الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النبر والتنغيم:
حين يتحدث الإنسان بلغته، يميل في العادة إلى الضغط على مقطع خاص من كل كلمة، ليجعله بارزا أوضح في السمع مما عداه من مقاطع الكلمة. وهذا الضغط هو الذي يسميه المحدثون من اللغويين "بالنبر":"Accect" Stress.
ويعرفه الدكتور تمام بأنه "وضوح نسبي لصوت أو مقطع، إذا قورن ببقية الأصوات والمقاطع في الكلام1. ويقول الدكتور بشر: "معنى هذا أن المقاطع تتفاوت فيما بينها في النطق قوة وضعفا، فالصوت أو المقطع المنبور، ينطق ببذل طاقة أكثر نسبيا، ويتطلب من أعضاء النطق مجهودا أشد. لاحظ الفرق مثلا في قوة النطق وضعفه، بين المقطع الأول في:"ضَرَبَ" والمقطعين الأخيرين "ضَ/ رَ/ بَ"، تجد "ضَ" ينطق بارتكاز أكبر من زميله في الكلمة نفسها"2.
وقد اختلفت آراء العلماء، حول وجود النبر في العربية الفصحى، ومكانه في الكلمة، فبينما يقول بروكلمان:"في اللغة العربية القديمة، يدخل نوع من النبر، تغلب عليه الموسيقية، ويتوقف على كمية المقطع، فإنه يسير من مؤخرة الكلمة نحو مقدمتها، حتى يقابل مقطعا طويلا، فيقف عنده، فإذا لم يكن في الكلمة مقطع طويل، فإن النبر يقع على المقطع الأول منها"3 يرى برجشتراسر "أنه لا نص نستند عليه في إجابة مسألة،
1 مناهج البحث في اللغة 160.
2 علم اللغة العام: الأصوات 210.
3 فقه اللغات السامية 45.
كيف كان حال العربية الفصيحة في هذا الشأن. ومما يتضح من اللغة نفسها، ومن وزن شعرها، أن الضغط لم يوجد فيها، أو لم يكد يوجد، وذلك أن اللغة الضاغطة، يكثر فيها حذف الحركات غير المضغوطة، وتقصيرها، وتضعيفها، ومد الحركات المضغوطة، وقد رأينا أن كل ذلك نادر في اللغة العربية. وإذا نظرنا إلى اللهجات العربية الدارجة، وجدنا فيها كلها -فيما أعرف- الضغط، وهو في بعضها قوي، وفي بعضها متوسط، غير أنها تتخالف في موضعه من الكلمة في كثير من الحالات، فمن المعلوم أن المصريين يضغطون في مثل:"مطبعة" المقطع الثاني، وغيرهم يضغطون الأول، فلو أن الضغط كان قويا في الزمان العتيق، لكانت اللهجات -على أغلب الاحتمال- حافظت على موضعه من الكلمة، ولم تنقله إلى مقطع آخر"1.
هذا هو رأي "برجشتراسر". أما إنه ليس لدينا نص، نستند إليه في معرفة حالة النبر في العربية القديمة، فهذا صحيح، وأما إن العربية لم تكن تنبر، فإننا نشك في ذلك الذي قاله برجشتراسر، وهو يغفل في كلامه التطور اللغوي، وتأثير الشعوب المختلفة، التي غزتها العربية، بعاداتها القديمة في النبر، وأثر ذلك في اختلاف موضعه من الكلمة، كما يبدو لنا الآن، في تعدد طرق النبر في مثل كلمة:"مطبعة".
أما الدكتور إبراهيم أنيس، فإنه يسلم بأنه "ليس لدينا من دليل يهدينا إلى موضع النبر في اللغة العربية، كما كان ينطق بها في العصور الإسلامية الأولى؛ إذ لم يتعرض له أحد من المؤلفين القدماء. أما كما ينطق بها قراء القرآن الآن في مصر، فلها قانون تخضع له، ولا تكاد تشذ عنه"2.
1 التطور النحوي: 46.
2 الأصوات النحوية: 104.
وقد لخص الدكتور إبراهيم أنيس، مواضع النبر في الكلمة العربية فقال:"ينظر أولا إلى المقطع الأخير، فإن كان من النوعين الرابع والخامس، كان هو موضع النبر، وإلا نظر إلى المقطع الذي قبل الأخير، فإن كان من النوع الثاني أو الثالث، حكمنا بأنه موضع النبر، أما إذا كان من النوع الأول، نظر إلى ما قبله، فإن كان مثله، أي من النوع الأول أيضا، كان النبر على هذا المقطع الثالث، حين نعد من آخر الكلمة، ولا يكون النبر على المقطع الرابع حين نعد من الآخر، إلا في حالة واحدة، وهي أن تكون المقاطع الثلاثة التي قبل الأخير، من النوع الأول"1.
فالنبر يقع على المقطع الأخير في مثل: "نستعين" و"ذاكرت"، وعلى المقطع قبل الأخير في مثل:"تعلم" و"يعادي" و"قاتل" و"يكتب"، كما يقع على المقطع الثالث من الآخر، في مثل:"كتب" و"اجتمع"، وعلى المقطع الرابع من الآخر، في مثل:"بلحة" و"سمكة".
وعلى الرغم من أن قدامى اللغويين العرب، لم يدرسوا "النبر" بمعنى الضغط على بعض مقاطع الكلام، فإن بعضهم قد لاحظ أثره في تطويل بعض حركات الكلمة، ويسميه ابن جني:"مطل الحركات"، فيقول مثلا:"وحكى الفراء عنهم: أكلت لحما شاة، أراد: لحم شاة، فمطل الفتحة، فأنشأ عنها ألفا"2.
كما يقول كذلك: "وكذلك الحركات عند التذكر يمطلن
…
وذلك
1 الأصوات اللغوية 106 وارجع إلى تقسيمنا السابق للمقاطع.
2 الخصائص 3/ 123.
قولهم عند التذكر مع الفتحة في قمت: قمتا، أي قمت يوم الجمعة ونحو ذلك. ومع الكسرة: أنتي، أي: أنتِ عاقلة ونحو ذلك. ومع الضمة: قمتو، في: قمت إلى زيد ونحو ذلك"1.
أما التنغيم، فهو رفع الصوت وخفضه في أثناء الكلام، للدلالة على المعاني المختلفة للجملة الواحدة، كنطقنا لجملة مثل:"لا يا شيخ" للدلالة على النفي، أو التهكم، أو الاستفهام، وغير ذلك. وهو الذي يفرق بين الجمل الاستفهامية والخبرية، في مثل:"شفت أخوك" فإنك تلاحظ نغمة الصوت تختلف في نطقها للاستفهام، عنها في نطقها للإخبار.
ولم يعالج أحد من القدماء شيئا من التنغيم، ولم يعرفوا كنهه. غير أننا لا نعدم عند بعضهم، الإشارة إلى بعض آثاره في الكلام، للدلالة على المعاني المختلفة، وكان ابن جني أحد الذين التفتوا إلى ذلك، حين يقول2: "وقد حذفت الصفة، ودلت الحال عليها، وذلك فيما حكاه صاحب الكتاب من قولهم: سير عليه ليل، وهم يريدون: ليل طويل. وكأن هذا إنما حذفت فيه الصفة، لما دل من الحال على موضعها. وذلك أنك تحس في كلام القائل لذلك، من التطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقام قوله: طويل، أو نحو ذلك.
"وأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته، وذلك أن تكون في مدح إنسان والثناء عليه، فتقول: كان والله رجلا! فتزيد في قوة اللفظ بـ"الله" هذه الكلمة، وتتمكن في تمطيط اللام، وإطالة الصوت بها وعليها، أي
1 الخصائص 3/ 129.
2 الخصائص 2/ 307-371.
رجلا فاضلا، أو شجاعا، أو كريما، أو نحو ذلك. وكذلك تقول: سألناه فوجدناه إنسانا! وتمكن الصوت بإنسان، وتفخمه، فتستغني بذلك عن وصفه بقولك: إنسانا سمحا أو جوادا أو نحو ذلك. وكذلك إن ذممته ووصفته بالضيق قلت: سألناه وكان إنسانا! وتزوي وجهك وتقطبه، فيغني ذلك عن قولك: إنسانا لئيما، أو لحزا، أو مبخلا، أو نحو ذلك".