الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القاف:
عرفنا من قبل أن القاف، كما ينطق بها مجيدو القراءات في مصر، صوت لهوي شديد مهموس.
أما سيبويه ومن جاء بعده من النحويين والقراء، فإنهم يصفون القاف بأنها مجهورة، ونستنتج "من وصف القدماء لهذ الصوت أنه كان يشبه إلى حد كبير، تلك القاف المجهورة التي نسمعها الآن بين القبائل العربية في السودان، وجنوب العراق، فهم ينطقون بها نطقا يخالف نطقها في معظم اللهجات العربية الحديثة؛ إذ نسمعها منهم نوعا من الغين"1.
ويقول "كانتينو": "وبما أن قسما كبيرا من الألسن الدارجة العربية، ينطق بقاف مجهورة، أمكننا الاعتقاد على سبيل الاحتمال والترجيح، بأن القاف كان بالفعل حرفا مجهورا في العربية القديمة. ويمكن أن يكون نطقه مهموسا في العربية الفصحى اليوم، ناتجا عن كونه أصبح مهموسا في اللهجات الحضرية المدنية؛ لأن أغلبية المثقفين اليوم، هم من أصل مدني"2.
ويبدو أن القبائل العربية، لم تكن تنطق القاف بصورة موحدة، فها هو ابن دريد اللغوي يقول: "فأما بنو تميم، فإنهم يلحقون القاف بالكاف، فتغلظ جدا، فيقول: الكوم، يريدون: القوم، فتكون القاف بين الكاف والقاف. وهذه لغة معروفة في بني تميم قال الشاعر:
وقد تطورت القاف في اللهجات العربية الحديثة، تطورا كبيرا، فهي في كلام مصر والشام همزة، كما تنطق غينا في بعض مستويات النطق في
1 الأصوات اللغوية للدكتور إبراهيم أنيس 77.
2 دروس في علم أصوات العربية 107.
3 جمهرة اللغة 1/ 5 وعلق كرنكو في الهامش بقول: "معنى تغليظ القاف التلفظ بالكاف الفارسي
…
وهذا الشعر لأبي الأسود الدؤلي، ويروى لحاتم الطائي ولغيره". وانظر النص كذلك في الصاحبي لابن فارس 36.
السودان وجنوبي العراق، وفي بعض الكلمات في مصر، مثل: يقدر يغدر. وتسمع جيما كالجيم القاهرية، في بعض البيئات بصعيد مصر، وبين كثير من قبائل البدو في الصحراء.
وكل نوع من هذه الأنواع الثلاثة للتطور، له أمثلته في العربية القديمة، فمن الأمثلة التي وردت بالقاف والهمزة، ما رواه أبو الطيب اللغوي، من قول العرب: قشبه وأشبه، أي لامه وعابه. والقوم زهاق مائة وزهاء مائة، أي قريب من مائة. والقفز والأفز، أي الوثب1.
ومن الأمثلة التي وردت بالقاف والغين قولهم: غلام أقلف وأغلف، أي لم يختن. والقمز من الناس والغمز، أي الرذال ومن لا خير فيه. وقلقل في الأرض وغلغل، أي ذهب في الأرض2.
ومن أمثلة القاف والجيم قولهم: بائقة وبائجة للداهية. وحبق وحبج، أي ضرط. وأحنق وأحنج، أي ضمر الفرس. وتلقفت البئر وتلجفت، أي أكل الماء جوانبها، وزلقت الموضع وزلجته، أي ملسته3.
والملاحظ أن التطور الذي أصاب القاف هنا بأنواعه كان بتغيير مخرجها، وتطور الصوت بتغيير مخرجه يكون "بأحد طريقين: إما بانتقال المخرج إلى الوراء، أو إلى الأمام، باحثا الصوت في انتقاله، عن أقرب الأصوات شبها به، من الناحية الصوتية. فتعمق القاف في الحلق عند المصريين لا يصادف من أصوات الحلق، ما يشبه القاف إلا الهمزة، لوجود
1 الإبدال لأبي الطيب 2/ 561، 562.
2 الإبدال لأبي الطيب 2/ 328، 329.
3 الإبدال لأبي الطيب 1/ 239-245.
صفة الشدة في كل منهما. فليس غريبا إذن أن تطورت القاف في لغة الكلام عندنا إلى الهمزة، فليس بين أصوات الحلق صوت شديد إلا الهمزة. أما الانتقال بمخرج القاف إلى الأمام، فنجد أن أقرب المخارج لها، هو مخرج الجيم القاهرية والكاف، فلا غرابة أن تتطور القاف إلى أحدهما. وقد رحج تطور القاف في لغة البدو، وبعض أهالي صعيد مصر، إلى الجيم القاهرية، أن القاف في الأصل صوت مجهور، فحين تتطور تنتقل إلى صوت مجهور أيضا، يشبهها صفة، لهذا اختارت القاف في تطورها الأمامي، الجيم دون الكاف؛ لأن كلا من القاف الأصلية، والجيم القاهرية، صوت شديد مجهور"1.
هذا، ويلاحظ "كانتينو" أن اللهجات الحديثة، التي صار القاف القديم فيها حرفا مهموسا "أي القاف التي ننطقها اليوم، أو الكاف، أو الهمزة" هي لهجات حضرية2.
1 الأصوات اللغوية للدكتور إبراهيم أنيس 79.
2 دروس في علم أصوات العربية 108.