المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌4 - باب إثبات عذاب القبر - المفاتيح في شرح المصابيح - جـ ١

[مظهر الدين الزيداني]

الفصل: ‌4 - باب إثبات عذاب القبر

90 -

عن ابن مَسْعودٍ رضي الله عنه، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال:"الوائدةُ والمَوؤدةُ في النَّارِ".

قال: "الوائدة والمَوؤدة في النار"، وَأَدَ - بفتح العين في الماضي وكسرها في الغابر - وَأْدًا: إذا جعلَ الولدَ في القبر في حال كونه حيًّا.

وقصة هذا الحديث أن ابني مُلَيْكَةَ أتَيَا رسولَ الله عليه السلام وقالا: إنَّ أُمَّنا وأدتْ بنتًا لها، فقال رسول الله عليه السلام:(الوائدة والموؤدة في النار)؛ يعني: الأُمُّ والبنتُ كلتاهما في النار؛ أما الأمُّ فلأنها كانت كافرةً، وأما البنتُ فيحتمل أنها كانت بالغةً، فيثبت لها حكمُ الكفر، فتكون من أهل النار، ويحتمل أن تكون غيرَ بالغةٍ، ولكن علمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالمعجزة كونَها من أهل النار، ولا يجوز الحكمُ على أطفال الكفار بأن يكونوا من أهل النار بهذا الحديث؛ لأن هذه الواقعة كانت في شخصٍ معينٍ، ولا يجوز إجراءُ حكمِ شخصٍ معينٍ على جميع أطفال الكفار، بل حكمُهم موقوفٌ.

ومُلَيكة هذه يقال لها: مُلَيكة بنت مالك.

* * *

‌4 - باب إِثْبات عَذَاب القَبْر

(باب إثبات عذاب القبر)

مِنَ الصِّحَاحِ:

91 -

عن البَرَاء بن عازِب رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"المُسلم إذا سُئِلَ في القَبْر، يشهدُ أنْ لا إله إلَاّ الله وأنَّ محمدًا رسولُ الله، فذلكَ قوله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} ".

ص: 218

وفي روايةٍ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: " {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ}: نزلَتْ في عذابِ القَبْرِ، إذا قيلَ له: مَنْ رَبُّكَ؟ وما دينُكَ؟ ومن نبيُّكَ؟؛ فيقول: ربِّيَ الله، وديني الإسلامُ، ونبيَّي محمدٌ صلى الله عليه وسلم".

قوله: "المسلمُ إذا سئل في القبر

" إلى آخره.

اعلم أن الميتَ إذا وُضع في القبر تُنفَخ فيه الروح، ويُقعد حيًّا كما كان في الدنيا قاعدًا، وأتاه مَلَكانِ من عند الله تعالى، فيَسألانِه عن ربَّه وعن نبيَّه وعن دِينه، فإن كان مسلمًا أزالَ الله تعالى الخوفَ عنه، وأثبتَ لسانَه في جوابهما، فيجيبهما عما يسألانه، وأما الكافرُ فغلبَ عليه الخوفُ، ولا يقدر على جوابهما فيكون مُعذَّبًا في القبر.

قوله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ} ؛ أي: يُجري الله تعالى لسانَ المسلمين {بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} : وهو كلمة الشهادة، ويديمهم على الحق ما داموا في الدنيا.

قوله: {وَفِي الْآخِرَةِ} ؛ يعني: في القبر أيضًا يُجري لسانَهم بكلمة الشهادة ليُجيبوا المَلَكَينِ، وليس المراد من (الآخرة) ها هنا: يوم القيامة؛ لأن قولَ كلمة الشهادة لا ينفع يومَ القيامة، بل المراد منه: القبر.

كنية "البراء": أبو عُمارة، واسم جده: حارثة بن عدي بن جُشَم بن مجدعة، وهو أنصاري.

قوله: "يثبت الله

" إلى آخره؛ يعني: نَزلت هذه الآيةُ في حق المؤمنين، في جوابِهم المُنكَرَ والنكيرَ في القبر؛ يعني: يسَّرَ الله تعالى عليهم جوابَ المُنكَرِ والنكيرِ في القبر كما يسَّرَ عليهم قولَ كلمتَي الشهادة في الدنيا والعملَ الصالحَ.

* * *

92 -

وعن أنسٍ رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ العبْدَ إذا وُضِعَ في قَبْرِه،

ص: 219

وتولَّى عنه أصحابُهُ، وإنَّه ليسمَعُ قَرْعَ نِعالِهِم= أتاهُ مَلَكانِ، فيُقعدانه، فيقولانِ: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ؟ - لمحمدٍ -، فأمَّا المؤمنُ فيقولُ: أشهدُ أنَّه عَبدُ الله ورسولهُ، فيقال له: انظُرْ إلى مَقْعدِكَ مِنَ النَّارِ، قد أبدلَكَ الله بهِ مَقْعدًا من الجنَّةِ، فيراهُمَا جميعًا، وأما المُنافِقُ والكافِرُ فيُقالُ له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ؟ فيقول:

لا أَدري، كنتُ أقولُ ما يقولُ الناسُ، فيُقالُ له: لا دَرَيتَ ولا تَلَيتَ، ويُضربُ بمِطْرقةٍ من حديدٍ ضربةً، فيصيحُ صَيْحةً يسمعُها مَنْ يليهِ غيرَ الثقلَيْنِ".

قوله: "تولَّى"؛ أي: أَدبَرَ وأَعرَضَ.

(القَرع): الدَّقُّ؛ يعني: إذا رجعَ أصحابُه عن المَقبرة وتوجَّهوا إلى أوطانهم دخلَ المَلَكانِ عليه في تلك الساعة قبل أن يمضيَ زمانٌ بعيدٌ، بل يسمع الميتُ صوتَ نعالِ أصحابه في رجوعهم على رأس قبره حين أتاه المَلَكانِ.

"يُقْعِدانه" بضم الياء وكسر العين: مضارع معروف من أَقعَدَ: إذا أَجلَسَ أحدًا عن الاضطجاع.

قوله: "ما كنت تقول" - (ما): للاستفهام - "في هذا الرجل": الذي بُعِثَ عليكم بالنبوَّة، هل كنت اعتقدتَ وأقررتَ بأنه نبي أم لا؟

قوله: "لمحمد": عطفُ بيانٍ للرجل، أو بدل منه.

قوله: "فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار فقد أَبدلَك الله

" إلى آخره؛ يعني: لكلَّ واحدٍ من المؤمنين والكافرين مَنزلانِ؛ منزلٌ في الجنة ومنزلٌ في النار، أما المؤمنُ فيرى أولاً منزله من النار، فيقال له: هذا منزلُك لو لم تكن مؤمنًا ولم تُجِبِ المُنكَرَ والنكيرَ، فإذا كنتَ مؤمنًا وأجبتَهما فقد بدلَّ الله لك المَنزلَ من النار إلى منزلِ من الجنة، فيراهما جميعًا؛ ليزدادَ فرحُه، ويعرفَ نعمةَ الله عليه بتخليصه من النار وإعطائه الجنةَ، وأما الكافر فيقال له: هذا منزلُك

ص: 220

من الجنة لو كنتَ مسلمًا، فلما كنتَ كافرًا أبدلَك الله تعالى مَنزلَك من الجنة إلى منزلك من النار، فيراهما جميعًا؛ لتزدادَ حسرتُهُ وغَمُّه على فَوت الجنة منه وحصولِ النار له.

قوله: "فيقول: لا أدري"؛ يعني: لا أدري على الحقيقة أنه نبي أم لا، كنتُ أقولُ في الدنيا كما يقولُ الناسُ، هذا قولُ المنافق؛ لأن المنافقَ يقول في الدنيا: محمد رسول الله؛ دفعًا للسيف عنه لا عن الاعتقاد، فيقول هذا اللفظ في القبر، وأما الكافر لا يقول في القبر شيئًا في حق النبي عليه السلام؛ لأنه لم يقل في الدنيا: محمد رسول الله، ويحتمل أن يقول الكافر أيضًا؛ دفعًا للعذاب عن نفسه في القبر: كنتُ أقولُ في الدنيا كما يقول الناس، والمراد بـ (الناس) ها هنا: المؤمنون.

قوله: "فيقال: لا دَريتَ ولا تَليتَ"، (لا دريت)؛ أي: لا علمتَ ما هو الحق، والصواب:(ولا تليت) أصله: ولا تلوت، من تَلَا يَتلُو: إذا قرأ، فقُلبت الواو ياءً للازدواج، (دريت)؛ يعني: لا تقدر أن تقرأ وتقول ما هو الحق والصواب في القبر؛ لأنك لستَ اتبعتَ الحقَّ في الدنيا، ومَن لم يتبع الحقَّ في الدنيا لم يَجْرِ لسانُه بالحق والصواب، وقد قيل في (ولا تليت): إنه تصحيف، وقيل: مكان هذا ألفاظ أُخَر، وأعرضنا عن ذكرها لأن في أكثر الروايات وفي جميع نسخ "المصابيح": و (لا تليت)، فاختصرنا بهذا.

(المِطْرَقة): الشيء الذي يُضرَب به الحديد، الطَّرق: الضرب، والمِطْرَقة: آلة الضرب.

"فيصيح"؛ أي: يُصوِّت ويرفع صوته بالبكاء من تلك الضربة.

"يسمعها"؛ أي: يسمع تلك الصيحةَ والبكاءَ "مَن يليه"؛ أي: مَن يَقرَبُه من الحيوانات "غيرَ الثقلَينِ"؛ أي: غيرَ الجن والإنس فإنهم لا يسمعون صوتَه؛ لأنهم

ص: 221

مكلَّفون بالإيمان بالغيب، والغيبُ ما لم يَرَوه من أحوال القبر والقيامة، ولو سمعوا صوتَ الميت المعذَّب في القبر لصارَ سماعُهم ذلك الصوتَ بمنزلة المعاينة، وحينئذٍ لم يكن الإيمانُ بعذاب القبر إيمانًا بالغيب، بل يكون إيمانًا بالمَرْئِيِّ والمُشاهَد، والإيمانُ بالمَرْئِيِّ ضروريٌّ، والإيمانُ الضروريُّ ليس مُوجِبًا للثواب، وكذلك الإيمانُ عند طلوع الشمس من المغرب غيرُ مقبولٍ، وكذلك إيمانُ الكفارِ في القبر والقيامة غيرُ مقبولٍ.

* * *

93 -

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ أحدَكم إذا ماتَ عُرِضَ عليهِ مَقْعدُهُ بالغَداةِ والعَشيِّ، إنْ كان مِنْ أهلِ الجَنَّةِ فمنْ أهلِ الجنَّةِ، وإنْ كان مِنْ أهلِ النَّارِ فمنْ أهلْ النارِ، فيُقالُ: هذا مَقْعدُكَ حتى يبعثَكَ الله يومَ القيامَةِ".

قوله: "إن كان مِن أهل الجنة فمِن أهل الجنة"؛ يعني: إذا كان الميتُ من أهل الجنة فيُعرَض عليه مقعده بالغداة والعشي من الجنة؛ حتى يفرحَ ويجدَ لذةً منه.

قوله: "فمن أهل الجنة": تقدير هذا الكلام: فيُعرَض عليه مقعدُه من مقاعد أهل الجنة، وان كان من أهل النار فيُعرَض عليه مقعدُه من مقاعد أهل النار بالغداة والعشي؛ ليزدادَ حسرتُه وحزنُه، وليصيبَه حَرُّه وسمومُه.

* * *

94 -

وعن عائشة رضي الله عنها: أنَّ يهوديةً دخلتْ عليها، فقالت: أعاذكِ الله مِنْ عذابِ القبرِ، فسأَلتْ عائشةُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عنْ عذابِ القَبْرِ، فقال:"نعَمْ، عذابُ القبْرِ حقٌّ"، قالت عائشةُ: فما رأَيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بعدُ

ص: 222

صلَّى صلاةً إلَاّ تعوَّذَ مِنْ عذابِ القبرِ.

قولها: "أعاذَكِ الله"؛ أي: حفظَكِ الله من عذاب القبر، وإنما علمت اليهوديةُ كونَ العذاب في القبر؛ لأنها قرأتْ ذلك في التوراة، أو سمعتْ ذلك ممن قرأ في التوراة.

قوله: "فسألت عائشةُ رضي الله عنها رسولَ الله عليه السلام عن عذاب القبر"؛ يعني: لم تعلم ولم تسمع عائشةُ أن العذابَ يكون لأحدٍ في القبر، ولم تعلم أن اليهوديةَ هل هي صادقةٌ في ذلك أم لا، فسألتْ رسولَ الله عليه السلام عن قول اليهودية ذلك: هل هو حق أم لا؟ ومعنى (الحق) هنا: الصدق.

وقول عائشة رضي الله عنها: "فما رأيتُ رسولَ الله عليه السلام بعدُ صلَّى صلاةً إلا تعوَّذَ من عذاب القبر"، (بعدُ) بضم الدال، تقديره: بعدما سألتُه عن عذاب القبر، حُذف المضاف إليه وبني (بعد) على الضم؛ يعني: عائشة رضي الله عنها لم تسمع رسولَ الله عليه السلام تعوَّذ من عذاب القبر قبل أن سمعتْ عائشة قولَ اليهودية، وبعدما سألتْ رسولَ الله عليه السلام تعوَّذَ من عذاب القبر كانت تسمعُ رسولَ الله عليه السلام يتعوَّذ من عذاب القبر خلفَ كلِّ صلاةٍ؛ ليثبتَ في قلب عائشة رضي الله عنها وغيرها أن عذابَ القبرِ حقٌّ، وليخبرَ بعضُ الصحابة بذلك بعضًا، وليشتهرَ ذلك بين الأُمَّة، فيحتمل أن النبي عليه السلام لم يُوحَ إليه شيءٌ في عذاب القبر قبل أن تسألَه عائشةُ ذلك، فلأجل هذا لم يتعوَّذ من عذاب القبر قبلَ ذلك، فلمَّا سألتْه عائشةُ ذلك أَوحى الله إليه، وأُمر بالتعوُّذ جهرًا ليتعلمَ الناسُ التعوُّذَ من عذاب القبر، ويحتمل أن يكون رسولُ الله عليه السلام يتعوَّذ من عذاب القبر قبلَ أن تسألَه عائشة ذلك، ولكن يتعوَّذ سرًّا، وما سمعتْه عائشةُ، فلما سألتْه عائشةُ ذلك كان عليه السلام يتعوَّذ من عذاب القبر جهرًا؛ لإعلام الناس ذلك، وهذا الاحتمالُ أصوبُ.

* * *

ص: 223

95 -

عن زيد بن ثابت رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أنْ لا تَدافَنُوا لَدَعَوْتُ الله أنْ يُسمِعَكُمْ مِنْ عذابِ القَبْرِ"، ثم قال:"تَعَوَّذوا بالله مِنْ عذابِ النّار"، فقالوا: نعوذُ بالله مِنْ عذابِ النَّار، ثم قال:"تَعوَّذُوا بالله مِنْ عذابِ القبرِ"، قالوا: نعوذُ بالله مِنْ عذابِ القَبْرِ، قال:"تعوَّذُوا بالله مِنْ الفِتَنِ ما ظهرَ منها وما بطَنَ"، قالوا: نعوذُ بالله مِنَ الفِتَنِ ما ظهرَ منها وما بطنَ، قال:"تعوَّذُوا بالله مِنْ فتْنَةِ الدَّجَّالِ"، قالوا: نعوذُ بالله مِنْ فتنَةِ الدَّجالِ.

قوله: "لولا أن لا تَدَافَنُوا" أصله: أن لا تتَدَافَنُوا، فحُذفت التاءُ الأولى التي هي حرفُ المضارعة لثقلِ اجتماعِ التاءَين، والتدافُن: أن يدفنَ بعضُ القوم بعضًا.

قوله: "لَدعوتُ الله أن يسمعَكم من عذاب القبر"، (يُسمعكم) بضم الياء وكسر الميم: مضارع معروف؛ من أسمع: إذا حَمَلَ أحدًا على السماع، وأوصل كلامًا في سمع أحد؛ يعني: إن دعوتُ الله أن يُوصلَ إلى آذانكم أصواتَ المعذَّبين في القبر لَخفتُم من أن يصيبَكم من العذاب ما أصاب الميتَ، ودهشتُم حتى لم تقدروا على دفن الميت من غاية الخوف والدهشة، وتَركتُم الميتَ غيرَ مدفونٍ من عدم قدرتكم على الدفن من الخوف؛ يعني: لولا أني أخافُ أن يلحقَكم هذا الخوفُ والدهشةُ لَدعوتُ الله تعالى أن يُسمعَكم أصواتَ المعذَّبين في القبر، ويحتمل أن يكون معناه: إن سمعتُم صوتَ المعذَّب في القبر لم يدفن واحدٌ منكم أقاربَه؛ من خوف أن يسمعَ الناسُ أصواتَ أقاربه المعذَّبين في القبر، فيلحقه عارٌ وخجلٌ وفضيحةٌ، بل يُلقي مَن مات من أقاربه في الصحاري البعيدة من البلاد؛ وكيلا يسمعَ الناسُ صوتَ عذابه، فيصير مستخجلاً، فلولا أني أخافُ أن تفعلوا بموتاكم هذا الفعلَ لَدعوت الله تعالى أن يُسمعَكم أصواتَ المعذَّبين في القبر.

ص: 224

فإن قيل: معناه: لولا أنكم لو سمعتُم صوتَ المعذَّب في القبر لم تدفنوا أحداً، كيلا يلحقه العذاب في القبر، لأن العذابَ يلحق في القبر، فلولا أنكم ظننتُم كونَ العذاب في القبر وتركتُم الدفنَ لَدعوتُ الله تعالى أن يُسمعَكم عذابَ القبر.

قلنا: هذا التأويل خطأٌ عظيمٌ وظنُّ سوءٍ في حق الصحابة؛ لأن الصحابةَ يعلمون أن الله تعالى قادرٌ على أن يُعذَّبَ الميتَ في القبر وفي وجه الأرض، وكذلك لو غرقَ أحدٌ في الماء أو أكلَه سَبُعٌ لَعذَّبَه الله إن كان مُستحقًا للعذاب في جوف البحر وبطن السَّبعُ وهكذا؛ ليعتقدَ كلُّ مسلمٍ ويعلمَ أن عذابَ الميت بعدَ الموت وقبلَ القيامة - سواءٌ كان في القبر أو غيره - يكون لجميع الكفار وبعض العُصَاة من المسلمين تكفيرًا لِذنوبِ مَن عُذَّبَ من المسلمين.

قوله عليه السلام: "تعوَّذُوا بالله من عذاب النار"، (التعوُّذ): طلب الدفع، (تعوَّذُوا)؛ أي: اطلبوا من الله تعالى أن يدفعَ عنكم عذابَ النار، ويدل هذا على أن لا يجوز لأحدٍ أن يَأمَنَ من عذاب الله، بل يكون كلُّ واحدٍ خائفًا من العذاب باكيًا على الذنوب سائلاً من الله العفوَ والعافيةَ.

قوله: "تعوَّذُوا بالله من الفِتَنِ ما ظهرَ منها وما بطنَ"، (الفتن) جمع: فتنة، وهي الامتحان، ويُستعمل في البلاء والمكروه، و (ما ظهر منها وما بطن)؛ أي: الجَهر والسَّرُّ، وقيل:(ما ظهر): ما يجري على ظاهر الإنسان، و (ما بطن): ما يكون في القلب من الشرك والرياء والحسد وغير ذلك من مذمومات الخواطر، و (بطن) ضد (ظهر).

واسم جدِّ "زيد": الضحَّاك بن زيد بن لَوْذان، وهو أنصاري.

* * *

مِنَ الحِسَان:

96 -

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "إذا قُبِرَ الميِّتُ أتاهُ

ص: 225

ملَكَانِ أسودانِ أزرقان، يُقالُ لأحدهِما: المُنْكَرُ، وللآخرُ: النَّكيرُ، فيقولانِ: ما كُنْتَ تقولُ في هذا الرَّجُلِ؟ فيقولُ: هوَ عبدُ الله ورسولُهُ، أشهدُ أنْ لا إله إلَاّ الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، فيقولان: قَدْ كنَّا نعلمُ أنَّكَ تقولُ هذا، ثمَّ يُفْسَحُ لهُ في قبْرِه سبعونَ ذِراعًا في سَبعين ذِراعًا، ثمّ يُنَوَّرُ لهُ فيهِ، ثمَّ يقال له: نَمْ، فيقول: أَرجِعُ إلى أهلي فأُخْبِرهُمْ؟ فيقولان: نَمْ كنومة العَرُوسِ الذي لا يُوقِظُهُ إلَاّ أحبُّ أهلِهِ إليه، حتى يبعثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذلك، وإنْ كانَ مُنافِقًا قال: سمعتُ الناسَ يقولونَ فقلتُ مِثْلَهُ، لا أَدري، فيقولان: قَدْ كُنَّا نعلمُ أنَّك تقولُ ذلك، فيقولان للأرض: التئِمي عليه، فتلتئمُ عليه، فتختَلِفُ أَضلاعُهُ، فلا يَزالُ فيها مُعذَّبًا حتى يبعَثَهُ الله مِنْ مَضْجَعِهِ ذلك".

قوله: "إذا قُبِرَ الميتُ أتاه مَلَكان

" إلى آخره، (قُبِرَ): ماضٍ مجهول، معناه: وُضِعَ في القبر.

قوله: "أسودانِ أزرقانِ"؛ يعني: لونهما أسود وهما أزرقا العين، ومَن كانت هذه صفتَه يكون خوفُه في قلوب الناس أشدَّ، وإنما يبعثُهما الله تعالى على هذه الصورة ليكونَ خوفُهما على الكفار أشدَّ؛ ليتحيَّروا في الجواب، وأما المؤمنون فلا يخافون منهما مع أن صوتَهما مخوفةٌ، بل يثبت الله ألسنةَ المؤمنين بجوابهما؛ لأن مَن خاف الله تعالى في الدنيا وآمَنَ به وبما أَنزلَ على أنبيائه لم يَخَفْ في القبر منهما.

وهذا الحديث يدل على أنهما بهذه الصورة يأتيانِ الكفارَ والمسلمين والصالحَ والفاسقَ.

"المُنكَر

والنكير": كلاهما ضد المعروف، تقول لمَن تعرفه: معروف، ولمن لا تعرفه: مُنكَر ونكير؛ سُمَّيَا بهذا الاسم لأن الميتَ لم يَعرِفْهما ولم يَرَ مثلَ صورتهما.

ص: 226

و (النكير) فعيل بمعنى مفعول، من نَكِرَ - بكسر العين في الماضي وفتحها في الغابر - نَكَرًا: إذا لم يَعرِف أحدًا، و (المُنكَر) مفعول من (أُنكِر) بمعنى: نكير.

قوله: "في هذا الرجل"؛ أي: في هذا الرجل الذي بُعِثَ عليكم بالنبوَّة.

"قد كنا نعلم أنك تقول هذا"؛ يعني: قد علِمْنا فيك السعادةَ وجوابنا على وجهٍ يحبُّه الله؛ لأنَّا رأينا في وجهك أثرَ السعادة وشعاعَ نور الإيمان.

ويحتمل أن يخبرَهما الله بكونه سعيدًا.

"يُفسَح" بضم الياء وفتح السين؛ أي: يُوسَّع قبرُه، طوله "سبعودن ذراعًا"، وعرضه سبعون ذراعًا.

"ثم يُنوَّر" بضم الياء وفتح الواو؛ أي: يُجعَل في قبره الضياء والنور.

"ثم يُقال: نَمْ"، (نَمْ): أمر مخاطب من: نام ينام نومًا.

قوله: "فيقول: أَرجِعُ إلى أهلي"؛ يعني: فيقول الميت: أُريد أن أرجعَ إلى أهلي و"أخبرهم" بأن حالي طيِّبٌ لا حزنَ لي؛ ليفرحوا بكون عَيشي طيِّبًا.

قوله: "العَرُوس": الزوج والزوجة في أول اجتماعهما، يستوي في لفظة (عروس) الرجل والمرأة، وإنما قال:(كنومة العروس)؛ لأن العَرُوسَ تكون في أطيب العيش ونيل المراد، ويُحبُّه ويُعزِّزُه أقاربُه وأحبَّاؤُه في ذلك الوقت؛ يعني: يقال لذلك الشخص: نَمْ في القبر على أحسنِ حالٍ وأطيبِ عيشٍ؛ فإنه لا رجوعَ من القبر إلى الدنيا.

قوله: "الذي لا يُوقظُه إلا أحبُّ أهله إليه"، أَيقَظَ يُوقِظُ: إذا نبَّه أحدًا من النوم، (الذي): موصول، وما بعده صلته، والموصول والصلة صفة للعروس، والمراد بالعروس ها هنا: الرجل؛ لأنه قال: (الذي لا يُوقِظُه)؛ ولم يقل: التي لا يُوقِظُها.

ص: 227

قوله: (لا يُوقظُه إلا أحبُّ أهله إليه): عبارةٌ عن عزَّته وتعظيمه عند أهله، يأتيه غداةَ ليلةِ زفافهِ أمُّه أو أبوه، ويُوقِظُه من النوم على الرِّفق واللُّطف.

قوله: "حتى يبعثَه الله تعالى من مَضجَعِه ذلك"، (حتى): متعلق بمحذوف؛ يعني: يَنامُ طيبَ العيش حتى يبعثَه الله تعالى يومَ القيامة، (البعث): الإحياء بعد الموت (1).

المَضجَع بفتح الجيم: موضع الضجع، وهو النوم، من ضَجَعَ - بفتح العين في الماضي والغابر -: إذا نامَ.

قول النبي عليه السلام: "وإن كان منافقًا قال: سمعتُ الناسَ"؛ يعني: إذا سأل المَلَكانِ المنافقَ عن النبي عليه السلام قال في جوابهما: (سمعت الناس يقولون)؛ أي: سمعتُ المسلمين يقولون: إنه نبيٌّ، "فقلتُ" مثل قولهم، ولا أعلم أنه نبيٌّ في الحقيقة أم لا.

قوله: "فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك"؛ يعني: يقولان له: إنا رأينا في وجهك أثرَ الشقاوة وظُلمةَ الكفر، فعلمنا أنك لا تجيبنا على وجه الصواب.

قوله: "فيقال للأرض: التَئِمِي عليه"، (التَأمَ): إذا اجتمع، وهو افتعل من (لأَمَ): إذا جمع، والياء في (التئمي) ضمير مؤنث مخاطب؛ لأن (الأرض) مؤنث، (الاختلاف): إدخال شيء في شيء.

(الأضلاع) جمع: ضلع، وهو عظم الجنب؛ يعني: يُؤمَر قبرُه حتى يَقرُبَ كلُّ جانب منه إلى الجانب الآخر ويُضمَّه ويعصرَه، فينضمَّ القبرُ ويعصرَه حتى

(1) جاء على هامش "ش": "ويجوز أن تكون (حتى) في قوله: (حتى يبعثه) متعلقة بـ (نم) على الالتفات؛ أي: نَمْ كما ينام العروس حتى يبعثَك، فالتفت وقال: (يبعثه) ".

ص: 228

يَدخلَ عظمُ جانبه الأيمن في جانبه الأيسر، وعظمُ جانبه الأيسر في جانبه الأيمن.

* * *

97 -

ورواه البَراء بن عازِب رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"يأتيه مَلَكَانِ فَيُجْلِسانِهِ فيقولان له: مَنْ رَبُّكَ؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دِينُكَ؟ فيقول: دِيني الإِسلام، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بُعثَ فيكم؟ فيقول: هو رسول الله، فيقولان: وما يُدريك؟ فيقول: قرأْتُ كتابَ الله، فآمنتُ بهِ وصدَّقْتُ، فذلك قوله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}، قال: فينادي مُنادٍ من السماء: أنْ صَدَقَ عبدي، فأفرِشوهُ مِنَ الجنَّةِ، وأَلبِسوهُ مِنَ الجنَّةِ، وافتحُوا له بابًا إلى الجنَّة، قال: فيأْتيه من رَوْحِها وطِيْبها، ويفتح لها فيها مَدَّ بصَرِهِ، وأمَّا الكافرُ"، فذكر موتَه، قال:"ويُعادُ رُوحه في جسَده، ويأْتيه مَلَكَانِ، فيُجلِسانِهِ، فيقولان: من ربُّكَ؟ فيقول: هَاه هَاه، لا أدري، فيقولان له: ما دينُك؟ فيقول: هَاه هَاه، لا أَدري، فيقولان: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هَاه هَاه، لا أدري، فينادي مُنادٍ من السماء: أنْ كذَب، فأَفرِشُوه من النَّار، وأَلبِسُوه من النَّار، وافتحوا له بابًا إلى النَّار"، قال:"فيأْتيه من حَرِّها وَسَمُومِها"، قال:"ويُضَيَّقُ عليهِ قبْرُهُ حتَّى تختلفَ فيهِ أضلاعُه، ثُمَّ يُقَيَّضُ لهُ أَعمى أصمُّ، معه مِرْزَبَّةٌ من حديدٍ لو ضُرِبَ بها جبلٌ لصار تُرابًا، فيضربه بها ضَربةً يسمعها ما بين المَشرق والمَغرب إلا الثَّقلَيْنِ، فيَصير تُرابًا، ثم يُعادُ فيه الرُّوح".

قوله: "ورواه"؛ أي: روى هذا الحديثَ المتقدمَ البراءُ كما رواه أبو هريرة، إلا أن ألفاظَهما مختلفةٌ.

ص: 229

قوله: "يأتيه"؛ أي: يأتي المؤمنَ.

"وما يدريك": (ما) للاستفهام.

و (يُدْرِي) بضم الياء وكسر الراء: مضارع معروف، من أَدْرَى: إذا أَعلَمَ؛ يعني: أيُّ شيءٍ أَعلَمَك وأَخبَرَك بما تقول من قولك "ربي الله"

إلى آخر ما تقول؟

قوله: "قرأت كتاب الله"؛ يعني: قرأتُ القرآنَ و"آمنتُ به" أنه حقٌّ، وصدَّقته على ما فيه، فوجدتُ فيه:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد: 19] و {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [غافر: 62] وغير ذلك من الآيات الدالة على أن ربَّي وربِّ المخلوقات هو الله تعالى.

ووجدتُ أيضًا فيه: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وكذلك:{إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: 19]، وكذلك:{وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ} [آل عمران: 85]؛ فعلمتُ أنه لا دينَ مَرضيًّا بعد مجيء محمد عليه السلام إلا الإسلامُ، فوجدتُ فيه أيضًا:{مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} [الفتح: 29] و {قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158] وغير ذلك من الآيات الدالة على أن محمدًا رسولُ الله على كافة الخلق، فعلمتُ أن محمدًا رسولُ الله.

فإن قيل: هذا الحديث يدل على أن الرجلَ يَعرف صدقَ الرسول من القرآن، وهذا لا يستقيم؛ لأن الرجلَ ما لم يعرف صدقَ الرسولِ لا يعرف أن القرآنَ كلامُ الله.

الجواب: أن النبي عليه السلام يُعرَف صدقُه بالمعجزة، بل لا طريقَ إلى معرفة النبي عليه السلام إلا بالمعجزة؛ فإن النبي عليه السلام إذا أَظهرَ المعجزةَ عَرفَ الناسُ أنه لو لم يكن نبيًا لم يَقدِر على إظهار المعجزة التي ليست

ص: 230

بمقدورِ البشر؛ لأنه لو كانت في قدرة البشر لَقَدرَ عليها كلُّ مَن كان مثلَ النبي عليه السلام في القوة والعقل والفصاحة، فإذا رأى الرجلُ في نفسه ما كان في النبي عليه السلام من أوصاف البشرية ولم يَقدِر على مثل ما أتى به النبي عليه السلام من المعجزة عَلِمَ أنها ليست إلا من الله تعالى، والقرآن أكبرُ معجزةٍ من معجزات النبي عليه السلام؛ فإن الرجلَ إذا تفكَّر في القرآن يعلم أنه لا يشبه كلامَ البشر، فيعلم أنه كلامُ الله تعالى، والله تعالى لا يُنزل كلامَه إلا على رسوله، فعَلِمَ الرجلُ أنَّ مَن أُنزِلَ عليه هذا الكلامَ رسولُ الله عليه السلام.

"فذلك قوله: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} "، (فذلك) إشارة إلى جريان لسان المؤمن (1) بجواب المَلَكين؛ يعني: إنما جرى على لسانه الصدقُ والصوابُ في جواب المَلَكينِ؛ لأن الله تعالى أَخبَرَ أنه يُثبِّت المؤمنين بكلمة الشهادة في الدنيا وفي القبر، وكلُّ ما أَخبَرَ به الله تعالى لا يكون إلا كذلك.

قوله: "أنْ صَدَقَ عبدي"؛ يعني إنْ صَدَقَ بما يقول فإنه كان في الدنيا على هذا الاعتقاد عن الإخلاص والصدق لا عن النفاق والرياء، فإذا كان له هذا الاعتقادُ عن الإخلاص فهو مستحقٌّ للإكرام؛ فأَكَرِمُوه.

قوله: "فأَفرِشُوه من الجنة"، (فأَفْرِشُوه): بفتح الهمزة مَرويٌّ، وهذه همزة قطع، وهو أمر مُخاطَبين من أَفْرَشَ: إذا أَمرَ أحدًا أو حَمَلَ أحدًا بفرش بساط، واللام مقدَّر في (فأفرشوه)؛ أي: فأَفرِشُوا له؛ يعني: فأمروا بفَرشِ بساطٍ مِن بُسطِ الجنة.

قوله: "وأَلبِسُوه"، (أَلبِسُوه) بفتح الهمزة وكسر الباء: أمر مُخاطَبين، من (أَلْبَسَ): إذا كَسَا أحدًا لباسًا وأعطاه لباسًا، يقال: لَبِسَ زيدٌ بنفسه وأَلْبَستُه أنا؛ يعني: (أَلْبِسُوه)"من" ثياب "الجنة" والضمير في (أَفرِشُوه) وما بعده للملائكة

(1) قال في حاشية "ت": "في نسخة: المؤمنين".

ص: 231

أو لخَزَنَة الجنة.

قوله: "مِن رَوحها"؛ أي: من رائحة الجنة ولذتها.

قوله: "ويُفسَح له فيها"؛ أي: في الجنة "مَدَّ بَصَرِه"، (المَدُّ): البَسط والتوسيع، والمراد منه ها هنا: إلى حيث ينتهي إليه بصره.

فإن قيل: قال قبلَ هذا: (يُفتَح له سبعون ذراعًا في سبعين)، وقال ها هنا:(يُفتَح له فيها مَدَّ بَصَرِه)، كيف التوفيقُ بينهما؟

قلنا: (سبعون ذراعًا في سبعين) عبارةٌ عن توسُّع قبره، و (مَدّ البصر) هنا عبارةٌ عن ما يُعرَض عليه من الجنة، فبينهما فرقٌ، ويحتمل أن يكون ذلك لمن درجتُه أقلُّ ممن له هذا؛ لأن مَدَّ البَصَر أكثرُ من سبعين ذراعًا.

قوله: "فذَكرَ موتَه"؛ أي: فذَكَرَ حالَ موته وشدةَ صوتِه، والسؤال منه في القبر، فإن قيل: لِمَ ذكر هنا "ويُعاد روحُه في جسده"، ولم يقل في قصة المؤمن: إنه يُعاد روحُه في جسده؟

قلنا: لأنه ذَكَرَ ثَمَّ ما يدل على أن روحَه يُعاد في جسده، وهو قوله عليه السلام:"فيُجلِسانه فيقولان له: مَن ربُّك؟ " والإجلاسُ والسؤالُ عنه إنما يكون بعدَ أن يُعادَ روحُه في جسده.

قوله: "هَاهْ هَاهْ" بسكون الهاء بعد الألف، هذه الكلمة يقولها المُتحيَّر في الكلام من الخوف أو من عدم الفصاحة، وليس لها معنًى، ولكن إذا صَدَرَتْ هذه الكلمةُ من شخصٍ عُلِمَ أنه لا يَقدِرُ على جواب السائل، بل هو متحيَّر في جوابه؛ يعني: هذا الكافرُ يتحيَّر في جواب المَلَكَين.

"فينادي منادٍ من السماء: أنْ كَذَبَ"؛ يعني: كَذَبَ أنه لا يدري مَن ربُّه وما دِينهُ ومَن هذا الرجلُ الذي بُعِثَ فيهم؛ لأن الكفارَ يعلمون أن ربَّهم هو الله تعالى، ويعلمون أن دِينَهم هو الإسلامُ وأن نبيَّهم محمد رسولُ الله عليه السلام،

ص: 232

ولكن لا يؤمنون حسدًا وبغضًا.

فإن قيل: لِمَ قال في قصة المؤمن: (أنْ صَدَقَ عبدي) ولم يقل ها هنا: (عبدي)؟

قلنا: لأن إضافةَ الله تعالى العبدَ إلى نفسِه تشريفٌ له، والمؤمنُ مستحقٌّ التشريفَ، بخلاف الكافر.

قوله: "فيأتيه مِن حَرِّها وسمومِها"، والضميران يرجعان إلى "النار"، و (الحَرُّ) هنا: تأثير النار إليه، و (السموم): الريح الحارَّة؛ يعني: يَلحَقُه أثرُ حَرَّ النار والريح الحارَّة.

قوله: "ثم يُقيَّضُ له أعمى أصمُّ"، (ثم يُقيَّض) بضم الياء الأولى وفتح الثانية وتشديدها؛ أي: يُقدَّر له ويُوَكَّل عليه زبانيةٌ لا عين له؛ حتى لا يرى عجزَه وجريانَ دمعِه؛ كيلا يرحمَ عليه ولا يسمعَ صوتَ بكائه واستغاثته.

قوله: "معه مِرْزَبَّةٌ من حديد"، المسموع في الحديث:(مِرْزَبَّة) بتشديد الباء، ولكن في اللغة: مِرْزَبَة بتخفيف الباء، وهو الشيء الذي يُكسَر به المَدَر، والإرْزَبَّة مثله، ولكن الباء من الإرْزَبَّة مشددة، بخلاف المِرْزَبَة.

* * *

98 -

عن عُثمان بن عفَّان رضي الله عنه: أنه كان إذا وقفَ على قبرٍ بكى حتَّى يبُلَّ لِحيتَهُ، فقيل له: تذكرُ الجنَّة والنَّار فلا تبكي، وتبكي من هذا؟ فقال: إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنَّ القبْرَ أوَّلُ منزلٍ مِنْ منازِلِ الآخرة، فإنْ نجَا منهُ فما بعدَهُ أيسَرُ منهُ، وإنْ لمْ ينجُ منهُ فما بعدَهُ أشدُّ منهُ". قال: وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: "ما رأَيتُ مَنْظَرًا قط إلا والقبْرُ أفظَعُ منهُ"، غريب.

قوله: "أنه كان"؛ أي: كان عثمانُ "إذا وَقَفَ على قبرٍ"؛ أي: على رأسِ

ص: 233

قبرٍ، أو عندَ قبرٍ "يبكي حتى يبلَّ لحيتَه" من الدمع، "فقيل له: تذكرُ الجنةَ والنارَ ولا تبكي"؛ يعني: تسمع ذكرَ الجنة والنار ولا تبكي من خوف النار واشتياق الجنة، "وتبكي من" خوف القبر؟

قوله: "أولُ منزلٍ من منازل الآخرة"؛ يعني: للآخرة منازلُ، أولُها القبرُ، ومنها عَرْصَةُ القيامة عند العرض، ومنها الوقوفُ عند الميزان، ومنها المرورُ على الصراط، ومنها الجنةُ والنارُ.

"فإن نجا"؛ أي: فإن نجا الرجلُ في القبر من العذاب تكون نجاتُه علامةَ السعادة.

"فما بعده"؛ أي: فما بعدَ القبرِ من أحوال القيامة تكون أيسرَ وأسهلَ عليه.

"وإن لم ينجُ" من العذاب في القبر يكون عذابُه في القبر علامةَ الشقاوة، فيكون ما بعد القبر من أحوال القيامة أشدَّ وأشقَّ عليه؛ يعني: قال عثمان: لأجل هذا أبكي من خوف القبر، فما أدري: أَنْجُو من عذاب القبر حتى يكونَ ما بعدَه أيسرَ عليَّ أم لا أَنْجُو منه حتى يكونَ ما بعدَه أشدَّ عليَّ.

وحيث ذُكِرَ (عثمانُ) مطلقًا فاعلم أنه عثمانُ بن عفَّانَ بن العاص بن أميةَ بن عبدِ شمسِ بن عبدِ مَناف، وكنية "عثمان": أبو عمرو، وقيل: أبو عبد الله؛ والأول أشهر.

"قال: قال رسول الله عليه السلام: ما رأيتُ منظرًا قطُّ إلا والقبرُ أفظعُ منه"، الضمير في (قال) لعثمان رضي الله عنه، (المنظر): الموضع الذي ينظر إليه، (أفظع): أفعل التفضيل من فَظُعَ - بضم العين في الماضي والغابر - فظاعةً: إذا صار الشيءُ هولاً مُنكَرًا شديدًا؛ يعني: قال عثمان رضي الله عنه: قال رسول الله عليه السلام: ما رأيتُ شيئًا إلا والقبرُ أشدُّ وأفزعُ وأنكرُ منه.

* * *

ص: 234

99 -

وعن عُثمان رضي الله عنه قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم إذا فرَغَ منْ دَفْنِ الميِّتِ وقفَ عليه فقال: "استَغْفِرُوا لأخيكم، ثمَّ سَلُوا له بالتثبيت، فإنه الآنَ يُسْأَل".

قوله: "وقف عليه"؛ أي: وَقَفَ على رأس القبر.

"استَغْفِرُوا لأخيكم"؛ أي: اطلُبُوا المغفرةَ من الله تعالى لهذا الميت، "ثم سَلُوا"؛ أي: اسألوا واطلبوا من الله تعالى أن يُثبَّتَ لسانَه بجواب المُنكَر والنكير؛ فإنهما يَسألانِه في هذه الساعة.

وهذا الحديثُ يدل على أن دعاءَ الحيَّ ينفع الميتَ، وعلى أنه يُستحبُّ للأحياء أن يدعوا للأموات، وعلى أن سائرَ المسلمين بعضُهم أخو بعضٍ.

وهذا الحديث لا يدل على تلقين الميت عند الدفن كما هو عادة الناس؛ لأنه ليس في هذا الحديث لفظٌ يدل عليه (1)، ولم نجد أيضًا حديثًا مشهورًا فيه.

وأورد الغزالي في كتاب "إحياء العلوم" والإمام الطبري في كتابه المُسمَّى بـ "كتاب الأدعية" حديثًا في تلقين الميت عند الدفن؛ ولم يُصحِّحه بعضُ المحدَّثين.

وأما قوله عليه السلام: "لقَّنُوا أمواتَكم قولَ لا إله إلا الله" فالمراد بهذا قبلَ الموت لا بعد الموت، أما لو لَقَّنَ أحدٌ الميتَ عند الدفن لم يكن فيه حرجٌ؛ لأنه ليس فيه إلا ذكرُ الله تعالى، وعرض الاعتقاد على الميت والحاضرين، والدعاءُ للميت وللمسلمين، ويكون فيه إرغام لمُنكِري الحشر والبعث وأحوال القيامة؛ وكلُّ ذلك حسنٌ.

* * *

(1) كذا في جميع النسخ، ولعل مراد الشارح: أن الحديث يدل على تلقين الميت عند الدفن، لتستقيم هذه الجملة مع ما بعدها، أو: أن يقوَّم ما بعد هذه الجملة عليها، لِتتفق مع الصواب الذي عليه جمهور العلماء من عدم استحباب تلقين الميت عند الدفن، وأن المراد بالتلقين ما كان قبل الموت، والله أعلم.

ص: 235

100 -

عن درَّاج، عن أبي الهَيْثَم، عن أبي سعيد الخُدريِّ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُسلَّطُ على الكافرِ في قبْرِه تسعةٌ وتسعون تِنِّينًا تنْهَشُهُ وتَلْدغُه حتى تقومَ الساعةُ، لو أنَّ تِنِّينًا منها نَفَخ في الأَرضِ ما أنبتتْ خَضْراء".

قوله: "يُسلَّط": هذا فعل مضارع مجهول من التسليط، وهو أن يُجعَل أحدٌ مُوكَّلاً على أحدٍ ليعذِّبَه ويُؤذِيَه.

(التنِّين) بتشديد النون الأولى: نوعٌ من الحياتِ كثيرُ السم، (نَهَشَ) و (لَدَغَ) كلاهما بفتح العين في الماضي والغابر، ومعناهما واحد في اللغة، وذِكرُ كلا اللفظَين هنا؛ إما للتأكيد، أو لبيان أنواع العذاب؛ لأنه ربما يكون النَّهشُ أشدَّ ألمًا من اللَّدغ، أو بالعكس.

"حتى تقوم الساعة"؛ أي: حتى يجيءَ يومُ القيامة.

قوله: "لو أن تنِّينًا منها نفخَ في الأرض لَمَا أنبتت خضراءَ": يصف شدةَ سمِّه وحرارةَ فمِه؛ يعني: لو وصلَ ريحُ فمِه وحرارتُه في الأرض ما أنبتت خضراءَ واحترقت الأرضُ من حرارته، بحيث لا ينبت في الأرض نباتٌ أخضرُ، ولم يبقَ في الأرض نباتٌ أو شجرٌ أخضرُ، وتقييد (التنِّين) بـ (تسعة وتسعين) اختُلف فيه؛ فالأصح أنه إنمَّا قيَّد رسولُ الله عليه السلام بتسعة وتسعين لحكمةٍ عَلِمَها هو عليه السلام بطريق الوحي، ولم يعرفها غيره، وهذا كتقييده عليه السلام الاستغفارَ بسبعين مرةً أو بمئةِ مرةٍ وغير ذلك من الأعداد.

وقيل: إنما قيَّده بتسعة وتسعين؛ لأن لله تعالى تسعةً وتسعين اسمًا، كلُّ اسمٍ مأخوذٌ من صفةٍ، كالرحمن والرحيم والملك، ويأتي بحثه في موضعه إن شاء الله تعالى.

والكافرُ أَنكرَ هذه الأسماءَ وهذه الصفاتِ وأَشركَ بمَن له هذه الأسماءُ، فوُكِّلَ عليه بعدد كل اسم منها تنيَّنٌ، وحصل للمؤمنين بعدد كل اسم منها أقرَّ به رحمةٌ،

ص: 236