الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يعني: قال الشيخ: بينَ نَهْيِ عمرَ عن البول قائمًا، وبين بوله عليه السلام قائمًا تناقضٌ في الظاهر، ولكن ليس في الحقيقة بينهما تناقضٌ؛ لأن النبي عليه السلام بال قائمًا لعذر، وبولُ عمرَ لم يكن بعذر، وعذرُ النبي عليه السلام قيل: كان لجراحة تحت رُكْبته من جانب عَقِبه، فلم يمكنْه الجلوسُ، أو لأنه لم يمكنه الجلوسُ في السباطة؛ لأن السباطةَ يكون أعلاه مرتفعًا، فلو جلسَ مستدبرَ الناس سقط عن خلفه، ويرجعُ عليه البولُ، ولو جلسَ مستقبلَ الناس تبدو عورتُه لهم، فلأجل هذا بال قائمًا.
فإن قيل: لمَ لم يؤخر البول إلى موضمع آخر؟.
قلنا: لأن تأخير البول مُضِرٌّ.
"حذيفة": اسم أبيه حِسلٌ، وقيل: حُسَيل، ابن جابر بن عمرو بن ربيعة اليماني.
* * *
4 - باب السِّواكِ
(باب السواك)
مِنَ الصِّحَاحِ:
257 -
عن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا أنْ أشُقَّ على أُمَّتي لأمرتُهُمْ بتأخِيرِ العِشاءِ، وبالسِّواكِ عندَ كُلِّ صلاةٍ".
قوله: "لولا أن أشق"، (شَقَّ): إذا وضعَ المشقَّةَ والثِّقَلِ على أحد.
"لأمرتهم"، أي: لفرضتُ عليهم تأخيرَ صلاة العشاء، يعني: لولا أن تلحقَ لأمتي مشقةٌ بأن أفرِضَ عليسم تأخيرَ صلاة العشاءِ والسواكَ عند كل صلاة؛ لفرضْتُ عليهم من غاية فضيلتهما، ولكن لم أفرضْ عليهم، بل جعلتهما سُنَّتين.
* * *
258 -
عن المِقْدامِ بن شُرَيح، عن أبيه: أنَّه قال: سألتُ عائشةَ رضي الله عنها: بأيِّ شيءٍ كانَ يبدأُ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخلَ بيتَهُ؟ قالت: بالسِّواكِ.
قولهما: "بالسواك": "وإنما استاكَ رسولُ الله إذا دَخَل بيتَه": لأن الغالب أنَّه لا يتكلَّمُ في الطريق من المسجد إلى بيته، أو مِن موضعٍ آخرَ إلى بيته، والفمُ يتغيَّرُ بعدم التكلُّم، فإذا دخلَ بيتَه ابتدأَ بالسِّواكِ لإزالة التغير، وهذا تعليمٌ منه أُمَّتَه بأن الرجلَ إذا أرادَ التكلمَ مع أحدٍ فالمستحبُّ استعمالُ السواك؛ لطيبِ رائحةِ فمه؛ كيلا يتأذَّى أحدٌ من ريحِ فمه.
واسم جد "مقدام": هانئ بن يزيد بن كعب الحارثي.
* * *
259 -
وقال حُذَيْفَة: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا قامَ للتهجُّدِ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فاهُ بالسِّواكِ.
قوله: "للتهجد"، أي: لصلاة الليل.
"يشوص"، أي: يغسل، "فاه": أي: فمَه.
* * *
260 -
وقالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ: قَصُّ الشارِبِ، وإعفاءُ اللِّحْيَةِ، والسِّواكُ، واستِنْشَاقُ الماءِ، وقَصُّ الأظْفَارِ، وغَسْلُ البَرَاجِمِ، ونَتْفُ الإِبِطِ، وحَلْقُ العَانَةِ، وانْتِقَاصُ الماءِ - يعني: الاسْتِنْجَاء -".
قال الراوي: ونسيتُ العاشرةَ إلَّا أنْ تكونَ المَضْمَضَةَ.
وفي روايةٍ: "الخِتانِ" بدل: "إعفاءِ اللِّحْيَةِ".
قوله: "عشرٌ من الفِطْرة"، أي: عشر خصال من السنة والإسلام.
قوله: "إعفاءُ اللِّحْية"، (الإعفاءُ): الإكثار والتوفير، يعني: تركُ اللحية بحالها، ولا يقصُّها، كعادة بعض الكفار والقَلَنْدَرِيَّة.
قوله: "واستنشاقُ الماء"، أي: جعلُ الماء في الأنف في الوضوء.
قوله: "قَصُّ الأظفار"، و (القَصُّ): القَطْعُ؛ أي: قَلْمُ الأظفار.
قوله: "وغَسْلُ البَرَاجِم"، (البراجم): جمع بُرْجُمة - بضم الباء والجيم - وهي مِفْصَلُ الإصبَع، والمراد منه ها هنا: خطوطُ الكَفِّ.
وإنما أمر النبي عليه السلام وبالغ في غَسْلها؛ لأنه يبقى الوسَخُ بينهما، فلو لم يغسِلْها يغلظُ ويشتدُّ الوسخُ فيها فلا يصلُ الماءُ إلى تحتها، وحينئذ لا يصحُّ الوضوءُ والغسل.
(النتف): القَلْعُ.
قوله: "انتقاصُ الماء"، هذا كناية عن الاستنجاء؛ لأن الرجلَ إذا أراقَ الماءَ في الاستنجاء ينقصُ الماء.
وقيل: أراد بانتقاص الماء: تنقيصُ البولِ وقطعُه بغَسْلِ الذَّكَر؛ لأن الماء ينقصُ ويقبِضُ البولَ، فعلى هذا أراد بالماءِ البَوْلَ.
قوله: "إلا أن تكون المضمضةَ"، يعني: لا أظنُّ العاشِرَ إلا المضمضةَ؛ لأن المضمضةَ والاستنشاقَ قد يكونان معًا في الذِّكْر في أكثرِ المواضع، فإذا ذكر ها هنا الاستنشاقُ، فالظاهر أن المضمضة قد كانت مذكورةً، ولكن نسيتها.
* * *
مِنَ الحِسَان:
261 -
عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "السِّواكُ مَطْهَرَةٌ للفَمِ مَرْضاةٌ للرَّبِّ".
قوله: من الحسان: "السِّواكُ مَطْهَرةٌ للفم، مَرْضَاةٌ للرب"، المَطْهَرَةُ: بمعنى الطهارة، وهي مَفْعَلَة، وهي مصدر ميمي والمَصْدَرُ يُستعمَلُ بمعنى الفاعل والمفعول.
ويحتمل ها هنا أن يكون بمعنى الفاعل؛ أي: مُطَهِّرٌ للفم.
(المَرْضَاةُ) ها هنا: يجوز أن تكون بمعنى الفاعل؛ أي: مُرضٍ، ومحصِّلٌ لرضا الله، ويجوز أن تكون بمعنى المفعول؛ أي: مَرْضِيٌّ للرب.
* * *
262 -
وقال: "أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ المُرْسَلِينَ: الحياءُ، والتَّعَطُّرُ، والسِّواكُ، والنِّكاحُ" - ويُروى: "الخِتان" -، رواه أبو أيوب.
قوله: "أربعٌ من سنن المرسلين"، أي: أربعُ خِصال من سننِ الأنبياء.
"الحَيَاءُ"، في هذا اللفظ ثلاث روايات:
أحدها: (الحياء) بالحاء غير المعجمة وبالياء؛ يعني به: الحياء الَّذي يكون من الدَّين كسَتْر العَوْرة وتركِ الفواحش وغيرِ ذلك، لا الحياء الجِبِلِّي، فإن جميعَ الناس في الحياء الجِبِلِّي مشترِكٌ، وقد ذكر شرح هذا في قوله:
"الحياء شعبة من الإيمان".
والرواية الثانية: (الختان) بالخاء المعجمة وبالتاء، وهو سنَّةُ الأنبياء من زمن إبراهيم عليه السلام إلى زماننا.
واختُلِفَ في أنَّه سنةٌ في ديننا أو فَرْض؟ فعند الشافعي: فرضٌ، وعند أبي حنيفة: سنة.
روي: أنه وُلِدَ أربعةَ عشرَ نبيًا مختونًا: آدمُ وشيثٌ ونوحٌ وهودٌ وصالحٌ ولوطٌ وشُعَيبٌ ويوسفُ وموسى وسليمانُ وزكريا وعيسى وحنظلةُ بن صفوان، وهو نبي أصحاب الرَّسَّ، ونبينا محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
والرواية الثالثة: "الحِنَّاء" بالحاء غير المعجمة وبنون مشدَّدة: وهو ما يُخضَبُ به، وهذه الرواية غير صحيحة، ولعلها تصحيف؛ لأن الحِنَّاء يحرمُ الخضابُ به في اليد والرِّجْلِ في حقِّ الرجال؛ لأن فيه تشبيهًا بالنساء، وأما خِضابُ الشَّعْر به فلم يكن قبل نبيِّنا هذا، بل صار سنةً مِن فِعْلِ نبينا، أو أمره به صلى الله عليه وسلم، فإذا كان كذلك، فكيف يكونُ من سُنَن المرسلين؟!!
* * *
263 -
وقالت عائشة رضي الله عنها: كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يَرْقُدُ مِنْ لَيْلٍ ولا نَهارٍ فيستَيْقِظُ، إلَّا يتَسوَّكُ قبلَ أَنْ يتوضَّأْ.
قوله: "لا يَرْقُدُ"، أي: لا ينام.
"فيَسْتَيقِظُ"، أي: فينتبه من النوم.
"يَتَسوَّك"، أي: يستعمل السِّواك، وإنما يتسوَّكُ بعد اليقظة من النوم؛ لإزالة تغيُّر الفم الذي حصَلَ بالنوم؛ لتكون رائحةُ فمِه طيبةً إذا ذَكَرَ الله، أو قرأَ القرآن، أو تكلمَ مع أحدٍ من الملك والإنس، وكذلك لتفعلَ أمتُه اقتداءً