المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

زَوجنِي مِنْهُ وَلَا تلقني إِلَيْهِ إِلْقَاء المستسلس السلس وَلَا تسمه - المصباح المضي في كتاب النبي الأمي ورسله إلى ملوك الأرض من عربي وعجمي - جـ ١

[ابن حديدة]

الفصل: زَوجنِي مِنْهُ وَلَا تلقني إِلَيْهِ إِلْقَاء المستسلس السلس وَلَا تسمه

زَوجنِي مِنْهُ وَلَا تلقني إِلَيْهِ إِلْقَاء المستسلس السلس وَلَا تسمه بِي سوم المعاطس الضرس واستخر الله فِي السَّمَاء يخر لَك بِعِلْمِهِ فِي الْقَضَاء

وَرُوِيَ عَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ قَالَ مُعَاوِيَة مَا زلت فِي طمع من الْخلَافَة مُنْذُ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول يَا مُعَاوِيَة إِن ملكت فَأحْسن

وَرُوِيَ عَن خَالِد بن يزِيد بن صبيح عَن أَبِيه عَن مُعَاوِيَة قَالَ كنت أوضئ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ذَات يَوْم أفرغ عَلَيْهِ من إِنَاء فِي يَدي فَنظر إِلَيّ نظرة شَدِيدَة فَفَزِعت وَسقط الْإِنَاء من يَدي فَقَالَ يَا مُعَاوِيَة إِن وليت شَيْئا من أُمُور أمتِي فَاتق الله واعدل قَالَ فَمَا زلت أطمع فِيهَا مُنْذُ ذَلِك الْيَوْم فأسأل الله أَن يَرْزُقنِي الْعدْل فِيكُم

وَرُوِيَ عَن عَمْرو بن يحيى بن سعيد الْأمَوِي عَن جده قَالَ كَانَت أداوة يحملهَا أَبُو هُرَيْرَة مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لوضوئه فاشتكى أَبُو هُرَيْرَة فحملها مُعَاوِيَة فَبَيْنَمَا هُوَ يوضئ النَّبِي صلى الله عليه وسلم مِنْهَا رفع النَّبِي صلى الله عليه وسلم رَأسه فَقَالَ يَا مُعَاوِيَة إِن وليت من أَمر الْمُسلمين شَيْئا فَاتق الله واعدل فَمَا زلت أَظن أَنِّي مبتلى بذلك لقَوْل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى وليت

‌تَفْسِير غَرِيبه

قَوْله كتاب الشَّرِيعَة قَالَ الْجَوْهَرِي الشَّرِيعَة مَا شرع الله لِعِبَادِهِ

ص: 130

من الدّين أَي سنّ والشارع الطَّرِيق والشرعة بِالْكَسْرِ الشَّرِيعَة وَمِنْه قَوْله تَعَالَى {لكل جعلنَا مِنْكُم شرعة ومنهاجا}

قَوْله فِي الشّرف الصميم صميم الشَّيْء خالصه يُقَال هُوَ فِي صميم قومه

قَوْله تخالين بِهِ هوجا يُقَال خلت الشَّيْء خيلا وخيلة ومخيلة وخيلولة أَي ظننته وَهُوَ من بَاب ظَنَنْت وَأَخَوَاتهَا الَّتِي تدخل على الِابْتِدَاء وَالْخَبَر فَإِن ابتدأت بهَا أعملت وَإِن وسطتها أَو أخرتها فَأَنت بِالْخِيَارِ بَين الإعمال والإلغاء وَتقول فِي مستقبله إخال بِكَسْر الْألف وَهُوَ الْأَفْصَح وَبَنُو أَسد بِفَتْح الْألف وَهُوَ الْقيَاس

قَوْله هوجا هُوَ الرجل الطَّوِيل الَّذِي فِيهِ تسرع وحمق والهوجاء النَّاقة السريعة والهوجاء الرّيح الَّتِي تقلع الْبيُوت فَلذَلِك قَالَت هِنْد إِن جَاءَت لَهُ بِولد أحمقت

قَوْله وَذَلِكَ إسجاح من شيمته الإسجاح حسن الْعَفو يُقَال ملكت فَأَسْجِحْ وَإِذا سَأَلت فَأَسْجِحْ أَي سهل ألفاظك وارفق

قَوْله من شيمته الشيمة الْخلق

قَوْله حسن الصَّحَابَة سريع الْإِجَابَة وَصفه بِحسن الْعشْرَة ولين الْجَانِب مَعَ الهوج وَالْحق الَّذِي ذكر فِيهِ

قَوْله والرأي الأريب هُوَ الرجل الْعَاقِل الداهية

قَوْله بدر أرومته وَعز عشيرته الأروم بِفَتْح الْهمزَة أصل الشَّجَرَة والقرن اسْتِعَارَة هُنَا لأصالته لِأَنَّهُ من بني عبد منَاف

قَوْله يُؤَدب أَهله وَلَا يؤدبونه وَصفه بالشدة والغيرة إِذا كَانَ فيهم كَمَا قَالَت فِي حَدِيث أم زرع إِن دخل فَهد وَإِن خرج أَسد

قَوْله إِن حَاج فَغير منزور مَعْنَاهُ لَا يُرَاجع بِمَا يكره لشدَّة وقاره وهيبته

قَوْله وَإِن نوزع فَغير مَقْصُور يُقَال أقصر عَنهُ إِذا تركته عَن قدره وَقصر عَنهُ ضعف وكل شَيْء حَبسته فقد

ص: 131

قصرته

قَوْلهَا فِيمَا عَسى إِن لم تعصم فضل الْعِصْمَة الْحِفْظ يُقَال اعتصمت بِاللَّه إِذا امْتنعت بِلُطْفِهِ من الْمعْصِيَة والعصمة الْمَنْع أَيْضا يُقَال عصمه الطَّعَام أَي مَنعه من الْجُوع

وَأَبُو عَاصِم كنية السويق

قَوْلهَا إِنِّي لأخلاق هَذَا لوامقة المقة الْمحبَّة وَالْهَاء عوض من الْوَاو وَقد ومقه يمقه بِالْكَسْرِ فيهمَا أَي أحبه فَهُوَ وامق

قَوْلهَا وَإِن السَّلِيل بيني وَبَينه تَعْنِي الْوَلَد

قَوْلهَا المحامي عَن حفيظتها الحفيظة الْغَضَب وَالْحمية وَقَوْلهمْ وَإِن الحفائظ تنقض الأحقاد أَي إِذا رَأَيْت حميمك يظلم حميت لَهُ وَإِن كَانَ فِي قَلْبك عَلَيْهِ حقد

قَوْلهَا غير مواكل وَلَا زميل عِنْد صعصعة الْحَوَادِث المواكل الْعَاجِز يكل أمره إِلَى غَيره ويتكل عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ الدَّابَّة تتكل على صَاحبهَا فِي الْعَدو حَتَّى يضْربهَا

والزميل الجبان الضَّعِيف

والصعصعة التَّفَرُّق يُقَال ذهبت الْإِبِل صعاصع أَي مُتَفَرِّقَة

قَوْلهَا المستسلس السلس هُوَ اللين المنقاد

قَوْلهَا وَلَا تسمه بِي سوم المعاطس الضرس وَيُقَال ظَبْي عاطس وَهُوَ الَّذِي يستقبلك من أمامك والضرس أكمة خشنة وناقة ضروس سَيِّئَة الْخلق

وَكَأَنَّهَا أَرَادَت بالسوم فِي حَال الْخطْبَة أَن لَا تلين لَهُ وَلَا تشدد عَلَيْهِ فِيمَا يَقع بَيْنكُمَا الِاتِّفَاق عَلَيْهِ من أَمر الصَدَاق وَغَيره مِمَّا كَانُوا يتفقون عَلَيْهِ عِنْد التَّزْوِيج فِي جاهليتهم

26 -

طَلْحَة بن عبيد الله

ابْن عُثْمَان بن عَمْرو ابْن كَعْب بن سعد بن تيم بن مرّة بن

ص: 132

كَعْب بن لؤَي الْقرشِي التَّيْمِيّ وَأمه الحضرمية اسْمهَا الصعبة بنت عبد الله بن عماد أُخْت الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ يَأْتِي بِشَيْء من ذكرهَا فِي تَرْجَمَة أَخِيهَا يكنى طَلْحَة أَبَا مُحَمَّد وَيعرف بطلحة الْخَيْر وَطَلْحَة الْفَيَّاض وَذَلِكَ أَنه اشْترى مَالا بِموضع يُقَال لَهُ بيسان قَالَ أَبُو عبيد عبد الله بن عبد الْعَزِيز الْبكْرِيّ فِي كتاب مُعْجم مَا استعجم من حرف الْبَاء بيسان بِفَتْح أَوله وسين مُهْملَة موضعان أَحدهمَا بِالشَّام وَالثَّانِي بالحجاز وَهُوَ المُرَاد فِي الحَدِيث

قَالَ وَذكر الزبير أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مر بِمَاء يُقَال لَهُ بيسان فِي غَزْوَة ذِي قرد فَسَأَلَ عَنهُ فَقيل اسْمه بيسان وَهُوَ ملح فَقَالَ بل هُوَ نعْمَان وَهُوَ طيب فَغير رَسُول الله صلى الله عليه وسلم اسْمه وَغير الله المَاء فَاشْتَرَاهُ طَلْحَة ثمَّ تصدق بِهِ فَأخْبر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ مَا أَنْت يَا طَلْحَة إِلَّا فياض فَسُمي بذلك

وَكَانَ من الْمُهَاجِرين الْأَوَّلين وَأحد الْعشْرَة الْمَشْهُود لَهُم بِالْجنَّةِ وَأحد الثَّمَانِية السَّابِقين إِلَى الْإِسْلَام وَأحد الْخَمْسَة الَّذين أَسْلمُوا على يَد أبي بكر رضي الله عنه وَأحد السِّتَّة الَّذين جعل عمر فيهم الشورى وَأخْبر أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم توفّي وَهُوَ عَنْهُم رَاض

وَبَعثه رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قبل أَن يخرج من الْمَدِينَة إِلَى بدر هُوَ

ص: 133

وَسَعِيد بن زيد إِلَى طَرِيق الشَّام يتجسسان الْأَخْبَار يَعْنِي خبر عير أهل مَكَّة الَّتِي قدم بهَا أَبُو سُفْيَان ثمَّ رجعا إِلَى الْمَدِينَة فقدماها يَوْم وقْعَة بدر فَضرب لَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه فَلَمَّا قدم قَالَ وَأجْرِي يَا رَسُول الله قَالَ وأجرك

وَشهد أحدا وَمَا بعْدهَا وأبلى يَوْم أحد بلَاء حسنا وَوقى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَاتَّقَى عَنهُ النبل بِيَدِهِ حَتَّى شلت إصبعه وَضرب ضَرْبَة فِي رَأسه وَحمل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم على ظَهره حَتَّى اسْتَقل على الصَّخْرَة وَقَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْيَوْم أوجب طَلْحَة يَا أَبَا بكر فَقَالَ أَبُو بكر يَوْم أحد كُله لطلْحَة

ويروى أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم نَهَضَ يَوْم أحد ليصعد على صَخْرَة وَكَانَ ظَاهر بَين درعين فَلم يسْتَطع النهوض فاحتمله طَلْحَة بن عبيد الله فأنهضه حَتَّى اسْتَوَى عَلَيْهَا

وَرُوِيَ أَنه نظر إِلَيْهِ فَقَالَ من أحب أَن ينظر إِلَى شَهِيد يمشي على وَجه الأَرْض فَلْينْظر إِلَى طَلْحَة

ثمَّ شهد الْجمل مُحَاربًا لعَلي رضي الله عنه فَدَعَاهُ وَذكره أَشْيَاء من سوابقه وفضله فَرجع طَلْحَة عَن قِتَاله على نَحْو مَا صنع الزبير بن الْعَوام وَاعْتَزل فِي بعض الصُّفُوف فَرمي بِسَهْم فَقطع من رجله عرق النسا فَلم يزل دَمه ينزف حَتَّى مَاتَ

وَيُقَال أصَاب ثغرة نَحره فدفناه على شاطئ الكلا فَرَآهُ بعض أَهله فِي الْمَنَام فَقَالَ أَلا تريحوني من هَذَا المَاء فَإِنِّي قد غرقت ثَلَاث مَرَّات يَقُولهَا

قَالَ فنبشوه فَإِذا هُوَ أَخْضَر كَأَنَّهُ السلق فنزفوا عَنهُ المَاء ثمَّ استخرجوه فَإِذا مَا يَلِي الأَرْض من لحيته وَوَجهه قد أَكلته الأَرْض فاشتروا لَهُ دَارا فدفنوه فِيهَا

قتل وَهُوَ ابْن سِتِّينَ سنة يَوْم الْجمل لعشر

ص: 134

خلون من جُمَادَى الْآخِرَة سنة سِتّ وَثَلَاثِينَ وَقيل غير ذَلِك

وَسمع عَليّ رَضِي الله عَن رجلا ينشد

(فَتى كَانَ يدينه الْغنى من صديقه

إِذا مَا هُوَ اسْتغنى ويبعده الْفقر)

(كَأَن الثريا علقت فِي جَبينه

وَفِي خَدّه الشعرى وفى الآخر الْبَدْر)

هَذَا الْبَيْت ذكره المَسْعُودِيّ فِي المروج فَقَالَ ذَاك أَبُو مُحَمَّد طَلْحَة بن عبيد الله رضي الله عنه

وَرُوِيَ أَن عليا رضي الله عنه قَالَ فِي خطْبَة خطبهَا حِين نهوضه إِلَى الْجمل إِنِّي بليت بأَرْبعَة أدهى النَّاس وأسخاهم طَلْحَة وَأَشْجَع النَّاس الزبير وأطوع النَّاس فِي النَّاس عَائِشَة وأسرع النَّاس إِلَى فتْنَة يعلى بن أُميَّة

وَرُوِيَ عَنهُ رضي الله عنه أَنه قَالَ إِنِّي وَالله لأرجو أَن أكون أَنا وَعُثْمَان وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر مِمَّن قَالَ الله تَعَالَى وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورهمْ من غل إخْوَانًا على سرد متقبلين قَالَه ابْن عبد الْبر

وَقَالَ عَليّ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول طَلْحَة وَالزُّبَيْر جاراي

ص: 135

فِي الْجنَّة

قَالَ الْحَاكِم صَحِيح الْإِسْنَاد

ذكره عبد الْكَرِيم الْحلَبِي فِي شرح السِّيرَة لعبد الْغَنِيّ وَقَالَ وَأما مَا وَقع لي مِمَّن كتب لَهُ صلى الله عليه وسلم فطلحة ذكره عَليّ بن مُحَمَّد بن مسكويه فِي كتاب تجارب الْأُمَم

27 -

عَامر بن فهَيْرَة

مولى أبي بكر الصّديق رضي الله عنهما كنيته أَبُو عمر

وَكَانَ مولدا من مولدِي الأزد أسود اللَّوْن مَمْلُوكا للطفيل بن عبد الله بن سَخْبَرَة أخي عَائِشَة رضي الله عنها لأمها

أسلم وَهُوَ مَمْلُوك فَاشْتَرَاهُ أَبُو بكر من الطُّفَيْل وَأعْتقهُ

وَكَانَ من السَّابِقين إِلَى الْإِسْلَام أسلم قبل أَن يدْخل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم دَار الأرقم وعذب فِي الله كَانَ يرْعَى الْغنم فِي ثَوْر ثمَّ يروح بهَا على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَأبي بكر وهما فِي الْغَار شهد بَدْرًا وَاحِدًا وَقتل يَوْم بِئْر مَعُونَة فِي صفر سنة أَربع من الْهِجْرَة وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة قَتله عَامر بن الطُّفَيْل

ويروى عَن عَامر لما أسلم قَالَ رَأَيْت أول طعنة طعنتها عَامر بن فهَيْرَة نورا خرج مِنْهَا

وَلما قدم عَامر بن الطُّفَيْل على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ من الرجل الَّذِي رَأَيْته لما قتل رفع بَين السَّمَاء وَالْأَرْض حَتَّى رَأَيْت

ص: 136

السَّمَاء دونه فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم ذَاك عَامر بن فهَيْرَة قَالَه ابْن عبد الْبر

وَذكره البُخَارِيّ فِي غَزْوَة الرجيع وَطلب فِي الْقَتْلَى فَلم يُوجد فيرون أَن الْمَلَائِكَة رفعته

قَالَ عبد الْكَرِيم فِي شَرحه للسيرة الشَّرِيفَة عَامر بن فهَيْرَة ذكره أَبُو الْقَاسِم بن عَسَاكِر وَغَيره

وَذكره ابْن إِسْحَاق فِي حَدِيث الْهِجْرَة فَقَالَ كَانَ مخرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بعد بيعَة الْعقبَة بِليَال وَهِي بيعَة الْأَنْصَار خرج هُوَ وَأَبُو بكر لَيْلًا فمضيا وَخرج رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من خوخة فِي طرف دَار أبي بكر الَّتِي فِي بني جمح ونهضا إِلَى غَار ثَوْر وَضرب العنكبوت على بَابه وَطلبت قُرَيْش رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَشد الطّلب حَتَّى انْتَهوا إِلَى بَاب الْغَار فَقَالَ بَعضهم إِن عَلَيْهِ العنكبوت قبل مِيلَاد مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم وَفِي رِوَايَة أَمر الله شَجَرَة فَنَبَتَتْ فِي وَجه النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَسترته وَأمر الله حَمَامَتَيْنِ وَحْشِيَّتَيْنِ فوقفتا بِفَم الْغَار وَأَقْبل فتيَان قُرَيْش حَتَّى كَانُوا من النَّبِي صلى الله عليه وسلم قدر أَرْبَعِينَ ذِرَاعا فَرَأَوْا الحمامتين فعرفوا أَنه لَيْسَ فِيهِ أحد

وَكَانَ لأبي بكر منحة غنم يرعاها عَامر بن فهَيْرَة رضي الله عنه وَكَانَ يَأْتِيهم بهَا لَيْلًا فيحتلبون فَإِذا كَانَ سحر سرح مَعَ النَّاس

قَالَت عَائِشَة رضي الله عنها وجهزناهما أحث الجهاز وصنعنا لَهما سفرة من جراب فَقطعت أَسمَاء بنت أبي بكر قِطْعَة من نطاقها فأوكت بِهِ الجراب فبذلك سميت ذَات النطاقين

وَمكث رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ وَأَبُو بكر فِي الْغَار ثَلَاث لَيَال وَكَانَ يبيت عِنْدهمَا عبد الله بن أبي بكر يتسمع الْأَخْبَار بِالنَّهَارِ

واستأجر أَبُو بكر رجلا من بني الديل هاديا خريتا والخريت الماهر بِالطَّرِيقِ يُقَال

ص: 137

لَهُ عبد الله بن أريقط وَهُوَ على دين الْكفْر ولكنهما أمناه ودفعا إِلَيْهِ راحلتيهما وواعداه غَار ثَوْر بعد ثَلَاث لَيَال فأتاهما براحلتيهما صبح ثَلَاث لَيَال فارتحلا ومعهما عَامر بن فهَيْرَة فَأخذ بهم ابْن أريقط على طَرِيق السَّاحِل

فَلَمَّا رحلوا من قديد عرض لَهما سراقَة بن مَالك بن جعْشم وَهُوَ على فرس لَهُ فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فرسخت قَوَائِم فرسه فَقَالَ يَا مُحَمَّد ادْع الله أَن يُطلق فرسي وأرجع عَنْك وأرد من ورائي فَفعل فَأطلق وَرجع فَوجدَ النَّاس يَلْتَمِسُونَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ ارْجعُوا فقد استبرأت لكم مَا هَهُنَا وَقد عَرَفْتُمْ بَصرِي بالأثر فَرَجَعُوا عَنهُ

وَفِي رِوَايَة فَعرض سراقَة عَلَيْهِم الزَّاد وَالْمَتَاع والحملان فَقَالَا أكفنا نَفسك وأخف عَنَّا

وَسَأَلَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن يكْتب لَهُ كتاب أَمن فَأمر ابْن فهَيْرَة فَكتب فِي رقْعَة من أَدَم

ثمَّ مضى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَذكر تَمام الحَدِيث

28 -

عبد الله بن الأرقم

قَالَ ابْن عبد الْبر عبد الله بن الأرقم بن عبد يَغُوث بن وهب

ص: 138

ابْن عبد منَاف بن زهرَة بن كلاب الْقرشِي الزُّهْرِيّ أسلم عَام الْفَتْح كَانَ من المواظبين على كتاب الرسائل عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَكتب لأبي بكر واستكتبه عمر وَاسْتَعْملهُ على بَيت المَال وَعُثْمَان بعده وَلم يزل على بَيت المَال خلَافَة عمر كلهَا وسنتين من خلَافَة عُثْمَان حَتَّى استعفاه من ذَلِك فأعفاه

وَكَانَ يُجيب الْمُلُوك عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَبلغ من أَمَانَته عِنْده أَنه كَانَ يَأْمُرهُ أَن يكْتب إِلَى بعض الْمُلُوك فَيكْتب ويأمره أَن يطينه ويختمه وَمَا يقرأه لأمانته عِنْده

قَالَ الْجَوْهَرِي طان فلَان الْكتاب يطينه إِذا خَتمه

قَالَ وَكَانَ إِذا غَابَ عبد الله أَمر من حضر أَن يكْتب لَهُ

قَالَ وروى ابْن الْقَاسِم عَن مَالك قَالَ بَلغنِي أَنه ورد على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم كتاب فَقَالَ من يُجيب عني فَقَالَ عبد الله بن الأرقم أَنا فَأجَاب عَنهُ وأتى بِهِ إِلَيْهِ فأعجبه وأنفذه وَكَانَ عمر حَاضرا فأعجبه ذَلِك من عبد الله بن الأرقم وَلم يزل فِي نَفسه يَقُول أصَاب مَا أَرَادَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا ولي عمر اسْتَعْملهُ على بَيت المَال

قَالَ وروى ابْن وهب عَن مَالك أَن عُثْمَان أجَازه وَكَانَ لَهُ على بَيت المَال ثَلَاثُونَ ألفا فَأبى أَن يقبلهَا

وروى سُفْيَان ابْن عُيَيْنَة عَن

ص: 139

عَمْرو بن دِينَار أَن عُثْمَان اسْتَعْملهُ على بَيت المَال وَأَعْطَاهُ ثَلَاثمِائَة دِرْهَم فَأبى عبد الله أَن يَأْخُذهَا وَقَالَ إِنَّمَا عملت لله وَإِنَّمَا أجري على الله

وروى أَشهب عَن مَالك أَن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه كَانَ يَقُول مَا رَأَيْت أحدا أخْشَى لله من عبد الله بن الأرقم قَالَ وَقَالَ لَهُ لَو كَانَ لَك سَابِقَة مَا قدمت عَلَيْك أحدا وَالله سُبْحَانَهُ أعلم

29 -

عبد الله بن عبد الله بن أبي ابْن سلول

وسلول امْرَأَة عرف بهَا وَهِي من خُزَاعَة أم أبي وَأبي بن مَالك بن سَالم بن غنم بن عَوْف بن الْخَزْرَج وَسَالم يعرف بالحبلى لعظم بَطْنه ولبني الحبلى شرف فِي الْأَنْصَار كَانَ اسْمه الْحباب فَسَماهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله وَكَانَ أَبوهُ عبد الله رَأس الْمُنَافِقين وَمِمَّنْ تولى

ص: 140

الْإِفْك فِي عَائِشَة رضي الله عنها وَابْنه عبد الله من فضلاء الصَّحَابَة وخيارهم شهد بَدْرًا وَاحِدًا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَكَانَ أَبوهُ من أَشْرَاف الْخَزْرَج وَكَانُوا اجْتَمعُوا على أَن يُتَوِّجُوهُ ويسندوا إِلَيْهِ أَمرهم قبل مبعث النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا جَاءَ الله بِالْإِسْلَامِ نفس على رَسُول الله صلى الله عليه وسلم النُّبُوَّة وأخذته الْعِزَّة فَلم يخلص الْإِسْلَام وأضمر النِّفَاق حسدا وبغيا

وَقَالَ فِي غَزْوَة تَبُوك لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل هَكَذَا ذكر ابْن عبد الْبر وسَاق الحَدِيث

وَالَّذِي ذكره الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِير هَذِه الْآيَة

وروينا عَن ابْن إِسْحَاق فِي السِّيرَة الشَّرِيفَة أَن قصَّة ابْن أبي ونزول هَذِه الْآيَة كَانَ فِي غَزْوَة بني المصطلق على مَاء من مِيَاههمْ يُقَال لَهُ الْمُريْسِيع من نَاحيَة قديد إِلَى السَّاحِل روى الْبَغَوِيّ وَاللَّفْظ لِابْنِ إِسْحَاق قَالَ فَهزمَ الله بني المصطلق فَبَيْنَمَا هم على ذَلِك المَاء وَردت وَارِدَة النَّاس وَمَعَ عمر بن الْخطاب أجِير لَهُ من بني غفار يُقَال لَهُ جَهْجَاه بن سعيد يَقُود فرسه فازدحم جَهْجَاه وَسنَان بن وبر الْجُهَنِيّ حَلِيف بني عَوْف بن الْخَزْرَج على المَاء فاقتتلا فَصَرَخَ الْجُهَنِيّ يَا معشر الْأَنْصَار وصرخ جَهْجَاه يَا معشر الْمُهَاجِرين وأعان جهجاها الْغِفَارِيّ رجل من

ص: 141

الْمُهَاجِرين يُقَال لَهُ جِعَال وَكَانَ فَقِيرا قَالَ السُّهيْلي مَاتَ جَهْجَاه بعد قتل عُثْمَان بالأكلة فِي ركبته الَّتِي كسر عَلَيْهَا عَصا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الَّتِي كَانَ يخْطب بهَا وَكَانَ أَخذهَا من يَد عُثْمَان وَكسرهَا قَالَ ابْن إِسْحَاق فَغَضب عبد الله بن أبي ابْن سلول وَعِنْده رَهْط من قومه فيهم زيد ابْن أَرقم غُلَام حدث فَقَالَ افعلوها قد نافرونا وكاثرونا فِي بِلَادنَا وَالله مَا مثلنَا وَمثلهمْ إِلَّا كَانَ قَالَ الْقَائِل سمن كلبك يَأْكُلك أما وَالله لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل يَعْنِي بالأعز نَفسه وَبِالْأَذَلِّ من يجله عَن الْوَصْف بِهَذِهِ الصّفة صلى الله عليه وسلم ثمَّ أقبل على من حَضَره من قومه وَقَالَ هَذَا مَا فَعلْتُمْ بِأَنْفُسِكُمْ أَحْلَلْتُمُوهُم بِلَادكُمْ وَقَاسَمْتُمُوهُمْ أَمْوَالكُم أما وَالله لَو أَمْسَكْتُم عَن جِعَال وَذَوِيهِ فضل الطَّعَام لم يركبُوا رِقَابكُمْ ولتحولوا إِلَى غير بِلَادكُمْ فَلَا تنفقوا عَلَيْهِم حَتَّى يَنْفضوا من حول مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم

فَقَالَ زيد بن أَرقم أَنْت وَالله الذَّلِيل الْقَلِيل الْمُبْغض فِي قَوْمك وَمُحَمّد صلى الله عليه وسلم فِي عز من الرَّحْمَن ومودة من الْمُسلمين

فَقَالَ عبد الله بن أبي اسْكُتْ إِنَّمَا كنت أَلعَب

فَمشى زيد بن أَرقم إِلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَذَلِكَ بعد فَرَاغه من الْغَزْو فَأخْبرهُ الْخَبَر وَعِنْده عمر بن الْخطاب فَقَالَ دَعْنِي أضْرب عُنُقه يَا رَسُول الله قَالَ فَكيف يَا عمر إِذا تحدث النَّاس أَن مُحَمَّدًا يقتل أَصْحَابه وَلَكِن أذن بالرحيل فارتحل النَّاس

وَأرْسل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم إِلَى عبد الله بن أبي فَأَتَاهُ فَقَالَ أَنْت صَاحب هَذَا الْكَلَام الَّذِي بَلغنِي فَقَالَ عبد الله وَالَّذِي أنزل عَلَيْك الْكتاب مَا قلت شَيْئا

ص: 142

من ذَلِك وَإِن زيدا لَكَاذِب وَكَانَ عبد الله فِي قومه شريفا عَظِيما فَقَالَ من حضر من الْأَنْصَار من أَصْحَابه يَا رَسُول الله عَسى أَن يكون الْغُلَام أوهم فِي حَدِيثه وَلم يحفظ مَا قَالَه فعذره النَّبِي صلى الله عليه وسلم

وفشت الْمَلَامَة فِي الْأَنْصَار لزيد وكذبوه وَقَالَ لَهُ عَمه وَكَانَ زيد مَعَه مَا أردْت إِلَى أَن كَذبك رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَالنَّاس مقتوك وَكَانَ زيد يُسَايِر النَّبِي صلى الله عليه وسلم فاستحيي بعد ذَلِك أَن يدنو من النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَلَمَّا اسْتَقل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَسَار لقِيه أسيد بن حضير فحياه بِتَحِيَّة النُّبُوَّة وَسلم عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ يَا رَسُول الله لقد رحت فِي سَاعَة مُنكرَة مَا كنت تروح فِيهَا فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَو مَا بلغك مَا قَالَ صَاحبكُم عبد الله بن أبي قَالَ وَمَا قَالَ قَالَ زعم أَنه إِن رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَة أخرج الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل فَقَالَ أسيد فَأَنت وَالله تخرجه إِن شِئْت هُوَ وَالله الذَّلِيل وَأَنت الْعَزِيز ثمَّ قَالَ يَا رَسُول الله ارْفُقْ بِهِ فوَاللَّه لقد جَاءَ الله بك وَإِن قومه لينظمون لَهُ الخرز ليتوجوه فَإِنَّهُ ليرى أَنَّك قد استلبته ملكا

وَبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبي مَا كَانَ من أَمر أَبِيه فَأتى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُول الله إِنَّه بَلغنِي أَنَّك تُرِيدُ قتل عبد الله بن أبي لما بلغك عَنهُ فَإِن كنت فَاعِلا فمرني بِهِ فَأَنا أحمل إِلَيْك رَأسه فوَاللَّه لقد علمت الْخَزْرَج مَا كَانَ بهَا رجل أبر بِوَالِديهِ مني وَإِنِّي

ص: 143