المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌3 - باب الإيمان بالقدر - المفاتيح في شرح المصابيح - جـ ١

[مظهر الدين الزيداني]

الفصل: ‌3 - باب الإيمان بالقدر

الكبائر قد صدرت من بعض الصحابة، مثل الزنا وشرب الخمر والسرقة، فإذا حصل منهم الصغائر والكبائر فلِمَ اختصَّ الصغائر بالذكر، ولم يقل: مطلق الذنوب حتى، يدخل فيه الصغائر والكبائر؟.

قلنا: صدور الكبائر من الصحابة نادر، وإن كان ممكنًا وواقعًا، فإذا كان صدور الكبائر من الصحابة وغيرهم من المؤمنين قليلًا بالإضافة إلى الصغائر فتسمية الصغائر التي هي أكثر أولى وأليقُ، خصوصًا برسول الله عليه السلام فإنه لا ينسب أحدًا إلى كبيرة.

واسم جد "عمرو بن الأحوص": جعفر بن كلاب الجُشَمي الكلابي.

* * *

‌3 - باب الإِيمان بالقَدَرِ

(باب الإيمان بالقدر)

مِنَ الصَّحَاحِ:

58 -

عن عبد الله بن عَمْرو بن العاصِ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كتَبَ الله مَقاديرَ الخلائقِ قبلَ أنْ يخلُقَ السَّماواتِ والأَرضَ بخمسينَ ألْفَ سَنَةٍ، قال: وكان عرشُهُ على الماءِ".

قوله: "مقادير الخلائق"، (المقادير): جمع مقدار، والمقدار: الشيء الذي يعرف به قَدْرُ شيء كالميزان، وهو الآلة التي يعرف بها وزن الشيء، وكذا المكيال: الآلة التي يعرف بها قَدْرُ ما يكال، ويُستعمل المقدار بمعنى القدر.

اعلم أن جميع ما كان وما يكون من الكليات والجزئيات حاصل في علم الله تعالى، وهو يعلمه بعلمه القديم الأزلي الأبدي لا يزيد شيء في علمه

ص: 171

ولا ينقص منه شيء، لأن الزيادة والنقصان من صفات المخلوقات، وهو تعالى منزَّه عن ذلك، فإذا علمت أنه تعالى يعلم الأشياءَ علمًا قديمًا فاعلَمْ أنه تعالى أَمرَ بكتابة ما كانَ وما هو كائنٌ إلى الأبد في اللوح المحفوظ "قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة"، ثم يُخلَق كلُّ شيءٍ ويُوجَد في الوقت الذي قَدَّر أن يُخلَق ذلك الشيءُ فيه من الجواهر والأعراض والأجسام والأفعال والأقوال.

قوله: "قال: وكان عرشه على الماء"؛ أي: قال الراوي: قال رسول الله عليه السلام: وكان عرشُ الله تعالى على وجه الماء في ذلك الوقت؛ يعني: كان العرشُ قبلَ أن يخلقَ السماواتِ والأرضَ فوقَ الماء، والماءُ على متن الريح.

* * *

59 -

وقال: "كُلُّ شيءٍ بقَدَرٍ، حتى العجْزُ والكَيْسُ"، رواه عبد الله بن عَمْرو.

قوله: "حتى العجز والكَيس"، (الكَيْس والكَيَاسة): كمال العقل، وشدة معرفة الرجل الأمور، وتمييز ما فيه النفع مما فيه الضر، و (العجز) ضده؛ يعني: مَن كان عاجزًا أو ضعيفًا في الجثة أو الرأي والتمييز أو ناقص الخلقة لا تعيبوه؛ فإن ذلك بتقديرِ الله تعالى وخلقِه تعالى إياه على هذه الصفة، ومَن كان كاملَ العقل بصيرًا بالأمور تامَّ الجثة، وهو أيضًا بتقديرِ الله وخلقِه تعالى إياه على هذه الصفة، وليس ذلك بقوته وقدرته؛ فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، ويجوز:(حتى الكَيسِ والعجزِ) بالجر، و (حتى العجزُ والكَيسُ) بالرفع؛ فالجر على أن (حتى) بمعنى (إلى) التي لانتهاء الغاية؛ أي: حصول جميع الأشياء بقَدَر الله تعالى حتى ينتهي إلى العجزِ والكَيسِ، والرفع على أن (حتى) بمعنى الواو العاطفة؛ أي: كل شيء بقَدَر، والعجزُ والكَيسُ كذلك، ويجوز أن تكون (حتى) ها هنا هي التي

ص: 172

يُبتدأ بعدها الكلام، فيكون (العجزُ) مبتدأ و (الكَيس) معطوفًا عليه، وخبرهما محذوف؛ أي: حتى العجزُ والكَيسُ كائنان مقدَّران بقَدَر الله.

* * *

60 -

وقال: "احتجَّ آدمُ وموسى عند ربِّهِمَا، فحجَّ آدمُ موسى، قال موسى: أنتَ آدمُ الذي خلقكَ الله بيَدِهِ، ونفخَ فيكَ مِنْ روحِهِ، وأسجدَ لكَ ملائكتَهُ، وأسكنَكَ في جنَّتِهِ، ثمَّ أَهبَطْتَ النَّاسَ بخطيئَتِكَ إلى الأرضِ؟ فقال آدمُ: أنتَ موسى الذي اصطفاكَ الله برسالَتِهِ وبكلامِهِ، وأعطاكَ الألواحَ فيها تِبْيَانُ كُلِّ شيءٍ، وقرَّبَكَ نَجيًّا فَبِكَمْ وجدتَ الله كتبَ التوراةَ قبلَ أنْ أُخْلَقَ؟ قال موسى: بأربعين عامًا، قال آدمُ: فهلْ وجدْتَ فيها: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى}؟ قال: نعم، قال: أَفَتلُومُني على أنْ عَمِلْتُ عمَلًا كتبَهُ الله علَيَّ أَنْ أَعملهُ قبلَ أنْ يخلُقَني بأربعينَ سنةً؟ "، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"فحجَّ أدمُ مُوسَى"، رواه أبو هريرة.

قوله: "احتج": إذا أجرى الخصومة والمناظرة بين الاثنين، وأصله: أن يطلب كل واحد منهما الحُجَّةَ من صاحبه على ما فعل، (الحُجَّة): البرهان.

"عند ربهما"؛ أي: في سماء ربِّهما؛ لأن ذلك كان في السماء عند ملتقى الأرواح، وكان هذه الملاقاة والمكالمة من آدم وموسى عليهما السلام كملاقاة ومكالمة نبينا محمد سيد الأنبياء عليه السلام ليلةَ المعراج.

قوله: "فحجَّ آدمُ موسى عليهما السلام": (حجَّ) بمعنى: غَلَبَ في الحُجة على الخصم، بمعنى: غَلَبَ آدمُ عليه السلام على موسى في المناظرة.

قوله: "خلقَك الله بيده"؛ أي: خلقَك الله بقدرته من غير أن يأمر به أحدًا، ومن غير واسطة أب وأم.

ص: 173

قوله: "ونفخ فيك من روحه"؛ أي: نفخَ فيك روحًا صرتَ به حيًّا، أضاف (الروح) إلى نفسه في قوله تعالى:{وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29] تخصيصًا وتشريفًا؛ أي: من الروح الذي هو مخلوقي، ولا عملَ ولا يدَ لأحدٍ فيه، وقيل: الروح ها هنا بمعنى: الوحي والرسالة.

قوله: "وأَسجَدَ لك ملائكتَه": (أسجَدَ): إذا أمر بالسجود؛ يعني: أَمرَ الله تعالى ملائكتَه بأن تَسجدَ لك تعظيمًا لك.

واختُلف في كيفية سجود الملائكة لآدم عليه السلام؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: كان ذلك انحناءً، ولم يكن الخُرورَ على الذقن، وقال ابن مسعود: أُمروا أن يأتمُّوا بآدمَ فسجدَ وسجدوا لله تعالى، وقال أُبي بن كعب: خضعوا له وأَقرُّوا له بالفضل.

قوله: "ثم أَهبطتَ الناس بخطيئتك إلى الأرضِ": (أَهبَطَ): إذا سَقطَ وأُنزلَ.

"بخطيئتك"؛ أي: بعصيانك الله تعالى في أكل الشجرة؛ يعني: أَنعَمَ الله عليك هذه النِّعَمَ ثم عصيتهَ حتى أُخرجتَ بسبب ذَنْبك من الجنة، وبقي أولادُك في الدنيا في المشقة من الفقر والمرض، وغير ذلك من أنواع البلايا.

قوله: "وأعطاك الألواحَ فيها تِبيانُ كلَّ شيءٍ"، والتِّبيان والبيان والتبيين: الإظهار؛ يعني: أعطاك الله التوراةَ فيها بيانُ كلِّ شيءٍ من الحرام والحلال والقصص والمواعظ وغير ذلك.

قوله: "وقرَّبَك نَجِيًّا"، (نجيًا): نُصب على الحال، والنَّجِيُّ والمُناجِي: مَن يجري بينك وبينه كلامٌ في السِّرِّ؛ يعني: وكلَّمَك الله تعالى من غير واسطة مَلَك.

قوله: "فبكَمْ وجدتَ الله تعالى كتبَ التوراةَ": مميز (كم) محذوف، وهو

ص: 174

منصوب لأن مميز (كم) الاستفهامية منصوب، وتقديره: فبكم زمانًا وجدتَ الله أَمرَ بكتابة التوراة قبل أن يَخلقَني.

قوله: "فهل وجدتَ فيها {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} "؛ يعني: قال آدمُ عليه السلام لموسى: هل وجدتَ في التوراة مكتوبًا أن آدمَ يعصي ربَّه بأكل الشجرة؟ قال موسى: نعم، فإن قيل: القرآنُ عربيٌّ والتوراةُ عِبرانيٌّ، فكيف يكون فيها {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} ؟

قلنا: ليس المراد بهذا أن ألفاظَ {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى} بهذا التركيب مكتوبٌ في التوراة، بل المراد بهذا: أن هذا المعنى بذلك اللسان مكتوبٌ في التوراة.

قوله: "قال: أفتَلُومُني"؛ يعني: قال آدم لموسى عليه السلام: أفتَلُومُني على أن عملتُ عملًا قدَّرَه الله تعالى عليَّ أن أعملهَ؛ يعني: فلا ينبغي لك أن تَلُومَني على هذا الفعل لعِلَلٍ يأتي ذكرها في المسألة التي بعد هذا.

قوله عليه السلام: "فحجَّ آدم"؛ أي: غَلَبَ آدمُ على موسى عليهما السلام في الحُجة.

واعلم أن حكمَ رسولِ الله عليه السلام بأن آدمَ عليه السلام غلبَ على موسى عليه السلام في الحُجة ليس بسبب أن آدمَ لم يكن مستحقًا اللَّومَ بهذه الخطيئة، بل كان مستحقًا اللَّومَ؛ لأنا لو قلنا: لم يكن مستحقًا اللَّومَ على تلك الخطيئة لم يكن غيرُ آدمَ عليه السلام أيضًا مُستوجِبًا اللَّومَ على الخطيئة، وحينَئذٍ تبطل أحكامُ الشرع وتُرفَع فائدةُ مجيءِ الرُّسلِ على الخلق وإنزالِ الكتب بين جميع المكلَّفين من الأنبياء، وغيرُهم مُستوجِبُون اللَّومَ على الخطيئة، وإنما كان حجَّ آدمُ موسى لعِلَلٍ:

أحدها: أن لومَ موسى آدمَ بعد أن عفا الله تعالى عن آدمَ خطيئتَه، واللَّومُ فيه غيرُ متوجِّه.

ص: 175

الثانية: أن لومَ موسى آدمَ عليه السلام كان بعد زوال التكليف، وذلك أن هذه المحاجَّةَ كانت في السماء بعد أن خَرجتْ روحُ كلِّ واحدٍ منهما من جسده في الأرض ثم صعد السماءَ، وفي هذه الحالة لم يبقَ تكليفٌ على أحدٍ حتى يُلامَ أحدٌ.

الثالثة: أنه ليس لموسى لومُ آدمَ عليهما السلام؛ لأنه لم يكن مأمورًا بلَومِ آدمَ عليه السلام مِن قِبَلِ الله تعالى، وهذا الحديث يتعلق بالقَدَر، ويأتي بحث مسألة القدر بعد هذا.

* * *

61 -

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجمعُ في بطنِ أُمِّهِ أربعينَ يومًا نطفةً، ثمَّ يكونُ علَقةً مثلَ ذلك، ثمَّ يكونُ مُضْغةً مثْلَ ذلك، ثمَّ يَبعثُ الله إليهِ ملَكًا بأربعِ كلماتٍ، فيكتُبُ عملَهُ، وأجلَهُ، ورزْقَهُ، وشَقيٌّ أو سعيد، ثم يُنفخُ فيهِ الرُّوحُ، وإنَّ الرجلُ ليعملُ بعملِ أهلِ النارِ حتى ما يكونُ بينهُ وبينها إلَّا ذراعٌ، فيسبِقُ عليه الكتابُ، فيعمَلُ بعملِ أهلِ الجنَّة، فيدخل الجنة، وإنَّ الرجلَ ليعمَلُ بعمَلِ أهلِ الجنَّةِ حتى ما يكونُ بينهُ وبينها إلَاّ ذراعٌ، فيسبِقُ عليه الكتابُ، فيعملُ بعملِ أهل النَّارِ، فيدخُلُ النارَ"، رواه ابن مَسْعودٍ رضي الله عنه.

قوله: "إن خلقَ أحدِكم"؛ أي: إن صورةَ أحدِكم، أو جسمَ أحدِكم "يُجمَع في بطن أمِّه أربعين يومًا نُطفةً"، (النُّطفة): المَنِي، قال عبد الله بن مسعود: إن النُّطفةَ إذا وقعت في الرَّحِم، فأراد الله أن يخلق منها بشرًا طارتْ في بشرة المرأة تحت كل ظفرة وشعرة، ثم يمكث أربعين ليلةً، ثم ينزل دمًا في الرَّحِم، فذلك جمعُها.

قوله: "ثم يكون علقةً مثل ذلك"، (العَلَقة): الدم الغليظ الجامد؛ يعني: ثم يكون خَلْقُ أحدِكم بعد النطفة عَلَقةً أربعين يومًا، ولفظة (ذلك) إشارة إلى

ص: 176

محذوف؛ أي: مثل ذلك الزمان، وذلك الزمان هو أربعون يومًا.

قوله: "ثم يكون مُضغةً مثل ذلك"، (المُضغة): قطعة من اللحم؛ يعني: يصير بعد العَلَقة لحمًا أربعين يومًا، ويظهر في آخر هذه الأربعين فيه العَظمُ، وصورتُه وأعضاؤُه وذُكورتُه وأُنوثتُه.

قوله: "ثم يبعث الله مَلَكًا بأربع كلمات"، فيكتبها بعد أن كانت تلك الكلماتُ مكتوبةَ في اللوح، قال مجاهد: يكتبُ هذه الكلماتِ في ورقةٍ، وتُعلَّق تلك الورقةُ بعنقه بحيث لا يراه الناس؛ إحدى الكلمات: عملُه؛ يعني: يُكتب أنه يعمل الخير والشر، يعملُ يومَ كذا يعمل كذا، والكلمة الثانية: أجله؛ يعني: يُكتب أنه كم يعيش في الدنيا، والثالثة: رزقُه؛ يعني: يُكتب أنه قليلُ الرزق أو كثيرُ الرزق، وأنه يحصل له يوم كذا كذا من الرزق، والرابعة: شقاوتُه إن كان شقيًا، وسعادتُه إن كان سعيدًا، ثم بعد ذلك يُنفَخ فيه الروح.

اعلم أن الله تعالى يُحول جسم الإنسان في بطن أمه حالةً بعد حالةٍ، مع أنه قادرٌ على أن يخلقَه في لحظةٍ واحدةٍ؛ وذلك لِمَا في تحويل صورة الإنسان في البطن من الفوائد والعِبَر.

أحدها: أنه لو خلق الإنسانَ في بطن أمه في دفعةٍ واحدةٍ يشقُّ ذلك على الأم وتخاف؛ لأنها لم تكن معتادةً بذلك، فلا تعلم أن ما ظهر في بطنها ولدٌ أو عِلَّةٌ، فاقتضت حكمة الله تعالى أن يجعلَه أولًا نطفةً مدةً لتعتادَ أمُّه بذلك، ثم ينقلب عَلَقةً مدةً لتعتادَ أيضًا بالعَلَقة مدةً، وكذلك تعتاد وتأنسَ بما في بطنها ساعةً فساعةً إلى وقت الولادة.

والفائدة الثانية: إظهارُ نعمتهِ وقدرتهِ لكم لتعلموا أنه قادرٌ على كل شيء من جعل النطفةِ علقةً، والعلقةِ مُضغةً، وغير ذلك من الأحوال؛ لتشكروا نعمتَه عليكم بأن خلقَكم من نطفةٍ ثم جعلكم عَلَقةً ثم مُضغةً، ثم إنسانًا حسنَ

ص: 177

الصورةِ، مزَّينًا بالعقلِ والفِطنةِ.

والفائدة الثالثة: إظهارُ قدرتهِ على البعث؛ لأن مَن قَدَرَ على خلق الإنسان من ماءٍ، ونفخَ الروحَ فيه؛ يَقدِرُ على خلقهِ بعد صيرورته في القبر ترابًا، ونفخِ الروحِ فيه، وحشرِه في القيامة للحساب والجزاء.

قوله: "فإن الرجلَ لَيعملُ بعمل أهل النار حتى ما يكونَ بينه وبينها إلا ذراعٌ فيسبق عليه الكتابُ، فيعمل بعمل أهل الجنة، فيدخل الجنةَ"، و (ما) في قوله:(حتى ما يكون) للنفي، ويكون نصبًا بـ (حتى)، ولا يمنع (حتى) من العمل؛ يعني: قدَّر الله تعالى في الأزل ما يكون، ثم أَمر بأن يُكتب في اللوح ذلك، ثم أَمر المَلَك ليكتب في جبهة كل واحد ما قَدَّرَ له، وإذا كان كذلك لا يكون عاقبةُ الرجل ولا أجلُه إلا على ما قُدِّرَ له في الأزل، فإذا قُدَّرَ في الأزل لأحدٍ أنه من أهل الجنة تكون عاقبتُه الجنةَ، وإن كان مشغولًا بعمل أهل النار في مدة من عمره، بل يقلبه الله تعالى من أعمال أهل النار إلى أعمال أهل الجنة حتى يموتَ على عمل أهل الجنة؛ فيدخل الجنةَ.

قوله: "حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع": هذا مَثَلٌ لمقاربته دخولَ النار من كثرة المعاصي والكفر، وكذلك إذا قُدِّرَ لأحدٍ أن يكونَ من أهل النار تكون عاقبتهُ وموتهُ على عمل أهل النار؛ فيدخل النارَ، وإن كان مشغولًا بعمل أهل الجنة في مدة من عمره.

* * *

62 -

وقال: "إنَّ العَبْدَ ليعمَلُ عمَلَ أهلِ النارِ وانَّهُ مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ، ويعملُ عملَ أهلِ الجَنَّةِ وإنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وإنَّما الأعمالُ بالخَواتيم"، رواه سَهْل بن سَعْد الساعدي.

ص: 178

قوله عليه السلام: "إن العبدَ لَيعملُ عملَ أهل النار

" إلى آخره؛ يعني: رُبَّ شخصٍ يعمل عملَ أهل النار من الكفر والمعاصي، وفي تقدير الله أنه من أهل الجنة، فيصرفه الله تعالى في آخر عمره من الكفر والمعاصي إلى الإيمان والطاعة، فيموت على الإيمان والطاعة؛ فيدخل الجنةَ، ورُبَّ شخصِ يعمل بعمل أهل الجنة من الإسلام والطاعة، وفي تقدير الله تعالى أنه من أهل النار، فينصرف ويتحوَّل في آخر عمره من الإيمان والطاعة إلى الكفر والمعصية؛ فيدخل النارَ.

قوله: "وإنما الأعمال بالخواتيم"؛ أي: إنما الأعمالُ متعلقةٌ ومقيَّدةٌ في السعادة والشقاوة بآخر العمل (1)، فإن ماتَ على الإيمان والطاعة عُلِمَ أن أعماله الصالحةَ كانت مفيدةً له، فكانت سببَ نجاته من النار، وإن ماتَ - نعوذ بالله - على الكفر والمعاصي تبيَّن أن أعماله الصالحةَ صارت ضائعةً غيرَ مفيدةٍ له، ولهذا لا يجوز لأحدٍ أن يَشهد بكون أحدٍ من أهل الجنة أو من أهل النار إلا مَن جاء النصُّ بأنه من أهل الجنة، ولكن مَن رأيناه مشتغلًا بالأعمال الصالحة نرجو له السعادةَ من غير أن نَقطعَ، ومَن رأيناه مشتغلًا بالأعمال القبيحة نَخافُ عليه الشقاوةَ من غير أن نَقطعَ.

واعلم أن جميعَ ما يجري في العالم من الإيمان والكفر، والطاعة والعصيان، والخير والشر، والسعادة والشقاوة، وغير ذلك من الكليات والجزئيات بتقدير الله تعالى وقضائه، ولا يندفع منه شيء.

وفي هذه المسألة ثلاثُ مذاهبَ:

أحدها: مذهب أهل الجَبْر، والجَبْر: القهر، وهؤلاء يقولون: إن الإنسانَ ليس له اختيارٌ في فعله، بل يجري عليه فعلهُ بتقدير الله تعالى أراد أو أَبَى، وهو

(1) في "ش": "العمر".

ص: 179

كالشجر إذا حرَّكتْه الريحُ وكاليد المُرتعِشة؛ فإن الشجرَ واليدَ المُرتعِشةَ لا اختيارَ لهما في تحرُّكهما، وهذا المذهب على خطأ عظيمٍ؛ لأنه إذا لم يكن للإنسان اختيارٌ فلا يكون مكلَّفًا كالمجنون، وإذا لم يكن الإنسان مكلَّفًا فيكون بعثهُ الأنبياءَ عليهم السلام وإنزالُ الكتبِ عبثًا، ونعوذ بالله من هذا الاعتقاد.

والمذهب الثاني: مذهب المعتزلة والقدرية، وهؤلاء يقولون: إن الإنسانَ خالقٌ لفعلِه قادرٌ على فعل ما يريد، من غير أن يكونَ شيءٌ من أفعاله مخلوقًا لله تعالى، وهذا المذهب أيضًا على خطأ عظيمٍ؛ لأنه إذا اعتَقدَ أن الإنسانَ خالقٌ لأفعاله فقد جَعَلَ الإنسانَ شريكًا لله تعالى في كونه خالقا.

وفسادُ هذَين المذهبَين ظاهرٌ، فلا نُضيع زمانَنا بالاشتغال بإقامة الأدلة على فساد هذَين المذهبَين.

وأما المذهب الثالث: فهو مذهب أهل السُّنَّة والجماعة - كثَّرَهم الله تعالى -، وهؤلاء يقولون: إن الخلقَ والقدرةَ من صفات الله تعالى، فلا يجوز أن يكون للعباد، والعبوديةُ صفةُ العباد، وما هو صفةٌ للعباد لا يجوز أن يكونَ لله تعالى؛ يعني: جميعُ أفعال العباد من الخير والشر مخلوقةٌ لله تعالى ومكتسبةٌ للعباد، يخلق الله تعالى أفعالَهم كلَّ فعلٍ في وقتٍ مقدَّرٍ، وللعباد اختيارٌ في فعلهم، واختيارُهم في الفعل بمشيئة الله تعالى، وهم مكلَّفون ومُثابون ومُعاقَبُون بأفعالهم؛ لأن صدورَ الفعل منهم باختيارهم.

فإن قيل: إذا كان للعباد اختيار في أفعالهم واختيارهم بمشيئة الله، قال الله تعالى:{وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [التكوير: 29]؛ فلو لم يشأ الله للعبد اختيارَ الخير فكيف يفعل الخير؟ وكذلك لو لم يشأ الله للعبد اختيارَ الشر فكيف يفعل الشر؟

قلنا: حاصل هذا: أن القَدَرَ سرُّ الله تعالى، لا يطَّلع عليه نبيٌّ مُرسَلٌ

ص: 180

ولا مَلَكٌ مقرَّبٌ، ولو أَدخلَ الله تعالى جميعَ الصالحين النارَ - مع كثرة صلاحهم - لم يكن منه ظلمٌ؛ لأن الظلمَ التصرُّف في مُلك الغير بغير إذنه، وجميعُ المخلوقات ملكُه تعالى، فكيف يكون التصرُّفُ فيهم ظلمًا؟! فإذا كان كذلك فلو شاء لأحدٍ فعلَ الخير يكون منه ذلك فضلًا، ولو شاء لأحدٍ فعلَ الشر بكون ذلك منه عدلًا، ولا اعتراضَ لأحدٍ عليه؛ لأنه مالكٌ ونحن مملوكون، واعتراضُ المملوك على المالك قبيحٌ مُوجِبٌ للتعذيب، قال الله تعالى:{لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23]؛ يعني: لا يجوز لأحدٍ أن يسألَ الله عما يفعل بعباده، وهو تعالى يسأل عبادَه عما يفعلون، ويُعاقبهم بعصيانهم إياه إن شاء.

وقد جاء النهي عن الخوض في مسألة القَدَر وطلب معرفة كيفيته؛ لأن البحثَ في القدر اعتراضٌ على الله تعالى، والاعتراضُ على الله مُوجِبٌ للعقوبة، ونحن عَبيدٌ مأمورون بالسمع والطاعة وقَبول أوامر الشرع من غير السؤال عن (كيفَ) و (لِمَ)؛ يعني: كيف أَمر بهذا الأمر؟ ولِمَ أَمر بهذا الأمر؟ ولمَّا نزل قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة: 284]؛ يعني: ما خَطَرَ في قلوبكم من الخير والشر يحاسبكم به الله، سواءٌ أظهرتُمُوه أو كتَمْتُمُوه = اشتد ذلك على المؤمنين، وقالوا: يا رسول الله! كيف نُطيق دفعَ ما يجري في قلوبنا؟ وكيف نفعل بذلك؟ فقال رسول الله عليه السلام: "فلعلَّكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل: سَمِعْنا وعَصَيْنا؟! " قالوا: سمعنا وأطعنا، واشتد ذلك عليهم، ومكثوا حَولًا، فأنزل الله تعالى فَرَجًا بقوله:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} ، فلمَّا علَّمهم رسولُ الله عليه السلام أن يُسلِّموا الأمرَ لله، فأسلَمُوا سَهَّلَ الله عليهم الأمرَ؛ فلا طريقَ لخلاصِ العبدِ إلا التسليمُ بقَدَرِ الله وحكمِه، والامتثالُ بأوامره من غير اعتراضٍ عليه، والله أعلم.

ص: 181

وكنية "سهل بن سعد": أبو العباس، واسم جدَّه: مالك بن خالد بن ثعلبة الساعدي.

* * *

63 -

وقالت عائشةُ رضي الله عنها: دُعِيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى جَنازةِ صبيٍّ من الأَنْصارِ، فقلتُ: طُوبى لهذا! عُصفورٌ من عصافيرِ الجنَّةِ، لمْ يعمَل سُوءًا، قال:"أَوْ غيرُ ذلك يا عائشةُ! إن الله خلقَ الجنَّةَ وخلقَ النَّار، فخلقَ لهذه أهلًا، ولهذه أهلًا، خلقَهم لهما وهم في أَصلابِ آبائِهم".

قوله "طُوبى لهذا" وزنه: فُعلَى، من طابَ يَطِيب؛ أي: الراحةُ وطِيبُ العيشِ حاصلٌ لهذا الصبي.

وقولها: "عصفورٌ من عصافير الجنة"، (العصفور): الطير المعروف، سمَّتْه عصفور لعلَّتَين:

أحدهما: كونه صغيرًا، كما أن العصفورَ صغيرٌ بالنسبة إلى ما هو أكبرُ منه من الطير (1).

والعلة الثانية: كونه خاليًا من الذنوب من عدم كونه مكلَّفًا، كما أن العصفورَ ليس له ذنبٌ لكونه غيرَ مكلَّف.

وقولها: (عصفور) تقديره: هو عصفور؛ أي: هو بمنزلة العصفور في كونه خاليًا من الذنوب.

قولها: "لم يعمل سوءًا"؛ أي: لم يعمل ذَنْبًا، وإنْ عَمِلَ الصبيُّ ذنبًا لم يُكتَب عليه قبل البلوغ، هذا إذا كان الذنبُ من حقوق الله تعالى، أما إذا كان

(1) في "ش": "الطيور".

ص: 182

إتلافَ مالِ أحدٍ يُؤخَذ به الغُرم، وإنْ قَتَلَ أحدًا لم يُقتصَّ منه، ولكن يُؤخَذ منه الديةُ، وإنْ سَرَقَ مالًا يُؤخَذ منه المال ولم تُقطَع يدُه؛ لأن قطعَ يدِ السارق من حقوق الله تعالى.

قوله لها: "أو غير ذلك": بسكون الواو؛ يعني: قال رسول الله عليه السلام: يا عائشة! بأيَّ شيءٍ علمتِ أن هذا الصبيَّ من أهل الجنة؟ فلعله لم يكن كذلك، حكمُ الله تعالى ما قلتِ أو غيرُ ذلك.

قوله عليه السلام: "إن الله تعالى خلقَ الجنةَ"؛ يعني: خلقَ الجنةَ والنارَ، وخلقَ لكلَّ واحدٍ منهما أهلًا، فبأيِّ شيءٍ علمتِ يا عائشةُ أن هذا الصبيَّ من أهل الجنة؟

قوله: "خلقَهم لهما"؛ أي: للجنة أو (1) للنار "وهم في أصلاب آبائهم"، (الأصلاب) جمع: صُلب، وهو وسط الظَّهر؛ يعني: قَدَّرَ لهم السعادةَ والشقاوةَ في الأزل، ثم كُتِبَ في اللوح، ثم أَخرجَ الذُّرَّيَّةَ من صُلبِ آدمَ عليه السلام، وحكم لبعضهم بالجنة ولبعضهم بالنار، ثم أَمر مَلَكَ الأرحام ليكتبَ السعادةَ والشقاوةَ على جبهة الولد في الرحم قبلَ أن ينفخَ فيه الرُّوح، فيحتمل أن يشير بقوله:(وهم في أصلاب آبائهم) إلى استخراج الله تعالى الذُّرِّيَّةَ من ظهر آدم عليه السلام، ويحتمل أن يشيرَ إلى صُلب أبِ كلَّ مولودٍ، والتقدير: قد جرى في الأزل.

وأشار رسول الله عليه السلام إلى وقت كون النُّطَفِ في أصلاب الآباء للتفهيم، ولأن هذا الأوانَ أقربُ إلى الناس.

(1) في "ت": "و".

ص: 183

فإن قيل: أطفال المسلمين من أهل الجنة، فلِمَ قال رسولُ الله لعائشة:(أو غير ذلك)؟

قلنا: أولادُ المسلمين أتباعٌ لآبائهم، فكما أنا نقول: المؤمنون من أهل الجنة، ولا يجوز لنا أن نشيَر إلى واحدٍ بعينه ونقول: هذا من أهل الجنة؛ إلا من جاء النصُّ بكونه من أهل الجنة، فكذلك يجوز لنا أن نقول: أطفال المؤمنين من أهل الجنة، ولا يجوز لنا أن نشير إلى طفل معين أنه من أهل الجنة، فنَهَى رسولُ الله عليه السلام عائشةَ رضي الله عنها لأجل أنها أشارت إلى طفل معين.

* * *

64 -

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما منكم من أحدٍ إلَاّ وقد كُتِبَ مَقْعدُهُ مِنَ النارِ ومَقْعدُهُ منَ الجنَّةِ"، قالوا: يا رسولَ الله! أفلا نتَّكِلُ على كتابنا وندعُ العملَ؟ فقال: "اعملوا، فكلٌّ مُيسَّرٌ لما خُلِقَ له، أَمَّا مَن كان من أهلِ السعادة فسَيُيسَّر لعمَل السَّعادة، وأمَّا مَن كان من أهل الشَّقاوة فسيُيسَّر لعملِ الشَّقاوةِ"، ثمَّ قرأَ:" {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} الآيةَ"، رواه علي بن أبي طالب.

قوله: "إلا وقد كُتِبَ مقعدهُ من النار ومقعدهُ من الجنة": الواو هنا بمعنى (أو)؛ أي: مقعدهُ من النار أو مقعدهُ من الجنة.

وقد ورد هذا الحديث بلفظ: (أو) في بعض الروايات، وفي "شرح السُّنة" ليس إلا بلفظ (أو)؛ يعني: ما من أحدٍ إلا وقُدِّر له أنه من أهل الجنة أو من أهل النار.

قوله: "أفلا نتَّكلُ على كِتَابنا ونَدَعُ العملَ؟ "، اتَّكل يتَّكل: إذا اعتمد على شيء، (على كتابنا)؛ أي؛ على ما كُتِبَ في الأزل، وَدَعَ يَدَعُ: إذا ترك؛ يعني: إذا سبقَ القضاءُ لكل واحد منهما بالجنة أو بالنار فأيُّ فائدة في العمل الصالح؟

ص: 184

فإن العملَ الصالحَ لا يُغير قضاءَ الله تعالى، وكذا العمل القبيح.

قوله عليه السلام: "اعملوا؛ فكلُّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ": فالتنوين في (كلٌّ) يدل على المضاف إليه؛ أي: فكلُّ واحدٍ يجري عليه من الأفعال ما قُدِّرَ له من الخير والشر، كما أن الأرزاقَ تأتي عليهم بَقْدرِ ما قُدِّرَ لهم؛ يعني: أنتم عَبيدٌ، ولا بد لكم من العبودية، فلا تتركوا العبودية؛ فإن الله تعالى إذا رزقَكم الإسلامَ يرزقكم العملَ الصالحَ ويُيسِّره عليكم.

قوله: "فسيُيَسَّر"، السين: للاستقبال، (ويُيَسَّر): مضارع مجهول، من التيسير.

الشقاء والشقاوة: كلاهما بفتح الشين، والشَّقوة - بكسر الشين - كلها مصادر، ومعناها واحد، وهو ضد السعادة.

قوله: " {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} إلى آخر الآية"؛ قال ابن مسعود رضي الله عنه: نَزلت هذه الآيةُ في أبي بكر الصدَّيق رضي الله عنه، وأمية بن خلف وأُبي بن خلف حين عذَّبَا بلالًا على إسلامه، فاشتراه منهما أبو بكر الصدَّيق رضي الله عنه ببُردٍ وعشرِ أواقٍ من ذهبٍ، فأعتقَه، و (الأواقي) جمع: أُوقية، وهي أربعون درهمًا.

قوله: " {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} "؛ أي: أعطى الزكاةَ، والصدقاتِ، " {وَاتَّقَى} "؛ أي: اجتَنبَ الشركَ.

" {وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} "؛ أي: بكلمة الشهادة، وقيل: بالجنة: وقيل: بالثواب؛ يعني: أَيقَنَ أن الله تعالى سيعطيه ثوابَ عتقِ بلال، وما يعطي من الزكاة والصدقات.

" {فَسَنُيَسِّرُهُ} "؛ أي: فسوف نُسهِّل عليه " {لِلْيُسْرَى} "؛ أي: للعمل الصالح، وسوف نُوفَّقه للخيرات؛ يعني به: أبا بكر " {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ} " بالزكاة والصدقات والإعتاق ودخول الناس في الإسلام، " {وَاسْتَغْنَى} "؛ أي: علمَ نفسَه مستغنيًا عن

ص: 185

الله تعالى، حيث لم يَرغب في رحمة بالاشتغال بالخيرات، " {وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} "؛ أي: كذَّب بكلمةِ الشهادةِ والنبيِّ والجنةِ والحسابِ " {فَسَنُيَسِّرُهُ} "؛ أي: فسوف نجري عليه " {لِلْعُسْرَى} "؛ أي: للكفر والشرك، ومراد النبي عليه السلام من إيراد هذه الآية في هذا الحديث: قولُ الله تعالى لأبي بكر: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} ، ولأُبي بن خلف وأخيه:{فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} .

فإن قيل: إذا أراد بقوله: {وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ} أُبي بن خلف وأخاه لِمَ لَمْ يقل: بَخِلَا؟

قلنا: وحَّد الضمير في (بخل) وما بعده للفظة (مَن)؛ لأن (مَن) لفظٌ يجوز إجراؤُه على الواحد والتثنية والجمع، ولفظه واحد.

روى هذا الحديثَ عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه.

* * *

65 -

وقال: "إنَّ الله - تعالى - كتبَ على ابن آدمَ حظَّهُ مِنَ الزِّنا، أدركَ ذلكَ لا محالةَ، فزِنا العين النَّظر، وزِنا اللِّسان المَنْطقُ، والنَّفسُ تتمنَّى وتشتَهي، والفَرْج يُصدِّقُ ذلك أو يُكَذِّبُه".

وفي روايةٍ: "الأُذُنَانِ زِناهُما الاستماعُ، واليدُ زِناها البَطْشُ، والرِّجلُ زِناها الخُطا"، رواه أبو هريرة رضي الله عنه.

قوله: "كتبَ على ابن آدم"، هذا يحتمل أمَرين:

أحدهما: أن يكون معنى (كتب)؛ أي: أَثبتَ فيه الشهوةَ، وركَّب فيه الميلَ إلى النساء، وخلق فيه الأعضاءَ التي تجد لذةَ الزِّنا، كالعين والأذن وغير ذلك.

والأمر الثاني: أن يكون معناه: قَدَّرَ في الأزل أن يجريَ على ابن آدم الزِّنا،

ص: 186

فإذا قَدَّرَ عليه في الأزل "أدركَ ذلك لا محالة"؛ يعني: يصل إليه ما قُدِّرَ له.

واعلم أن هذا الحكم ليس لجميع بني آدم؛ فإن مِن الناس مَن هو معصومٌ من الزِّنا ومقدمات الزِّنا، كالأنبياء عليهم السلام، وقد يكون غيرُ الأنبياء مَن لم يجرِ عليه الزِّنا أصلًا، فإذا كان كذلك فالمراد بقوله:(على ابن آدم): بعضهم؛ يعني: لم يكن جميعُ بني آدم معصومين من الزِّنا، بل يجري على بعضهم ذلك.

قوله: "فزِنا العين النظرُ"؛ يعني: مَن نَظَرَ إلى امرأةٍ أجنبيةٍ بالشهوة كُتِبَ عليه ذلك النظرُ بالزنا، فإن وقع نظرُه على امرأةٍ بغيرِ قصدٍ منه وحفظَ بصرَه بعد ذلك، ولم ينظر إليها مرةً أخرى لم يكن عليه إثمٌ بذلك النظر؛ لأنه لم يكن باختياره، وإن أدامَ النظرَ إليها يَأثَمُ، وكذلك إنْ سمعَ ذِكرَ امرأةٍ بغير اختياره وفرَّ منه ولم يستمع بعد ذلك لم يَأثَمْ، وإن تعمَّد الاستماعَ والإصغاءَ إلى ذلك الكلام يَأثَمُ، وكذلك إن تكلَّم بذِكرِ امرأةٍ أجنبيةٍ أو أخذَها بيده أو مشَى إليها يكون كلُّ ذلك زِنا.

قوله: "والنفسُ تتمنَّى وتشتهي"؛ يعني: زنا النفسِ الميلُ والاشتهاءُ إلى ما رأتْه العينُ وتكلَّم به اللسانُ.

قوله: "والفَرْجُ يصدِّق ذلك أو يكذِّبه": ذلك إشارةٌ إلى ما تشتهيه النفس ورأتْه العَين وتكلَّم به اللسان؛ يعني: إن رآها بالعين؛ واشتهتْها النفس، وتكلَّم بذكرها اللسان؛ وعمل بها فعلًا بالفَرْج؛ فقد صار الفَرْجُ مُصدِّقًا لتلك الأعضاء، وصار الزِّنا الصغيرُ كبيرًا، وإن لم يعمل شيئًا بالفَرْج فقد كذَّب الفرجُ تلك الأعضاءَ، ولم يَعُدِ الزِّنا الصغيرُ كبيرًا، بل هو صغيرٌ، ويرتفع بالاستغفار والوضوء والصلاة.

"البطش": الأخذ.

"الخُطَى" جمع: خطوة، وهي ما بين القَدَمَين.

قوله: "والرِّجل زناها الخُطَى"؛ أي: المشي إلى ما فيه الزِّنا.

* * *

ص: 187

66 -

وعن عِمْران بن حُصَيْن: أنَّ رجلَيْنِ من مُزَيْنَةَ قالا: يا رسول الله! أرأيتَ ما يعملُ الناسُ، ويكْدَحُونَ فيهِ، أشيءٌ قُضيَ عليهم ومضَى فيهِم مِنْ قَدَرٍ سبَقَ، أمْ فيما يستقبلُونَ؟ فقال:"لا، بل شيءٌ قُضيَ عليهم، وتصديقُ ذلكَ في كتابِ الله عز وجل: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7 - 8] ".

قوله: "أن رجلَين من مُزَينة": اسم قبيلة.

"أرأيت": الهمزة للاستفهام، ومعناه: هل رأيتَ؟ وقيل: معناه: أَخبِرنْا "ما يعمل الناس"؛ أي: ما يعمله الناس من الخير والشر، "ويَكدَحون فيه"، (كَدَحَ) إذا سَعَى في أمرٍ، و (يكدحون)؛ أي: يَسعَون ويكسبونه، والضميرُ راجعٌ إلى ما يسعى الناس فيه من الأفعال والأقوال؛ يعني: أَخبِرْنا يا رسولَ الله أن ما يعمله الناس من الخير والشر أشيءٌ قُضِي عليهم في الأزل ويجري عليهم كل فعل في وقت معلوم، أو شيءٌ لم يُقضَ عليهم في الأزل بل يجري عليهم كل فعل في وقت فعله؟

قوله: "أم فيما يستقبلون"؛ يعني: أم يجري عليهم كل فعل في الوقت الذي يستقبله الرجل ويتوجه إليه، ويقصده من غير أن يجريَ عليه تقديرٌ قبل ذلك؟

"وتصديق ذلك"؛ أي: وتصديق ما قلتُ من أن "قُضِي عليهم" في الأزل.

قوله: " {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا} ": الواو للعطف على {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا} ، والواو في {وَالشَّمْسِ} للقَسَم، وإذا أَقسَمَ الله تعالى بمخلوقِ يريد تشريفَ ذلك الشيء، وتعريفَ عظم قَدْرِ ذلك الشيء، وإظهارَ قدرته تعالى على ذلك.

{وَنَفْسٍ} : قيل: المراد بها نفس آدم عليه السلام؛ لأنه الأصلُ وبنوه فرعُه، وقيل: المراد به: نفسُ بنيه.

ص: 188

{وَمَا سَوَّاهَا} ؛ أي: ومَن خلقَها؛ يعني به ذاته تعالى، {سَوَّاهَا}؛ أي: خلقَها على أحسن صورة، وزيَّنها بالعقل والتمييز.

" {فَأَلْهَمَهَا} "؛ أي: فأعلَمَها وركَّب فيها " {فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} "؛ أي: المعصيةَ والطاعةَ، وقيل: الشقاوةَ والسعادةَ، ووجه استدلال النبي عليه السلام بهذه الآية: أنه تعالى ذكر {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} بلفظ الماضي، فيدلُّ هذا على أن التقديرَ جرى في الأزل.

وكنية "عمران بن الحصين": أبو نُجَيد، واسم جدِّه: عبيد بن الخلف الخُزَاعي.

* * *

67 -

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا أبا هريرةَ! جَفَّ القلمُ بما أنتَ لاقٍ، فاختَصِ على ذلكَ أو ذَرْ".

قوله: "جَفَّ القلمُ"، جَفَّ - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - جُفُوفًا وجَفَافًا: إذا يبسَ، وجفوف القلم: عبارةٌ عن الفراغ من الكتابة؛ لأن الكاتبَ ما دام يكتبُ يكون قلمُه رطبًا بالمِدَاد، وإذا ترك الكتابةَ يجفُّ قلمُه، وهنا المراد بقوله:(جف القلم): أن ما كان وما يكون قُدِّرَ وقُضِيَ في الأزل.

قوله: "بما أنتَ لاقٍ"؛ أي: (جفَّ القلمُ) بعد كتابته (ما أنتَ لاقٍ)؛ أي: ما أنتَ تفعلُه وتقولُه ويجري عليك، (لاقٍ): اسم فاعل، من:(لَقِيَ) إذا رأى ووصل إلى الشيء.

قوله: "فاختَصِ": هذا اللفظ جاء في جميع الروايات على لفظ: (فاختَصِ) بصاد مكسورة من غير راء بعدها، وهو أمر مخاطب؛ أي: مِن اختَصَى: إذا جعل نفسه خَصِيًّا، وهو أن يقطع خصيتَهَ وذكره أو خصيتهَ دون ذَكَرِه.

ص: 189

وفي بعض نسخ "المصابيح": "فاختَصِرْ" بالراء بعد الصاد، ولعل هذا سهوٌ من النسَّاخين.

وسببُ صدورِ هذا الحديث من رسول الله عليه السلام: ما رواه الزُّهري، عن أبي سلمة: أن أبا هريرة قال: أتيتُ رسولَ الله عليه السلام فقلت: يا رسولَ الله! إني رجلٌ شابٌّ، وإني أخافُ العَنَتَ، ولستُ أجدُ طَولًا أتزوجُ به النساءَ، فَأْذَنْ لي أن أختصيَ، قال: فقال رسول الله عليه السلام: "يا أبا هريرة! جفَّ القلمُ بما أنت لاقٍ؛ فاختصِ على ذلك أو دَعْ"، (العَنَت): الزنا.

قوله: "فاختَصِ على ذلك أو ذَرْ"، وفي رواية:"أو دَعْ"، ومعناهما: اتركْ؛ يعني: إذا علمتَ أن جميعَ الكائنات مقدَّرةٌ في الأزل، ولا تكون بخلاف ما قُدِّرَ فلا فائدةَ في الاختصاء؛ فإنه لو قُضِي عليك العَنَتُ لا تَقدِرُ على دفعه بالاختصاء، فإذا لم يكن الاختصاءُ دافعًا عنك ما قُدِّرَ لك فلا فائدةَ فيه، فإن شئتَ فاختصِ، وإن شئتَ فاتركِ الاختصاءَ.

(فاختص): ليس ذلك إذنًا منه عليه السلام لأبي هريرة في الاختصاء؛ بل قال ذلك على وجه اللوم والتوبيخ على قطع عضو عن نفسه من غير فائدة، وهذأ كقوله تعالى:" {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} "؛ يُسمَّى هذا الأمرُ: تهديدًا ووعيدًا.

* * *

68 -

وقال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ قُلوبَ بني آدمَ كلَّهَا بينَ إصبعينِ من أصابعِ الرَّحمنِ، كقلْبٍ واحدٍ يُصرِّفُه كيفَ يشاءُ"، ثمّ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"اللهمَّ! مُصَرِّفَ القُلُوبِ، صَرِّفْ قُلُوبنا على طاعَتِكَ"، رواهُ عبد الله بن عمرو.

قوله: "بين إصبعَين من أصابع الرحمن": اعلم أن ما جاء من صفات الله تعالى مما يشبه صفات المخلوقات في الظاهر كالأصبع واليد وغير ذلك اختلف

ص: 190

العلماء في تأويلها؛ فبعضُهم لا يُجوَّز تأويلَها أصلًا، بل يَكِلُ إلى الله تعالى علمَها؛ كيلا يقعَ في التشبيه، وبعضُهم يؤوِّلها على وجهٍ يكون فيه تعظيمُ الله تعالى ولا يكون التشبيهُ لمخلوقٍ، وبعضُهم يسكت لا يُؤوِّلها، ولكن لا يُنكر [على] مَن أوَّلها على وجهٍ لا يكون فيه تشبيه بمخلوقٍ، ويقول بعضهم: هذه الصفات قسمان:

أحدهما: يَسُوغُ فيه المجاز، يَعْنُونَ بالمجاز: ما يكون مَثَلًا في الناس في سرعة الأمر، كقلبِ شيءٍ باليد أو الأصبع؛ فإن هذا عبارةٌ عن سرعة الأمر وكمال القدرة، يقال: فلان يقلب أمورَ المُلك بأصبعٍ أو بأصبعَين؛ أي: هو قادرٌ على ذلك، وذلك يسيرٌ عنده، فما كان من هذا القِسم يجوز أن يُؤوَّلَ في حق الله تعالى؛ لأنه لا تشبيهَ فيه للخالق بالمخلوق بما يكون فيه نقصٌ للخالق.

والقسم الثاني: ما لا يَسُوغُ فيه المجاز، كالنفس والمجيء، نحو قوله تعالى:{تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة: 116]{وَجَاءَ رَبُّكَ} وما أشبه ذلك؛ فإن هذا وأشباهَه يتعذَّر تأويلُه على وجهٍ ظاهرٍ لا يشبه المخلوقَ إلا بعد تكلُّفٍ وتعسُّفٍ في التأويل، فما كان من هذا القِسم لا يجوز تأويلُه؛ بل نؤمن بكونه حقًا، ونَكِلُ تأويلَه إلى الله تعالى، وهو قول الطائفة الأخيرة، وهو المختار عند أكثر المتأخرين والمتقدمين.

فإذا عرفتَ هذه القاعدةَ فاعلم أن المرادَ بقوله: (إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن): أن تقليبَ القلوبِ في قدرته يسيرٌ، وهو قادرٌ على أن يُقلِّبَ القلوبَ من حالٍ إلى حالٍ من الإيمان والكفر، والطاعة والعصيان، والغلظ واللِّين، وغير ذلك.

قوله: "كقلبٍ واحدٍ"؛ يعني: كما أن أحدَكم يَقدِرُ على شيءٍ واحدٍ، هو الله تعالى يقدر على جميع الأشياء في دفعةٍ واحدةٍ، ولا يشغله شأنٌ عن شأنٍ.

ص: 191

قوله: "يُصرِّفه كيف يشاء"، الضمير في (يصرفه) راجع إلى (كقلبٍ واحدٍ).

قوله: "اللهم" كان أصله: يا الله! فحُذفت (يا) من أوله وأُدخلت ميمٌ مشدودةٌ في آخره عوضًا عن المحذوف.

"مُصرِّف القلوب" بنصب الفاء: صفة (اللهم) عند المبرد والأخفش، وهو منادى بـ (يا) عند سيبويه، وقد حُذف منه حرف النداء، وهو منصوب في كلا القولَين، و (اللهم): منادى مفرد، وصفة المنادى المفرد إذا كانت مضافةً تُنصَبُ، وإذا كانت مفردةً يجوز فيها الرفعُ والنصبُ، نحو:(يا زيدُ الظريف) برفع الفاء ونصبها، وإنما قال رسول الله عليه السلام:(اللهم مُصرِّفَ القلوب) لتعليم الأمَّة التعوُّذَ بالله تعالى في جميع أحوالهم، من تحوُّلِ النعمة إلى النقمة، ومن الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى العصيان؛ يعني: اطلبوا من الله تعالى التوفيقَ للإيمان والطاعة، والثباتَ والدوامَ على الخيرات، ولا تَأمَنُوا من مكر الله تعالى؛ أي: من عذابه وغضبه.

* * *

69 -

وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما مِنْ مَولودٍ إلَاّ يُولَدُ على الفِطرَةِ، فأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، أو يُنصِّرانِهِ أو يُمَجَّسانِه، كما تُنْتَجُ البَهيمَةُ بَهيمةً جَمْعاءَ، هل تُحِسُّونَ فيها مِنْ جَدْعاءَ حتَّى تكونُوا أنتمْ تَجدعونَها؟ "، ثم يقول:" {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} ".

قوله: "يُولَد على الفِطرة"، (الفِطرة): ذُكر في معناها أقوالٌ من القَدَرية والجَبْرية وغيرهما، ونحن نذكر ما هو المختار عند أهل السُّنة: وهو استعدادُ قَبولِ الإيمان الذي خلقه الله تعالى في الإنسان من العقل، والتمييزُ بين الحق والباطل والخير والشر بواسطة الشريعة.

ص: 192

(هَوَّدَ يُهوِّد تهويدًا): إذا جَعَلَ أحدًا يهوديًّا وعلَّمَه اليهودية، نَصَّرَ يُنصِّرُ تنصيرًا: إذا جَعَلَ أحدًا نصرانيًّا، ومَجَّسَ يُمجِّسُ تمجيسًا: إذا جعل أحدًا مجوسيًّا.

يعني: خَلَقَ الله تعالى في كل مولودٍ استعدادَ قَبول الإسلام، وأهمية الطاعة والخير، ثم أبَوَاه أَمَرَاه وعلَّمَاه اليهوديةَ إن كانا يهوديَّين، والنصرانيةَ والمجوسيةَ إن كانا نصرانيَّين ومجوسيَّين، وغير ذلك من الأديان في مذاهب البِدعة؛ يعني: نفسُ الإنسان مخلوقةٌ على قَبول ما عُرِضَ عليها من الاعتقاد والأفعال والأقوال، فمَن عَرَضَ على أحدٍ الخيرَ يكون له الثوابُ كمن أَنبتَ شجرًا ذا ثمرٍ طيبٍ، ومَن عَرَضَ عليه الشرَّ يكون له الوِزرُ، كمَن أنبتَ شجرًا ذا شوكٍ في طريقِ مسلمٍ، أو حَفَرَ بئرًا في طريقِه فوقعَ فيه.

قوله: "كما تُنتَجُ البهيمةُ بهيمةً جمعاءَ، هل تُحِسُّون فيها من جدعاءَ"، رُوي (تُنتج) بضم التاء الأولى وفتح الثانية، وبضم الأولى وكسر الثانية.

فإن قلت: بضم التاء الأولى وفتح الثانية فهو مضارعُ مجهولٍ من الثلاثي، والثلاثي بهذا اللفظ يُستعمل على بناء المجهول، يقال: نُتِجَتِ البهيمةُ؛ أي: وُلِدَتْ، وتُنْتَجُ؛ أي: تُولَد فهي منتوجةٌ، كما يقال: حُصِرَ بطن فلان يُحصَر فهو محصورٌ، فعلى هذا تكون البهيمةُ الأولى مفعولةً أُقيمت مقامَ الفاعل، و (بهيمةً جمعاءَ) نُصب على الحال، ومعنى (الجمعاء): سليمة جميع الأعضاء؛ يعني: وُلدت في حال كونها بهيمةً سليمةَ الأعضاءِ.

وإن قلت: (تُنتِج) بضم التاء الأولى وكسر الثانية يكون مضارعَ معروفٍ، من (أَنتَجَ): إذا أَوْلَدَ، و (أَنْتَجَ): إذا قَرُبَ وقتُ النِّتاج، فعلى هذا تكون البهيمةُ الأولى فاعلةً، والثانيةُ مفعولةً.

(أَحسَّ): إذا أَدركَ وعلمَ ووجدَ.

ص: 193

(هل تحسون)؛ أي: هل تجدون وتُبصرون.

(فيها)؛ أي: في تلك البهيمة.

(الجدعاء): البهيمة التي قُطعت أذنُها من (جدع): إذا قطع الأنف أو الأذن أو الشَّفة؛ يعني: وُلد الإنسان على استعداد قَبول الإسلام، فجعله أبواه يهوديًّا أو نصرانيًّا أو مجوسيًّا، كما أن البهيمةَ تُولَد وليس بها عيبٌ، فقَطَعَ صاحبُها أذَنها، و (ما) في (كما): مصدرية؛ أي: كنِتاج البهيمة.

قوله: "ثم يقول"، و (يقول) ها هنا بمعنى:(قال)، و (قال) بمعنى:(قرأ)؛ أي: قرأ رسولُ الله عليه السلام: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30]، و (فطرة الله)؛ أي: عهد الله الذي أخذه من الناس يومَ الميثاق، حين كانوا ذريةً في ظهر آدم.

وقيل: استعداد قَبول الدِّين كما ذُكر؛ وهذا القولُ هو الأصحُّ.

(فطرةَ): منصوبة على الإغراء؛ أي: الزموا فطرةَ الله تعالى وداوِمُوا عليها ولا تُغيِّرُوها.

قوله: "لا تبديلَ لخلق الله": هذا النفي بمعنى النهي؛ أي: لا تُبدِّلوا ولا تُغيِّروا ما خلق الله تعالى فيكم من استعداد قَبول الإسلام، ولا تَنقُضُوا عهدَ الله بأن تَقبَلُوا دِينًا غيرَ دِينِ الإسلام، أو تَأمُرُوا أحدًا بدِينٍ غيرِ دِينِ الإسلام.

* * *

70 -

وعن أبي مُوسَى الأَشْعَري رضي الله عنه قال: قامَ فينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بخمسِ كلِماتٍ، فقال:"إنَّ الله تعالى لا يَنامُ، ولا ينبغي له أَنْ يَنامَ، يخفِضُ القِسْطَ ويرفعُهُ، يُرْفَعُ إليه عملُ الليلِ قبلَ عملِ النهارِ، وعملُ النهارِ قبلَ عملِ الليلِ، حِجَابُهُ النُّورُ، لَوْ كَشَفَهُ لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ ما انتهى إليهِ بصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ".

ص: 194

قوله: "قام فينا"؛ أي: خطَبنا ووَعَظَنا، وعبَّر بالقيام عن الخُطبة والموعظة، وإن لم يكن قائمًا في تلك الحالة؛ لأن الغالبَ في الخُطبة أن يكونَ الخطيبُ قائمًا.

قوله: "بخمس كلمات"، (الكلمات) جمع: كلمة، والمراد بالكلمة ها هنا: الكلام المفيد المستقل، لا الكلمة الواحدة؛ لأن الكلمةَ الواحدةَ لا تفيد.

إحدى الكلمات: قوله: "إن الله لا ينام": هذا مِثلُ قوله تعالى: {لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ} ، (السِّنَةُ): النوم الخفيف، والنومُ أشدُّ من ذلك، والسِّنَةُ والنومُ من صفات المخلوقات، ولأن النومَ والسِّنَةَ غفلةٌ، وهي لا تجوز على الله تعالى.

والكلمة الثانية: "ولا ينبغي له أن يَنامَ"، (ولا ينبغي له)؛ أي: ولا يَليقُ به النومُ؛ لأنه لو أخذه النومُ لَغَفلَ، ولو غَفلَ لَسقطتِ السماواتُ والأرضُ، ولَهَلكتِ المخلوقاتُ؛ لأن هذه الأشياءَ قائمةٌ بحفظ الله تعالى إياها، ولو غفلَ لَزَالَ الحفظُ.

والكلمة الثالثة: "يخفضُ القِسطَ ويرفعُهُ"، (يخفض) ضد (يرفع)، (القِسط) قيل: الأرزاق والنصيب؛ يعني: نصيب كل واحد من الرزق والعمر والسعادة والشقاوة؛ يعني: يُضيِّق الرزقَ على بعض المخلوقات، ويُوسِّعه على بعض، ويُطوِّل عُمُرَ بعضٍ.

وقيل: القسط: الميزان؛ سُمي الميزانُ قسطًا لِمَا في الميزان من العدل، وخفضُ الميزانِ ورفعُه عبارةٌ عن قسمة الأرزاق والأعمار وغير ذلك بين الناس بالعدل.

والكلمة الرابعة: "يُرفَع إليه عملُ الليل قبلَ عمل النهار، وعملُ النهارِ قبلَ عمل الليل"؛ يعني: وَكَّلَ الله تعالى على الناس ملائكةً بالليل وملائكة بالنهار ليكتبوا أعمالهم؛ فملائكةُ الليل إذا انتهى الليل إلى آخره يصعدون إلى

ص: 195

السماء في لحظة، بل في طَرفة عينٍ قبلَ أن يَشرَعَ الناسُ في عمل النهار، وكذلك يصعد ملائكةُ النهار إلى السماء قبل أن يَشرَعَ الناسُ في عمل الليل، ويأتي بحث هذا في موضعه.

والكلمة الخامسة: "حجابه النور

" إلى آخر الحديث؛ يعني: الحجابُ الذي بينه وبين خلقه حتى لا يراه خلقُه، هو النُّورُ.

"لو كشفه"؛ أي: لو رفعَ ذلك الحجابَ "لأَحرقَتْ سُبُحاتُ وجهِه"، (السُّبُحات) جمع: سُبْحة، وهي العَظَمة، وقيل: النور التي إذا رأته الملائكةُ سبَّحوا الله، (وجهه)؛ أي: ذاته.

"ما انتهى إليه بصره من خلقه"، (انتهى): إذا وصلَ إليه، الضميرُ في (إليه) راجعٌ إلى (وجهه)، و (ما) بمعنى (من)، وهو موصول، و (انتهى): فعلٌ ماضٍ، و (بصره): فاعله، والفعل والفاعل صلة (ما)، والموصول وصلته مفعول.

"أحرقت"؛ يعني: لو رفعَ حجابَه لاحترقَ خلقُه؛ لأنه لا طاقةَ لهم أن ينظروا إلى ذاته، بل هو الله تعالى أعظمُ وأجلُّ من أن يراه أحدٌ في الدنيا، كما قال تعالى لموسى:{لَنْ تَرَانِي} ، وهذا في الدنيا، وأما في الآخرة يراه أهلُ الجنة إذا أراهم نفسَه، وأما رؤيةُ نبيِّنا عليه السلام إياه ليلةَ المعراج يأتي ذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.

* * *

71 -

وقال: "يَدُ الله مَلأَى، لا تَغِيضُها نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ الليلَ والنهارَ، أرأيتُمْ ما أنفقَ منذ خَلَقَ السماءَ والأرضَ؟ فإنه لم يَغِضْ ما في يديه، وكانَ عرشُهُ على الماءِ، وبيدهِ الميزانُ، يَخفِضُ ويَرْفَعُ"، رواه أبو هريرة رضي الله عنه.

ص: 196

وفي روايةٍ أُخرى: "يمينُ الرَّحمنِ مَلأَى سَحَّاءُ".

قوله: "يد الله تعالى مَلأى": هذه صفة (اليد)، وهي نعت مؤنث، مذكرها: مَلآن، وأراد بـ (يد الله): خزائنه وكرمه وجوده؛ يعني: خزائنه مَلآى لا تنقص أبدًا بأن يصبَّ الرزقَ على عباده دائمًا، وإنما لا تنقص لأن له القدرةَ على إيجاد المعدوم.

قوله: "لا تَغِيضُها"؛ أي: لا تُنقصها "نفقةٌ"؛ أي إعطاؤُه الرزقَ لمخلوقاته.

"سحَّاء": صفة لـ (يد الله)، وهي نعت مؤنث، قياس مذكره أن يكون:(أَسحُّ)، كـ (حمراء وأحمر)، إلا أنه لا يُستعمل: أَسَحُّ.

قيل: لم يأت فعلاء من باب (فَعَلَ) - بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر - إلا هذا اللفظ، وهي من (سَحَّ) إذا صبَّ الماءَ من علوٍ إلى سفلٍ.

"سحَّاءُ الليلَ والنهارَ"؛ أي: يصبُّ الرزقَ على عباده في الليل والنهار، ونصب (الليلَ) و (النهارَ) على الظرف.

قوله: "أرأيتم ما أَنفقَ"؛ أي: أتعلمون وتبصرون أنه تعالى يُنفق؛ أي: يرزقُ عبادَه.

"فإنه لم يَغِضْ"؛ أي: لم ينقص ما في خزائنه، غاض يغيض غيضًا: إذا نَقَصَ وأَنْقَصَ، وهو لازمٌ ومتعدٍّ، و (ما) في (ما أنفق): مصدرية؛ أي: رأيتم إنفاقَه على عباده؟

قوله: "وكان عَرْشُه على الماء"؛ يعني: وكان عَرشُه على الماء قبلَ خلقِ السماوات والأرض.

"وبيده الميزانُ يخفض ويرفع"؛ أي: الأرزاقَ والأعمارَ والسعادةَ والشقاوةَ بقدرته، يُعزُّ قومًا ويُذلُّ قومًا، وَيبسُطُ رزقَ قوم ويَقبِضُ رزقَ قومٍ.

قوله: "وفي رواية: يمين الرحمن مَلأى سحَّاء"؛ يعني: وفي رواية: قال

ص: 197

رسول الله عليه السلام: (يمينُ الرحمن مَلأى سحَّاء) بدل قوله: (يد الله مَلأى).

* * *

72 -

وعن أبي هُريرة رضي الله عنه قال: سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عنْ ذَرَارِي المشركينَ فقال: "الله أعلمُ بما كانوا عامِلين".

قوله: "عن ذراري المشركين"، (الذراري) جمع: ذُرِّيَّة، وهي نسل الجن والإنس، وتقع على الصَّغَار والكِبَار، والمراد ها هنا: أطفال الكفَّار؛ يعني: سُئل رسولُ الله عليه السلام عن حُكم أطفال الكفار أنهم من أهل الجنة أو من أهل النار؟

فقال رسول الله عليه السلام: "الله أعلمُ بما كانوا عاملين"؛ أي: بما كانوا عاملين من الكفر والإيمان إن عاشُوا وبلَغُوا؛ يعني: من علم الله تعالى أنه إنْ عاشَ وبَلَغَ يصدرُ منه الكفر يُدخله النارَ، ومِن علمِه أنه لو عاشَ وبَلَغَ يصدرُ منه الإيمان يُدخله الجنةَ.

فالحاصل: أن رسولَ الله عليه السلام لم يقطع بكونهم من أهل الجنة، ولا بكونهم من أهل النار، بل وقَّف أمرَهم، والاعتقاد الذي عليه أكثرُ أهل السُّنة: أن يُوقفَ أمرُهم، لا يُقطَع بكونهم من أهل الجنة ولا بكونهم من أهل النار.

* * *

مِنَ الحِسَان:

73 -

عن عُبادة بن الصَّامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أوَّلَ ما خلَقَ الله تعالى القلَمُ، فقال له: اكتُبْ، فقال: ما أكَتبُ؟ قال: القَدَر، ما كانَ

ص: 198

وما هو كائنٌ إلى الأَبَدِ"، غريب.

قوله: "أول ما خلق الله تعالى القلم" يحتاج إلى بيان إعرابه، (أول): مبتدأ مضاف، و (ما): موصولة، و (خلق الله): صلة، وتقديره: خلقَه الله، والموصولُ والصلةُ مضافٌ إليه، و (القلم): خبر المبتدأ.

قوله: "ما أكتب"، (ما): استفهامية، وهو مفعول مقدَّم على الفعل والفاعل، وهو (أكتب)، والهمزة في (أكتب) لنفس المتكلم.

قوله: "قال: القَدَرَ"، (القَدَرَ): منصوب على تقدير: اكتُبِ القَدَرَ.

قوله: "ما كان": بدل (القدر)، أو عطف بيان له؛ يعني: أول ما خلق الله من جنس الأقلام كان ذلك القلم، وليس معناه: أول ما خلق الله تعالى من جميع الأشياء.

وكذلك تأويل قوله عليه السلام في حديث آخر: "أولُ ما خَلَقَ الله تعالى نُوري": أي: أولُ ما خلقَ الله تعالى من الأنوار كان نُورِي، وباقي بحث هذا الحديث قد ذُكر في بحث (القَدَر) أكثر من مرة ومرتين.

* * *

74 -

وسُئلَ عمرُ بن الخطَّاب عنْ هذِهِ الآية: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} الآية، قال عمر رضي الله عنه: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يُسأَلُ عنها، فقال:"إنَّ الله خلقَ آدمَ، ثمَّ مسحَ ظهرَهُ بيمينِهِ، فاستخرَجَ منهُ ذُرَّيَّةً، فقال: خلقْتُ هؤلاءِ للجنّةِ، وبعملِ أهل الجنةِ يعملون، ثم مَسَحَ ظهرَهُ، فاستخرجَ منه ذُرَّيَّةً، فقال: خلقْتُ هؤلاءِ للنَّارِ، وبعملِ أهلِ النارِ يعملونَ"، فقالَ رجلٌ: ففيمَ العملُ يا رسولَ الله؟ فقالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله إذا خَلَقَ العَبْدَ للجنَّةِ استعمَلَهُ بعملِ أهلِ الجنَّةِ حتى يموتَ على عمَلٍ مِنْ أَعمالِ أهلِ الجنَّةِ، فيُدخِلُهُ بِهِ الجنَّة، واذا خلقَ العبدَ للنَّارِ استعمَلَهُ بعملِ أهلِ النَّارِ، حتى يموتَ على عمَلٍ

ص: 199

مِنْ أَعْمالِ أهلِ النَّارِ، فيُدخِلُهُ بِهِ النَّارَ".

قوله: "سُئل عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه عن هذه الآية"؛ يعني: عن كيفيةِ أخذِ الله ذُريةَ بني آدم من ظهورهم المذكورِ في هذه الآية.

واعلم أن كل المفسِّرين قالوا: إن الله تعالى أَخرجَ ذُريةَ آدم من ظهر آدم، فأولاده أَخرجَهم من ظهره، ثم أَخرجَ من ظهورِ أولادِه أولادَهم واحدًا بعد واحدٍ على ما يكونون عليه إلى يوم القيامة.

قيل: كان ذلك قبلَ الدخول في الجنة بين مكة والطائف، وقيل: ببطن نعمان؛ وادٍ بجنب عرفة، وقيل: أخرجهم من ظهره في الجنة، وقيل: بعد نزوله من الجنة بدهيا، وهي أرض بهند.

قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ} ؛ أي: واذكر يا محمدُ إذ أَخذَ ربُّك من ظهورهم، بدلٌ من (بني آدم) بدلَ البعض من الكل؛ أي: وإذ أَخذَ ربُّك من ظهور بني آدم ذُريتَهم، ومعنى (أَخذ): أَخرجَ.

{وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} ؛ أي: أَشهَدَ بعضَهم على بعضٍ على هذا الإقرار وعلى هذه الحالة.

{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ} : هذا استفهام تقريريٌّ؛ أي: قال الله تعالى للذُّرِّيَّة: {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} ؛ أي: قالت الذُّرِّيَّة: بلى أنتَ ربنا، و (بلى): كلمة إثبات، سواءٌ كان قبلها نفي أو إثبات، ولو قالوا:(نعم) بدل (بلى) قيل: لَكان كفرًا؛ لأن (نعم) تصديقٌ لِمَا قبله، إن كان نفيًا يكون نفيًا، وإن كان إثباتًا يكون أيضًا إثباتًا، وقيل: لا فرق بين (نعم) وبين (بلى) في هذا الموضع.

{شَهِدْنَا} ؛ يعني: قالت الملائكة: شهدنا على إقراركم؛ لئلا تقولوا يومَ القيامة: لم نُقِرَّ هذا الإقرارَ، وقيل: هذا من قول الذُّرَّيَّة؛ أي: قال فريقٌ من الذُّرَّيَّة لفريقٍ: شهدنا على هذا الإقرار؛ كيلا تقولوا: لم نُقِرَّ إقرارًا.

ص: 200

قوله عليه السلام: "ثم مسح ظهره بيمينه"؛ أي: بقدرته، ونَكِلُ علمَ كيفية هذا المسح إلى الله تعالى، ونحيل ذلك إلى قدرته تعالى كيف يشاء يفعل ما يشاء.

وقيل: أخرجَهم كأمثال الذَّرَّ نَثَرَهم بين يدَيه وجعلَهم على هيئة الرجال والنساء، وجعلَ فيهم العقول ثم كلَّمهم، وقال لهم:{أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} وباقي الحديثِ ظاهرٌ.

قوله: "ففِيمَ العملُ يا رسولَ الله" عليه السلام؟ أي: في أيَّ شيءٍ يُفيد العملُ أو بأيَّ شيءٍ يتعلق العملُ إذا كان كونُ الرجلِ من أهل الجنة أو من أهل النار مُقدَّرًا قبل هذا؟

فقال رسول الله عليه السلام: "إن الله تعالى إذا خلقَ العبدَ للجنة استعملَه بعمل أهل الجنة"، (استَعمَلَ): إذا أَلزَمَ العملَ على أحدِ وأَمرَه بالعمل؛ يعني: اعملوا الأعمالَ الصالحةَ؛ فإن تيسيرَ الله الأعمالَ الصالحةَ والإسلامَ لكم علامةٌ لسعادتكم، وعلامةٌ لكونكم مخلوقين للجنة.

* * *

75 -

وقال عبد الله بن عَمْرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: خرجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وفي يديهِ كتابانِ، فقال للذي في يدهِ اليُمنى:"هذا كتابٌ مِنْ رَبِّ العالمينَ، فيهِ أسماءُ أهلِ الجنَّةِ وأسماءُ آبائهمْ وقبائلهِمْ، ثمَّ أُجْمِلَ على آخِرِهم، فلا يُزَادُ فيهمْ ولا يُنقَصُ منهمْ أبدًا"، ثمّ قال للذي في شِمالِهِ:"هذا كتاب من ربِّ العالمينَ، فيهِ أسماءُ أهلِ النَّارِ وأسماءُ آبائِهِمْ وأسماء قبائِلِهِمْ، ثمّ أُجْمِلَ على آخِرِهِمْ، فلا يُزَادُ فيهمْ ولا يُنْقَصُ منهمْ أبدًا"، ثمَّ قال بيدَيْهِ فنبذَهُمَا، ثمّ قال:"فرغَ ربُّكُمْ مِنَ العِباد، {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} ".

ص: 201

قوله: "وفي يده كتابانِ": الواو للحال؛ أي: في حالِ أنْ أخذَ كتابًا في يده اليمنى وكتابًا في يده اليسرى، وإنما أَخذَ كتابَين في يديه لضربِ المَثَل وتفهيمِ الحاضرين كلامَه وتقريرَه.

قوله: "هذا كتابٌ من ربِّ العالمين"؛ يعني: افرِضُوا وقدِّرُوا أن هذا الكتابَ كتابٌ مُنزلٌ من ربِّ العالمين، وليس مرادهُ أن ذلك الكتابَ مُنزلٌ من ربَّ العالمين على الحقيقة؛ لأنه لو كان من ربِّ العالمين على الحقيقة لم يَنبِذْه، وقد ذَكر بعد هذا أنه عليه السلام نبذَهما، بل كان أَخذَ قطعةً من قرطاسٍ بيده اليمنى وقطعةً بيده اليسرى؛ ليراهما المُخاطَبون؛ ليكونَ ذلك أقربَ إلى التفهيم، ويحتمل ألا يكون بيد رسول الله عليه السلام كتابٌ ظاهرٌ بحيث يراه الحاضرون، قال هذا لضرب المَثَل؛ يعني: قدِّرُوا أن في يده اليمنى كتابًا فيه أسماءُ أهلِ الجنة، وفي يده اليسرى كتابًا فيه أسماءُ أهلِ النار، ومِثْلُ هذا المجازِ كثيرٌ بين الناس.

قوله: "ثم أُجمل على آخرهم"، (الإجمال): خلاف التفصيل، وهو جعلُ الحسابِ مُجمَلاً بعد أن كان مُفصَّلًا، مثل أن يكتب المُحاسِب: حصل من المزرعة الفلانية كذا جريب، ومن المزرعة الثانية كذا، إلى أن يعدَّ جميعَ مزارع القرية التي يُحاسب دخلَها، ثم يكتب في آخر ذلك الحساب: والجملة كذا، والمراد ها هنا: أنه كُتِبَ في ذلك الكتاب أن زيدَ بن عمرٍو الذي هو من قبيلة فلان أو من القرية الفلانية أو المعروفَ بفلانٍ من أهل الجنة، وكذلك اسمُ كلِّ واحدٍ على هذه الصفة مكتوبٌ فيه، حتى يكون جميعُ أسماءِ أهلِ الجنة مكتوبًا بهذه الصفة، ثم كُتِبَ في آخر ذلك الكتاب أن جميعَ المذكورين في هذا الكتاب من أهل الجنة.

وقوله: جميع هؤلاء المذكورين في هذا الكتاب من أهل الجنة، هو الإجمالُ، فإذا كُتِبَ وقُدِّرَ مَن هو من أهل الجنة فلا شك أن لا يزيدَ ولا ينقصَ؛

ص: 202

لأن حُكمَ الله تعالى لا يتغيَّر، وكذلك بحث قوله: "ثم قال للذي في شماله

" إلى آخره.

قوله "ثم قالَ بيده فنَبَذَهما"؛ معنى (قال بيده): أشار بيده، يقال: قالَ فلانٌ برأسه: أشار برأسه؛ يعني: فلمَّا فَرَغَ رسولُ الله عليه السلام عما قالَ أشارَ بيده ونبذَهما خلفَ ظهره، والغرضُ من الإشارةِ بيدِه خلفَ ظهره ونبذِ الكتابَين: تنبيهُ الحاضرين على أن الله تعالى قدَّر ما قدَّر، فجعلَ عبادَه فريقَين؛ فريقًا للجنة، وفريقًا للنار، فلا يتغير تقديرُه أبدًا.

فإن قيل: قد قلتُم: إن حكمَ الله تعالى لا يتغير، فما تقولون في قوله تعالى:{يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ} [الرعد: 39]؟

قلنا: اختلف في هذا أقوالُ العلماء؛ قيل: المرادُ من قوله: {يَمْحُو اللَّهُ} المنسوخُ من الأحكام، ومن قوله:{وَيُثْبِتُ} الناسخُ، وقيل: يمحو السيئاتِ من التائب، ويُثبت مكانَها الحسناتِ، وقيل: يمحو من كتاب الحَفَظَة ما كتبوه من المباحات مما لا يتعلق به عقابٌ ولا ثوابٌ، ويثبت ما هو متعلق به الثواب والعقاب؛ أي: يتركه مكتوبًا في كتابهم ولا يمحوه، وقيل: يمحو مَن قد جاء أَجَلُه، ويثبت مَن لم يأتِ أَجَلُه، وقيل: يغفر ذنوبَ مَن يشاء ويترك ذنوبَ مَن لم يُغفَر له، وقيل: يمحو الله الدنيا ويثبتُ الآخرةَ، وقد قيل غير هذه الأقوالِ أقوالٌ كثيرةٌ، وهذه الأقوالُ على المختار؛ لأنه ليس فيها تغييرُ حكمِ الله تعالى وتقديرِه في الأزل؛ لأنه قَدَّرَ في الأزل كلَّ شيءٍ على حسب ما يقع ويحصل، ولكن لم يطلَّع أحدٌ على ما قُدِّرَ في الأزل، ولأجل أن الناسَ لم يعلموا ما هو المقدَّر في الأزل وكيفيتَه تحيَّروا في كيفية حدوث الأشياء، واختلف أحوالهم في معاني هذه الآيات والأحاديث التي تتعلق بالقَدَر، والصواب من الأقوال: ما لم يكن فيها الحُكمُ والقولُ بتغييرِ تقديرِ الله تعالى.

* * *

ص: 203

76 -

عن أبي خِزامَةَ، عنْ أبيه قال:"قلت: يا رسول الله! أرأيتَ رُقًى نَسترقيهَا، ودواءً نتَداوَى بهِ، وتُقاةً نتَّقيها، هلْ تَرُدُّ مِنْ قدَرِ الله شيئًا؟ قال: هيَ مِنْ قَدَرِ الله".

قوله: "أرأيت رُقًى"، (رُقى) بضم الراء وبفتح القاف، جمع: رُقية، وأصل "رقى" على وزن ظُلْمَة وظُلَم، فقُلبت الياءُ ألفًا وحُذفت لسكونها وسكون التنوين، والرُّقية: ما يُقرأ من الدعاء وآيات القرآن لطلب الشفاء، والاسترقاء: طلب الرُّقية.

"نَستَرقِيها"؛ أي: نَطلب تلك الرُّقى أن يَقرأَها علينا أحدٌ لطلب الشفاء.

(التداوي): استعمال الدواء في الأعضاء.

(التُّقاة) أصله: الوُقاة، فقُلبت الواوُ تاءً، وهو الشيء الذي التجأ إليه الناسُ ليُحفَظوا من الأعداء، مثل القلعة والجبل وغيرهما، وهو من وَقَى يَقِي وقايةً: إذا حفظَ.

قوله: "نتَّقيها"؛ أي: نَلتجِئ بها ونحذر بسببها من شر الأعداء، ويجوز أن تكون (تقاة) هنا مصدرًا بمعنى: الاتقاء، فعلى هذا قوله:(نتقيها) يكون معناه: نتَّقي تُقاةً، بمعنى: نتقي اتقاءً؛ يعني: هذه الأسباب التي نستعملها "هل تَرُدُّ من قَدَرِ الله شيئاً؟ " يعني إنْ قُدَّرَ بلاءٌ علينا هل نخلصُ من الهلاك باستعمال شيء من هذه الأسباب أم لا؟

قوله عليه السلام: "هي مِن قَدَرِ الله تعالى أيضًا"؛ أي: هذه الأسباب من قَدَر الله أيضًا؛ يعني: كما أن الله تعالى قدَّر الداءَ قدَّر زوالَ الداء بالدواء أو بالرقية، وكما أنه تعالى خَلَقَ في العدوِّ قصدَ عدوِّه بالإيذاء خَلَقَ في الذي يقصده العدُّو أن يَلتجِئَ إلى قلعةٍ، وأنْ يدفعَه بشيءٍ من الأسباب، فكلُّ من أصابه داءٌ، فتَدَاوَى وبَرِئ فاعلم أنه قدَّر هذا الدواءَ نافعًا في ذلك الداء، ومَن تَدَاوَى ولم يَبْرَأ فاعلم أنه لم يُقدَّر أن يكونَ التداوي نافعًا في ذلك الدواء، وإذا لم يُقدِّر لداءٍ

ص: 204

أن يُنفع بالتداوي لم تنفع مداواةُ جميع أطباء العالم، وعلى هذا فقِسْ جميعَ الأسباب.

وروى هذا الحديثَ "أبو خِزامة"، بخاء معجمة مكسورة وبزاي معجمة، واسم أبيه مَعمَر، وقيل أبو خِزامة أحدُ بني الحارث بن سعد، وقيل: راوي الحديث ابن أبي خِزامة، وذُكر أن اسمه الحارث بن أبي خِزامة، وهذا غيرُ مشهورٍ بين أصحاب الحديث.

* * *

77 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خَرَجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم علينا ونحنُ نتنازعُ في القَدَرِ، فغضِبَ حتَّى احمرَّ وجهُهُ، فقال:"أبهذا أُمِرتُمْ، أَمْ بهذا أُرْسِلْتُ إليكُمْ، إنَّما هلكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ حينَ تنازَعُوا في هذا الأمرِ، عَزَمْتُ عليكُمْ أنْ لا تتنازَعُوا فيهِ"، غريب.

قوله: "نتنازع"؛ أي: نتخاصم ونتناظر "في القَدَر"، والتنازُع في القَدَر: أن يقول أحد: إذا كان جميع ما يجري في العالم بقَدَر الله تعالى فلِمَ يُعذَّب المذنبون؛ ولم يَنسِبِ الفعلَ إلى العباد وإلى الشيطان، فقال:{لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [النور: 21] وقال: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ} [طه: 120]، وغير ذلك؟ ويقول آخر: فما الحكمةُ في تقدير بعض العباد للجنة وبعضهم للنار؟ وما أشبه ذلك، فغضبَ رسولُ الله عليه السلام عليهم حتى احمرَّ وجهه من الغضب، ولم يرضَ منهم التنازُعَ في القَدَر؛ لأن القَدَرَ سرٌّ من أسرار الله تعالى، وطلبُ سر الله مَنهيٌّ عنه، وكذلك مَن بَحَثَ في القَدَرِ لم يُؤمَنْ أن يَصيرَ جَبْريًا أو قَدَريًا؛ بل العبادُ مأمورون بقَبول ما أمرَهم الشرع من غير أن يطلبوا سرَّ ما لا يجوز طلبُ سرِّه.

قوله: "أبهذا أُمرتم؟ "؛ يعني: لم يأمركم الله تعالى ورسوله بالتنازع في

ص: 205

القَدَر، فإذا لم يأمركم الله ورسولهُ عليه السلام بهذا فلمَ تتنازعون في القَدَر؟

قوله: "إنما هلك مَن كان قبلكم"؛ يعني: هلكت اليهودُ والنصارى وغيرُهم حينَ تنازعوا في شيءٍ لم يأمرهم الله تعالى ورسوله به، من البحث في القَدَر وتفضيل بعض الرسل على بعض من تلقاء أنفسهم.

قوله: "عَزمتُ عليكم"؛ أي: أَقسمتُ عليكم، وكان أصله: عزمت بإلقاء اليمين وإلزام اليمين عليكم ألا تبحثوا ولا تنازعوا في القَدَر بعد هذا.

* * *

78 -

عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله تعالى خلقَ آدمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جميعِ الأرضِ، فجاءَ بنو آدمَ على قَدْرِ الأرضِ، منهمُ الأحمرُ، والأبيض، والأسودُ، وبَيْنَ ذلكَ، والسَّهلُ، والحَزْنُ، والخَبيثُ، والطَّيِّبُ".

قوله: (القبضة): ملْء الكفِّ من كل شيء، والمراد ها هنا: من التراب.

قوله: "من جميع الأرض"؛ أي: من جميع ما قدَّر الله تعالى إلى أن يسكنَه بنو آدم من الأرض، وليس مراده: من جميع الأرض؛ لأن مِن الأرض ما لم يصل إليه قدم آدمي؛ يعني: أَمرَ الله عزرائيلَ عليه السلام بأن يأخذ قبضةً من وجه الأرض، وخلقَ منها آدمَ عليه السلام، وقدَّر أن يسكنَ بنو آدم الأرضَ التي خُلِقُوا من ترابها.

"فجاء بنو آدم على قَدْرِ الأرض"؛ أي: على لون الأرض وطبعها، وكلُّ موضعٍ ترابُها أحمرُ كان أهلُ ذلك الموضع ألوانُهم أحمر، وكذلك الأسود والأبيض.

قوله: "وبين ذلك"؛ أي: بين الأحمر والأسود والأبيض.

ص: 206

قوله: "والسَّهْل والحَزْن"، (الحزن): الغليظ والخَشِن، و (السهل): الليَّن؛ يعني: كلُّ موضعٍ كان ليَّنًا كان أهلُ ذلك الموضع طباعهم ليَّنةً، وكلُّ موضعٍ كان خَشِنًا كان أهلهُ طباعُهم خَشِنةً، وكذلك الخبيث والطيب، ومعنى "الخبيث": خبيث الخِصَال والأخلاق، ومعنى"الطيِّب" كذلك، وكلُّ ذلك بتقدير الله تعالى؛ قدَّر لكل شخص لونًا وطبعًا وخلقًا ومسكنًا كما شاء، لا مَرَدَّ لقضائه، ولا مانعَ لحكمه.

* * *

79 -

وعن عبد الله بن عَمْرو رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنَّ الله تعالى خلَقَ خلقَهُ في ظُلْمَةٍ، فألقَى عليهِمْ مِنْ نُورِهِ، فمَنْ أصابَهُ مِن ذلكَ النُّورِ اهتَدَى، ومَنْ أخطأهُ ضَلَّ، فلذلكَ أقولُ: جفَّ القلمُ على عِلمِ الله".

"إن الله خلق خلقه في ظُلمةٍ"، والمراد بـ (خلقه) هنا: الجنُّ والإنسُ؛ لأن الملائكةَ لم يُخلَقوا في الظلمة، بل خُلِقُوا في النور.

قوله: "في ظلمة"؛ أي: كائنين في ظلمة، والظلمة ها هنا: ما كان في الشخص من الصفات النفسانية كالشهوة والتكبُّر والحرص، وغير ذلك مما يُبعد الشخصَ عن الله تعالى.

قوله: "من نوره"؛ أي: من تقدير الإيمان والطاعات، فمَن قدر له نورَ الإيمان وتوفيق الطاعات وقَبول الشريعة يكون مَهدِيًّا مهتديًا إلى طريق الحق، ويخرج من ظلمة الهواء النفسانية، ومَن لم يُقدَّر له الإيمانَ وتوفيقَ الطاعاتِ يبقى في ظلمة الأهواء النفسانية والجهل والتكبُّر وغير ذلك من الخصال المذمومة ولم يهتدِ إلى الحق.

قوله: "ومَن أخطأه ضَلَّ"، (أخطأه)؛ أي: جاوزَه ولم يَصِلْ إليه؛ يعني: مَن لم يجد نورَ الإيمان المقدَّر في الأزل لم يهتدِ، بل يَضِلُّ.

قوله عليه السلام: "فلذلك أقولُ: جفَّ القلمُ على علم الله تعالى"؛

ص: 207

يعني: من أجل أن تقديرَ الإيمان والكفر والطاعة والعصيان قد جرى في الأزل.

أقول: لا يتغير تقدير الله تعالى؛ فمَن كان في الأزل قدَّر له الإيمانَ يكون مؤمنًا، ومَن قدَّر له الكفرَ يكون كافرًا، و (جفاف القلم): عبارة عن عدم تغير ما جرى تقديره في الأزل.

* * *

80 -

قال أنس رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكثرُ أنْ يقول: "يا مُقلِّبَ القُلوبِ! ثَبِّتْ قلبي على دينِكَ"، فقلتُ: يا نبيَّ الله! آمنَّا بِكَ، وبما جئتَ بهِ، فهلْ تخاف علينا؟ قال:"نعمْ، إنَّ القُلوبَ بين أَصْبُعَيْنِ مِنْ أصابعِ الله يُقَلَّبُهَا كيفَ يشاءُ".

قوله: "يا نبي الله آمنا بك

" إلى آخره؛ يعني: يا رسولَ الله! ليس قولُك: ثبَّت قلبي على دينك لأجل نفسك؛ لأنك معصومٌ عن الخطأ والزَّلَّة، خصوصًا عن تقلُّب قلبك عن الدين، وإنما تقول هذا ومرادُك أمَّتُك؛ لتعلم أمَّتُك هذا الدعاءَ، ولا يَأمَنُوا من زوال نعمة الإيمان، "فهل تخاف علينا" من أن نَرتدَّ عن الدين بعد أن آمنَّا بك وبما جئت به من الدين؟ فقال عليه السلام: "نعم"؛ يعني: أخاف عليكم؛ فإن القلوبَ بمشيئة الله تعالى يقلبها كيف يشاء من الإيمان إلى الكفر، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الطاعة إلى العصيان، ومن العصيان إلى الطاعة؛ فلا ينبغي لأحدٍ أن يَأمَنَ زوالَ نعمة الله التي أنعمها عليه، بل ينبغي أن يخافَ ويتضرَّعَ ويسألَ إثباتَ نعمة الإيمان والإسلام والطاعة، وغير ذلك من نِعَمِ الله عليه.

* * *

81 -

وقال: "مَثَلُ القلْبِ كرِيشةٍ بأرضٍ فَلاةٍ تُقَلَّبُها الرياحُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ"،

ص: 208

رواه أبو موسى الأَشْعَري رضي الله عنه.

قوله: "مَثَلُ القلب كريشةٍ"، (الرَّيشة): رِيش الطير، والرِّيش جمع، واحدتها: ريشة.

(الفلاة): المَفَازة الخالية من النبات والشجر، و"فلاة" هنا صفة "أرض"، وكلتاهما مكسورتين مُنوَّنتَين.

قوله: "ظهرًا لبطنٍ": اللام هنا بمعنى (إلى)، كقوله تعالى:{مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ} [آل عمران: 193]؛ أي: إلى الإيمان؛ أي: تُقلب الرياحُ تلك الريشةَ ظهرًا إلى بطنٍ، و (ظهرًا) بدل عن الضمير في (يقلبها)، وهو بدل البعض؛ يعني كما أن الريشةَ الساقطةَ في مفازةٍ تقلبها الرياح ظهرًا لبطنٍ وبطنًا لظهرٍ كلَّ ساعةٍ تقلبها على صفةٍ؛ فكذلك القلوبُ تنقلبُ ساعةً من الخير إلى الشر، وساعةً من الشر إلى الخير، فإذا كان كذلك فاسألوا الله ثباتَ القلوب على الدين والطاعة، وتعوَّذوا بالله تعالى من أن تنقلبَ من الخير إلى الشر.

* * *

82 -

عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يُؤمنُ عبدٌ حتَّى يُؤمنَ بأربعٍ: يشهدُ أنْ لا إلهَ إلَاّ الله، وأنِّي رسولُ الله بعثَني بالحقَّ، ويؤمنَ بالموتِ، وبالبعْثِ بعدَ الموتِ، ويؤمنَ بالقَدَرِ".

قوله: "ولا يؤمن عبد": هذا نفي أصل الإيمان، لا نفي الكمال؛ فمَن لم يؤمن بواحدٍ من هذه الأربعة لم يكن مؤمنًا

أحدها: الإقرار بأن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسولُ الله، بعثَه بالحق على كافة الإنس والجن.

والثاني: أن يؤمنَ بالموت؛ يعني: يعتقد أن الدنيا وأهلَها تَفنَى، كما

ص: 209

قال: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26] و {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ} [القصص: 88]، وهذا احترازٌ عن مذهب الدَّهْرِية؛ فإنه تقول: العالمُ قديمٌ باقٍ.

ويحتمل أن يريد بالإيمان بالموت: أن يعتقدَ الرجلُ أن الموتَ يحصل بأمر الله تعالى لا بالطبيعة، وخلافًا للطبيعي؛ فإنه يقول: يحصل الموتُ بفساد المزاج.

الثالث: أن يؤمنَ بالبعث بعد الموت؛ يعني: يعتقد أن الله يَحشُرُ الناسَ بعد الموت، ويجعلهم في العَرَصات للحساب.

والرابع: أن يؤمنَ بالقَدَر؛ يعني: يعتقد أن جميعَ ما يجري في العالم بقضاء الله تعالى وقدرته، كما ذُكر قبلَ هذا.

فإن قيل: هذا الحديث يدل على أن القَدَريَّ ليس بمؤمنٍ فما تقولون في القَدَري؟

قلنا: إن كان القَدَريُّ يعتقد أنه ليس شيءٌ من الأفعال والأقوال بقَدَر الله تعالى، بل العبادُ يخلقون أفعالَهم، فإن قال هذا أو اعتقد هذا لنسبة عجزٍ إلى الله تعالى فهو كافرٌ، وإن قال هذا واعتقد هذا لتنزيه الله تعالى عن أفعال العباد القبيحة، وفي قلبه تعظيمُ الله تعالى في هذا الاعتقاد فليس بكافرٍ، بل هو مُبتدِعٌ.

* * *

83 -

عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتي ليسَ لهما في الإِسلامِ نَصيبٌ: المُرْجِئَةُ والقَدَرِيَّةُ"، غريب.

قوله: "صِنفانِ من أُمتي"، (الصَّنف): النوع.

"المرجئة": يجوز بالهمزة وبالياء، وأصله الهمز، ومعنى الإرجاء: التأخير، والتاء في (المرجئة) للتأنيث؛ أي: الطائفة المرجئة، واختُلف في المرجئة؛ قيل:

ص: 210

هم الذين يقولون: الإيمانُ الإقرارُ باللسان من غير عملٍ، سُمُّوا بذلك لأنهم يُؤخِّرون ويُبْعدون الأعمالَ من الإيمان ويقولون: الأعمالُ ليست من الإيمان كما قال الشافعي رحمه الله، ولا من حقوق الإيمان كما قال أبو حنيفة رحمة الله عليه.

وقيل: المرجئة هم الجَبْرية، وهم الذين يقولون: الأفعالُ والأقوالُ كلُّها بتقدير الله تعالى، وليس للعباد فيها اختيارٌ؛ والأصحُّ أن المرجئةَ هم الجَبريةُ، وذُكر بحث الجَبْرية والقَدَرية في بحث شرح الحديث الخامس من أول هذا الباب.

والقَدَر والتقدير واحد، نُسبت هذه الطائفة إلي القَدَر؛ لأنهم يقولون: الأشياءُ بتقدير الله تعالى، بل لأنهم يبحثون في القَدَر كثيرًا، ويقولون: كلُّ شخصٍ خالقُ أفعالِه، ويجوز (جَبرية) بسكون الباء وفتحها، و (القَدَرية) بسكون الدال وفتحها.

قوله: "وليس لهما في الإسلام نصيب": ولم يقل النبيُّ عليه السلام هذا لنفي أصل الإيمان عنهم؛ لأنه عليه السلام أضافهم إلى نفسه وقال: (صنفان من أمتي)، وإنما قال:(ليس لهما في الإسلام نصيب) لقلة نصيبهم في الإسلام، كما يقال: ليس للبخيل حظٌّ من ماله؛ أي: ليس له حظٌّ كاملٌ.

واختلف أهلُ السُّنة في الحكم بكفر أهل البدعة؛ فبعضُهم يقول: جميعُ المُبتدِعين كفَّارٌ، وبعضُهم يقول: جميعُ المُبتدِعين مسلمون، وبعضهم يقول: إنْ ظهرَ منهم قول يكون كفرًا يُحكَم بكفرهم، وإن لم يكن منهم كفرٌ لم يُحكَم بكفرهم، بل نقول: إنهم مُبتدِعون لا كفَّارٌ؛ وهذا القولُ هو المختارُ.

* * *

84 -

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يكونُ في أُمَّتي خَسْفٌ ومَسْخٌ، وذلكَ في المكذِّبينَ بالقَدَرِ".

قوله: "في أُمتي خَسْفٌ"، (الخَسف): أن يُدخل الله أحدًا في الأرض

ص: 211

كافرًا، و (المَسخ): أن يُغير الله تعالى صورةَ إنسانٍ فيجعلَه صورةَ غيرِ صورةِ الإنسانِ، كما فعل بقومٍ من بني إسرائيل، فجعلهم قردةً وخنازيرَ.

"وذلك في المكذِّبين بالقَدَر"؛ أي: يكون ذلك الخَسفُ والمَسخُ في قومٍ يقولون: ليس ما يجري في العالم بتقدير الله، تعالى بل يقولون كلُّ شخصٍ خالقُ أفعالِه.

وجاء في حديث: "أنه يكون بالبصرة خَسفٌ وقَذفٌ ورَجفٌ، وقومٌ يَبِيتُونَ ويُصبِحُون قِرَدةً وخنازيرَ"؛ وإنما تكون هذه الأشياء في البصرة لأن أكثرَ أهلِها قَدَريةٌ.

(القَذْف): الرمي بالحجارة من السماء، (الرجف): الزلزلة وتحرُّك الأرض بحيث تخرب الديار منها.

* * *

85 -

وعنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"القَدَرِيَّة مَجُوسُ هذهِ الأُمَّة، إِنْ مَرِضُوا فلا تعودُوهم، وإنْ ماتُوا فلا تشهدُوهم".

قوله: "وعنه"؛ أي: وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال الخطابي رحمه الله: سُميت "القَدَرية مجوس هذه الأُمة"؛ لأن قولَهم يشبه قولَ المجوس؛ لأن المجوسَ يقولون: الخيرُ من فعل النور، والشرُّ من فعل الظُّلمة، وكذلك القَدَرية تقول: الخيرُ من الله، والشر من الشيطان أو من النفس، هذا قول بعض القَدَرية، وبعضهم يقولون: جميع ما نعمل من الخير والشر يخلقه الشخص.

قوله: "إن مَرِضُوا فلا تَعُودُهم"، عادَ يَعُودُ عيادة: إذا أتى الرجلَ المريضَ وسأله كيف هو في مرضه؛ يعني: لا تُجالسوهم في حالة الصحة، ولا تعودوهم في حال المرض؛ فإنه ظهر بينكم وبينهم عداوة ومخالفةٌ

ص: 212

في الاعتقاد، ومَن كان اعتقادُه مخالفًا لِمَا عليه رسولُ الله عليه السلام وأصحابُه رضي الله عنهم فلا يجوز مقاربتُه ومجالستُه، والصلاة عليهم مَبنيَّةٌ على أقوال تكفيرهم، فَمَن حَكَمَ بكفرهم لم يُجوِّز الصلاةَ عليهم، ومَن لم يحكم عليهم بكفرهم يُجوِّز الصلاةَ عليهم، بل تكون الصلاة عليهم - على قوله - فرضًا على الكفاية.

وتأويل قوله: "فلا تشهدوهم": أن هذا لقبيح اعتقادهم وزجرهم عن هذا الاعتقاد، وليس لنهي الصلاة عليهم، بل الصلاةُ عليهم كالصلاة على الفُسَّاق.

(فلا تشهدوهم)، شهدَ: إذا حضرَ؛ أي: فلا تحضروا جنائزَهم للصلاة.

* * *

86 -

وعن عمر رضي الله عنه، عن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:"لا تُجالسوا أهلَ القدَرِ، ولا تفاتحوهم".

قوله: "لا تفاتحوهم"؛ أي: لا تبتدئوهم بالكلام ولا تُناظروهم، ولا تبحثوا معهم عن الاعتقاد؛ فإنهم يوقعونكم في الشك ويُشوِّشون عليكم مذهبَكم في الاعتقاد.

* * *

87 -

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ستةٌ لعنتُهُمْ، لعنَهُمُ الله، وكلُّ نبيًّ مُجابٍ: الزائدُ في كتابِ الله، والمكذَّبُ بقدَرِ الله، والمُتسلِّطُ بالجَبَروتِ ليُعزَّ مَنْ أَذَلَّ الله ويُذلَّ مَنْ أَعَزَّ الله، والمستحِلُّ لحُرَمِ الله، والمستحِلُّ منْ عِترتي ما حرَّمَ الله، والتاركُ لسُنَّتي".

قوله: "ستةٌ لعنتُهم"، (ستة)؛ أي: ستةُ أشخاصٍ لعنتُهم؛ أي: دعوتُ عليهم بدعاءِ سوءٍ، ولعن - بفتح العين في الماضي والغابر - لعنًا: إذا دعا

ص: 213

على أحدٍ بسوءٍ، فقوله:"لعنَهم الله" هذا إخبارٌ وليس بدعاءٍ؛ يعني: إذا لعنتُهم لعنَهم الله.

قوله "كلُّ نبيًّ يُجاب"، فـ (كل): مبتدأ، و (يجاب): فعل مضارع لم يُسمَّ فاعلهُ، وهو خبر المبتدأ، والواو واو الابتداء.

وفي بعض النسخ: "وكلُّ نبيًّ مُجَابٌ" بالميم، فـ (كل) مبتدأ أيضًا، و (مجاب) خبره، والرواية الأولى هي الأصح؛ يعني: كلُّ نبيًّ مجابُ الدعوة فإذا كان كلُّ نبيًّ مُجابَ الدعوة فدعائي البتةَ مقبولٌ، وإذا كان دعائي مقبولاً تكون اللعنةُ على هؤلاء الستة واقعةً، ولا يجوز (مُجابِ الدعوة) بالجر على أن يكون صفةً لـ (كل نبي)؛ لأنه لو كان (مجاب) صفةً ليبقى يكون بعضُ الأنبياء مجابَ الدعوة، وبعضُهم غيرَ مجاب الدعوة، وهذا خطأ؛ بل كلُّهم مجابُ الدعوة، ولا يجوز أن يُعطف و (كل نبي) على التاء في (لعنتهم)؛ لأنه حينَئذٍ يكون معناه: لعنتُهم أنا وكلُّ نبي، فحينَئذٍ يكون (يجاب) أو (مجاب) صفةً لـ (كل نبي)، فقد قلنا: إنه لا يجوز أن تكون صفةً.

أحد الستة: "الزائد في كتاب الله تعالى"؛ يعني: الذي يزيد في القرآن في لفظه أو في حكمه، وكذلك في التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله تعالى، فمَن زاد في لفظها أو حكمها فهو كافرٌ؛ لأنه كان متعمدًا عالمًا بأنه لم يأمر الله تعالى به.

الثاني: "المكذِّب بقَدَر الله تعالى"؛ وقد مر ذكره.

الثالث: "المتسلِّط بالجَبَرُوت"، (المتسلط): المستولي والغالب، والحاكمُ (بالجَبَرُوت)؛ أي: بالتكبُّر والعظمة ليعزَّ؛ أي: لأجل أن يعزَّ؛ يعني: مَن هو قائمٌ ومُستولٍ على الناس؛ لإعزاز مَن أذلَّه الله تعالى كالكفار، وإذلالِ مَن أعزَّه الله كالمسلمين، فمَن كانت هذه صفتُه فهو ملعونٌ.

ص: 214

الرابع: "المُستحِلُّ لحَرَمِ الله تعالى" بفتح الحاء والراء، والمراد بـ (حَرَم الله تعالى): حَرَم مكة؛ يعني: مَن فعلَ في حَرَم مكة ما لا يجوز فعلُه؛ فإن اعتقدَ تحليلَه فهو كافرٌ، وإن اعتقد تحريمَه فليس بكافرٍ، ولكن ذنبَه يكون أعظمَ من ذنبه في غير الحَرَم؛ لأن الموضعَ إذا كان أكثرَ شرفًا وتعظيمًا يكون الذنبُ فيه أعظمَ، والأشياءُ التي تختص بحَرَم مكة: تحريم الاصطياد، وقطع الشجر، وتحريم دخولها إلا بالإحرام، ولو قَتَلَ فيه مسلمًا أُغلظ عليه الديةُ، ولو وَجدَ فيه لقطةً لم يملكها بعد التعريف، ولا يدخله مُشرِك، ولا يجب دمُ التمتُّع على مَن كان دارُه في الحَرَم، أو كان مَن دارُه إلى مكة دونَ مسافة القصر، ولا يجوز نحرُ الهَدْي إلا فيه، ولو نذر المشيَ إليه لزمَه، ولا يتحلل من الإحرام إلا فيه؛ إلا أن يكون مُحصرًا.

الخامس: "المُستحِلُّ من عِتْرَتِي ما حرَّم الله تعالى"، (العِتْرة) بكسر العين: القرابة القريبة؛ يعني: مَن فَعَلَ بأقاربِ رسول الله عليه السلام ما لا يجوز فعلهُ، من إيذائهم وترك تعظيمهم.

فإن قيل: مَن استحلَّ ما حرَّم الله تعالى فهو كافرٌ، ومَن فعل مُحرَّمًا - وهو يعلم تحريمَه - فهو مذنبٌ، سواءٌ في حَرَمِ الله وعِتْرَةِ رسول الله عليه السلام وغير حَرَم الله تعالى وعِتْرَةِ رسولِ الله، فأيُّ فائدةٍ في تخصيص حَرَم الله وعِتْرَة رسوله؟

قلنا: حَرَمُ الله تعالى صار مُشرَّفًا مُعظَّمًا بإضافته إلى الله تعالى، وعِتْرَةُ رسولِ الله عليه السلام صار مُشرَّفًا مُعظَّمًا لإضافته إلى رسول الله، ولم يكن لعيرهما هذا الشرفُ، ولأجل هذا أكَّد حقَّهما وعظَّم قَدْرَهما؛ بأن لَعَنَ مَن هتكَ حرمتَهما، ونقصَ حقَّهما، وترك تعظيمَهما.

السادس: "التارك لسُنَّتي"؛ يعني: مَن ترك شيئًا مما بيَّنتُه من أحكام

ص: 215

الدَّين، فمَن تركَ من الفرائض شيئًا على اعتقاد أنه ليس بفرضٍ، أو تركَ سُنةً عن استخفافٍ بالنبي عليه السلام وعدمِ تعظيمه فهو كافرٌ، وإن تركَ فرضًا وهو يعتقد فرضيتَه فهو عاصٍ، ومن تركَ سُنةً لا عن استخفافٍ بالنبي عليه السلام فلا إثمَ عليه، لكن لا ينبغي أن يتركَ سُنةً مؤكدةً على الدوام؛ فإنَّ تَرْكَ السُّنةِ المؤكدةِ على الدوام يدل على قلة صلاح الرجل، واستخفافه بالشرع.

فإن قيل: قد ذكر في هذا الحديث مَن هو مسلمٌ، فكيف تجوز اللعنةُ على المسلم؟

قلنا: اللعنةُ الإبعادُ عن الخير والرحمة، ولا شك أن الرجلَ ما دام في المعصية يكون مُبعَدًا عن الخير والرحمة وإن كان مسلمًا، فإذا رجع عن المعصية وتابَ تابَ الله عليه، وخرج مِن أن يكون مُبعَدًا عن الرحمة.

* * *

88 -

عن مَطَرَ بن عُكامِس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قضَى الله لِعبْدٍ أنْ يموتَ بأرضٍ جعَلَ لَهُ إليها حاجةً".

قوله: "عن مطر بن عُكَامِس قال: قال رسول الله عليه السلام: إذا قضى الله لعبد أن يموتَ بأرضٍ جعلَ له إليها حاجةً"؛ يعني: إذا كان الرجلُ في بلدةٍ، وقدَّر أن يموتَ في بلدٍ آخرَ أوقعَ الله تعالى في قلبه ميلاً إلى قصد ذلك البلد، أو أَظهرَ له إليه حاجةً من تجارةٍ أو زيارةٍ أو ما أشبه ذلك؛ ليأتيَ ذلك البلدَ ليموتَ فيه؛ يعني: كل شيء يكون كما قدَّره الله تعالى، لا يقدر أحدٌ أن يغيرَه.

"مطر بن عُكَامِس": المعروف بالسُّلَمي، من بني سُلَيم بن منصور.

* * *

ص: 216

89 -

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله! ذَرَارِيُّ المؤمنين؟ قال: "مِنْ آبائهم"، فقلتُ: يا رسول الله! بلا عملٍ؟ قال: "الله أعلَم بما كانوا عاملين"، فقلتُ: فذراري المشركين؟ قال: "مِنْ آبائهم"، قلتُ: بلا عمَلٍ؟ قال: "الله أَعلَمُ بما كانوا عامِلين".

قولها: "ذراري المؤمنين"؛ يعني: قلت: يا رسولَ الله! ما حكمُ أطفال المؤمنين؟ فقال رسول الله عليه السلام:

"مِن آبائهم"؛ أي: هم بعض آبائهم؛ يعني: أتباع لآبائهم، كما أن آباءَهم مسلمون فكذلك هم مسلمون؛ فإذا ماتوا يُصلَّى عليهم، ويثبت الميراثُ بينهم وبين آبائهم، وكذلك أطفالُ المشركين أتباعٌ لآبائهم؛ إذا ماتوا لا يُصلَّى عليهم، ويثبت للمسلمين حكمُ الاسترقاق عليهم كآبائهم، ولا يثبت الإرثُ بين المسلمين وبينهم، كما لا يثبت بين المسلمين وبين آبائهم؛ يعني: إذا كان كافرًا، أو له ابن مسلمٌ وابن كافرٌ، والابن الكافرُ طفلٌ، ومات الطفلُ؛ لا يثبت بين هذا الطفل الميت وبين أخيه المسلم إرثٌ، وكذلك لو ماتَ الأخُ المسلم وترك أخاه الكافرَ وهو طفلٌ لم يثبت بينهما الإرثُ، هذه أحكامهم في الدنيا.

وأما في الآخرة فنقول: أطفالُ المؤمنين من أهل الجنة من غير أن نشيرَ إلى واحدٍ بعينه، وأما أطفالُ الكفار لا نقول: إنهم من أهل الجنة أو من أهل النار، بل هم في مشيئة الله تعالى، ونَكِلُ أمرَهم إلى الله تعالى يفعل بهم ما يشاء، وهذا اعتقادُ أكثرِ أهل السُّنة، وقال بعضهم: من أهل النار تبعًا لآبائهم، وقال بعضهم: من أهل الجنة؛ لأنهم لم يَصدُرْ منهم كفرٌ، وقال بعضهم: يدخلون الجنة، ولكن لخدمة المسلمين، وقال بعضهم: بين الجنة والنار لم يكن لهم لذةٌ ولا عذابٌ.

* * *

ص: 217