المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

تحذره مُدَّة طَوِيلَة ثمَّ نقمت عَلَيْهِ أمرا فضربته ورصدته فَلم - المصباح المضي في كتاب النبي الأمي ورسله إلى ملوك الأرض من عربي وعجمي - جـ ١

[ابن حديدة]

الفصل: تحذره مُدَّة طَوِيلَة ثمَّ نقمت عَلَيْهِ أمرا فضربته ورصدته فَلم

تحذره مُدَّة طَوِيلَة ثمَّ نقمت عَلَيْهِ أمرا فضربته ورصدته فَلم يجد محيصا عَنْهَا سَحَابَة يَوْمه ذَلِك فَلَمَّا كَانَ من الْغَد املس مِنْهَا فَذهب إِلَى أَبِيه وَهُوَ فِي الْحجر مَعَ سادة قُرَيْش فَلَمَّا رَآهُ انتهره فَقَالَ عَمْرو إِن أُمِّي تدعوك فَقَالَ كذبت وجهجه با فَذهب ثمَّ عَاد وَفِي يَده نقبة خلق وضرة كَانَت أمه تمهن فِيهَا وَقصد وَالِده من قبل ظَهره فَلم يشْعر بِهِ حَتَّى قَامَ على الْقَوْم فنشر النقبة وَقَالَ لِأَبِيهِ قَالَت لَك أُمِّي تعال وَهَذِه النقبة أَمارَة فَرمى الْقَوْم النقبة بِأَبْصَارِهِمْ وَكَانَ الْعَاصِ بن وَائِل يتَمَيَّز غَضبا فَتَنَاول من وَلَده النقبة واحتضنه فَأتى بِهِ منزله وأنحى على الْمَرْأَة ضربا وَجعلت تسترفقه وتستنصته وَقد أَخذ الْغَضَب ببصره وسَمعه حَتَّى إِذا أثخنها ضربا وَسكن غَضَبه جلس وَقد خامره النَّدَم على مَا كَانَ مِنْهُ إِلَيْهَا فَقَالَت وَالله مَالِي من ذَنْب إِلَيْك وَمَا أحسبني دهيت إِلَّا من قبل ولدك فَإِنِّي ضَربته أمس قَالَ وَيحك ألم تنفذيه إِلَى بالنقبة أَمارَة قَالَت مَا فعلت فَقَالَ لِابْنِهِ ألم تقل ذَاك قَالَ إِنَّهَا ضربتني فَقَالَ أشهد أَنَّك أدهى الْعَرَب ثمَّ قَالَ لأمه لَا تعرضي لَهُ بعد

‌تَفْسِير

قَوْله نَادِي قومه النادي اسْم للمجلس مَا دَامَ المتجالسون بِهِ

وَقَوله قاذورة هُوَ المتقزز

وَقَوله فتأفف أَي قَالَ أُفٍّ أُفٍّ

ص: 162

وَقَوله سَحَابَة يَوْمه أَي جَمِيع يَوْمه هَذَا كَلَام الْعَرَب

وَقَوله جهجه بِهِ أَي نفره وشرده وَمنعه الِاسْتِقْرَار والجهجهة فِي الأَصْل حِكَايَة قَول الْقَائِل جه جه

وَقَوله املس مِنْهَا أَي ذهب وَلم تشعر بِهِ

وَقَوله النقبة هِيَ المئزر يخاط طرفاه فيؤتزر بِهِ فَهُوَ كالسراويل بِغَيْر نيفق وَلَا ساقين محجوزين

وَقَوله وضرة الوضر وسخ الدّهن وَمَا ضاهاه

وَقَوله تمهن أَي تخْدم والمهنة الْخدمَة وَمِنْه فِيمَا ذكر من حسن خلقه صلى الله عليه وسلم وتواضعه إِنَّه كَانَ فِي الْبَيْت يخْدم فِي مهنة أَهله وَيقطع مَعَهم اللَّحْم

وَقَوله تميز غَضبا تميز تقطع قَالَه الْجَوْهَرِي

وأنحى يَعْنِي مَال وَاعْتمد يضْربهَا

قَالَ السُّهيْلي ذكره ابْن شبة فِي كتاب الْكتاب لَهُ وَذكره ابْن سعد فِي الطَّبَقَات

35 -

الْعَلَاء بن الْحَضْرَمِيّ

وَاسم الْحَضْرَمِيّ عبد الله بن عماد وَيُقَال ابْن ضمار بن أكبر بن ربيعَة بن مَالك بن أكبر بن عويف بن مَالك بن الْخَزْرَج بن أبي الصدف من حَضرمَوْت حَلِيف بني أُميَّة

ولاه النَّبِي صلى الله عليه وسلم الْبَحْرين وَكَانَ بَعثه إِلَى الْمُنْذر بن سَاوَى ملك الْبَحْرين فَفَتحهَا فولاه عَلَيْهَا قَالَه ابْن عبد الْبر وَيَأْتِي ذكره مَعَ رسله صلى الله عليه وسلم فِيمَا يَأْتِي من كتَابنَا هَذَا

ص: 163

قَالَ وَأقرهُ أَبُو بكر على ولَايَته ثمَّ عمر ثمَّ ولاه عمر الْبَصْرَة فَمَاتَ قبل أَن يصل إِلَيْهَا بِمَاء من مياه بني تَمِيم سنة أَربع عشرَة

وَهُوَ أول من بنى مَسْجِدا فِي أَرض الْكفْر وَأول من ضرب الْجِزْيَة على الْكفَّار وَأول من نقش خَاتم الْخلَافَة

وَأَخُوهُ عَامر قتل يَوْم بدر كَافِرًا وأخوهما عَمْرو أول قَتِيل من الْمُشْركين قَتله مُسلم وَكَانَ مَاله أول مَال خمس قتل يَوْم نَخْلَة وأختهم الصعبة كَانَت تَحت أبي سُفْيَان بن حَرْب فَطلقهَا فخلف عَلَيْهَا عبيد الله بن عُثْمَان التَّيْمِيّ فَولدت لَهُ طَلْحَة بن عبيد الله

وَكَانَ الْعَلَاء رضي الله عنه مجاب الدعْوَة وَأَخُوهُ مَيْمُون حفر بِئْرا فِي الْجَاهِلِيَّة بِأَعْلَى مَكَّة مَعْرُوفَة وَالله سُبْحَانَهُ أعلم

36 -

الْعَلَاء ابْن عقبَة

قَالَ ابْن عبد الْكَرِيم الْحلَبِي فِي شرح السِّيرَة لعبد الْغَنِيّ وَذكر أَبُو الْحسن بن الْأَثِير فِي تَرْجَمَة الْعَلَاء بن عقبَة إِنَّه كتب للنَّبِي صلى الله عليه وسلم أورد ذكره فِي حَدِيث عَمْرو بن حزم وَقَالَ ذكره جَعْفَر أخرجه أَبُو مُوسَى

وَلم يذكرهُ ابْن الْأَثِير فِي كِتَابه الَّذين أوردهم فِي تَرْجَمَة أبي بن كَعْب وعددهم

وَذكره ابْن عَسَاكِر

قلت وَلم يذكرهُ ابْن عبد الْبر فِي أَسمَاء الصَّحَابَة فِي بَابه وَالله سُبْحَانَهُ أعلم

ص: 164

37 -

عبد الْعُزَّى بن خطل

وَقيل اسْمه هِلَال

أسلم وَبَعثه النَّبِي صلى الله عليه وسلم مُصدقا وَبعث مَعَه رجلا من الْأَنْصَار وَكَانَ مَعَه مولى لَهُ يَخْدمه مُسلما فَنزل منزلا وَأمر الْمولى أَن يذبح لَهُ تَيْسًا فيصنع لَهُ طَعَاما فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ ابْن خطل وَلم يصنع لَهُ شَيْئا فَعدا عَلَيْهِ فَقتله ثمَّ ارْتَدَّ مُشْركًا

وَكَانَ يكْتب قُدَّام النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَكَانَ إِذا نزل {غَفُور رَحِيم} كتب رَحِيم غَفُور وَإِذا نزل {سميع عليم} كتب عليم سميع فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم ذَات (يَوْم اعْرِض عَليّ مَا كنت أملي عَلَيْك) فَلَمَّا عرضه عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم (كَذَا أمليت عَلَيْك غَفُور رَحِيم وَرَحِيم غَفُور وَاحِد وَسميع عليم وَعَلِيم سميع وَاحِد قَالَ فَقَالَ ابْن خطل إِن كَانَ مُحَمَّد مَا كنت أكتب لَهُ إِلَّا مَا أُرِيد ثمَّ كفر وَلحق بِمَكَّة فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم (من قتل ابْن خطل فَهُوَ فِي الْجنَّة) فَقتل يَوْم فتح مَكَّة وَهُوَ مُتَعَلق بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة قَالَه عبد الْكَرِيم الْحلَبِي فِي شرح السِّيرَة لعبد الْغَنِيّ

قَالَ ابْن إِسْحَاق وَكَانَت لَهُ قينتان تُغنيَانِ بِهِجَاء رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فرتني وَقَرِيبَة فَأمر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم بِقَتْلِهِمَا مَعَه

قَالَ الْحَاكِم قتلت إِحْدَاهمَا وكتمت الْأُخْرَى حَتَّى استؤمن لَهَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

ص: 165

وَقيل قَتله سعد بن حُرَيْث المَخْزُومِي وَأَبُو بَرزَة الْأَسْلَمِيّ وَهُوَ آخذ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة وَقيل بَين الْمقَام وزمزم

38 -

عقبَة

قَالَ مُحَمَّد بن سعد فِي الطَّبَقَات قَالُوا وَكتب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لعوسجة بن حَرْمَلَة الْجُهَنِيّ وَيَأْتِي ذكر الْكتاب فِي تراجم الْمُلُوك وَقَالَ فِي آخِره وَكتب عقبَة وَشهد

هَكَذَا ذكر ابْن سعد وَلم يرفع لَهُ نسبا

وَذكر ابْن عبد الْبر فِي الصَّحَابَة من اسْمه عقبَة نَحْو الثَّمَانِية عشر وَلم يذكر فيهم كَاتبا وَلَا مَا يدل على ذَلِك وَلَا أَدْرِي أَيهمْ هُوَ وَالله أعلم وَقد نبهت عَلَيْهِ عِنْد ذكر شُجَاع بن وهب الرَّسُول وأخيه عقبَة بن وهب فَلَعَلَّهُ أَن يكون هُوَ وَالله أعلم

39 -

مُحَمَّد بن مسلمة

ابْن سَلمَة بن خَالِد بن عدي بن مجدعة بن حَارِثَة بن

ص: 166

الْحَارِث بن الْخَزْرَج بن عَمْرو بن مَالك بن الْأَوْس حَلِيف لبني الْأَشْهَل الْأنْصَارِيّ الْحَارِثِيّ يكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن وَقيل أَبَا عبد الله

شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا وَكَانَت وَفَاته فِي صفر سنة ثَلَاث وَأَرْبَعين وَقيل سنة سِتّ وَأَرْبَعين وَهُوَ ابْن سبع وَسبعين سنة

كَانَ أسمر شَدِيد السمرَة طَويلا أصلع ذَا جثة وَكَانَ من فضلاء الصَّحَابَة وَهُوَ أحد الَّذين قتلوا كَعْب بن الْأَشْرَف الْيَهُودِيّ بِأَمْر رَسُول الله صلى الله عليه وسلم اسْتَخْلَفَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم على الْمَدِينَة فِي بعض غَزَوَاته

وَلم يشْهد الْجمل وَلَا صفّين وَاعْتَزل الْفِتْنَة وَاتخذ سَيْفا من خشب وَجعله فِي جفن وَذكر أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أمره بذلك قَالَه ابْن عبد الْبر وَذكره فِي كِتَابه صلى الله عليه وسلم فِي تَرْجَمَة أبي بن كَعْب

قَالَ عبد الْكَرِيم الْحلَبِي وَذكره أَيْضا فِي كِتَابه ابْن عَسَاكِر وَابْن الْأَثِير

40 -

مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان صَخْر

رفعنَا نسبه عِنْد ذكر أَبِيه يكنى أَبَا عبد الرَّحْمَن

قَالَ ابْن عبد الْبر كَانَ هُوَ وَأَبوهُ وَأَخُوهُ من مسلمة الْفَتْح

وَقد رُوِيَ عَن مُعَاوِيَة أَنه قَالَ أسلمت يَوْم الْقَضِيَّة وَلَقِيت النَّبِي صلى الله عليه وسلم مُسلما

وَهُوَ أحد الَّذين كتبُوا لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

ص: 167

قَالَ عبد الْكَرِيم وَرُوِيَ بِسَنَدِهِ إِلَى عَليّ رضي الله عنه أَنه قَالَ لما قتل ابْن خطل يَوْم الْفَتْح وَكَانَ كتب لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم ثمَّ ارْتَدَّ فَأَرَادَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أَن يسْتَكْتب مُعَاوِيَة فكره أَن يَأْتِي مَا أَتَى ابْن خطل فَاسْتَشَارَ جِبْرِيل عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ اسْتَكْتَبَهُ فَإِنَّهُ أَمِين ذكر ابْن الْجَوْزِيّ هَذَا الحَدِيث فِي الموضوعات هُوَ وَحَدِيث ابْن خطل الْمَذْكُور فِي تَرْجَمته من حرف الْعين وَقَالَ فِيهِ أَصْرَم بن حَوْشَب عَن أبي سِنَان

قَالَ ابْن عبد الْبر قَالَ عمر رضي الله عنه لما دخل الشَّام وَرَأى مُعَاوِيَة هَذَا كسْرَى الْعَرَب وَكَانَ عمر ولاه الشَّام بعد موت أَخِيه يزِيد فَلَمَّا تَلقاهُ فِي موكب عَظِيم قَالَ لَهُ أَنْت صَاحب الموكب الْعَظِيم قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ مَعَ مَا يبلغنِي من وقُوف ذَوي الْحَاجَات ببابك قَالَ مَعَ مَا يبلغك من ذَلِك قَالَ وَلم تفعل هَذَا قَالَ نَحن بِأَرْض جواسيس الْعَدو بهَا كَثِيرَة فَنحب أَن نظهر من عز السُّلْطَان مَا نرهبهم بِهِ فان أَمرتنِي فعلت وَإِن نهيتني انْتَهَيْت فَقَالَ عمر رضي الله عنه لَئِن كَانَ مَا قلت حَقًا إِنَّه لرأي أريب وَإِن كَانَ بَاطِلا إِنَّه لخدعة أديب قَالَ فمرني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قَالَ لَا آمُرك وَلَا أَنهَاك فَقَالَ عَمْرو بن الْعَاصِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا

ص: 168

أحسن مَا صدر هَذَا الْفَتى عَمَّا أوردته فِيهِ قَالَ لحسن موارده جشمناه مَا جشمناه مَعْنَاهُ كلفناه

قَالَه الْجَوْهَرِي

قَالَ وَكَانَ مُعَاوِيَة أَمِيرا بِالشَّام نَحْو عشْرين سنة وَخَلِيفَة نَحْو عشْرين سنة

روى أَبُو بكر الْآجُرِيّ فِي كتاب الشَّرِيعَة لَهُ عَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ قَالَ مُعَاوِيَة مَا زلت فِي طمع من الْخلَافَة مُنْذُ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول (يَا مُعَاوِيَة إِن ملكت فَأحْسن)

وَرُوِيَ عَن خَالِد بن يزِيد بن صبيح عَن أَبِيه عَن مُعَاوِيَة قَالَ كنت أوضئ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم ذَات يَوْم أفرغ عَلَيْهِ من إِنَاء فِي يَدي فَنظر إِلَيّ نظرة شَدِيدَة فَفَزِعت وَسقط الْإِنَاء من يَدي فَقَالَ (يَا مُعَاوِيَة إِن وليت شَيْئا من أُمُور أمتِي فَاتق الله واعدل) قَالَ فَمَا زلت أطمع فِيهَا مُنْذُ ذَلِك الْيَوْم فأسأل الله أَن يَرْزُقنِي الْعدْل فِيكُم

وَرُوِيَ عَن عَمْرو بن يحيى بن سعيد الْأمَوِي عَن جده قَالَ كَانَت إداوة يحملهَا أَبُو هُرَيْرَة مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لوضوئه فاشتكى أَبُو هُرَيْرَة فحملها مُعَاوِيَة فَبينا هُوَ يوضيء النَّبِي صلى الله عليه وسلم مِنْهَا رفع

ص: 169

النَّبِي صلى الله عليه وسلم رَأسه فَقَالَ (يَا مُعَاوِيَة إِن وليت من أَمر الْمُسلمين شَيْئا فَاتق الله واعدل) فَمَا زلت أَظن أَنِّي مبتلى بذلك لقَوْل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حَتَّى وليت

وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عمر قَالَ مَا رَأَيْت أحدا بعد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أسود من مُعَاوِيَة قيل لَهُ فَأَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي فَقَالَ كَانُوا وَالله خيرا من مُعَاوِيَة وَأفضل وَكَانَ مُعَاوِيَة أسود مِنْهُم

قَالَ ابْن عَطِيَّة فِي تَفْسِير قَوْله تَعَالَى {وَسَيِّدًا وَحَصُورًا} من سُورَة آل عمرَان

قَالَ سيدا فِي الْحلم وَالْعِبَادَة والورع

وَقَالَ ابْن جُبَير سيدا حَلِيمًا وَقَالَ الضَّحَّاك تقيا حَلِيمًا وَقَالَ ابْن عَبَّاس يَقُول تقيا حَلِيمًا وَقَالَ عِكْرِمَة السَّيِّد الَّذِي لَا يغلبه الْغَضَب

قَالَ القَاضِي هُوَ ابْن عَطِيَّة كل من فسر من هَؤُلَاءِ الْعلمَاء السودد بالحلم فقد أحرز أَكثر معنى السودد وَمن جرد تَفْسِيره بِالْعلمِ والتقى وَنَحْوه فَلم لفسر بِحَسب كَلَام الْعَرَب وَقد تحصل الْعلم ليحيى عليه السلام بقوله عز وجل {مُصدقا بِكَلِمَة من الله} وَتحصل التقى بباقي لآيَة وَخَصه الله بِذكر السودد الَّذِي هُوَ الِاعْتِمَاد فِي رضى النَّاس

ص: 170

على أشرف الْوُجُوه دون أَن يُوقع فِي بَاطِل هَذَا لفظ يعم السودد وتفصيله أَن يُقَال بذل الندى وكف الْأَذَى وَهنا هِيَ الْعِفَّة بالفرج وَالْيَد وَاللِّسَان وَاحْتِمَال العظائم وَهنا هُوَ الْحلم وَغَيره من تحمل الغرامات وجبر الْكسر والإفضال عَن المسترفد والإنقاذ من المهلكات وَانْظُر أَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ (أَنا سيد ولد آدم وَلَا فَخر) وَذكر حَدِيث شَفَاعَته وَذَلِكَ مِنْهُ اعتمال فِي رضى ولد آدم فَهُوَ سيدهم بذلك

وَقد يُوجد من الثِّقَات الْعلمَاء من لَا يبرز فِي هَذَا الْخِصَال وَقد يُوجد من يبرز فيسمى سيدا وَإِن قصر فِي كثير من الْوَاجِبَات أَعنِي وَاجِبَات النّدب والمكافحة فِي الْحق وَقلة المبالاة بالأئمة

وَقد قَالَ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مَا رَأَيْت أحدا أسود من مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان قيل لَهُ وَأَبُو بكر وَعمر قَالَ هما خير مِنْهُ وَهُوَ أسود مِنْهُمَا فَهَذِهِ إِشَارَة إِلَى أَن مُعَاوِيَة برز فِي هَذِه الْخِصَال مَا لم يواقع محذورا وَأَن أَبَا بكر وَعمر كَانَا من الاستضلاع بالواجبات وتتبع ذَلِك من أَنفسهمَا وَإِقَامَة الْحَقَائِق على النَّاس بِحَيْثُ كَانَا خيرا من مُعَاوِيَة وَمَعَ تتبع الْحَقَائِق وَحمل النَّاس على الجادة وَقلة المبالاة برضاهم وَالْوَزْن بقسطاس الشَّرِيعَة تحريرا يتحزم كثير من هَذِه الْخِصَال الَّتِي هِيَ السودد ويشتغل الذِّهْن عَنْهَا والتقى وَالْعلم وَالْأَخْذ بالأشد أوكد وَأَعْلَى من السودد إِمَّا أَنه يحسن بالتقي الْعَالم أَن يَأْخُذ من السودد بِكُل مَا لَا يخل بِعِلْمِهِ وتقاه وَهَكَذَا كَانَ يحيى عَلَيْهِ السَّلَام

ص: 171