثر طواعية وتقبلا لما يقذف به إليها من فكر، يراد منه أن يكون رباطا وثيقا يشد إليه عقول أبنائها على نحو يجعل منهم تابعين مخلصين، ينفذون له مخططاته في بلادهم دون أن يضطر إلى الكشف عن وجهه القبيح، كما يوفر عليهم الكثير من الجهود والمال لو أنهم اصطنعوا للسيطرة وجه آخر.
هذا الغزو الفكري ترصد له ميزانيات ضخمة، وتقام له مؤسسات وأجهزة تخطط له، وترسم له المناهج والأساليب وتعد له من الوسائل والأدوات ما يجعله قادرا على تحقيق غاياته.
إن المراكز الثقافية وما إليها، والإذاعات الموجهة، مسموعة ومرئية، والسينما، ودور النشر، وفروع الجامعات الأجنبية والمكتبات العامة الأجنبية التي لها امكانات تجعلها مقصد طلاب البحث العلمي في جامعات كثيرة من بلادنا الإسلامية والعربية وبلاد العالم النامي ـ فضلا عن الصحافة التي تتخذ منبرا يصل صوته إلى كل مكان ـ هذه كلها من أدوات ((الغزو الفكري)) المباشرة، ولعل غير المباشر من هذه الأدوات أشد خطورة وأخفى آثارا.
لعل هذا يصور لنا حجم التمويل والمال المرصود لهذا النشاط الزاحف الشرس المصر الدءوب.
هذا النشاط الضخم بإمكاناته الهائلة يلقي بنتائجه في طريق الدعوة إلى الإسلام داخل بلاده وخارجه على السواء، نتائج هي عقبات وحواجز وسدود تعترض طريقها من ناحية، وهي معاول تخلخل وتهدم من ناحية أخرى.
فإذا رجعنا إلى ((الدعوة الإسلامية)) وقارنا ما هو مخصص لتمويلها في ميزانيات الدول الإسلامية بما تملكه أجهزة)) الغزو الفكري ((وما يرصد لها في ميزانيات الدول التي تمارسه، بدا لنا العجز الكبير في امكانات ((الدعوة)) على المستويين الداخلي والخارجي من حيث القدرة المادية الازمة، والتي بدون توافرها تصبح هذه الدعوة بين موجات الغزو الفكري المضاد قزما بين عمالقة شداد؟؟؟.
إن قصور التمويل عن الوفاء بمتطلبات ((الدعوة)) وأجهزتها، وفاء يمكنها من
أن تصمد في معركة الصراع، وتطور من أسلحتها ووسائلها، وتكيف نفسها بالأساليب الملائمة في حرب المواجهة الفكرية والمذهبية، جعلها كالحمائم بين النسور..
وإذا كان ((الغزو الفكري)) ينطلق من مرتكز سياسي في الأساس، فهناك حركة أخرى تنطلق من مرتكز مختلف، ونعني بها حركة التبشير الجديد، والتي تلبس في عصرنا ثيابا وأزياء تمعن في التخفي وتعمية ما وراءها وتجد من مصادر التمويل الرسمية من ميزانيات الدول، والشعبية من تبرعات الأفراد، المؤسسات، والجمعيات، مايجعلها وافرة القدرة بالغة النشاط، تصل بنشاطها إلى كل ركن معلوم أو مجهول في عالمنا..
إنه لولا المناعة الذاتة التي يتمتع بها الإسلام كدين، ولولا جوانب ضعف موضوعية في تلك الدعوات المضادة لا تفلح كل وسائل التمويه في سترها.. لكانت نتائج عدم التكافؤ الخطير بين ممكنات الدعوة الإسلامية وامكانات أعدائها أضعاف أضعاف ما هو واقع فعلا ـ وصدق الله العضيم ـ {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ} ـ الأنفال 32
إن مقارنة بين ((الفاتيكان)) وحده، بإمكاناته وطاقاته وسلطانه على الشعوب والحكومات المسيحية في العالم الغربي.. وبين أجهزة الدعوة مجتمعة في عالمنا الإسلامي تكشف لنا وتجسد ما تعانيه الأخيرة، وتهيب بنا جميعا أن نبحث عن مخرج لانتشالها من مأزقها..
وهنا نقترح أن تخصص نسبة مئوية من ميزانية كل دولة إسلامية لتمويل الدعوة في الداخل والخارج، نسبة مئوية يتحقق بها لعدل والتضامن في تحمل أعباء هذا الواجب الخطير، وتفي بمتطلبات المهمة الخطيرة التي تنتظر المسلمين اليوم، وفاء بحق دينهم، وبحق الإنسانية التي ضلت طريقها، ولا سبيل لهدايتها إلا عن طريق تعريفها بالدين الذي جاء لهداية البشر جميعا.
إن (1%) واحد في المائة، بل نصفا من المائة من ميزانيات كل الدول الإسلامية الغنية والفقيرة، يحقق حصيلة ضخمة تمول منها حركة الدعوة الإسلامية داخل بلاد المسلمين وخارجها تمويلا جماعيا، يتحدد نصيب كل منها بحسب ما تحتاجه لا بحسب ما أسهمت به.
إن بلدا إسلاميا كبيرا هو ((أندونسيا)) التي تعتبر أكبر دولة مسلمة في عصرنا عددا يتعرض الآن لحركة تبشير ضخمة وشرسة، استطاعت أن تقتطع من