المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌5 - باب الاعتصام بالكتاب والسنة - المفاتيح في شرح المصابيح - جـ ١

[مظهر الدين الزيداني]

الفصل: ‌5 - باب الاعتصام بالكتاب والسنة

كما قال عليه السلام: "إن لله مئةَ رحمةٍ، أَنزلَ منها رحمةً واحدةً بين الجن والإنس والبهائم والهوامِّ، بها يَتَعاطفون، وبها يَتَراحمون، وبها تعطف الوحشُ على ولدها، وأخَّرَ تسعةً وتسعين رحمةً يرحم بها عباده"، (التعاطُف): جريان العطف بين الاثنين، و (العطف): الشفقة والرحمة.

* * *

‌5 - باب الاعتِصام بالكتاب والسُّنَّة

(باب الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة)

مِنَ الصِّحَاحِ:

101 -

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أحدَثَ في أَمرِنا هذا ما ليسَ منهُ فهوَ رَدٌّ".

قوله: "أحدث": إذا أتى بشيءٍ جديدٍ "في أمرنا"؛ أي: في دِيننا "هذا"؛ أي: هذا الدِّين الذي بُعِثْتُ به "ما ليس فيه"؛ أي: ما ليس نحن أَمَرْنا به أو فَعَلْنا، وما ليس في القرآن "فهو رَدٌّ"؛ أي: فهو مردودٌ؛ يعني: مَن فعلَ فعلًا أو قالَ قولًا في الدِّين، وليس ذلك في القرآن ولا في أحاديث رسول الله عليه السلام، لا يجوز قَبولُه، ويُسمى ذلك الفعلُ أو القولُ: بدعةً.

واعلم أن البدعةَ نوعانِ: سيئ وحسن؛ فالسيئُ كالزيادة على أركان الصلاة عمدًا وأداء الصلوات النوافل على الدوام بالجماعة وغير ذلك.

والحَسَنُ كالمَنَارة وتكثير درجات المِنبر لزيادة إعلام الأذان، وكزيادة الأذان الأول يومَ الجمعة قبل الأذان الذي يكون بعد صعودِ الخطيبِ المِنبرَ؛ فإن أميرَ المؤمنين عثمانَ رضي الله عنه وضعَه، وغير ذلك مما لم يَرَ فيه علماء السُّنَّة إثمًا، بل

ص: 237

رَأَوا فيه مصلحةً فلا بأس به، ولا تجوز البدعةُ السيئة.

* * *

102 -

وعن جابر رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"أمَّا بعدُ، فإنَّ خَيْرَ الحديث كتابُ الله، وخَيْرُ الهُدي هَدْي محمدٍ، وشرُّ الأُمورِ مُحدثاتُها، وكلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعةٌ، وكلُّ بِدْعةٍ ضَلالةٌ".

قوله: "أما بعدُ": هاتان الكلمتان يقال لهما: فصل الخطاب، وأكثر استعمالها بعد تقدُّم قصةٍ أو حمدٍ لله تعالى وصلاةٍ على النبي عليه السلام، وكأن الأصل أن يقال: أما بعد حمدِ الله تعالى، و (بعد) إذا كان له مضافٌ إليه ولم يكن قبله حرفُ جر فهو منصوبٌ على الظرفية، وإذا قُطِعَ عنه المضافُ إليه بقي على الضم كما ها هنا، والمفهوم من هذَين اللفظَين أن النبي عليه السلام قال هذا الحديثَ في أثناء خطبته ووعظه (1).

قوله: "فإن خيرَ الحديثِ كتابُ الله تعالى"، الفاء جواب لـ (أما)؛ لأن فيه معنى الشرط، و (الحديث): الكلام، ولا شك أن كلامَ الله تعالى خيرٌ من كلام المخلوقين.

قوله: "وخيرَ الهَدْي هَدْيُ محمَّدٍ" عليه السلام، و (خيرَ) منصوبٌ؛ لأنه معطوف على اسم (إن)، (الهَدْي): السيرة والطريقة، وهو مصدر يقع على الواحد والتثنية والجمع، فـ (الهَدْي) الأول بمعنى الجمع، والثاني بمعنى الواحد؛ يعني: خيرُ الطُّرُقِ والسَّيَرِ طريقُ محمَّدٍ عليه السلام وسيرتهُ ودِينُه.

(المُحدَثات) بفتح الدال جمع مُحدَثة، وهي مفعول من أُحدِثَ، والمراد

(1) جاء على هامش "ت": "الحديث يدل على أنه صَدَرَ عنه عليه السلام في أثناء خطبته ووعظه؛ لأن (أما بعد) يستعمل غالبًا بعد تقدُّم شيء"، زين العرب.

ص: 238

بـ (المُحدَثات): البِدَع والضلالات من الأفعال والأقوال.

"وكلُّ مُحدَثة"؛ أي: كلُّ خصلةٍ مُحدَثةٍ "بدعةٌ"؛ أي: فهي بدعةٌ، ومعنى (المُحدَثة) و (البدعة) في اللغة واحدٌ.

ولكن المراد بالبدعة في الحديث: المُخالِفة للسُّنَّة (1)؛ يعني: كلُّ خصلةٍ أتى بها جديدًا لم يقلْها النبيُّ عليه السلام فهي مخالفةٌ للسُّنة، ومخالفةُ السُّنةِ ضلالةٌ، والضلالةُ: تركُ الطريق المستقيم والذهابُ إلى غير الطريق، والطريق المستقيم: هو الشريعة، ومَن مالَ عن الشريعة فقد ضلَّ عن طريق الحق.

* * *

103 -

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبغَضُ النَّاسِ إلى الله ثلاثةٌ: مُلْحِدٌ في الحَرَم، ومُبتغٍ في الإسلام سنَّةَ الجاهلية، ومُطَّلِبٌ دمَ امرئٍ بغير حقًّ ليُهريقَ دمَه"، رواه ابن عباس رضي الله عنهما.

قوله: "مُلْحِدٌ في الحَرَم"، أَلْحَدَ: إذا مالَ عن الحق، ومُلْحِد في الحَرَم؛ أي: مائلٌ عن الحق في الحَرَم؛ يعني: مَن لم يُعظِّم حُرمة الحَرَم ويفعل فيه معصيةً فالمعصيةُ قبيحةٌ، وفي الموضع الشريف أقبحُ.

قوله: "ومُبْتَغٍ في الاسلام سُنَّةَ الجاهلية"، ابتغى: إذا طلبَ؛ يعني: من دخل في الإسلام وطلب وتمنَّى ما هو عادة الجاهلية، كالمَيْسِر وقتل الأولاد وغير ذلك.

قوله: "ومُطَّلِبٌ دمَ امرئٍ مسلمٍ بغير حق ليُهريقَ دمَه"، و (مُطَّلِب) بتشديد الطاء: اسم فاعل من (اطَّلَبَ)، وأصله: اطتلب، فقُلبت التاءُ طاءً

(1) في "ش": "مخالفة السُّنة".

ص: 239

وأُدغمت (الطاء) في الطاء، ومعناه: طَلَبَ ليهريق، هذا اللفظ من أَرَاقَ يُرِيقُ إراقةً: إذا صبَّ الماءَ وغيرَه، فقُلبت الهمزةُ هاءً، فقيل: هَرَاقَ يُهَرِيقُ: بفتح الهاء؛ لأن أصلَ يُريق: يُؤَرِيقُ بفتح الهمزة، فحُذفت الهمزةُ كيلا تجتمع همزتان في الإخبار عن نفس المتكلم، نحو قولك:(أُريق)؛ فإن اجتماعَ الهمزتَين ثقيلٌ، فلمَّا قُلبت الهمزةُ هاءً زال عنه الثقل، فلم يُحذَف في المستقبل وغيره، فقيل: يُهَراق.

وقيل: بل الهاءُ ساكنةٌ زائدةٌ في الماضي وغيره، تقول في الماضي: أَهْرَاقَ بسكون الهاء، وفي المستقبل: يُهَرِيقُ، وأصله: يُؤَهْرِيق بفتح الهمزة وبقيت الهاءُ ساكنةً.

واعلم أن (الناس) في قوله: "أبغض الناس" ليس المراد به: جميع الناس؛ لأن المراد من المذكورين في هذا الحديث: مسلمون، فكيف يكون المسلمون أبغضَ إلى الله من الكفار، بل يراد به: المُذنِبون؛ يعني: أبغضُ المسلمين المُذنبِين إلى الله تعالى هذه الثلاثةُ؛ لأن هذه الذنوبَ الثلاثةَ المذكورةَ في هذا الحديث أشدُّ الذنوب.

* * *

104 -

وقال: "كلُّ أُمتي يَدخلونَ الجنَّة إلَاّ مَنْ أَبى"، قالوا: ومَنْ يأْبى يا رسول الله؟ قال: "مَنْ أَطاعني دخلَ الجنَّةَ، ومَنْ عصاني فقد أَبى"، رواه أبو هريرة رضي الله عنه.

قوله: "إلا مَن أَبَى"؛ أي: امتَنع عن قَبول الشرع أو عن العمل بالشرع، فمَن امتنعَ عن قَبول الشرع جاحدًا واستخفافًا للشرع فهو كافرٌ لا يدخل الجنةَ، ومَن ترك شيئًا من الشرع غيرَ جاحدٍ، بل من الكسل فهو مسلمٌ مُذنِبٌ وهو يدخل الجنةَ؛ إلا أنه يدخل الجنةَ بعد أن يعذَّبَ بقَدْر ذَنْبه، أو قبل أن عُذب، فهذا في

ص: 240

مشيئة الله تعالى.

قوله: "ومَن عصاني فقد أَبَى": هذا يدل على أن مَن عَصَى رسولَ الله لا يدخل الجنةَ؛ لأنه قال: (كلُّ أمتي يدخلون الجنةَ إلَاّ مَنْ أَبَى)؛ أي: مَنْ أَبَى لا يدخل الجنةَ فإن كان مَن عصاه كافرًا فلا شك أنه لا يدخلُ الجنةَ، وإن كان مسلمًا فهذا يكون للزجر والتهديد.

* * *

105 -

وعن جابر رضي الله عنه قال: جاءتْ ملائكةٌ إلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم وهو نائمٌ فقالوا: إنَّ لصاحبِكُم هذا مثَلاً فاضرِبُوا له مثَلاً، قال بعضُهُمْ: إنَّه نائمٌ، وقال بعضُهُمْ: إنَّ العيْنَ نائمةٌ والقلبَ يَقْظانُ، فقالوا: مثَلُهُ كمثَلِ رجل بنى داراً، وجعل فيها مَأدُبةً، وبعثَ داعيًا، فمَنْ أجابَ الداعيَ دخلَ الدَّارَ وأَكلَ من المَأْدُبة، ومَنْ لمْ يُجبِ الداعيَ لمْ يدخُلِ الدَّارَ ولمْ يأْكلْ مِنَ المأدُبة، فقالوا: أوِّلُوها لهُ يَفْقَهْها، قال بعضُهُمْ: إنَّه نائمٌ، وقال بعضُهُمْ: إنَّ العينَ نائمةٌ والقلْبَ يَقْظانُ، فقال بعضهم: الدارُ الجنَّةُ، والدَّاعي محمدٌ، فمَنْ أطاعَ محمدًا فقد أطاعَ الله، ومَنْ عصى محمدًا فقدْ عصَى الله، ومحمدٌ فرق بينَ الناس.

قوله: "جاءت ملائكة"؛ أي: جاءت جماعةٌ من الملائكة "إلى النبي صلى الله عليه وسلم"؛ ليضربوا له مَثَلاً ليحفظَه ويخبرَ به أُمتَه، "فقالوا: إن لصاحبكم هذا مَثَلاً"؛ أي: فقال بعضُ أولئك الملائكة لبعض: (إن لصاحبكم)؛ أي: لمحمدٍ هذا، و (هذا): إشارةٌ إلى محمد عليه السلام.

المِثْل والمَثَل والشِّبْه والشَّبَه واحد، وأكثر استعمال (المَثَل) في شيءٍ يُشبَّه به شيءٌ آخرُ تقول: زيدٌ مَثَلٌ في الجُود؛ أي: له جودٌ كثيرٌ يُشبَّه الأسخياءُ به.

ص: 241

قوله: "قال بعضهم: إنه نائم"؛ يعني: قال بعضهم: لا يفيد ضربُ المَثَل في هذه الساعة؛ لأنه نائمٌ، والنائمُ لا يَفهَم ولا يَعلَم ما يقولون، وقال بعضهم: هو تنام عينُه ولا ينامُ قلبُه، فإذا كان كذلك يَفهَم ويَعلَم ما يقولون.

(اليقظان): نعت مذكر، من يَقِظَ - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - يقظانًا، وهو ضد نام.

"المَأدُبة" بضم الدال: الطعام الذي يُصنعَ للأضياف.

قوله: "وبعث داعيًا"؛ يعني: أَرسلَ باني الدار أحدًا يدعو الناسَ إلى تلك الدارِ والمأدُبةِ التي صنعَ فيها.

قوله: "فقالوا: أَوَّلُوها له يَفْقَهْها"، (فقالوا)؛ أي: فقال بعضُهم لبعضٍ (أَوَّلُوها)؛ أي: فَسَّروا هذه الحكايةَ أو هذه الدارَ والمأدُبةَ، (التأويل): التفسير، (له)؛ أي: لمحمد عليه السلام.

(يفقهها) أصله: يَفْقَهْ بسكون الهاء؛ لأنه مجزوم بجواب الأمر، وهو من فَقِهَ - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - فقهًا: إذا أَدرَكَ وفَهِمَ شيئًا، فأُدغمت هاء يفقه في الهاء التي بعدها؛ لأن كلَّ حرفَين متماثلَين أولهما ساكنٌ فإدغامُ الأول في الثاني لازمٌ.

قوله: "قال بعضهم: إنه نائم"؛ يعني: قال بعض الملائكة: إنه نائمٌ، وإذا كان نائمًا كيف يفقه ما نقول من تفسير المَثَل؟ وقال بعضهم: يفقه؛ لأن قلبَه ليس بنائمٍ.

قوله: قولهم: "فالدارُ الجنةُ، والداعي محمَّدٌ" رسول الله، ذَكَرَ في المَثَل أربعةَ أشياءَ: أحدها الدار، والثاني بانيها، والثالث المأدبة، والرابع الداعي.

ص: 242

وذَكَرَ في التفسير شيئَين: الجنة والداعي، ولم يذكر الباقيين؛ لتقدُّم ذكرهما؛ يعني: الدار الجنة، والباني: هو الله تعالى، والمأدُبة: طعام الجنة، والداعي: محمد رسول الله، فمَن أطاعَ محمدًا عليه السلام يدخل الجنةَ ويأكل طعامَ الجنة ويرضى الله تعالى عنه.

"ومن عَصَى محمدًا" رسولَ الله يكون بخلاف ذلك.

قوله: "محمدٌ فَرَقَ بين الناس"، (فرَقَ): فعلٌ ماضٍ؛ يعني: محمدٌ ميَّز وفصَل بين الحق والباطل، والكفر والإسلام، والحلال والحرام، وفي بعض النسخ:"فَرْقٌ بين الناس" بسكون الراء وضم القاف، وهو مصدر بمعنى: الفارق.

* * *

106 -

وعن أنَسٍ رضي الله عنه قال: جاءَ ثلاثةُ رهطٍ إلى أَزْواجِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم يسأَلونَ عن عِبادةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلمَّا أُخبِرُوا كأنهم تَقالُّوها، فقالوا: أينَ نحنُ مِنَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقد غفَرَ الله لهُ ما تقدَّمَ مِنْ ذنبهِ وما تأخَّر؟ فقال أحدُهم: أمَّا أنا فأُصلِّي الليلَ أبدًا، وقال الآخر: أنا أصومُ النهارَ ولا أُفطِرْ، وقال الآخر: أنا أَعتزلُ النِّساءَ فلا أَتزوَّجُ أبدًا، فجاءَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم إليهم فقال:"أنتمُ الذين قُلْتمْ كذا وكذا؟ أما والله إنَّي لأَخشاكم للهِ وأَتْقاكُم له، لكنَّي أَصُومُ وأُفطِرْ، وأُصلِّي وأَرقُدْ، وأتزوَّجُ النَّساءَ، فمَنْ رغبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي".

قوله: "جاء ثلاثة رَهْط"، (الرهط): الجماعة ما دون العشرة، (ثلاثة رهط)؛ أي: ثلاثة أَنْفُس، قيل: هم علي وعثمان بن مظعون وعبد الله بن رواحة، جاؤوا "إلى أزواج النبي عليه السلام يسألونهن عن" قَدْرِ "عبادة النبي عليه السلام"، وعن وظائفه من العبادات في كل يوم وليلة؛ حتى يفعلوا مثلَ ما يفعل

ص: 243

النبي عليه السلام.

قوله: "فلما أُخبروا بها كأنهم تقالُّوها"، الضمير في (تقالُّوها) يرجع إلى (العبادة)، و (التقالُّ): وجدان الشيء قليلاً، (تقالُّوها)؛ أي: وجدوا تلك العبادةَ قليلةً، وقد ظنوا أن وظائفَ رسولِ الله عليه السلام من العبادات كثيرةٌ.

قولهم: "أين نحن من النبي"؛ أي: بيننا وبين النبي بُعْدٌ بعيدٌ؛ لأنَّا مُذنِبون، وهو مغفورٌ ذنُوبه، وهو أعزُّ المخلوقات إلى الله تعالى، فإذا كان كذلك فلا يحتاج إلى عبادةٍ كثيرةٍ.

فإن لم يفعل عبادةً كثيرةً لم يكن له بذلك عيبٌ ونقصانٌ، لكنَا نحن مُذنِبون وليس لنا عند الله تعالى قَدْرٌ مِثْل قَدْرِه، فإذا كان كذلك نحتاج إلى عبادةٍ كثيرةٍ؛ فَلْيَزِدْ كلُّ واحدٍ منا على عبادة الرسول عبادةً كثيرةً، وقد حفظوا الأدبَ ولم يَعِيبوا رسولَ الله عليه السلام بقلة عبادته، بل أظهروا عذرَه ولاموا أنفسَهم في مقابلتِهم أنفسَهم بالنبي عليه السلام، وعلموا أن مقابلتَهم أنفسَهم بالنبي عليه السلام كان خطأ؛ فَلْيتعلَّمِ المُريدون والتلامذةُ مجالسةَ المشايخ والأستاذِين من هؤلاء، ولا ينبغي للمُريد أن ينظرَ إلى الشيخ بعين الاحتقار وإن رأى عبادتَه قليلةً، بل لِيُظهِرْ عذرَه وَلْيَلمْ نفسَه إن جرى في خاطره إنكارُ شيخه؛ لأن مَن اعتَرَضَ على شيخه لن يُفلِحَ.

واعلم أن قلةَ وظائف النبي عليه السلام من العبادات إنما كانت رحمةً على أُمته؛ لأنه لو عمل عباداتٍ كثيرةً تجتهد أُمته أن يعملوا مثلَ عمله، وحينئذٍ يلحقهم ضررٌ ومشقةٌ، فلأجل هذا لم يعمل عباداتٍ كثيرةً.

واعلم أنه اختُلف في قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا

ص: 244

تَأَخَّرَ} [الفتح: 2]؛ قيل: ما كان قبل النبوة وما كان بعدها، وقيل: قبل الفتح وبعده.

وقيل فيه أقوالٌ كثيرةٌ يطول ذكرها.

"فقال أحدهم: أمَّا أنا فأُصلِّي الليلَ أبدًا"؛ يعني: أُصلي اللياليَ فلا أَرقد.

"وقال الآخر: أنا أصومُ النهارَ ولا أُفطر"؛ أي: ولا أفطر في النهار، و (الإفطار): الأكل بعد الصوم.

"وقال الآخر: أنا أَعتزلُ النساءَ فلا أتزوَّج"، (الاعتزال): الاجتناب والتباعد؛ يعني: أَتباعَدُ من النساء فلا أنكحُهن أبدًا.

قوله عليه السلام: "أنتم الذين قلتُم كذا وكذا؟ " يعني: أنتم الذين وضع كلُّ واحدٍ منكم على نفسه شيئًا من العبادات على مخالفتي، ولم أكن أمرتُ بها ولم أَفعلْها أنا؟

قوله: "أَمَا والله إني لأَخشاكم لله وأتقاكم له"، (أَمَا) بفتح الهمزة وتخفيف الميم معناه: اعلَمْ، ويستوي فيه المذكر والمؤنث والواحد والتثنية والجمع؛ أي: أشدُّكم خشيةً لله وأتقاكم؛ أي: أشدُّكم تقوًى، و (التقوى): الحذر والاجتناب من معصية الله تعالى؛ يعني: إن وضعتُم هذه العباداتِ على أنفسكم من شدة خشيتكم وتقواكم لله تعالى فإن خشيتي وتقواي أشدُّ، ومع هذا ما وضعتُ على نفسي شيئًا مما وضعتُم على أنفسكم، فلِمَ فعلتُم شيئًا لم يأمركم به الله ولا رسولُه؟! فلا تفعلوا هذا؛ فإن لأنفسكم عليكم حقًّا، وإن لأزواجكم عليكم حقًّا، ويأتي ذكر هذا مستقصًى في حديثٍ آخرَ إن شاء الله تعالى.

قوله: "لكني أَصوم وأُفطر"؛ يعني: أنا لا أفعل كما فعلتم، بل أَصوم وقتًا وأُفطر وقتًا، "وأصلي"، في بعض الليل "وأرقد"؛ أي: أنام في بعضٍ،

ص: 245

"وأتزوَّج النساءَ"؛ لأن الله تعالى خلقَ النساءَ للرجال وركَّب في الرجال والنساء الشهوةَ، كما خلقَ فيهم الاحتياجَ إلى الطعام، فكما أنه لا بد من الطعام فكذلك لا بد للرجال من النساء، والتزوُّجُ مُباحٌ، وهو سبب العبادات؛ لأنه يحصل به دفعُ الزَّنا من الرجال والنساء، ويُؤجَر الرجلُ بما يعطي زوجتَه من النفقة والكسوة، ويُؤجَر أيضًا بمكالمته ومجالسته إياها وتحصيل الأولاد.

والأولادُ عبادُ الله، وأُمَّةُ محمدٍ عليه السلام، ولا شك أن تكثيرَ عبادِ الله تعالى وأُمةِ النبي عليه السلام عبادةٌ، فإذا كان كذلك فلا ينبغي لمَن يحتاج إلى النكاح ويقدر على تحصيل الكسوة والنفقة أن يتركَ التزوُّجَ.

قوله عليه السلام: "فمَن رَغبَ عن سُنتي فليس مني"، رغب عن الشيء: إذا تركَه وأعرضَ عنه؛ يعني: مَن تركَ ما أَمرتُ به من أحكام الدين فرضًا كان أو سُنةً عن الاستخفاف بي وعدم الالتفات إليَّ فليس مني؛ لأنه كافرٌ، وأما مَن تركَ لا عن الاستخفافِ وعدم الالتفات، بل عن الكسلِ لم يكن كافرًا، وعلى هذا قوله:(فليس مني) تكون للزجر والوعيد، ويكون معناه: فليس من المُقتَدِين والعاملين بسُنَّتي.

* * *

107 -

وعن عائشة رضي الله عنها، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"ما بالُ أقوامٍ يتنزَّهُونَ عنِ الشيءِ أصنَعُهُ، فوالله إنَّي لأَعلَمهُمْ بالله، وأشدُّهُم له خَشْيةً".

قوله: "ما بالُ أقوامٍ"؛ أي: ما حالُ أقوامٍ، (ما): للاستفهام بمعنى التوبيخ والإنكار.

ص: 246

(يتنزَّهون)؛ أي: يتباعدون، فيحترزون "عن الشيء": الذي أفعله، الصُّنع: الفعل، "أَصنعُه"؛ أي: أَفعلُه.

قوله: "إني لأَعلمُهم بالله"؛ أي: بعذاب الله وغضبه وعظمته؛ يعني: أنا أفعلُ شيئًا من المباحات مثل النوم والأكل في النهار والتزوج، وقومٌ يحترزون عنه؛ فإن احترزوا عنه لخوف عذاب الله تعالى فإني أعلمُ بقَدْر عذاب الله تعالى، فأنا أَولى أن أَحترِزَ عنه؛ فإذا لم أحترز عنه فاعلموا أنه لا يحصل به عذابُ الله تعالى؛ لأن العذابَ لا يحصل بفعل المباح، وإنما يتعلق بفعل المعصية.

* * *

108 -

وقال رافِع بن خَدِيْج: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنتم أَعلَمُ بأمرِ دُنياكُم، إذا أُمرتُكُم بشيءٍ منْ أَمرِ دينِكُمْ فخُذوا بهِ".

قوله: "أنتم أعلمُ بأمر دنياكم"، سببه: أن رافعَ بن خَديج بن رافعِ بن عدي، وكنية "رافع": أبو عبد الله، قال: لمَّا قدمَ رسولُ الله عليه السلام المدينةَ رأى أهلَ المدينة يُؤبِّرون النخلَ، قال:"ما تصنعون؟ " قالوا: كنا نصنع هكذا أبدًا، قال:"لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرًا"، فتركوا التأبير، فنقصت ثمارُهم، فذكروا لرسول الله عليه السلام أنَّا تركْنا التأبيرَ، ففسد الثمار، فقال رسولُ الله عليه السلام هذا الحديثَ؛ يعني: أنتم أعلمُ بالأمور الدنيوية وأنا أعلم بأمور الدَّين؛ إذا أمرتُكم بشيء من أمور الدين فاقبلوه.

* * *

ص: 247

109 -

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"إنَّما مَثَلي ومَثَلُ ما بَعَثني الله بهِ كمثلِ رجُلٍ أتى قومًا فقال: يا قوم! إنَّي رأيتُ الجيشَ بعَينَيَّ، وإنَّي أنا النَّذيرُ العُريانُ، فالنَّجاءَ النَّجاءَ، فأطاعَهُ طائفةٌ مِنْ قومهِ فأدلَجوا، فانطلَقُوا على مَهَلِهِمْ، فَنَجَوا، وكذَّبتْ طائفةٌ منهم، فأصبحوا مكانَهُمْ فصبَّحَهُمُ الجيشُ فأهلكَهُمْ واجتاحَهُمْ، فذلك مثَلُ من أطاعَني فاتَّبعَ ما جئتُ بِهِ مِنَ الحقِّ، ومَثَلُ مَنْ عصاني وكذَّب بما جئت بهِ مِنَ الحقِّ".

قوله: "إنما مَثَلي

" إلى آخره؛ يعني: أنا مبعوث لأُخوَّفَ الناسَ وأُعلِّمَهم بأن عذابَ الله تعالى نازلٌ على مَن لا يؤمن بي كـ "النذير العُريان"، وهو الذي يرى جيشًا يقصدون قومَه وقَرُبُوا منهم، ويخاف الرجلُ إن أتاهم ليخبرَهم يأتيهم الجيشُ قبلَه، فيقف عن بعيدٍ وينزع ثوبه ويشير إليهم بثوبه، ويناديهم: إن جيشًا قصدوكم وقربوا منكم ففِرُّوا، (النذير) بمعنى: المُنذِر، وهو المُعلِّم مع التخويف.

"فالنَّجاءَ" مصدر بمعنى: الإسراع، ويجوز أن يكون مقصورًا وممدودًا، وتقديره: انجوا نجاءً؛ أي: أسرِعوا الإسراعَ في الفرار، وفي بعض النسخ:"فالنَّجا" مرتين، وفي بعضها مرة واحدة، وفي "شرح السُّنة" وأكثرِ الروايات مرة واحدة.

قوله: "فأطاعه طائفة"؛ أي: فأطاعَ النذيرَ العُريانَ طائفةٌ "من قومه"، فصدَّقوه مرةً واحدةً، ففرُّوا من العدو ونَجَوا، وكذَّبه طائفةٌ فلم يفرُّوا وأقاموا بمكانهم، فأتاهم الجيشُ فأهلكَهم، فكذلك مَن صدَّق النبيَّ عليه السلام وآمَنَ بما يأمر به، فينجو مِن عذاب الله تعالى، ومَن كذَّبه يُخلَّد في نار جهنم.

(الإدلاج): المشي في أول الليل، و (المَهَل) بفتح الميم والهاء: السكون والتأنَّي.

ص: 248

"فأَدلَجُوا على مَهَلهم"؛ أي: فذهبوا في أول الليل على الرِّفق والسكون، "فأصبحوا مكانَهم"؛ أي: دخلوا في وقت الصباح في ذلك المكان، وأقاموا بذلك المكان حتى ظهر الصبح، (الإصباح): الدخول في وقت الصباح.

"فصبَّحهم الجيش" بتشديد الباء؛ أي: أتاهم الجيشُ في وقت الصبح؛ لأن عادةَ الجيش أن يُغِيرُوا في وقت الصبح، (التصبيح): الذهاب في وقت الصباح والدخول في وقت الصباح.

"واجتاحهم"؛ أي: استَأصَلَهم وأَهلَكَهم بالكُلِّية، وهو افتعل؛ من جاحَ يَجُوحُ جَوحًا: إذا قَلَعَ الشجرَ من الأصل.

قوله: "فذلك مَثَلُ مَن أطاعني"؛ أي: مَثَلُ مَن أطاعني كمَثَلِ مَن صدَّقَ النذيرَ العُريانَ، ومَن عصاني كمَن كذَّب النذيرَ العُريانَ.

* * *

110 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَثَلي كمثَلِ رجلٍ استوقدَ نارًا، فلمَّا أضاءتْ ما حولها جعلَ الفَراشُ وهذهِ الدوابُّ التي تقعُ في النَّارِ يقعنَ فيها، وجعلَ يحجُزُهُنَّ، ويغلِبنهُ فيقتَحمنَ فيها، قال: فذلكَ مَثَلي ومَثَلُكم، أنا آخذٌ بحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ: هلُمَّ عنِ النارِ، هلمَّ عنِ النارِ، فتغلِبونني فتقحَّمُون فيها".

قوله: "استَوقَد"؛ أي: أَشعلَ وأَضرَمَ "ما حولها"؛ أي: جوانب تلك النار.

"جعل"؛ أي: طَفِقَ "الفراشُ": شيءٌ يشبه الذبابَ، وعادته أن يُلقي نفسَه في النار إذا رأى ضوءَ النار.

قوله: "وهذه الدوابُّ التي تقع في النار"؛ يعني: الفراش وغيره من

ص: 249

الدوابِّ التي عادتُها إلقاؤُها أنفسَها في النار.

"يَقَعْنَ فيها"، النون ضمير جماعة الإناث، وهي الفراش والدواب التي تقع في النار، والضمير في (فيها) يرجع إلى النار.

قوله: "وجعل يَحجُزُهنَّ"، (وجعل)؛ أي: طَفِقَ ذلك الرجلُ الذي استوقدَ النارَ (يَحجُزُهن)؛ أي: يَمنعُهنَّ ويُبعدهن عن النار حتى لا يَقَعْنَ فيها.

"ويَغْلِبنه"؛ أي: لا يَقْدِرُ ذلك الرجلُ أن يدفعَهن عن النار.

"فيتقحمن"؛ أي: يُلقينَ أنفسَهن بالعنف في النار.

قوله صلى الله عليه وسلم: "فذلك مثلي ومثلكم"؛ يعني: أمنعكم من وصول نار جهنم بأن آمركم بالخيرات وأنهاكم عن المعاصي فلا تقبلون قولي، وتلقون أنفسكم في نار جهنم بمخالفتكم إياي.

قوله: "أنا آخذ بحجزكم عن النار"، الحُجَز بفتح الجيم: جمع حجزة، وهو ما يدخل فيه التِّكَّة من الإزار، ومن أراد أن يأخذ أحدًا بقوة ويبعده عن شيء، يأخذ بحجزته ويجره حتى يبعده عن ذلك الشيء؛ يعني أنا أجرُّكم حتى أبعدكم عن النار.

قوله: "هلم عن النار"، (هلم): له معنيان؛ أحدهما: ائت وتعال، والثاني: ائت به، فالمعنى الأول لازم، والثاني متعد، وهو أمر مخاطب، يستوي فيه المذكر والمؤنث، والواحد والتثنية والجمع، هذا هو الأصح (1).

وقيل: بل يتصرف كما يتصرف، أخرج وغيره من أمر المخاطب، وهو ها هنا لازم؛ أي: أقول لكم: تعالوا وابعدوا عن النار.

قوله: "تقحمون" أصله: (تتقحمون) فحذفت التاء الأولى للتخفيف؛

(1) من هنا بداية سقط في النسخة الخطية المرموز لها بـ "ش".

ص: 250

يعني: تلقون أنفسكم في نار جهنم بفعل المعاصي.

* * *

111 -

وقال صلى الله عليه وسلم: "مثلُ ما بعثَني الله بهِ منَ الهُدَى والعِلْمِ كمثلِ الغَيْثِ الكثيرِ، أصابَ أرضًا، فكانتْ منها طائفةٌ طيِّبةٌ قَبِلتِ الماءَ، فأَنبتتِ الكلأَ والعُشْبَ الكثيرَ، وكانتْ منها أَجادِبُ أَمسكتِ الماءَ، فنفعَ الله بها الناسَ، فشرِبُوا وسَقَوْا وزَرَعوا، وأصابَ منها طائفةً أُخرى إنَّما هيَ قِيعانٌ لا تُمسكُ ماءً ولا تُنبتُ كلأً، فذلكَ مثَلُ مَنْ فَقهَ في دينِ الله ونفعَهُ ما بعثني الله بهِ فعَلِمَ وعَلَّم، ومثَلُ مَنْ لمْ يرفعْ بذلكَ رأْسًا ولم يقبَلْ هُدَى الله الذي أُرسِلْتُ بهِ"، رواه أبو مُوسَى الأَشْعَري رضي الله عنه.

قوله: "كمثل الغيث الكثير"، (الغيث): المطر.

قوله: "فكانت منها طائفة"(من) في (منها) للتبعيض، ومعنى (الطائفة) البعض والجماعة؛ يعني: الأرض إذا أصابها المطر تكون على ثلاثة أقسام:

أحدها: أرض "طيبة" لينة "قبلت الماء"؛ أي: دخل الماء فيها "فأنبتت الكلأ والعشب" وهما الحشيش الرطب، فكذلك أنبتت الرياحين والزرع وغير ذلك مما ينتفع به الناس.

القسم الثاني: الأجادب، وهي جمع:(أجْدَب) بالجيم والدال غير المعجمة، وهي الأرض الصلبة التي تقبل الماء بقدر ما تروى، ثم بعد ريِّها يقف على وجهها الماء.

قوله: "فينفع الله تعالى بها الناس" الضمير في (بها) يرجع إلى (أجادب)؛ يعني: ينتفع الناس من الماء الواقف على وجه تلك الأرض، "فشربوا" منه "وسقوا" دوابهم وزروعهم وأشجارهم، فهذان القسمان من الأرض ينتفع بهما.

ص: 251

وأما الثالث: لا خير، فيه وهو القيعان، والقيعان: جمع قاع، وهي الأرض المستوية التي لا يقف على وجهها الماء، بل يدخل فيها، ولا ينبت منها شيء لكونها سبخة.

قوله: "فذلك مثل من فقه في دين الله تعالى"، (فقه) بضم العين في الماضي والغابر، وبكسرها في الماضي، وفتحها في الغابر: إذا فهم وأدرك الكلام.

اعلم أنه ذكر في تقسيم الأرض ثلاثة أقسام، وفي تقسيم الناس في قبول العلم قسمين:

أحدهما: (من فقه في دين الله تعالى

" إلى آخره.

والثاني: "من لم يرفع بذلك رأسًا"؛ يعني: تكبر "ولم يقبل" الدين، يقال: لم يرفع فلان رأسه بهذا؛ أي: لم يلتفت إليه من غاية تكبره، وإنما ذكر ذلك؛ لأن القسم الأول والثاني من أقسام الأرض كقسم واحد من حيث أنهما ينتفع بهما الناس.

فالحاصل: أن الأرض إذا جاءها المطر قسمان: أحدهما: ينتفع به، والثاني: لا ينتفع به، وكذلك الناس قسمان: أحدهما: من يقبل العلم وأحكام الدين، والثاني: لا يقبلهما، هذا بحث جعل الناس في الحديث قسمين:

أحدهما: ينتفع به والثاني: لا ينتفع به.

وأما في الحقيقة: الناس على ثلاثة أقسام؛ فمنهم من يقبل من العلم بقدر ما يعمل به ولم يبلغ درجة الفتوى والتدريس وإفادة الناس، فهو القسم الأول، ومنهم من يقبل من علم بقدر ما يعمل به ويبلغ أيضًا درجة الفتوى والتدريس وإفادة الناس، فهو القسم الثاني، ومنهم من لا يقبل العلم، فهو القسم الثالث.

وإنما شبه العلم والهدى بالمطر؛ لأن المطر سبب إحياء الأرض، والعلم

ص: 252

والهدى سببان لإحياء القلوب.

* * *

112 -

وقالتْ عائشةُ رضي الله عنها: تلا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} "، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإذا رأيتِ الذينَ يَتَّبعون ما تشابهَ منه، فأولئكَ الذينَ سمَّى الله، فاحذَروهم".

قوله: "وقالت عائشة رضي الله عنها: تلا رسول الله عليه السلام".

"تلا"؛ أي: قرأ: {هُوَ الَّذِي} الضمير راجع إلى ما قبله، وهو قوله:{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 6].

قوله: " {مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} ": (من) للتبعيض؛ أي: بعض القرآن محكم، وبعضه متشابه.

" {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} "، الأم: الأصل؛ أي: الآيات المحكمات أصل الكتاب؛ لأن المحكم هو الذي يعمل به، والمتشابه لا يعمل به، ولكن يؤمن به، فالمحكم يؤمن به ويعمل به، والمتشابه يؤمن به ولا يعمل به، فالذي يؤمن به ويعمل به أصل، والذي يؤمن به فقط فرع له.

قوله: " {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} "؛ أي: وآيات أخر متشابهات، و (أُخرَ): جمع أخرى، و (أخرى) تأنيث (آخر) بفتح الخاء.

واختلف العلماء في المحكم والمتشابه، قال مجاهد: المحكم ما يُعلم معناه، كقوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40]، وكقوله:{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ} [المؤمنون: 12]، والمتشابه: ما لا يعلم معناه، بل اشتبه معناه علينا، بل لا يعلمه إلا الله، كقوله تعالى:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]، {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر: 22]، وما أشبه ذلك.

ص: 253

وقد قيل في المحكم والمتشابه أقوال كثيرة، وهذا القول أقربها وأشبهها بهذا الحديث.

قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} ؛ أي: ميل عن الحق إلى الباطل، {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ}؛ يعني: يبحثون في الآيات المتشابهات {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} ؛ أي: لابتغاء الفتنة، والابتغاء: الطلب؛ أي: لطلب إيقاع الشك والخصومة بين المسلمين {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} ؛ أي: ولابتغاء تأويله، والتأويل ما يؤل إليه المعنى؛ أي: يرجع إليه؛ أي: يبحثون فيه لاستنباط معانيه وكيفيته وحكمه.

{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} قال محيي السنة وهو مؤلف "المصابيح": إن أهل السنة يقفون على قوله تعالى: {إِلَّا اللَّهُ} ، ثم يبتدؤون بقوله:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7]، هذا تفسير الآية.

قوله: "فإذا رأيت الذين": هذا خطاب لعائشة، والمراد: عائشة وجميع المسلمين "فأولئك الذين سمى الله"، (سمى) يقتضي مفعولين، وكلا المفعولين هنا محذوف، وتقديره: فأولئك الذين سماهم الله أهل الزيغ، "فاحذروهم" أيها المسلمون ولا تجالسوهم ولا تكالموهم؛ فإنهم أهل البدعة والضلالة والزيغ.

* * *

113 -

وقال عبد الله بن عمْرو رضي الله عنهما: هجَّرْتُ إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يومًا، فسمعَ صوتَ رَجلينِ اختلفا في آيةٍ، فخرجَ يُعرفُ في وجههِ الغضَبُ، فقال:"إنما هلكَ مَنْ كانَ قبلكُمْ باختلافِهِمْ في الكتابِ".

قوله: "وقال عبد الله بن عمرو: هجَّرت إلى رسول الله عليه السلام"(التهجير): المشي في وقت الهاجرة، وهي نصف النهار ومدة وقت غاية

ص: 254

الحرارة، (هجرت إلى رسول الله)؛ يعني: مشيت قبل الزوال إلى باب رسول الله عليه السلام، أو إلى مسجد رسول الله عليه السلام، وإنما مشى عبد الله في هذا الوقت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليكون حاضرًا في المسجد أو في بابه قبل خروجه حتى إذا خرج عليه لا يفوته شيء مما يصدر عنه من الأفعال والأقوال، وفي فعل عبد الله تحريض الناس على تحمل الحرارة والمشقة والإسراع إلى المسجد وفي طلب العلم.

قوله: "فسمع صوت رجلين"؛ أي: فسمع رسول الله عليه السلام من حجرته صوت رجلين في المسجد، أو في موضع قريب من حجرته.

"اختلفا في آية": أي: تنازعا وتخاصما في آية، واختلافهما في الآية يحتمل أن يكون في آية متشابهة؛ يبحث أحدهما في معناه وينهاه الآخر عنه، ويحتمل أن يختلفا في ألفالظها؛ فيقول أحدهما: لفظها هكذا، ويقول الآخر: بل هكذا، فخرج إليهم رسول الله غضبان، ونهاهم عن الاختلاف في القرآن؛ لأن الاختلاف إن كان في معنى آية متشابهة فلا يجوز؛ لأن الآية المتشابهة يجب الإيمان بها ولا يتعرض لمعناها، وإن كان الاختلاف في ألفاظ القرآن لا يجوز أيضًا؛ لأنه إذا أشكل على قوم لفظ من ألفاظ القرآن أنه كيف هذا اللفظ، وأنه من القرآن أم لا، فلا يجوز التكلم به من تلقاء أنفسهم، بل ليسألوا أهل القرآن عن ذلك اللفظ، فما ثبت عند القراء أنه جاء عن النبي عليه السلام يجب قبوله ولا يجوز الاختلاف فيه، وما لم يثبت أنه جاء عن رسول الله عليه السلام لا يجوز قبوله.

قوله: "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب"؛ يعني: هلك اليهود والنصارى وخابوا وخسروا حين اختلفوا في التوراة والإنجيل، وقال كل واحد منهم مَن شاء مِن تلقاء نفسه من غير علم، ومن غير أن يسأل العلماء عن ذلك.

* * *

ص: 255

114 -

وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ذَرُوني ما تركتُكُمْ، فإنَّما هلكَ مَنْ كان قبلَكُمْ بكثْرةِ سُؤالهمْ واختلافِهِمْ على أنبيائهِمْ، فإذا أمرتُكُمْ بشيءٍ فأْتُوا منهُ ما استطعتُمْ، وإذا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شيءٍ فَدَعُوه"، رواه أبو هريرة رضي الله عنه.

"وقال رسول الله عليه السلام: ذروني".

قوله: "ذروني"؛ أي: اتركوني ولا تسألوني.

"ما تركتكم"؛ أي: ما دمتُ أترككم ولا آمركم بشيء.

و (ذَرْ)؛ أي: اترك، وأصل هذا: وَذَرَ يَذَرُ مثل: وَسَعَ يَسَعُ، والمستعمل منه المستقبل والأمر والنهي، ولا يستعمل منه الماضي والفاعل والمفعول.

قوله: "فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم" وإنما كثرةُ سؤالهم الأنبياء كان سبب الهلاك؛ لأن الأنبياءَ مبعوثون من الله تعالى على الحق، ولا يبعثُ الله أحدًا بالرسالة على الخلق إلا إذا كان أمينًا بمراعاة مصالح أمته، وتعليمهم ما هم محتاجون إليه، ونهيهم عما يضرهم في الدنيا والآخرة، فإذا كان النبيُّ بهذه الصفة فلا تحتاج الأمة أن يكثروا السؤال بين يديه، فإن كثرةَ السؤال من النبي علامةُ سوء ظن الرجل في كون النبي عليه السلام تاركًا لتعليم ما به نجاته، ونهيه عما يضره، فلا شكَّ أن سوء الظن بالنبي عليه السلام مهلك الرجل، بل من شأن الأمة التسليم بين يدي النبي وتقبل ما يأمره النبي عن اعتقاد عظيم فيه، وتسكُتُ إذا سكَتَ النبي عليه السلام، ولْيُعتَقَدُ سكوته وتكلمه عينُ المصلحة.

وكذلك المريد بين يدي الشيخ، فان المشايخ قالوا: مَنْ قال لشيخه: لِمَ؟ لن يفلح؛ لأنه من قال لشيخه: لِمَ قلت هذا؟ أو لم فعلت هذا؟ لن يفلح لأنه ضعيف الاعتقاد في الشيخ، فإذا كان الاعتراضُ على الشيخ سببَ حرمان الرجل

ص: 256

الإفلاح (1)، فما بال مَن اعترض على نبيِّه.

قوله: "واختلافهم على أنبيائهم" معنى (الاختلاف) هنا: الاعتراض؛ أي: واعتراضُهم على أنبيائهم، والشكُّ في أقوالهم.

قوله: "فأتوا منه ما استطعتم"؛ يعني: لا تتركوا أمري عن الجحود، ولكن إذا كان لكم عذر وتركتموه عن العذر، لا يكون عليكم حرج مثل: ترك الصوم بعذر المرض أو السفر ليقضيه بعد زوال العذر، وإذا لم يقدروا على الصلاة، عن القيام فصلوا عن القعود، وإن عجزتم عن القعود فصلوا مضطجعين.

"فدعوه"؛ أي: فاتركوه.

* * *

115 -

وقال: "إنَّ أعظمَ المُسلمينَ في المُسلمينَ جُرْمًا مَنْ سألَ عَنْ شيءٍ لمْ يُحرَّمْ، فَحُرِّمَ من أجلِ مسألتِه"، رواه سعد بن أبي وقَّاص رضي الله عنه.

قوله: (إن أعظم المسلمين

من سأل عن شيء)؛ يعني: من سأل نبيه عن شيء غير محرم، هل هو محرم أو لا؟ فحرم ذلك الشيء لأجل سؤاله.

وكان ذنب هذا السائل أعظم من غيره من المسلمين؛ لأنه كان سببًا لحرمان جميع المسلمين من ذلك الشيء؛ لأنه لو لم يسأل عنه لم يحرم، ولو لم يحرم لانتفع به المسلمون، فكأنه منع المسلمين عن ذلك الشيء، ولا شك أن مَنْ فعل فعلاً يلحق ضرره جميع المسلمين أعظم ذنبًا من الذي فعل فعلاً يلحق

(1) لعلَّ المراد من الكلام الذي ساقه الشارح هنا: أن من اعترض على شيخه اعتراضًا خارجًا عن آداب وسلوك الشرع، أو خالف الشيخَ فيما أجمع عليه العلماء مثلاً، أو سفَّه رأيًا لأحد الأئمة، ونحو هذا = لا يرجى له الفلاح، وقد نقلت كتب التاريخ قصصًا كثيرة في هذا، والله أعلم.

ص: 257

ضرره واحدًا أو جماعة قليلة كالقتل وغيره، وهذا زجر عن كثرة سؤال الأمم النبيين؛ لأنا قد قلنا: إن سؤال الأمم النبيين معصية.

والمنع والزجر عن السؤال مخصوص بزمان نزول القرآن، وأما بعد وفاة النبي عليه السلام، فلا بأس بالسؤال؛ لأنه لا يحرِّمُ حلالاً ولا يحل حرامًا بعد النبي عليه السلام.

وكنية "سعد": أبو إسحاق، واسم أبيه: مالك بن أُهَيْبِ [بن عبد مناف] ابن زُهْرَةَ بن كلاب القرشي، وكنية مالك: أبو وقاص.

* * *

116 -

وقال: "يكونُ في آخرِ الزَّمانِ دجَّالونَ كذَّابونَ، يأْتُونكُمْ مِنَ الأحاديثِ بما لمْ تسمعُوا أنتمْ ولا آباؤُكم، فإيَّاكُمْ وإيَّاهُمْ، لا يُضلُّونكمْ، ولا يفتِنُونَكُمْ"، رواه أبو هريرة رضي الله عنه.

قوله: "يكون في آخر الزمان دَجَّالون"، (دجَّالون) جمع دَجَّال، وهو كثير المَكْرِ والتَلبيس، و (الدجَلُ): التَلبيس؛ يعني: ستكون جماعة يقولون للناس: نحن علماء ومشايخ ندعوكم إلى الدين، وهم كاذبون في ذلك.

"يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم"؛ يعني: يتحدثون بالأحاديث الكاذبة، ويبتدعون أحكامًا باطلة، ويعلمون الناس اعتقادات فاسدة، كالروافض والمعتزلة والجبرية وغيرهم من أهل البدع.

قوله: "فإياكم وإياهم"؛ يعني: فإياكم بأن تحذروهم، وعليكم أن تحترزوا عنهم ولا تقربوهم؛ كيلا يضلوكم ولا يوقعوكم في الفتنة.

* * *

117 -

وقال: "لا تُصدِّقُوا أهلَ الكتابِ ولا تُكذِّبوهم، و {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ

ص: 258

وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} الآية"، رواه أبو هريرة رضي الله عنه.

قوله: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم"؛ يعني: إن تحدث اليهود بشيء من التوراة، أو النصارى بشيء من الإنجيل، وقالوا: في التوراة كذا، وفي الإنجيل كذا = (لا تصدقوهم)؛ يعني: لا تقولوا: إنه حق؛ لأنه يحتمل أن يكون كذبًا، (ولا تكذبوهم)؛ أي: لا تقولوا: إنه كذب؛ لأنه يحتمل أن يكون صدقًا، بل إذا سمعتم منهم شيئًا من هذا فقولوا:" {آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} ".

(الأسباط) جمع سِبْط، يُقال لجماعة ولدوا مِنْ ولدِ من أولاد يعقوب عليهم السلام: سبط، كما يقال لجماعة ولدوا مِنْ ولد مِنْ أولاد إسماعيل عليه السلام: قبيلة.

يعني بهذه الآية في هذا الحديث: أن ما يقول اليهود والنصارى إن كان حقًا آمنّا، لأنا آمنا بجميع الرسل وما أنزل إليهم من الله تعالى، وإن لم يكن حقًا فلا نؤمن به ولا نصدقه أبدًا.

* * *

118 -

وقال: "كفَى بالمَرءِ كَذِبًا أَنْ يُحدِّثَ بكلَّ ما سَمِعَ"، رواه أبو هريرة رضي الله عنه.

قوله: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع"، (كذبًا) منصوب على التمييز، (أن يحدث) فاعل (كفى)، و (بالمرء) مفعوله.

يعني: لو لم يكن للرجل كذبٌ إلا تحدثه بكل ما سمع من غبر تبيُّنِهِ أنه صدق أم كذب = يكفيه وحسبه من الكذب؛ لأن الرجل إذا تحدث بكل ما سمع

ص: 259

لم يخلص من الكذب؛ لأن جميع ما يسمع الرجل لا يكون صدقًا بل يكون بعضه كذبًا، وهذا زجر عن التحدث بشيء لم يعلم صدقه، بل يلزم على الرجل أن يبحث في كلِّ ما سمع من الحكايات والأخبار وخاصة من أحاديث النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فإن علم صدقه يتحدث، وإلا فلا يتحدث به.

* * *

119 -

وقال: "ما مِن نبيٍّ بعثَهُ الله في أُمَّتهِ قبْلي إلَاّ كان لهُ مِن أُمّتهِ حوارِيُّونَ وأصحابٌ يأخذونَ بسنَّتهِ ويقتدُونَ بأمرهِ، ثمَّ إنَّها تخلُفُ منْ بعدِهم خُلوفٌ يقولونَ ما لا يفعلون، ويفعلونَ ما لا يُؤمَرُون، فمنْ جاهدَهُمْ بيدِه فهوَ مؤمنٌ، ومَنْ جاهدَهُمْ بلسانهِ فهوَ مُؤمنٌ، ومَنْ جاهدَهُمْ بقلبهِ فهوَ مُؤمنٌ، ليسَ وراءَ ذلكَ منَ الإِيمانِ حبَّة خَرْدَلٍ"، رواه ابن مَسْعود رضي الله عنه.

وقال: "ما من نبي بعثه الله في أمته".

قوله "في أمته" روي: "في أمة" من غير هاء، وروي:"في أمته" بالهاء، وهذا هو الأصح.

و (الحواريون) جمع حواري، وهو خليل الرجل، وصاحب سره.

"ويقتدُونَ" أصله: يقتدْيُونَ، فنقلت ضمة الياء إلى الدال؛ لسكونها ولسكون الواو، ومعناه: يتَّبِعون.

(خَلَفَ) - بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر - خِلافةً: إذا قام أحد مقام أحد وحفظ أمره، "من بعدهم"؛ أي: من بعد الحواريين والمقتدين لسنة الأنبياء عليهم السلام.

(الخُلُوف) بضم الخاء: جمع خَلْف، بفتح الخاء وسكون اللام، وهو الخليفة السيء، والولد السيء أيضًا.

ص: 260

يعني: لكل نبي أصحاب مختارون صديقون يعملون بفعله وقوله ولا يخالفونه، ثم ذهب أولئك الأصحاب، وأتى بعدهم قوم سوء، وأصحاب شر وفساد، خالفوا وعصوا ذلك النبي، يفعلون ما لا يأمرهم نبيهم، و (يقولون) باللسان مدح أنفسهم، ويقولون: نحن صالحون ومتبعون (1) النبي عليه السلام، ولا يفعلون بما يقولون، بل يفعلون الفساد.

"فمن جاهدهم"، أي: حاربهم وآذاهم "بيده فهو مؤمن" وإن لم يقدر أن يحاربهم بيده فليحاربهم ويؤذيهم "بلسانه" ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، فإن لم يقدر أن يؤذيهم بلسانه مخافة أن يقتلوه أو يؤذوه إيذاءً شديدًا فليحاربهم "بقلبه"؛ أي: فلينكرهم بقلبه، ولكن في قلبه غضب وتحرك من فعلهم القبيح ويقول: لو قدرت لحاربتهم.

قوله: "ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"، (وراء ذلك)؛ أي: غير ذلك، و (ذلك) إشارة إلى جهادهم بالقلب.

يعني: من لم ينكرهم بقلبه بعد العجز عن جهادهم بيده ولسانه، فلم يكن حبة خردل من الإيمان؛ لأن المؤمن ينكر الكفر والعصيان، فمن لم ينكرهما فقد رضي بهما، والرضى بالكفر كفر.

والمراد بهذا الحديث: أنه كما كان لكل نبي حواريون ثم جاء من بعدهم قوم يخالفون ذلك النبي، فكذلك يكون في آخر الزمان من أمتي من يرتد عن الدين، ومن يضع البدعة والضلالة، فإذا وجدتموهم فحاربوهم بما قدرتم من اليد واللسان وإنكارهم بالقلب.

* * *

(1) في "ت" و"ق": "يتبعون"، ولعل الصواب ما أثبت.

ص: 261

120 -

وقال: "لا يَزالُ من أُمَّتي أُمةٌ قائمةٌ بأمرِ الله لا يضرُّهم مَنْ خذلَهُمْ ولا مَنْ خالَفَهُمْ حتى يأْتي أمرُ الله وهم على ذلك"، رواه مُعاوية رضي الله عنه.

قوله: "لا يزال"؛ أي: أبدًا يكون "في (1) أمتي": طائفة قائمون على الدين، ثابتون على أوامر الله تعالى، متباعدون عن المعاصي، آمرون بالمعروف، وناهون عن المنكر، وحافظون أمور الشريعة.

قوله: "لا يضرهم من خذلَهُم ولا مَنْ خالَفَهُم"، (خذل): إذا ترك أحدًا عن المعاونة؛ يعني: لا يتفاوت عندهم إن ترك الناس معاونتهم ولا أن يحاربوهم، بل لو اجتمع أهل الأرض على أن يمنعوهم عن دين الله تعالى، لم يقدروا؛ لأن الله تعالى حافظهم وناصرهم، وهذا إشارة إلى أن وجه الأرض لا يخلو من الصلحاء.

قوله: "حتى يأتي أمر الله"؛ أي: حتى يأتي يوم القيامة.

"معاوية" هنا: معاوية بن أبي سفيان، واسم أبي سفيان: صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مَنَافٍ الأموي، القرشي، وحيث جاء اسم معاوية مطلقًا؛ فاعلم أنه: معاوية بن أبي سفيان.

* * *

121 -

وقال: "لا تزالُ طائفةٌ مِنْ أُمّتِي يُقاتِلُونَ على الحقِّ ظاهرينَ إلى يومِ القيامةِ"، رواه جابر رضي الله عنه.

قوله: وقال: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين"؛ أي: غالبين؛ يعني: أبدًا يكون الجهاد موجودًا، ويكون الثابتون على الحق والمظهرون لدين الله تعالى موجودين "إلى يوم القيامة"، فإن لم يكونوا في بلد يكونوا في بلد أخرى.

* * *

(1) في المتن: "من".

ص: 262

122 -

وقال: "مَنْ دعا إلى هُدًى كان لهُ مِنَ الأجرِ مثلُ أُجورِ منْ تَبِعَهُ، لا ينقُصُ ذلكَ مِنْ أُجورِهِمْ شيئًا، ومَنْ دعا إلى ضلالةٍ كان عليهِ مِنَ الإِثْمِ مثلُ آثامِ مَنْ تبعهُ، ولا ينقصُ ذلكَ مِنْ آثامهِمْ شيئًا".

قوله: "من دعا إلى هدى"، (الهدى): الصراط المستقيم، يعني: من دل جماعة على خير أو عمل صالح، فعمل أولئك الجمع على ذلك الخير، أو عملوا بذلك العمل الصالح = يحصل للذي دلَّهم على الخير من الأجر والثواب مثل ما حصل لكل واحد منهم؛ لأنه كان سبب حصول ذلك الخير منهم، ولولا هو لم يحصل ذلك الخير منهم.

"ولا ينقص من أجرهم شيء" بسبب أن حصل له مثل أجورهم جميعًا؛ لأنه لا يؤخذ من أجورهم ما حصل له، بل أعطاهم الله تعالى وإياه من خزانةِ كَرَمه.

قوله: (لا ينقص) فعل متعد، و (ذلك) فاعله، و (شيئًا) مفعوله، و (ذلك) إشارة إلى حصول الأجر له؛ يعني: حصول الأجر له وإعطاء الله تعالى إياه الأجر لا ينقص من أجورهم شيئًا، وكذلك البحث في دعاء أحد إلى ضلالة.

روى هذا الحديث أبو هريرة.

* * *

123 -

وقال: "بدَأَ الإِسلامُ غريبًا، وسَيعودُ غَريبًا كما بدأَ، فطُوبَى للغُرباءِ".

قوله: "بدأ الإسلام غريبًا" بَدَا يَبْدُو بَدْوَاً: إذا ظهر الغريب البعيد من وطنه وأقاربه، وانتصاب (غريبًا) على الحال؛ يعني: الإسلام حين بَدَا في أول الأمر كان غريبًا ليس من يقبله ويعزه إلا قليلًا.

ص: 263

ويحتمل أن يريد بقوله: (بدأ أهل الإسلام)؛ أي: كان أهل الإسلام في أول الأمر قليلاً، يؤذيهم أقاربهم وغيرهم كالغريب، ثم صار الإسلام قويًا وأهله كثيرًا "وسيعود": الإسلام في آخر الزمان ضعيفًا "غريبًا": كما كان في أول الأمر.

قوله: "فطوبى للغرباء"؛ أي: أعطى الله الطيب والراحة والعزة للغرباء في الآخرة؛ يعني: كون الإسلام وأهله غريبًا، ليس عليهم منقصة بذلك، بل هو سبب عزتهم.

رواه أبو هريرة رضي الله عنه.

* * *

124 -

وقال: "إنَّ الإِيمانَ لَيَأْرِزُ إلى المدينةِ كما تَأْرِزُ الحيَّةُ إلى جُحْرِها".

روى هذه الأحاديث الثلاثة أبو هُريرة رضي الله عنه.

قوله: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة"، من أَرَزَ: - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - أُرُوْزًا: إذا انقبض والتجأ إلى أحد.

يعني: أن الإيمان والدين إذا لم يعزه أحدٌ في سائر البلاد، يلتجئ ويَفِرُّ إلى المدينة، لأنه وطنه، لأن الإسلام ظهر وقوي في المدينة؛ يعني: لو لم يبقَ الإيمان في غير المدينة من البلاد لبقي في المدينة.

قوله: "كما تأرز الحيَّة إلى جُحْرها"؛ يعني: كما تفرُّ الحَيَّة إلى ثُقْبَتِها حين يقصدها (1) أحد بالقتل، (الجُحْرُ): الثُقْبَة.

* * *

(1) في "ت" و"ق": "قصده"، ولعل الصواب ما أثبت.

ص: 264

مِنَ الحِسَان:

125 -

عن رَبيعةَ الجُرَشيِّ رضي الله عنه قال: أُتيَ نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم فقيل له: لِتنَمْ عينُك، ولْتسمَعْ أذُنُك، ولْيَعقِلْ قلْبُك، قال:"فنامتْ عَيْني، وسمعَتْ أُذُني، وَعقَلَ قلْبي، قال: فقيل لي: سيِّدٌ بنى دارًا، فصنَعَ فيها مَأْدُبةً، وأرسلَ داعيًا، فمنْ أجابَ الدَّاعيَ دخلَ الدارَ، وأكلَ من المَأْدُبة، ورضيَ عنهُ السيِّدُ، ومَنْ لمْ يُجبْ الدَّاعيَ لمْ يدخلِ الدَّارَ، ولمْ يأْكل من المأدُبة، وسخِطَ عليه السيِّد، قال: فالله السيِّدُ، ومحمدٌ الداعي، والدارُ الإِسلامُ، والمَأْدبةُ الجنَّة".

قوله: "أُتِيَ نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم" - بضم الهمزة وكسر التاء وفتح الياء - يقال: أَتَيْتُ زيدًا وأُتِيَ زيدٌ؛ أي: أَتَىَ أحدٌ إلى زيدٍ، ومعناه هنا: أتى مَلَكٌ إلى رسول الله عليه السلام، وقال له:"لِتَنَمْ"؛ يعني لتكن عينُكَ وأذنك وقلبك حاضرة، لا تنظر بعينك إلى شيء، ولا تُصْغِ بأذنك إلى شيء، ولا تُخْطِرْ شيئًا في قلبك؛ يعني: كن حاضرًا حضورًا تامًا؛ لتفهم هذا المثل.

فأجابه رسول الله عليه السلام: بأني قد فعلت ما تأمرني، (قال)؛ أي: قال رسول الله عليه السلام: (فقيل لي)؛ أي: قال لي ذلك المَلَكُ، وباقي الحديث معناه ظاهر.

و"ربيعة" اسم أبيه: عمرو الجُرَشي، وهو من أصحاب الشام، وكان يُفَقِّهُ الناس.

* * *

126 -

وعن أبي رافِعٍ رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا أُلفِيَنَّ أحدَكُمْ متَّكِئًا على أَريكتِه، يأْتيه الأمرُ مِنْ أمري مما أَمَرتُ بهِ أو نَهَيتُ عنه، فيقول: لا أَدري، ما وجدنا في كتابِ الله اتَّبعناه".

ص: 265

قوله: "لا ألفِيَنَّ"؛ أي: لا أجِدَنَّ، الإلفاء: الوِجْدَان.

قوله: "متكئًا على أريكته"، (الأريكة): السرير المزين، والمراد من (متكئًا على أريكته): التكبر والسلطنة.

"مما أمرت به" بدل من "أمري" بتكرير العامل.

قوله: "لا أدري"؛ يعني: يقول: لا أدري غير القرآن، ولا أَتَّبِعُ غير القرآن، "فما وجدنا في القرآن اتبعناه".

يعني: لا يجوز لأحد أن يتكبر ويعرض عن أحاديثي، ولا يقبلها، ولا يعمل بها، فمن لم يقبل قولي، فكأنه لم يقبل القرآن؛ لأن الله تعالى قال:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]، وقال تعالى أيضًا:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النساء: 59]، فطاعة الرسول فرضٌ، ومن عصاهُ فقد عصى الله.

و"أبو رافع" مولى النبي عليه السلام، اختلف في اسمه، فقيل: إبراهيم، وقيل: أسلم، وقيل: هرمز، وقيل: ثابت، وكان قبطيًا.

* * *

127 -

عن المِقْدام بن مَعْدِيْ كَرِب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَلا إِنِّي أُوتيتُ القرآنَ ومثْلَهُ معهُ، لا يُوشكُ رجلٌ شَبْعانُ على أريكتِه يقول: عليكم بهذا القرآن، فما وجدتُم فيه مِنْ حلالٍ فأَحِلُّوه، وما وجدتُمْ فيهِ مِنْ حرامٍ فحرِّمُوه، وإنَّ ما حرَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرَّم الله، ألا لا يحلُّ لكم الحمارُ الأهليُّ، ولا كلُّ ذي نابٍ من السِّباع، ولا لُقَطَةُ مُعاهِدٍ إلَاّ أن يستغنيَ عنها صاحبُها، ومَنْ نزلَ بقومٍ فعليهم أن يَقْرُوه، فإنْ لم يَقْرُوه فله أنْ يُعقِبَهُمْ بمثْلِ قِراه".

ص: 266

قوله: "أوتيت القرآن ومثله معه"؛ يعني: آتاني الله القرآنَ، ومِثلَ القرآن مع القرآن، ومعنى (مثل القرآن) في وجوب القَبول والعمل به.

يعني: كما يجب العمل بالقرآن، فكذلك يجب بأحاديثي؛ لأني لا أتكلم من تلقاء نفسي، بل مما أتاني الله وأمرني به، قال الله تعالى:{وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 - 4].

واعلم أن ما آتى الله رسولَه غير القرآن على أنواع:

أحدها: ما آتاه ليلة المعراج من غير واسطة مَلَكٍ.

والثاني: ما ألهمه.

والثالث: ما رآه في المنام.

والرابع: ما ينفثُ جبريل عليه السلام في رُوْعِه.

والنَّفْثُ: النَّفْخُ، الرُّوع: القلب، كما قال عليه السلام:"إنَّ جبريلَ نَفَثَ في رُوعي".

ويحتمل أن يريد بقوله: و (مثله معه) القَدْر؛ يعني: أوتيتُ القرآن، وأتيتُ أيضًا بقَدْرِ القرآن.

قوله: إلا يُوْشِكُ رجلٌ شبعانٌ

" إلى آخره، أوشَكَ يُوشِكُ: إذا قَرُبَ، (شبعان) عبارةٌ عن السَّلطنة والبطر والتكبر.

يعني: سيحدث رجال متكبرون معرضون عن أحاديثي، يقولون لأصحابهم: عليكم بهذا القرآن؛ يعني: الزموا القرآن، واعملوا به، ولا تعملوا بغير القرآن، وهذا كفر؛ لأن تركَ أمْرِ رسول الله عليه السلام كترْكِ أمر الله.

قوله: "وإنما حرَّم رسول الله عليه السلام كما حرَّم الله تعالى"؛ يعني: حرم رسول الله عليه السلام في غير القرآن بأمر الله كما حرم الله تعالى في القرآن.

ص: 267

قوله: "ألا لا يحلُّ لكم الحمار الأهلي"، (الحمار الأهلي): الحمار الذي يكون في البلد، وهذا احتراز عن الحمار البرِّي، فإنه حلال.

يعني: وإنَّ مما حرَّمَ رسولُ الله عليه السلام وليس في القرآن تحريمَ الحمار الأهلي.

ومنه تحريمُهُ عليه السلام "كلِّ ذي نَابٍ من السِّباع"، (الناب): السِّن؛ يعني: لا يحلُّ كلُّ سبْعٍ يصطاد ويتقوى بسنِّه في الاصطياد، كالأسد والذئب والفهد وغيرها.

قوله: "ولا لُقَطَةُ معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها".

اللَّقْطُ (1): ما يُلتقط من الأرض، واللُّقَطَةُ: ما يوجد في الأرض من مال سَقَطَ وضَاع من صاحبه.

(المعاهد): الكافر الذي جرى بين المسلمين وبينه عهد من ذمِّي أو كافر حربي دخل في دار الإسلام بأَمَان في تجارة أو رسالة، لا يحلُّ مالُ واحدٍ منهم، ولو وُجِدَ مال لواحد منهم في صحراء أو طريق أو بموضع آخر لا يجوزُ أكلُه إلا بعد التعريف سنة، فإذا لم يأتِ صاحبها بعد التعريفِ سنة، فحينئذ يجوز أكله.

قوله: "إلا أن يستغني عنها صاحبها"؛ يعني: أن تكون اللقطة شيئًا حقيرًا لا يلتفت إليه صاحبه، ولا يطلبه، كمسواك وعصا وغيرهما.

قوله: "ومن نزل بقوم فعليهم أن يَقْرُوه"، قَرى يَقْرِي: إذا أضاف أحدًا، و (يَقْرُوه) أصله: يَقْريُوه، فنقلت ضمة الياء إلى الراء وحذفت لسكونها وسكون واو الجمع.

وكلمة (على) للوجوب، وهذا كان في بُدُوِّ الإسلام، كان رسول الله عليه

(1) في "ت" و"ق": "اللقطة".

ص: 268

السلام يبعثُ الجيوش إلى الغزو، وكانوا يمرون في طريقهم بأحياء العرب، وليس هناك سوقٌ يشترون الطعام، وربما لا يكون معهم زاد، فَغَلَّظَ النبي صلى الله عليه وسلم ضيافَتهم على أحياء العرب، وأوجب عليهم ضيافتهم، لأنه لو لم يوجب عليهم ضيافتهم، ربما لا يضيفونهم، ولو لم يضيفوهم، لم يقدروا على الغزو، فلأجل أن لا ينقطعَ الغزوُ أوجبَ الضيافة على الذين يمرُّ عليهم الجيش، فلما قَوِيَ الإسلامُ وغلب على المسلمين الشفقة والرحمة لمن يمرُّ بهم بإطعامهم الطعام، والإحسان عليهم من تطوع أنفسهم، فَنُسِخَ وجوبُ الضيافة.

وقيل: قوله: "ومن نزل بقوم فعليهم أن يَقْرُوه" هذا (1) في حقِّ المضطر، وهو الذي لا يقدر على الذهاب من غاية الجوع، ولو لم يقروه يموت من الجوع أو يلحقه ضرر شديد، فإطعامهم إياه من الطعام بِقَدْرِ ما يسدُّ به الرَّمَق واجب عليهم، فعلى هذا لا يكون هذا الحكم منسوخًا.

قوله: "فله أن يُعَقِّبَهُمْ بمثلِ قَراه" أَعْقَبَ يُعْقِبُ: إذا جازى أحدًا بفعله.

(القِرى) بكسر القاف وبالقصر: الضيافة؛ يعني: للضيف أن يأخذ من الذين نزل بهم بقدر ضيافته قهرًا أو بالخفية، وبأي وجه يُقدر فهذا الحكم منسوخ على التأويل الأول، وليس بمنسوخ على التأويل الثاني.

وجَدُّ "المِقدام": عبد الله بن عمرو بن عُصْم.

* * *

128 -

عن العِرْباض بن سَاريَة رضي الله عنه قال: قام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أيحسِبُ أحدُكُمْ مُتكئًا على أريكتِه يظنُّ أنَّ الله لمْ يُحرِّمْ شيئًا إلَاّ ما في هذا القرآن، ألا وإنِّي والله قد أَمَرْتُ، ووعَظتُ، ونَهيتُ عن أشياءَ، إنَّها لمثْلُ القرآنِ

(1) في "ت" و"ق": "وهذا".

ص: 269

أو أكثر، وإنَّ الله لم يُحِلَّ لكم أنْ تدخلُوا بُيوتَ أهلِ الكتابِ إلا بإذنٍ، ولا ضَرْبَ نسائهمْ، ولا أَكْلَ ثمارهمْ إذا أعطَوكُمُ الذي عليهم".

قوله: "قام رسول الله عليه السلام"؛ أي: خطب رسول الله.

"أيحسب"؛ أي: يظن "أحدكم".

قوله: "إنها لمثل القرآن"؛ أي: بقَدر القرآن "أو أكثر"، فإن قيل:(أو) للشكِّ، وكيف يكون الشك لرسول الله عليه السلام؟

قلنا: كان رسول الله عليه السلام يزيد علمه وإلهامه من قبل الله تعالى ومكاشفاته لحظة فلحظة، فإذا كان كذلك كان عليه السلام كوشف أن ما آتاه الله من الأحكام غير القرآن أنها بقدر القرآن، ثم آتاه الله تعالى الزيادة متصلًا بها قبله.

قوله: "وأن الله لا يحلُّ لكم"؛ يعني: وإن مما آتاني الله وليس في القرآن أنه لا يحل لكم "أن تدخلوا بيوت أهل الكتاب إلا بإذن"؛ يعني: إلا أن يأذنوا لكم بالطوع والرغبة، كما لا يحل لكم أن تدخلوا بيوت المسلمين بغير إذنهم، والمراد بأهل الكتاب هنا: أهل الذمة، وهم الذين قبلوا الجزية.

قوله: "ولا ضرب نسائهم" يحتمل أن يريد بالضرب هنا: هو الضرب المعروف بالخشب؛ يعني: لا يجوز أن تضربوا نسائهم، وتأخذوا منهم طعامًا أو غيره من الأموال بالقهر.

ويحتمل أن يريد بالضرب: المجامعة؛ يعني: لا تظنوا أن نساء أهل الذمة محللات لكم كنساء أهل الحرب، بل نساء أهل الذمة محرمات عليكم.

قوله: "إذا أعطوكم الذي عليهم"؛ يعني: إذا أعطوكم الجزية لا يحل لكم أن تدخلوا بيوتهم، ولا يحل ضرب نسائهم، ولا أكل ثمارهم، أما إذا لم يعطوكم الجزية وأبوا عنها بطلت ذمتهم وحل دمهم ومالهم، وصاروا كأهل

ص: 270

الحرب في قولٍ، وفي قولٍ: إذا أبوا عن الجزية أُخرجوا من دار السَّلام إلى دار الحرب، ثم يغزوهم المسلمون كأهل الحرب.

كنية "العِرْبَاض": أبو نَجِيح السُّلَمِي، وهو من أهل الصفة.

* * *

129 -

وعن العِرْباض بن سَارِيَة قال: وعظَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم موعظةً بليغةً ذرفتْ منها العُيونُ، ووجِلَتْ منها القُلُوبُ، فقالَ قائلٌ: يا رسول الله!؛ كأنَّ هذه مَوعظةُ مُودِّعٍ فأوصِنا، فقال:"أُوصيكُم بتقوَى الله والسَّمْعِ والطاعةِ وإنْ كان عبدًا حبَشيًا، فإنهُ مَنْ يعِشْ منكُمْ بعدي فسَيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنَّتي وسنَّةِ الخلفاءِ الراشدينَ المهديِّينَ، تمسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكُمْ ومُحدَثاتِ الأُمورِ، فإن كُلَّ محدثةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعةٍ ضَلالةٌ".

قوله: "وعظنا رسول الله عليه السلام موعظة بليغة"؛ أي: تامة "ذرفت منها العيون"، ذَرَفَ - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - ذَرْفَاً وتَذْرَافًا: إذا جرى الدمع من عيون الحاضرين من خوف تلك الموعظة.

"وَجِلَتْ"؛ أي: خافت.

قوله: "كأنها موعظة مودع"، (المودع) اسم فاعل من التوديع؛ يعني: وعظتنا موعظةً تامَّة كأَّنك تودعنا، "فأوصنا"؛ أي: فَمُرْنَا بما فيه رشادنا وصلاحنا بعد وفاتك.

"بتقوى الله"؛ أي: بمخافة الله تعالى والحذر من عصيانه.

قوله: "والسمع والطاعة"؛ يعني: أوصيكم بسمع كلام الخليفة والأئمة وطاعتهم، "وإن كان عبدًا حبشيًا" لا يجوزُ أن يكونَ الخليفةُ عَبدًا، ولكن المراد من العبد هنا: مَنْ جعلَهُ الخليفةُ حاكمًا على قوم في كل بلد.

ص: 271

يعني: اقبلوا قولَ الخليفة ونوابه وأطيعوهم، وإن كان من جعل الخليفة واليًا عليكم عبدًا حبشيًا؛ لأن طاعة نائب الخليفة كطاعة الخليفة، وطاعة الخليفة طاعة الرسول، وطاعة الرسول طاعة الله تعالى.

قوله: "فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا"، (مَنْ يَعِشْ) أصله: يَعِيْش، فنقلت كسرة الياء إلى العين وحذفت لسكونها وسكون الشين؛ يعني: ستظهر الفتن بعدي واختلاف الملل، كل طائفة تدعي اعتقادًا غير اعتقاد أهل السنة، وستظهر محاربةٌ كثيرة بين الناس، فكونوا مطيعين للخليفة ونوَّابه، ومتبعين ما عليه جماعة أهل السنة من الاعتقاد.

قوله: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين"، (المهدي) مفعول مِن: هَدَى يَهْدِي هِدَايَةً: إذا دلَّهُ على الطريق المستقيم، والمراد بالخلفاء الراشدين: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضوان الله عليهم أجمعين، وليس مراده عليه السلام من هذا الكلام: أنه لا يكون خليفة غير هذه الأربعة، بل يكون الخليفة موجودًا واحدًا بعد واحد إلى قرب القيامة، وإنما مراده عليه السلام بهذا: تفضيل هذه الأربعة على غيرهم، وحسن قيامهم على الدين، وحفظهم سُنَّةَ النبي عليه السلام.

يعني: تمسكوا بسنتي وسنة هذه الأربعة، وما اجتمع عليه علماء أهل السنة فهو حق وجب قبوله؛ لأنه هو سنة النبي عليه السلام والخلفاء الراشدين؛ لأنه لا طريق في زماننا إلى معرفة سنة النبي عليه السلام والصحابة إلا بطريق الإجماع، وتتبع كتب الأحاديث الصحيحة.

قوله: "وعضوا عليها بالنواجذ"، (عَضُّوا) أمر مخاطبين من عَضَّ - بكسر العين (1) في الماضي وفتحها في الغابر - عَضَّاً إذا أخذ شيئًا بالسن، والضمير في

(1) أي: قبل إدغام الحرفين، ويقصد بـ (العين) ثاني الحروف.

ص: 272

(عليها) راجعٌ إلى السنة.

(النواجذ) جمع ناجذ، وهي الضاحك من الأسنان، وقيل: الناب، وقيل: آخر الأسنان.

والمراد من هذا اللفظ هنا: شدة ملازمة السُّنَّة؛ لأن من أراد أن يأخذ شيئًا أخذًا شديدًا يأخذه بأسنانه، والمراد منه: الأخذ باليدين وبالأسنان يكون على غاية الشدة.

قوله: "وإياكم ومحدثات الأمور"؛ أي: احذروا أن تتبعوا شيئًا لم يقله النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يكن عليه إجماع أهل السنة.

* * *

130 -

عن عبد الله بن مَسْعود رضي الله عنه قال: خَطَّ لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خَطًّا، ثم قال:"هذا سبيلُ الله"، ثمَّ خطَّ خُطوطًا عن يمينهِ وعن شِمالهِ، وقال:"هذه سُبُلٌّ، على كلِّ سبيلٍ منها شيطانٌ يَدعو إليه"، ثم قرأ:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ} [الأنعام: 153] الآية.

عن عبد الله بن مسعود قوله: "هذا سبيل الله" هذا إشارة إلى أن سبيل الله وسط ليس فيه تقصير ولا إسراف، وسبيل أهل البدع مائل إلى جانب؛ يعني: فيه تقصيرٌ أو غلو مثاله مسألة القدر.

يقول الجَبْرِي: كل ما يجري على العباد فهو بتقدير الله تعالى ولا كسب ولا اختيار للعبد فيه، وهذا مائل عن طريق الحق؛ لأنه يفضي إلى إبطال الكتب والرسل؛ لأنه إذا لم يكن للعبد اختيار يكون مجيء الرسل والكتب عبثًا، وكذلك قول المعتزلة مائل عن طريق الحق؛ لأنهم يجعلون الناس خالقة أفعالها (1)، وحينئذ يكون الناس شركاء الله تعالى.

(1) في "ت" و"ق": "خالق أفعالهم".

ص: 273

وأما قول أهل السنة فهو الطريق المستقيم؛ لأنهم يقولون كل ما يجري على العباد فهو بقضاء الله وقدره، وبأفعال العباد واختيارهم بخلق الله أفعالهم في الوقت الذي قدر الله تعالى أن يفعلوها، فالخالق هو الله تعالى، والمكتسِب هو العبد.

قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]، {مُسْتَقِيمًا} منصوب على الحال، {وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ}؛ أي: ولا تتبعوا السبل التي هي من غير صراطي المستقيم، {فَتَفَرَّقَ بِكُمْ} الباء للتعدية؛ يعني: تفرقكم وتبعدكم عن سبيله؛ أي: عن سبيل الله.

* * *

131 -

عن عبد الله بن عَمْرو رضي الله عنهما، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"لا يؤمنُ أحدُكُمْ حتَّى يكونَ هواهُ تَبَعًا لِمَا جئتُ بهِ".

عن عبد الله بن عمر قوله: "حتى يكونَ هَواهُ"؛ أي: إرادته، هذا اللفظ يحتمل أمرين:

أحدهما: أن يكون معناه: حتى يكون تابعًا مقتديًا "لِمَا جئْتُ به" من الشرع عن الاعتقاد وإرادة النفس، لا عن الإكراه وخوف السيف كالمنافقين، وعلى هذا التأويل يكون قوله:(لا يؤمن أحدكم) نفي أصل الإيمان لا نفي الكَمَال؛ يعني: من كان تابعًا للشرع لا عن إرادة النفس بل لخوف السيف فليس بمؤمن أصلًا.

والأمر الثاني: أن يكون معناه: حتى تكون نفسه مطمئنة بالشرع، ولا تميل نفسه عن أحكام الشرع، وعلى هذا تكون (لا) في (لا يؤمن) لنفي الكمال؛ لا لنفي أصل الإيمان؛ لأن كثيرًا يعتقدون حقيقة الشرع، ويعملون بأحكامه، ولا تطيعهم

ص: 274

أنفسهم، بل يُكْرِهُون أنفسهم على الطاعات، فهؤلاء مؤمنون ولكن ليسوا كاملين، بل الكامل من اطمأنت نفسه بما يأمرها من الطاعات الشديدة، ولا تثقل عليها الطاعات.

* * *

132 -

وقال: "مَنْ أَحيَا سُنَّةً مِنْ سُنَّتي قدْ أُميتَتْ بعدي؛ فإنَّ لهُ منَ الأَجْرِ مثْلُ أُجور مَنْ عملَ بها مِنْ غيرِ أنْ ينقُصَ مِنْ أُجورهِمْ شيئًا، ومنِ ابتدعَ بِدعةَ ضلالةٍ لا يَرضاها الله ورسولُه كان عليهِ من الإِثْمِ مثلُ آثامِ مَنْ عَمِلَ بها لا ينقُصُ ذلكَ منْ أَوزارِهمْ شيئًا"، رواه بلال بن الحارث المُزَنيُّ.

وقال: "مَن أَحيا".

قوله: "قد أُميتَتْ": أي: تُرِكَتْ ولم يُعمل بها؛ يعني: كل سُنَّة من سُنَّتِي خَفيت وتُركت، فمن أظهرها ودعا المسلمين إلى العمل بها فَلَهُ "من الأجر مثل أجور جميع مَنْ عَمِلَ بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا" بل يتمُّ أجور مَنْ عَمِلَ بها من غير أن ينقص، ويُعْطَى الأجر مثل أجورهم.

ومعنى السنة: ما وضعه رسول الله عليه السلام من أحكام الدين، قد يكون فرضًا كزكاة الفطر وغيرها، وقد يكون غير فرض كصلاة العيد وغيرها.

(سَنَّ) - بفتح العين في الماضي وضمها في الغابر - سَنَاً: إذا وضع وأظهر رسمًا، مثل إحياء السنة: أن يتركَ أهلُ بلد الصلاة بالجماعة، أو صلاة العيد، أو قراءة القرآن وتعلمه وتحصيل العلم وما أشبه ذلك، فيأمرهم أحدٌ بذلك، وينصب بينهم إمامًا، ليقيم بهم صلاة الجماعة، وأستاذًا ليعلمهم القرآن والعلم.

قوله: "ومن ابتدع بدعة ضلالة": هذا إشارة إلى أن البدعة نوعان: بدعة حسن، وبدعة سوء، فبدعة الحسن: ما جوزها أئمة المسلمين مثل المنارة؛ فإنها لم

ص: 275

تكن في زمن النبي وما أشبه ذلك، وبدعة السوء: ما أنكره أئمة المسلمين كالبناء على القبور وتجصيصها؛ فإن النبي عليه السلام نهى عن ذلك.

(الآثام): جمع إثم، و (الأوزار): جمع وزر، وهما بمعنى الذنب.

كنية "بلال" أبو عبد الرحمن، واسم جده: عصام بن سعيد بن قرة المزني.

* * *

133 -

وقال: "إنَّ الدِّينَ ليَأْرِزُ إلى الحِجازِ كما تأْرِزُ الحيّةُ إلى جُحْرِها، ولَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ منَ الحجازِ مَعْقِلَ الأُرْوِّيةِ من رأْسِ الجبَلِ، إنَّ الدينَ بدأَ غَريبًا ويرجعُ غَريبًا، فطُوبى للغُرباءِ الذينَ يُصلحونَ ما أفسدَ الناسُ منْ بعدي منْ سُنَّتي"، رواه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عَوْف بن زيد بن مِلْحَةَ عن أبيه، عن جدِّه.

قوله: "إن الدين ليأرز إلى الحجاز"، (يَأْرِزُ)؛ أي: يلتجئ ويجتمع.

(الحجاز): اسم مكة والمدينة وحواليهما من البلاد، سميت هذه البلاد حجازًا لأنها حجزت؛ أي: منعت وفَصَلَتْ بين بلاد نَجْدٍ وبلاد الغَور، والغَوْرُ: المنخفض من الأرض.

(عقل) - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - عقولًا: إذا التجأ إلى أحد أو إلى مكان محفوظ من إيذاء الأعداء.

"الأُرْوِيَّة": الأنثى من المعز الجبلي؛ يعني: إذا ضعف الدين وغلب الكفار على المسلمين يفر الدين من البلاد إلى الحجاز، كما أنه ظهر من الحجاز؛ يعني: يفرُّ أهل الإسلام في آخر الزمان من الكفَّار والدَّجال إلى الحجاز؛ لأنه لا يصل الدَّجال وغلبة الكفار إلى الحجاز، وقد مضى بحث:"بدأ الإسلام غريبًا"، ومثله:"إن الدين بدأ غريبًا".

ص: 276

قوله: "فطوبى للغرباء الذين يُصلحونَ ما أفسدَ الناس من بعدي من سُنَّتي": أراد بـ (الغرباء) هنا: المسلمين، سماهم غرباء؛ لأنهم قليلون في آخر الزمان، والكفار كثير؛ يعني: فطوبى للمسلمين الذين يعملون بسنتي، ويظهرون الدِّين بقدر طاقتهم.

قوله: "ما أفسد الناس"؛ أي: ما أفسد الكفار من الدين.

واعلم أن النُّسخ مختلفة في اسم راوي هذا الحديث، ففي بعض النسخ:"زيد بن مِلْحَة"، وفي بعضها:"كثير بن عبد الله" وكلاهما ليس بصحابي، بل زيد ابن مِلْحَة جاهلي لم يدرك النبي عليه السلام، وكثير بن عبد الله جده صحابي، واسمه: عَمرو بن عَوف، بن زيد، بن مِلْحَة المزني، وعمرو هو الذي يروي هذا الحديث عن رسول الله عليه السلام.

والصواب أن يقال: رواه كثير بن عبد الله بن عَمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده.

* * *

134 -

وقال: "لَيَأْتِيَنَّ على أُمَّتي كما أَتى على بني إسرائيلَ حَذْوَ النَّعْل بالنَّعْلِ حتَّى إنْ كان منهمْ مَنْ أتَى أُمَّهُ علانيةً لكانَ في أُمَّتي منْ يصنَعُ ذلك، وإنَّ بني إسرائيلَ تفرَّقتْ على ثِنتيْنِ وسَبعينَ مِلَّةً، وتفترقُ أمَّتي على ثلاثٍ وسَبعينَ مِلَّةً، كلُّهمْ في النَّارِ إلَاّ مِلَّةً واحدةً"، قالوا: مَنْ هيَ يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليهِ وأصحابي"، رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.

قوله: "لَيَأْتِيَنَّ على أُمَّتي كما أتى على بني إسرائيل"؛ يعني: ليأِتيَنَّ أفعال وأقوال قبيحة على أمتي مثل ما أتى على بني إسرائيل.

ص: 277

قوله: (أمتي) إشارة إلى [أن] الفِرَقَ المبتَدعة كلهم مسلمون.

قوله: "حَذْوَ النَّعْلِ بالنَّعْلِ"، (الحذو): جعل الشيء مثل شيء آخر، و (حَذْوَ النَّعل) منصوب على المصدر؛ أي: حذوا مثل حذو النعل بالنعل، فحذف (حذو) و (مثل) كلاهما، وأقيم (حذو النعل) الذي هو مضاف إليه بمثل مقام (مثل) فنصب؛ يعني: أفعال بعض أمتي في القُبْحِ مثل أفعال بني إسرائيل، كما أن إحدى نعلَي الرِّجْلِ مثل نعل الرِّجْلِ الأخرى.

قوله: "حتى إن كان منهم من أَتى أمَّهُ علانيةً"، (أتى) ها هنا معناه: جامع وزنى.

و"مَنْ يصنعُ ذلك"؛ أي: مَنْ يفعلُ ذلك، (تفرق) و (افترق) هنا معناهما واحد، (الملة) كل فعل أو قول اجتمع عليه جماعة، وقد يكون حقًا كملةِ الإسلام، وهي كما اجتمع عليه أهل الإسلام من الدين، وقد يكون باطلًا كما اجتمع عليه الجبرية والمعتزلة من الأفعال والاعتقاد.

قوله: "كلهم في النار"؛ يعني: كلهم يفعلون ويعتقدون ما هو مُوجِب دخول النار، فإذا فعلوا ما هو مُوجِب دخول النار؛ فإن كان كُفرًا وماتوا عليه، دخلوا النار البتة، ولا يخرجون من النار البتة، وإن لم يكن كفرًا، فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنهم، وإن شاء عذبهم بذلك، ثم يخرجهم ويدخلهم الجنة البتة.

قوله عليه الصلاة والسلام: "ما أنا عليه وأصحابي"؛ يعني: ما أنا وأصحابي عليه من الاعتقاد والقول والفعل فهو حق، وما عداه فهو باطل.

فإن قيل: بأي شيء يُعرف ما عليه النبي عليه السلام وأصحابه رضوان الله عليهم.

قلنا: بالإجماع، فما اجتمع عليه علماء الإسلام فهو حق، وما عداه فهو باطل

ص: 278

(بيان فرق المبتدعة)

اعلم أن أصولهم ستة: الخوارج، والشيعة، والمعتزلة، والجبرية، والمرجئة، والمشبهة.

فالخوارج خمسة عشر فرقًا: النجدات، والأزارقة، والأباضية، والعجاردة، والميمونية، والصفرية، والفضلية، والعَطوية، والقدلية، والبيهسية، والبدعية، والشمراخية، والأخنسية، والحازمية والصلتية، والخوارج كلهم مجتمعة على تكفير علي رضي الله عنه وتكفير من أذنب كبيرة إلا النجدات فإنهم لا يكفرونه وقالوا: الإصرار على الذنب أي ذنب كان كفر.

وأما الشيعة: فاثنان وثلاثون فرقة: الكيسانية، والمختارية، والهاشمية، والبيانية، والرزاميَّة، والزيدية، والجارودية، والسليمانية، والصالحية، والإمامية، والباقرية، والناووسية، والشميطية، والأفطحية، والواقفية، والموسوية، والاثنا عشرية، والسبائية، والكاملية، والغَيلانية، والمغيرية، والمنصورية، والخطابية، والليالية، والهشامية، والنعمانية، والنصيرية، والإسحاقية، والإسماعيلية، والمعمورية، والفضيلية، والمتناسخية.

وأما المعتزلة: فاثنا عشرة فرقة: الواصلية والهذلية، والنظامية، والحديثية، والبشرية، والمردارية، والثمامية، والجاحظية، والكعبية، والجبائية، والحايطية، والخياطية، والمعتزلة يقولون: العباد يخلقون أفعالهم.

وأما الجبرية يقولون: لا كسب للعباد بل كل أفعالهم مخلوقة الله تعالى، وهم ثلاث فرق: الجهمية والنجارية والضرارية.

وأما المرجئة فهم الذين يقولون: الإيمان قول بلا عمل؛ يعني: يقولون: لا يضر مع الإيمان المعصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، وهم خمس فرق: اليونسية والغسانية والصالحية والتومنية والثوبانية.

ص: 279

وأما المشبهة: فهم الذين يشبهون الله تعالى بالمخلوقين في الجسم والحلول بالمكان وهم خمس فرق: الكرامية والمقاتلية والاسمية والهشامية والكلابية.

فهذه أسماء الفرق الاثنين وسبعين وكل واحد من هذه الأسماء منسوب إلى شخص واضع لذلك المذهب، أو إلى قوله، ولكل فرقة منها مذهب منفرد تركن ذكره؛ لأن جميعها مذكور في "كتاب الملل والنحل" تأليف الشهرستاني رحمة الله عليه.

واعلم أن المشهورين من أهل البدعة هؤلاء، لكن لا حصر للأقوال الفاسدة وقائليها، وطريق معرفتك الحق من الباطل أن تقابل ما سمعت من الأقوال بأقوال علماء السنة، فمن كان موافقًا لأقوالهم فهو حق، وما لم يكن موافقًا لأقوالهم فهو باطل.

* * *

135 -

وفي روايةٍ أخرى: "واحدةٌ في الجنَّة، وهي الجماعة، وإنه سيَخرجُ في أُمَّتي قومٌ تَتَجارى بهم تلك الأَهواءُ كما يَتَجارَى الكَلَبُ بصاحبِهِ، لا يبقى منهم عِرْقٌ ولا مَفْصِلٌ إلا دخَله".

قوله: "وفي رواية معاوية"؛ يعني: روى هذا الحديث معاوية بن أبي سفيان كما رواه عبد الله، إلا أن معاوية يقول:"كلهم في النار وواحدة في الجنة" وباقي حديثه كحديث عبد الله، وزاد معاوية:"وإنه سيخرج في أُمتي قوم تتجارى بهم"؛ أي: تدخل فيهم وتجري فيهم "تلك الأهواء"؛ أي: تلك البدع.

(الأهواء): جمع الهوى، وهي ما تشتهيه النفس، والمراد منه ها هنا: البدعة، سميت البدعة بـ (الهوى)؛ لأنه موضوع بهوى نفس الرجل ومراده، وليس موضوعًا من جهة الشرع، وإنما قال:(تلك الأهواء) بلفظ الجمع؛ لأن

ص: 280

لكل قوم من المبتدعين ملة موضوعة توافق هواهم.

قوله: "كما يتجارى الكَلَبُ": أي: كما يجري الكلب "بصاحبه"؛ أي: بمن به الكَلَب.

و (الكَلَبُ)؛ بفتح اللام: قرحة تكون في الإنسان من عَضِّ الكَلْبِ المجنون، وإذا عضَّ الكلب المجنون إنسانًا، يحصل به شبه الجنون، ويتفرق أثره إلى جميع أجزائه، من كَلِبَ - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - كلابًا: إذا صار الكلب مجنونًا.

قوله: "لا يبقى منه عِرْقٌ ولا مَفْصِلٌ إلا دَخَله"؛ يعني: كما يدخل الكلب في جميع أعضاء الرجل، فكذلك البدعة تدخل وتؤثر في جميع أعضاء المبتدع، بحيث لا يقدر أحد أن يزيلها عنه.

* * *

136 -

وقال: "لا تجتمعُ هذه الأُمةُ - أو قال أُمة محمدٍ - على ضَلالةٍ، ويدُ الله على الجَماعةِ، ومَنْ شَذَّ شذَّ في النَّارِ".

قوله: "لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة" هذا دليل على أن إجماع الأمة حق.

و (الإجماع): هو إجماع المسلمين، ولا اعتبار لإجماع العَوامَّ؛ لأن قول العوام لا يكون عن علم، وما لا يكون عن علم لا عبرة به، وإذا لم يكن إجماع العوام معتبرًا يبقى إجماع العلماء.

فالمراد بقوله: (لا تجتمع هذه الأمة على ضلالة): هم العلماء، فإذا لم يكن اجتماع هذه الأمة ضلالة، يكون حقًا لا محالة.

قوله: "ويد الله على الجماعة"، (اليد) هنا: الحفظ والنصرة؛ أي: حفظ الله

ص: 281

ونصرته ورحمته على الجماعة المجتمعين على الدين، يحفظهم من الضلالة والخطأ.

قوله: "ومن شذَّ شذَّ في النار"، شذ - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - شذوذًا: إذا خرج من بين الجماعة وبقي منفردًا وحيدًا، و (من شَذَّ)؛ يعني: من خرج من بين جماعة المسلمين، وتفرد باعتقاد أو قول أو فعل لم تكن عليه جماعة المسلمين.

(شذ في النار)؛ أي: يستحق هو دخول النار دون جماعة المسلمين.

* * *

137 -

ويُروى عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال:"اتَّبعوا السَّوادَ الأعظمَ، فإنه مَنْ شذَّ شذَّ في النَّارِ".

قوله: "اتَّبعوا السَّواد الأعظمَ"؛ (السواد): الجماعة، (الأعظم): أفعل التفضيل؛ يعني: فانظروا في العالم فما عليه الأكثر من علماء المسلمين من الاعتقاد والقول والفعل، فاتبعوهم فيه، فإنه هو الحق، وما عداه باطل.

واعلم: أن ما قلنا من وجوب اتباع إجماع المسلمين فهو في الاعتقاد وأصول الدين كالصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج وغير ذلك.

وأما فروع الدين من مسائل الفقه، كبطلان الوضوء بمس الفرج ولمس النساء، وما أشبه ذلك، لا حاجة فيها إلى إجماع جميع علماء المسلمين، بل كل ما أفتى به عالم مجتهد يجوز العمل به، مثل أبي حنيفة والشافعي ومالك وأحمد والفقهاء السبعة رحمة الله عليهم، وهم فقهاء المدينة: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسَّيب، وسليمان بن يسار، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وعُبيد الله بن عَبد الله ابن عُتبة بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين.

ص: 282

وغيرهم من أهل الاجتهاد، والمجتهد: هو المستقل بأحكام الشرع نصًا واستنباطًا، والنص: هو الكتاب والسنة، والاستنباط: هو الأقيسة، وينبغي أن يكون المفتي: بالغًا، عاقلًا، ورعًا، عالمًا باللغة والنحو (1)، والأحاديث المتعلقة بالأحكام، والناسخ والمنسوخ والصحيح والسقيم، وأن يكون فقيه النفس، عالمًا بالتواريخ، وسير الصحابة، ومذاهب الأئمة، وأصول الفقه، وأحكام الشرع.

روى هذا الحديث "عبد الله بن عباس" رضي الله عنهما.

* * *

138 -

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بنيَّ إنْ قدرْتَ أن تُصبحَ وتمسيَ ليسَ في قلْبكَ غِشٌّ لأِحدٍ فافعلْ"، ثم قال:"يا بني وذلكَ مِنْ سنَّتي، ومَنْ أحبَّ سُنَّتي فقد أحبني، ومَنْ أحبني كانَ معي في الجنَّة"

قوله: "يا بنيَّ" - بضم الباء وفتح النون - تصغير ابن، ويجوز فتح الياء المشددة وكسرها.

"أن تصبح"؛ أي: تدخل في وقت الصَّباح، "وتمسي"؛ أي: تدخل في وقت المساء، والمراد ها هنا: جميع الوقت؛ أي: يمضي عليك الليل إلى الصبح، ويمضي عليك النهار إلى المساء، و"ليس في قَلبِكَ" حقدة وعداوة ومكر "لأحد فافعل"؛ فإن الخلق من الأخلاق المذمومة ليس من سنتي، ومن فعل الأفعال المرضِيَّة، وترك الأخلاق المذمومة، فقد أحيا سنتي؛ أي: فعل فعلي، واقتدى؛ أي: بي.

"ومَنْ أحيا سنتي فقد أحبني، ومن أحبني كان معي في الجنة"، (الغِشُّ):

(1)"والنحو" ليس في "ق".

ص: 283

نقيض النصح، والنصح: إرادة الخير لأحد، و (الغِشُّ): مأخوذ من الغَشَشِ، وهو المَشْرَبُ الكَدِرِ.

* * *

139 -

وقال: "مَنْ تمسَّكَ بسُنَّتي عندَ فَسادِ أُمَّتي فلهُ أجرُ مائة شَهيدٍ"، رواه أبو هريرة.

قوله: "مَنْ تمسَّكَ بسُنَّتي"؛ يعني: من عمل بسنتي وأحيا سنتي في وقت ترك العمل بسنتي وغَلَب الفسق والجهل في الناس، "فله أجرُ مئة شهيد"؛ لأنه يلحقُهُ مشقةٌ في ذلك الوقت بإحياء السُّنة والعمل بها، فهو كالشَّهيد الذي قاتل الكفارَ لإحياء الدِّين حتى قُتِلَ.

* * *

140 -

وعن جابر رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم حين أَتاهُ عمرُ رضي الله عنه فقال: إنَّا نسمَعُ أحاديثَ منْ يهود تُعجِبنا، أَفَتَرى أنْ نكتبَ بعضَها؟ فقال:"أَمُتَهَوِّكُونَ أنتم كما تهوَّكَتِ اليهودُ والنَّصارى؟ لقدْ جئتُكُمْ بها بيضاءَ نقيَّةً، ولوْ كان موسى حيًّا لَما وَسِعَهُ إلَاّ اتِّباعي".

قوله: "تُعجِبنا"؛ أي: تَحْسُنُ عندنا وتصيرُ محبوبنا وتميلُ قلوبنا إليها، و (الإعجاب): صيرورة الشيء محبوبًا عند الرجل، (يهود): غير منصرف لوزن الفعل والتأنيث؛ لأنهم جماعة، فهي بمنزلة القبيلة.

يعني: نسمع من يهود حكايات ومواعظ نحبها؛ أفتأذن لنا أن نكتبها ونقرأها؟

قوله عليه السلام: "أَمُتَهَوِّكُونَ أنتم"، (التَّهَوُّكُ): التحيُّر؛ يعني: أتصيرون

ص: 284

متحيِّرين مترِّددين في ملتكم كما تحيَّرت اليهود؛ لأن طلبَ شيءٍ لم يأمرهم به نبيُّهم دليلٌ على أن الرجل يظن نقصان ما أتى به النبي عليه السلام من الدين، واعتقد أنما أتى به النبي عليه السلام من الدِّين، ناقص قبيح، بل ينبغي أن يعتقد الرجل أنَّ ملةَ نبينا أفضلَ الملل وأكملها، ويحتاج إلى ملتنا جميعُ المِلل ولا يُحتاج إلى مِلَّةٍ أخرى.

قوله عليه السلام: "لقد جئتكم بها بيضاءَ نقيةَ"، (بيضاءَ نقيةَ): منصوبان على الحال، وكلاهما عبارة عن الظهور والصَّفاء والخُلوص عن الشكِّ والشبهة.

يعني: لقد جئتم بالملَّةِ الحنيفية في حال كونها أظهر الملل وأيسرها لا مشقة فيها؛ بخلاف ما كان في دين اليهود من المشقة العظيمة؛ لأن في دينهم أن يخرجوا ربع أموالهم في الزكاة، وأن يقطعوا مواضع النجاسة من الثوب، ولا يجوز غسله، وغير ذلك من العُسْرِ.

قوله: "ولو كان مُوسى حَيَّاً لما وَسِعَهُ إلا اتِّباعي"، (لما وسعه)؛ أي: ما ينبغي له شيء غير اتباعي، ولا بُدَّ له من اتباعي؛ يعني: لو كان موسى حيًا لا يجوز له أن يفعل فعلاً أو يقول قولاً إلا بأمري، فإذا كانت هذه حال موسى، فكيف يجوز لكم أن تطلبوا فائدة مِنْ موسى مع وجودي؟!

* * *

141 -

عن أبي سعيد الخُدريِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "منْ أكلَ طيِّبًا، وعملَ في سُنَّةٍ، وأمِنَ النَّاسُ بوائقَهُ دخلَ الجنَّةَ"، فقال رجلٌ: يا رسولَ الله! إنَّ هذا اليومَ في الناسِ لكثيرٌ، قال:"وسيكونُ في قُرونٍ بَعْدي".

قوله: "من أكل طيِّبًا"؛ أي: مَنْ كان قوتُهُ حلالاً، "وعَمِل في سُنَّة"؛ أي: وعمل كل فعل يفعله وكل قول يقوله على وِفق الشَّرع، والنكرة في (سنة)؛ إما أن تكون النكرة هنا بمعنى المعرفة، أو يكون معناه: عَمِلَ كل عملٍ بسنته؛

ص: 285

أي: بحديث جاء في ذلك العمل.

يعني: يكون مُستمسِكًا في كل عَملٍ بسُنَّة؛ أي: بحديثٍ، كصلاة الضحى فإنها سُنَّة بحديث ورد فيها، وصلاة الوتر بحديث ورد فيها، وكذلك جميع أحكام الشرع، و (السُّنة) ها هنا كل ما قاله أو فعله رسول الله أو رضي به فرضًا كان أو سُنَّة (1).

قوله: "وأَمِنَ النَّاسُ بوائقَهُ"، (البوَائِقُ): جمع بَائِقَةٍ، وهي الدَّاهية والمشقَّة؛ يعني: لا يُوصِلُ إلى أحدٍ ضررًا.

قوله: "إن هذا اليوم في الناس لكثير"؛ يعني: إن هذا الشخص الذي يصفه في زماننا كثير بحمد الله تعالى.

قوله: "فقال رسول الله عليه السلام: وسيكون في قرون بعدي"، (القُرون): جمع قَرْن، وهو أهل عصر؛ يعني: من هو بهذه الصفة يكون في قرون كثيرة بعدي.

يعني: لا أقول مَنْ كان بهذه الصِّفَة، لا يكون إلا في أصحابي، بل يكون في قرونٍ بعدي إلى يوم القيامة مَنْ بهذه الصِّفَة، إلا أنه في زمان الصَّحابة أكثر من زمان التابعين، وفي زمان التابعين أكثر من زمان أتباع التابعين، وكذلك كلُّ قرن هم أبعد من زمان رسول الله عليه السلام يكون الصُّلحاء فيهم أقل ممن قبلهم.

ويحتمل أن يكون معنى قوله: (وسيكون في قرون بعدي): أنَّ مَنْ لم يكن بهذه الصِّفة يظهرُ في قرون بعدي.

* * *

(1) في "ق": "كان فرضًا أو سنة".

ص: 286

142 -

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"إنَّكُمْ في زمانٍ مَنْ تركَ منكمْ عُشْرَ ما أُمِرَ بهِ هلكَ، ثمَّ يأتي زمانٌ مَنْ عملَ منهمْ بعُشْرِ ما أُمِرَ بهِ نَجَا"، غريب.

قوله: "إنكم في زمان

" إلى آخره.

اعلم أن الخوف من الله واجب، ولكن لا يبلغُ خوفُ أحدنا عُشْرَ خوفِ الصَّحابة، ولا إيماننُا عُشْرَ إيمانهم، وكذلك الرَّجاء (1) والتوكل والصبر في مخالفة النفس والجهاد وغير ذلك، نحو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

يعني: إنكم أيُّها الصَّحابة في زمانِ الأمن وعزَّة الإسلام، وتجالسونني، وتسمعون كلامي، وتشاهدون معجزاتي الكثيرة، فلو تركتم شيئًا مما أمرتم به، يكون ذنبُكم أعظم؛ لأنه لا مانع لكم، بل تركتموه عن التقصير.

وأما في آخر الزمان يضعفُ الإسلامُ، ويكثر الظالمون والفساق، ولا يقدر الصالحون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، فإذا عجزوا فهم معذورون، وأما إذا قدروا على قليل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك، وفعلوا ما قدروا = نجَوا وخرجوا عن الإثم، ويكون لهم بذلك درجة عظيمة.

* * *

143 -

عن أبي أُمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ضَلَّ قومٌ بعدَ هُدًى كانوا عليهِ إلا أُوتُوا الجَدَلَ"، ثم قرأَ صلى الله عليه وسلم هذه الآيةَ:{مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ} [الزخرف: 58].

قوله: "كانوا عليه"؛ أي: كانوا على هدى.

(1) في "ت": "الوجل".

ص: 287

"أوتوا"؛ أي: أعطوا، والضمير في (أوتوا) مفعول أقيم مقام الفاعل، و (الجدل): منصوب لأنه المفعول الثاني، الجدل: الخصومة بالباطل.

يعني: كل قومٍ ضلوا عن الهدى، ووقعوا في الكفر، إنما ضلوا بعد أن طفقوا بالخصومة بالباطل مع نبيهم، وطلبوا منه المعجزات للعناد والجحود، لا لطلب تَبَيُن كونه نبيًا ليؤمنوا به بعد ظهور نبوته، بل لإيذائه وإنكار نبوته، فلما أتى النبي عليه السلام بما طلبوا من المعجزة أصرُّوا وداموا على كفرهم.

قوله تعالى: {وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا} [الزخرف: 58]، يعني: ما ضربوا هذا المثل لك يا محمد! وهو قولهم: {وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ} أراد بـ (الآلهة) هنا: الملائكة؛ يعني: الملائكة خيرٌ أَمْ عيسى، فنعبد الملائكة، يعنون الملائكة خير من عيسى، فإذا عبد النَّصارى عيسى فنعبد الملائكة، فقال الله تعالى لنبيه محمد عليه السلام: ما قالوا هذا القول عن دليل وبرهان، ولم يسألوك هذا السؤال لطلب الحق بل لمخاصَمَتِك وإيذائك بالباطل.

وهذا الحديث زجر ونهي للمسلمين عن الجَدَلِ، بل ينبغي للمسلم أن يكون مسلمًا (1) لأمر الله تعالى وأمر رسوله، ويقبل ما أُمر به عن اعتقادٍ صادقٍ من غير اعتراضٍ على الله ورسوله.

* * *

146 -

عن أنس رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يقول: "لا تُشدِّدوا على أنفُسِكُم، فيُشدِّدَ الله عليْكُمْ، فإنَّ قومًا شدَّدوا على أنفُسِهم فشدَّدَ عليهم، فتلْكَ بقاياهُمْ في الصَّوامعِ والدِّيار {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} [الحديد: 27] ".

قوله: "فيشددَ الله تعالى": نصب على أنه جواب النهي؛ يعني: لا تحملوا

(1) في "ت" و"ق": "تسليمًا"، ولعل الصواب ما أثبت.

ص: 288

المشقة العظيمة على أنفسكم في الطاعات كيلا تضعفوا، وحينئذٍ يَفُوتُ عنكم بعض الفرائض والسُّنن المؤكدة وقضاء الحقوق، بل ينبغي للرجل أن يؤدِّي الفرائضَ والسُّنن ثم إنْ قدر يعمل بعض النوافل بحيث لا يلحقه ضرر ومشقة.

وقد جاء في حديث آخر: أنَّ رسول الله عليه السلام قال: "لِيُصَلِّ أحدُكم نشاطَهُ، فإذا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ".

يعني: ليصلِّ أحدُكُم في وقتِ مطاوعة نفسِه وله نشاط، فإذا ضعف وحصل فيه ملالة فليترك الصلاة، وهذا في الصَّلاة النَّافلة، وكذلك الصَّيام وقراءة القرآن.

قوله: "فإنَّ قومًا شدَّدوا على أنفسهم فَشُدِّدَ عليهم"؛ يعني بهم: بني إسرائيل؛ فإن الله تعالى أمرهم أن يذبحوا بقرة، فسألوا عن لونها وسِنِّها وغير ذلك من صفاتها، حتى أمرهم الله تعالى بذبح بقرةٍ على صفةٍ لم توجد بتلك الصفة إلا بقرة واحدة، ولم يبعها صاحبها إلا بِمِلءِ جلدها ذهبًا، ولا بدَّ لهم من شرائها؛ لأن الله تعالى أمرهم بذبح بقرة بتلك الصِّفة، فاشتروها وذبحوها، وهذا التشديد لزمهم بكثرة سؤالهم عن صفة البقرة.

قال بعض المفسرين: إنهم لو ذبحوا بقرةً أيَّ بقرة كانت في أول ما أمرهم الله تعالى، لأجزأت عنهم، ولكن شدَّدوا على أنفسهم بكثرة سؤالهم، فشدَّدَ الله تعالى عليهم.

قوله: "فتلك بقاياهم"، (البَقَايا): جمع بَقِيَّة، فتلك إشارة إلى مؤنث، يفسرها (بقاياهم)؛ يعني: بكثرة سؤالهم بقيَتْ جماعةٌ من بني إسرائيل يشدِّدون على أنفسهم بفعل ما لم يأمرهم الله تعالى، بل من إقامتهم على رؤوس الجبال ومهاجرتهم الناس.

"الصَّوامع": جمع صَومَعَة، وهي موضع عبادة الرهبان، "والدِّيار": جمع دار.

ص: 289

(الرَّهبَانيَّة): عبادة الرُّهْبَان، وهي ما يفعلونها من تلقاء أنفسهم من ترك التلذذ بالأطعمة، وترك التزوج، وترك مخالطة الناس، والتَّوطن على رؤوس الجبال والمواضع البعيدة من العمرانات، وتلك الأشياء وضعوها مِن تلقاء أنفسهم.

"وقوله تعالى: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ} "، (رهبانيَّة): منصوبة بفعل محذوف يفسره {ابْتَدَعُوهَا} ، وتقديره: ابتدعوا رهبانية، فلما حذف (ابتدعوا) قَبْلَ رهبانية، أتى به بعدها، فقال:{وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا} .

ومعنى: (ابتدع) أتى بشيء بديع؛ أي: جديد لم يفعله قبلَه أحدٌ، والضمير في (كتبنا) راجع إلى الله تعالى؛ يعني قال الله تعالى: ما كتبنا الرهبانية، و (الرَّهْبَانيَّة) من الرَّهْبَةِ، وهي الخوف والمبالغة في العبادة.

* * *

144 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نزلَ القرآنُ على خمسةِ وجوهٍ: حلالٍ، وحَرامٍ، ومُحكَمٍ، ومُتشابهٍ، وأَمْثالٍ، فأَحِلُّوا الحَلالَ، وحرِّموا الحَرامَ، واعمَلُوا بالمُحكَم، وآمِنوا بالمُتشابه، واعتبِروا بالأَمثال".

قوله: "نزل القرآن على خمسة وجوه"؛ يعني: بعض القرآن يبين ما هو حلال أكله أو فعله، كقوله تعالى:{كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [الأعراف: 160]، وكقوله تعالى:{قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} [المائدة: 4] الآية.

(الجَوارِحُ): جَمع جَارِحَةٍ، وهي ما تصيد بها كالكلب والفهد؛ يعني: ما أصاد لكم الجَوارِحُ المُعَلَّمَةُ حلالٌ أكله، وكقوله تعالى:{خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31]؛ أي: لباسكم وما أشبهه.

ص: 290

وبعضه يبين ما هو حرام، كقوله تعالى:{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة: 3].

قوله: {وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} ؛ يعني: وما ذبح باسم غير الله، كقول الكفار عند الذبح: باسم الصنم، ومعنى الإهلال: رفعُ الصَّوْتِ.

قوله: {وَالْمُنْخَنِقَةُ} ؛ يعني: ما عُصِرَ حَلْقُهُ حتى يموت، أو بقي حلقه بين خشبتين أو حجرين حتى يموت.

{وَالْمَوْقُوذَةُ} : ما مات بالضرب بالخشب.

{وَالْمُتَرَدِّيَةُ} : ما سقط من جبل وغيره ومات

{وَالنَّطِيحَةُ} : ما مات بالنَّطْحِ، وهو أن تَضْرِبَ شاةٌ شاةً بقرنها.

{وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} ؛ يعني: ما جَرَحُه الكلب أو غيره من السِّباع ومات.

{إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ} ؛ يعني: إلا ما أدْرَكْتُم حياتَهُ، وذبحتُموه، فإنه حلالٌ أكلُهُ، التذكية: الذبح.

{وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ} ، (النُّصُبِ) ما ينصب من الحَجَرِ للعبادة؛ يعني: ما يذبحونه لآلهتهم فهو حرام.

{وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ} معنى (تستقسموا): تطلبوا، (الأزلام): قِداحٌ ثلاثةٌ مكتوبٌ على أحدها: أمرني ربي، وعلى الثاني: نهاني ربي، والثالث غُفْلٌ، لم يُكْتَبْ عليه شيء، كانوا إذا عزموا أمرًا من سفر أو نكاح أو غيرهما، أجالوها في خريطة أو تحت ثوب، ثم أخرجوا منها واحدًا، فإن خرج القِدح الذي مكتوب عليه: أمرني ربي، فعلوا ذلك الفعل الذي عزموه، وإن خرج القدح الذي مكتوب عليه: نهاني ربي، لم يفعلوا ذلك الفعل الذي عزموه، وإن خرج الغُفْلُ، أجالوها مرة أخرى، حتى تخرج قِدح أمرني ربي، أو نهاني ربي.

ص: 291

ووجه تحريم هذا الفعل: أنه شيء لم يأمرْهُمُ الله به، ولأَنْ كتبه: أمرني ربي، أو نهاني ربي على القدح كذبٌ؛ لأن الله لم يأمرهم بذلك.

وبعض القرآن مُحْكَمٌ: وهو ما يُعَلمُ معناه، كقوله تعالى:{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] الآية، وغير ذلك من الأمر والنهي والموعظة، فمن شأن هذا القسم العمل به.

وبعضه متشابه: وهو الذي لا يَعْلَمُ معناه إلا الله، كقوله تعالى:{وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر: 22] وما أشبه ذلك، فمن شأن هذا القسم الإيمان به؛ يعني: نقول: إنه حق، ولكن لا نعلم كيفيته بل نَكِلُ علمه إلى الله.

وبعضه أمثال؛ يعني: قصص الأمم الماضية كقوم نوح وصالح وقوم لوط وغيرهم، فمِنْ شأنِ هذا القِسْمِ: الاعتبار والاحتراز عمَّا فعلوا؛ يعني: لا نفعل مثل ما فعلوا كيلا يصيبنا ما أصابهم من العذاب.

* * *

145 -

وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأَمْرُ ثلاثةٌ: أمرٌ بَيِّنٌ رُشدُه فاتَّبعْهُ، وأَمرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فاجتنِبْهُ، وأمرٌ اختُلِفَ فيه فكِلْه إلى الله عز وجل".

قوله: "إلا من ثلاثة"؛ يعني (الأمر) على ثلاثة أنواع:

أحدها: "بَيِّنٌ"؛ أي: ظاهرٌ "رشدُهُ"؛ أي: صوابُهُ، وكونه حقًا، "فاتَّبعْهُ"، وذلك نحو وجوب الصَّلاة والزكاة والصوم وغير ذلك، مما عُلِمَ كونُهُ فرضًا أو سُنة أو حلالًا بالكتاب أو السُّنة أو الإجماع.

والمراد بالكتاب: القرآن، وبالسُّنة: الحديث.

النوع الثاني: "أمر بَيِّنٌ غَيُّهُ": أي: ضلالته؛ أي: ظاهر كونه ضلالة وباطلًا "فاجتنبه"؛ أي: احترز وابعُدْ عنه، وذلك نحو: بطلان كل دين غير دين

ص: 292

الإسلام، واعتقاد غير اعتقاد أهل السُّنة، ونحو تحريم الخمر والزنا والقتل، وغير ذلك مما عُلِمَ تحريمه بالكتاب أو السُّنة أو الإجماع.

النوع الثالث: أمر غير هذين الأمرين؛ يعني: لم يثبت حَالهُ (1) بنصٍ؛ يعني: ما علِمْتَ كونه حقًا بالنَّص فاعمل به، وما علمتَ كونه باطلًا بالنص فاجتنبه، وما لم يثبُتْ حكمه بالنص، ولم يبين الشرعُ حكمه، فلا تقل فيه شيئًا من نفي أو إثبات، بل فكِلْ علمَهُ إلى الله تعالى، مثل متشابهات القرآن، والعلم بالقيامة؛ يعني: متى تكون القيامة، وكون أطفال الكفار أنهم من أهل الجنة أم من أهل النار، وغير ذلك مما لم يُبينه الشرع.

قوله: "واختُلِفَ فيه" يحتمل أن يكون معناه: اشتبه وخَفِيَ حكمه، ويحتمل أن يكون معناه: اختلَفَ فيه الناسُ من تِلقاء أنفسهم من غير أن يبيِّنَ الله ورسوله حكمه.

"فَكِلْهُ"، (الفاء) للتعقيب، و (كِلْ): أمرٌ مخاطب من: وَكَلَ يَكِلُ اتكالًا (2)، ومعنى (فَكِلْهُ): فَوِّضْ أمرَهُ "إلى الله".

° ° °

(1) في "ت": "حلاله".

(2)

في "ت" و"ق": "لاتكل"، ولعل الصواب ما أثبت.

ص: 293