المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل السابع والعشرون: ملوك سبأ وذو ريدان - المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام - جـ ٤

[جواد علي]

الفصل: ‌الفصل السابع والعشرون: ملوك سبأ وذو ريدان

‌الفصل السابع والعشرون: ملوك سبأ وذو ريدان

نحن الآن في عهد جديد من عهود تأريخ مملكة "سبأ"، هو عهد ملوك "سبأ وذو ريدان". لقد كان حكام "سبأ" يتلقبون كما رأينا بلقب "ملوك سبأ"، أما لقبهم في هذا العهد فهو "ملوك سبأ وذو ريدان".

ففي حوالي السنة "115ق. م" أو في حوالي السنة "118ق. م."، أو بعد ذلك بتسع سنين، أي: في حوالي السنة "109"1، خلع "ملوك سبأ" لقبهم القديم واستبدلوا به لقبًا آخر حبيبًا جديدًا، هو لقب "ملك سبأ وذي ريدان"؛ إشارة إلى ضم "ريدان" إلى تاج سبأ. وبقي هذا اللقب مستعملًا حتى أيام الملك "شهر يهرعش""ملك سبأ وذي ريدان"، ثم بدا له رأي دفعه لتغييره، فاتخذ بدله لقب "ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمنت" دلالةً على توسع رقعة سبأ مرة أخرى، فدخلت بذلك حكومة سبأ في عهد ملكي جديد.

هذا ما كان عليه رأي أكثر الباحثين في تأريخ سبأ، في زمن نشوء لقب "ملك سبأ وذي ريدان" وفي سبب ظهوره عند السبئيين. وقد اتجه رأي الباحثين المتأخرين إلى أن ظهور هذا اللقب إنما كان قد وقع بعد ذلك، وأن "الشرح يحضب" الذي هو أول من حمل ذلك اللقب لم يحكم في هذا الزمن، وإنما

1 Background، P.97

ص: 68

حكم بعد ذلك في أواخر القرن الأول قبل الميلاد إبان حملة "أوليوس غالوس" على العربية الجنوبية في حوالي السنة "24ق. م."، وعلى ذلك يكون اللقب المذكور قد ظهر في أواخر القرن الأول قبل الميلاد، لا في سنة "115" أو "109" قبل الميلاد1.

وبناء على هذا الرأي الحديث المتأخر، لا تكون لسنة "115ق. م" أية علاقة بهذا اللقب الجديد، بل لا بد أن تكون لها صلة بحادث مهم آخر كان له وَقْعٌ في تأريخ العربية الجنوبية؛ ولهذا جعل مبدأ لتقويم يُؤَرَّخ به. وقد زعم بعض الباحثين أن ذلك الحادث هو سقوط مملكة معين في أيدي السبئيين وزوال حكم الملوك عنها، وخضوع المعينيين لحكم "ملوك سبأ". ولما كان ذلك من الأمور المهمة في سياسة الحكم في العربية الجنوبية، جُعِلَ مبدأً لتقويم يؤرخ به.

ورأى بعض آخر أن السنة المذكورة، هي سنة انتصار سبأ على "قتبان"، واستيلائها عليها وضمها إلى حكومة سبأ. و"ريدان" قصر ملوك سبأ، ومقر سكنهم وحكمهم. ونظرًا لأهمية هذه السنة اتخذت مبدأ لتأريخ، وبداية لتقويم.

وإذا أخذنا بهذا التفسير المتأخر، وجب علينا إذن ترك هذا الزمان واتخاذ زمان آخر لظهور لقب "ملك سبأ وذي ريدان"، وهو زمان يجب ألا يبعد كثيرًا عن السنة "30ق. م.". ففي هذا الزمن كان حكم "الشرح يحضب" و"شعرم أوتر" على رأي القائلين بهذا الرأي من علماء العربيات الجنوبية.

ويعد تأريخ "سبأ وذو ريدان" من أصعب عهود تأريخ "سبأ" كتابةً، على كثرة ما عثر عليه من كتابات طويلة أو قصيرة تعود إلى هذا العهد2. ولا نزال في توقع كتابات أخرى نأمل أن تسد من الثغرات والفجوات التي لم تتمكن الكتابات التي وصلت إلينا من سدها، ولا أن تزيل الغموض الذي يحيط بهذا التأريخ.

لقد عثر -كما قلت- على كتابات عديدة دونت في هذا العهد، ومنها ما عثر عليه حديثًا، ولكنها لم تخفف من عنائنا مما نلاقيه من مشكلات عن تأريخ

1 مثل "ملاكر""Mlaker" و"ريكمنس" وآخرين، Beitrage، S. 142

2 Handbuch، I، S. 89

ص: 69

هذه الحقبة، بل زادت أحيانًا من مشكلاتنا هذه؛ فقد جاءت بأسماء متشابهة وبأخبار اضطرت الباحثين إلى تغيير وجهات نظرهم في كثير مما كتبوه تغييرًا مستمرًّا، وإلى إعادة النظر في القوائم التي وضعوها لحكام هذا العهد، كما باعدت بين وجهات نظر بعضهم عن بعض؛ فصارت لدينا جملة آراء تمثل وجهات نظر متباينة.

وتأريخ هذا العهد هو تأريخ مضطرب قلق، نرى "الشرح يحضب" يلقب نفسه فيه بـ"ملك سبأ وذي ريدان"، ثم نرى خصمًا له يلقب نفسه باللقب نفسه، مما يدل على وجود خصومة ونزاع واختلاف على العرش، لا اتفاق وائتلاف. ثم نجد كتابات أخرى تدين بالولاء لـ"الشرح يحضب" ولخصمه معًا، وفي وقت واحد، وفي كتابة واحدة، وهو مما يشير ويدل على وجود اتفاق وائتلاف. وهذه الكتابات تزيد من متاعب المؤرخ وتجعل من الصعب عليه التوصل إلى نتائج تأريخية مرضية مقنعة.

وترينا كتابات هذا العهد أن الوضع كان قلقًا مضطربًا، وأن حروبًا متوالية كانت تقع في تلك الأيام، لا تنتهي حرب إلا وتليها حرب أخرى، وأن المنتصر في الحرب كان كالخاسر، فهو ينتصر في حرب ثم يخسر في حرب أخرى؛ وذلك لأن كفاءات مؤججي تلك الحروب كانت في مستوى واحد. ولهذا كان الخاسر فيها لا يلبث أن يعود بسرعة فيقف على رجليه، يحمل سيفه ليحارب من جديد، حتى كادت الحروب تصير هواية، أو لعبة مألوفة، أما الخاسر الوحيد فهو: الشعب، أي: الناس المساكين التابعون لحكامهم، الذين يكونون السواد، لكنه سواد لا رأي له في حكم ما ولا كلمة، يساق من حرب إلى حرب، فيسمع ويطيع؛ لعدم وجود قوة له تمكنه من الامتناع.

والمتشاجرون البارزون في تلك المعارك والحروب، هم سادات "همدان"، وسادات حمير، أصحاب "ريدان"، وسادات حضرموت وقتبان، وأقيال وأذواء وأصحاب أطماع وطموح، أرادوا اقتناص الفرص لتوسيع نفوذهم، واصطياد الحكم وانتزاعه من الجالسين على عرشه. ووضعٌ مثل هذا، أضعف العربية الجنوبية بالطبع، وأطمع الحبش فيها، حتى صيرهم طرفًا آخر في النزاع، وفريقًا عركًا قويًّا من فرق اللعب بالسيوف في ميدان العربية الجنوبية،

ص: 70

يلعب مع هذا الفريق ثم يلعب مع فريق آخر، ضد الفرق الأخرى، وغايته من لعبه التغلب على كل الفرق وتصفيتها؛ ليلعب وحده في ميادين تلك البلاد. لذلك نجد أخبار تدخل الحبشة في شئون هذا العهد وفي العهد الذي جاء بعده، بارزة واضحة مكتوبة في كتابات أهل العربية الجنوبية، ومكتوبة في بعض كتابات الحبش.

وقد رأينا في الفصل السابق كيف تخاصم بيتان من بيوت همدان هما بيتا: "علهان نهفان" و"فرعم ينهب" بعضهما مع بعض على الاستئثار بالحكم، والسيادة على مملكة سبأ، وكيف أن كل بيت من البيتين كان يدعي أن له الحكم والملك، وأنه ملك سبأ، أو "ملك سبأ وذو ريدان"، وأنه هو الملك الحق.

ثم رأينا أن "شعر أوتر""شعرم أوتر"، صار يلقب نفسه بلقب "ملك سبأ وذو ريدان"، وأن خصمه "الشرح يحضب" لقب نفسه بهذا اللقب أيضا، ومعنى ذلك حكم سبأ لأرض "ريدان" وهي أرض حمير على أغلب الآراء. وقد رأينا أن تلك الخصومة، لم تبقَ مجرد خصومة ونزاع وادعاء على ملك، بل كانت خصومة عنيفة اقترنت بمعارك وحروب.

وليس في الكتابات التي بين أيدينا حتى الآن أي خبر يشرح لنا كيف انضمت حمير إلى سبأ، أو كيف لقب "الشرح يحضب" أو معاصره "شعر أوتر" أنفسهما بلقب "ملك سبأ وذي ريدان" وماذا كان موقف ملوك حمير من هذا الاندماج. ولما كان كلا الرجلين "الشرح يحضب" و"شعر أوتر" من همدان، فهل يعني هذا أن الهمدانيين كانوا قد تمكنوا من حمير وغلبوا ملوك حمير على أمرهم، واضطروهم إلى الخضوع لحكمهم، فاعترفوا بسيادتهم عليهم، وتعبيرًا عن ذلك الاعتراف وضعوا:"ذا ريدان" بعد اللقب الملكي القديم؟ إن الإجابة عن هذا السؤال، لا يمكن أن تكون إجابة مقبولة إلا بعد أمد، فلعل الأيام تجود على الباحثين بكتابات حميرية تشرح موقف حمير الرسمي من هذا اللقب، كأن تعطيهم اللقب الذي كان يلقب الحميريون به ملوكهم، أو تشرح علاقة أولئك الملوك بـ"ملوك سبأ وذي ريدان"، وماذا كان موقف ملوك "ريدان" من ملوك "سلحن""سلحين" حصن "مأرب" ومقر الملوك.

ولكننا سنجد فيما بعد أن الحميريين لم يكفوا عن قتال "الشرح يحضب"،

ص: 71

ولا عن قتال "شعرم أوتر""شعر أوتر" حتى بعد تلقبهما بلقب "ملك سبأ وذي ريدان"، كما سنرى أن قسمًا من قبائل حمير كان في جانب "شعر أوتر" وأن قسمًا آخر كان في جانب "الشرح يحضب" وأن قسمًا ثالثًا كان خصمًا عنيدًا للجانبين، وكان في جانب خصوم ملوك "سبأ وذي ريدان". ومعنى هذا أن اللقب الجديد، لم يغنِ أصحابه من قتال حمير، وأن الحميريين ظلوا يقاومون العهد الجديد غير مبالين بدعاوى ملوك همدان، وقد دام القتال كما سنرى عهدًا طويلًا أضر بالجانبين من غير شك.

وقد أصاب هذا النزاع العربية الجنوبية بأسوأ النتائج، فهدمت مدن، وخربت قرى، وتحولت مزارع كانت خضراء يانعة إلى صحارى مجدبة عبوسة.

وتأثر اقتصاد البلاد باستمرار الحروب، وبهروب الناس من مواطنهم ومن مراكز عملهم إلى مواطن بعيدة؛ فتوقفت الأعمال، وسادت الفتن والفوضى. وقد كان المأمول تحسن الأوضاع بعد توسع ملك مملكة سبأ واندماج الإمارات وحكومات المدن فيها وانتقال السلطة إلى ملك واحد ذي ملك واسع، إلا أن هذا التنافس الشديد الذي أثاره المتنافسون على عرش المملكة، أفسد كل فائدة كانت ترجى من هذا التطور السياسي الخطير الذي طرأ على نظام الحكم في العربية السعيدة.

وقد برهنت حملة الرومان على العربية السعيدة وقد وقعت في هذا العهد، وكذلك حملات الحبش وقد وقعت في هذا العهد أيضا، على أن حكومة "سبأ وذو ريدان" لم تكن حكومة قوية متماسكة، ولم تكن لديها قوات حربية قوية ولا جيوش منظمة مدربة، حتى لقد زعم من أرخ تلك الحملة من الكَتَبَة اليونان، أن الرومان لم يقاتلوا العرب، ولم يصطدموا بقواتهم اصطدامًا فعليًّا على نحو اصطدام الجيوش، وأن المحاربين العرب لم يكونوا يملكون أسلحة حربية من الأسلحة المعروفة التي تستعملها الجيوش، وأن كل ما كان عندهم هو الفئوس والحجارة والعصي والسيوف؛ ولذلك لم يتجاسروا على الالتحام بالرومان، وقد لاقى الرومان من الحر والعطش والجوع ما جعلهم يقررون التراجع والعودة إلى بلادهم؛ فهلك أكثرهم من العوامل المذكورة. ويؤيد هذا الرأي أيضا توغل الحبش في العربية الجنوبية وتدخلهم في أمورها الداخلية، مع أنها دون الرومان في القوة وفي التنظيم الحربي بكثير. وتوغلهم هذا يدل على أن العربية الجنوبية

ص: 72

لم تكن تملك إذ ذاك قوة بحرية قوية، بحيث تقف أمام الحبش وتمنعهم من الوصول إلى السواحل العربية، مع أن الحبش أنفسهم لم يكونوا يملكون قوة بحرية يعتد بها. ولعل الرومان ساعدوهم في نزولهم في البلاد العربية؛ لأنهم كانوا تحت تأثيرهم، كما صاروا تحت تأثير الروم، أي: البيزنطيين من بعدهم، ولا سيما بعد دخولهم في النصرانية.

ويبدأ عهد "ملوك سبأ وذو ريدان" بالنزاع الذي كان بين "الشرح يحضب" وأخيه "يزل بين""يأزل بين" ابني "فرعم ينهب" من جهة، وبين "شعرم أوتر" و"يرم أيمن"، وهما ابنا "علهان نهفان""علهن نهفن" من جهة أخرى. وهو في أصله نزاع قديم له تأريخ سابق ومقدمات ترجع إلى أيام أجداد الطرفين، فالنزاع الذي فتح به عهد "سبأ وذو ريدان"، هو فصل أول من جزء من كتاب هو جزء متمم لكتاب سابق. ولا نريد هنا أن نعيد الحديث عن تلك الخصومة التي شغلت الأجيال الأخيرة من مملكة سبأ.

وحظ "الشرح يحضب" لا بأس به، بالقياس إلى من تقدمه من المكربين أو الملوك، فقد بقي حيًّا في الإسلام، وخلد في كتب الإسلاميين، فذكره "الهمداني" في كتابه "الإكليل"، وسماه "ألى شرح يحضب"، ونسب إليه قصر "غمدان"، وروى له شعرًا زعم أنه قاله، وذكر أن "بلقيس" هي ابنته1. وحكى "ياقوت الحموي" قصة في جملة القصص التي رواها الأخباريون عن بناء قصر "غمدان"، نسبها إلى "ابن الكلبي"، زعم فيها أن باني هذا القصر هو "ليشرح بن يحصب"2. و"ليشرح بن يحصب" هو "الشرح يحضب"، وقد ذكر في صور أخرى، مثل "أبي شرح" و"يحضب شرح"، وهي -ولا شك- من تحريفات النساخ.

ونسب "الطبري" بلقيس إلى "إيليشرح"، فجعلها ابنته3. أما "حمزة الأصبهاني"، فقد جعلها "بلقيس بنت هداد بن شراحيل"4، وقد قصد بـ"شراحيل" "الشرح يحضب"، ولا شك، فصيرها حفيدة له.

1 الإكليل "8/ 19 وما بعدها""8/ 24".

2 البلدان "6/ 301".

3 الطبري "1/ 566""طبعة دار المعارف".

4 حمزة "ص83".

ص: 73

وهكذا رفع أهل الأخبار أيام "الشرح يحضب"، فصيَّروها في عهد "سليمان" مع وجود فرق كبير جدًّا بين زماني الرجلين.

وقد نص في الكتابات على أصل "فرعم ينهب"، فذكر أنه من "بكيل"1، وذكر أنه من "مرثد"، و"مرثد" عشيرة من عشائر "بكيل"2. فهو إذن من قبيلة "همدان"، من غير شك، إلا أننا لا نعرف عنه ولا عن والده شيئًا يذكر، فلا ندري أكان والده من البارزين المعروفين في أيامه أم لا. ونستطيع أن نقول بكل تأكيد: إنه لم يكن ملكًا، وإلا ذكر اسمه وأشير إليه وإلى لقبه في النصوص التي ورد فيها اسم ابنه "شعرم أوتر""شعر أوتر". ومعنى ذلك أن ابنه "شعر أوتر" لم يكن من الأسر المالكة الحاكمة، بل انتزع الملك بنفسه، وكون نفسه بنفسه، ومهد الحكم بذلك لولديه:"الشرح يحضب" و"يأزل بين".

وقد ورد اسم "فرعم ينهب""فرع ينهب""فارع ينهب" في النصوص: Jamme 566 و CIH 299 و"نشر: رقم 59". وأشير في النص Jamme 566 إلى "الشرح يحضب" و"يأزل بين" ابني "فرع ينهب"، ولكنه لم يذكر بعد الاسمين واسم الوالد جملة:"أملك سبا"، أي:"ملوك سبأ"، بل ذكر "ملك سبأ"، أي: إن هذا اللقب يعود إلى "فرع ينهب"، كما أنه ذكرت في السطرين الأول والثاني جملة:"رَجُلَيْ ملكن"، أي "رجلي الملك"، مما يدل على أنه قصد ملكًا واحدًا، هو "فرع ينهب". وأما لفظة "رجلي"، فتعني:"ربشمس أضاد""ربشمس أضأد"، و"سعد شمسم""سعد شمس" شقيقه، وقد كانا مقربيْنِ عند الملك يقضيانِ أموره، فهما الرجلان المختاران عنده، وموضع سره3.

وقد لقب "فرع ينهب" في النص: "نشر 59" بـ"ملك سبأ"، وقد ذكر فيه أسماء إلهين، هما:"بعل أوَّام"، أي المقه، و"سمع""سميع" وهو "بعل حرمتن"، اسم مكان فيه معبده4.

1 A. F. L. BEESTON، PROBLEMS OF SABAEAN CHRONOLOGY، P.53، MAHRAM، P.308

2 MAHRAM، P.308

3 JAMME 566، MA PI 2، MAHRAM، P.48، LE MUSEON، 1967، 1-2، P.285

4 نشر: الرقم 259، ص76 وما بعدها.

ص: 74

ويرى "فون وزمن" أن الملك "فرعم ينهب""فرع ينهب""فارع ينهب""الفارع ينهب"، هو الملك الوحيد الذي نعرفه في هذا العهد. ويرى أن سبب عدم تحرش حمير به، هو بسبب كونه ملكًا لقبائل سبئية محتمية بأرضين مرتفعة محصنة. ويرى أن عهد مشاركة ابنيه معه في الحكم، كان في أيام وجود "ياسر يهنعم الأول" وابنه "شمر يهرعش الثاني" في "ظفار" و"مأرب"، ويرى أيضا أن "فرع ينهب" وابنيه كانوا ثلاثتهم تابعين لسلطان ملوك حمير:"ملوك سبأ وذو ريدان"1.

كان "الشرح يحضب" مقاتلًا محاربًا، ذكر أنه قاتل في أيام أبيه "فرعم ينهب" حمير وحضرموت؛ لتحرشهم بسبأ وغزوهم لها2. وقد سجل خبر حربه هذه معهم في كتابة وصلت إلينا، سقط منها اسم صاحبها، يفهم منها أن صاحبها قدم إلى معبد "المقه" المقام في "ذ هرن" "ذي هران" وثنًا مصنوعًا من الذهب، حمدًا له وشكرًا؛ لأنه مكَّن سيده "الشرح يحضب بن فرعم ينهب" من أعدائه، ومَنَّ عليه بالنصر وأوقع بعدوه هزيمة منكرة وخسائر جسيمة، ولأنه نصر سيديه "الشرح" وشقيقه "يأزل بين" في غزوهما حمير وحضرموت، ولأنه مكنهما وهما على رأس جيوش "سبأ" و"بحض" "باحض" من الانتصار على قوات "إظلم بن زبنر" "أظلم بن زبنر"3.

ولم ترد في هذا النص إشارة إلى موقف الهمدانيين من حضرموت وحمير في حربهما هذه مع سبأ، فلم يرد فيه أنهم ساعدوهم أو اشتركوا معهم. أما "أظلم بن زبفر"، فالظاهر أنه هو الذي كان يقود القوات المشتركة التي حاربت السبئيين، قوات حمير وحضرموت.

وفي النص Glaser 119 خبر غزو "الشرح يحضب" أرض حمير وحضرموت ولم يكن "الشرح" يومئذٍ ملكًا، ولكنه كان في درجة "كبر" أي "كبير" على "أقين""أقيان""كبر أقين""كبير أقيان"، وهي الدرجة التي كان عليها حتى صار ملكًا. وقد عاد "الشرح" بغنائم كثيرة، وبعدد كبير من الأسرى، ووصل لهيب هذه الحرب إلى أرض "خولان". وقد قدم

1 LE MUSEON، 1964، 3-4، P.476

2 HANDBUCH.، I، S. 92

3 MARGOLIOUTH، TWO SOUTH ARABIAN INSCRIPTINS، P.I

ص: 75

صاحب هذه الكتابة إلى حاميه وإلهه "ومن بعل علمن""رمان بعل علمان"، الحمد والشكر على هذا التوفيق الذي وفقه لـ"الشرح"، وقدم إلى معبده نذرًا هو وثن "صلمن" تعبيرًا عن هذا الشكر1.

والكتابات التي نُعِتَ "الشرح يحضب" فيها بـ"كبر أقين""كبير أقيان" إذن هي من الكتابات القديمة من أيامه يوم كان في درجة "كبر""كبير"، أي: في منصب عالٍ رفيع من مناصب الدولة. فقد عثر على كتابات في "شبام أقيان" وفي "شبام سخيم"، ظهر منها أنها من هذا العهد.

ومنطقة "أقيان" التي كان "الشرح يحضب""كبيرًا" عليها، هي "شبام أقيان"، وتقع عند سفح "جبل كوكبان"2.

أصبح للحميريين في هذا الوقت شأن يذكر؛ أصبحوا قوة فعالة في السياسة العربية الجنوبية، وزَجُّوا أنفسهم في هذا النزاع الداخلي في حكومة سبأ دون أن يقيدوا أنفسهم بجبهة معينة، كانت سياستهم هي مصلحتهم. وأما حضرموت فقد كانت تفتش عن حليف لها لتحافظ على حياتها وكيانها؛ كانت قد تحالفت مع "علهان" على حكومة مرثد، وحافظت على عهدها هذا، فأيدت جانب "شعرم أوتر" في نزاعه مع الشرح يحضب.

غير أن مملكة حضرموت لم تبقَ مدة طويلة إلى جانب "شعر أوتر"؛ إذ نراها -كما يظهر من النص Glaser 825- في حرب معه أيام تلقبه بلقب "ملك سبأ وذو ريدان". وربما كان اختلافهما على أسلاب "قتبان" هو سبب افتراق حضرموت عن همدان، فقد تمكن "شعر أوتر" من الاستيلاء على جزء من أرض حمير ومن استمالة قسم من حمير إليه، بينما مال قسم آخر إلى "الشرح يحضب". وأرادت حضرموت ضم أرض "ردمان" إليها، وأرض ردمان من الأرضين التي كانت تابعة لمملكة قتبان، وهنا وقع الاختلاف؛ فقد كان "شعر أوتر" يريدها لنفسه، فحارب من أجلها في المعركة التي وقعت عند

1 GLASER 119، ABESSIN.، S. 105، CIH 140، CIH، IV، I، III، P.203، WINCKLER، DIE SAB. INSCHR. DER ZELT ALHAN NAHFAN'S S. 24، SAB. INSCHR.، S. 15، LE MUSEON، 1964، 3-4، P.459، MAHRAM، P.310

2 BEITRAGE، S. 18

ص: 76

"ديرم""ديريم""دير"1.

ويظهر من الكتابة المذكورة أن الردمانيين انتهزوا فرصة الحرب التي نشبت بين "شعر أوتر" و"العز" ملك حضرموت، فأغاروا على أرض سبأ، وقصدوا سد مأرب ليلحقوا به أضرارًا، غير أن قبيلة "حملان" التي كانت تحرس السد قابلتها وأرجعتها إلى حيث أتت، وبذلك أخفق غزو ردمان ولم ينل السد أي سوء كان2. وقد يكون هذا الهجوم بأمر من ملك حضرموت، كانت الغاية منه إنزال ضربة قاصمة بالسبئيين؛ بتخريب سدهم الذي هو عرق الحياة بالقياس إليهم وإلى مأرب العاصمة، فترتاح بذلك حضرموت. وقد كان هذا الغزو في أيام "الشرح".

وأغلب الظن أن وقوع هذا الغزو كان أثناء الحرب التي نشبت بين "شعر أوتر" وملك حضرموت.

وقد كان "الشرح يحضب" يومئذٍ ضد حضرموت، وقد ورد اسمه في النص المذكور إلا أن لم يشر إلى موقفه منها، ولكن ذكر على العادة اسمه ولقبه ثم ذكر اسم "شعر أوتر" بعده، فلا ندري أكان قد أسهم هو أيضا في هذه الحرب مع "شعر أوتر"، أم وقف موقف المتفرج ينتظر النتيجة ليعين موقفه من بعد. مهما يكن من شيء فقد أحس ملك حضرموت بموقف "الشرح"، وعرف أنه يريد أن يتربص به، فأوعز إلى الردمانيين بغزو أرض مأرب وبتهديم السد على نحو ما ذكرت.

وقد حارب الردمانيون الحضارمة كذلك، وكانوا في هذا الزمن حلفاء لحمير. ويرى بعض الباحثين أن حمير كانت إلى جانب "الشرح يحضب"، وقد ساعدته في قتاله الحضارمة3. وفي النص المذكور مواضع غامضة ونواقص تحتاج إلى دراسة جديدة وإعادة نظر في صحة نقل الكتابة عن الأصل.

ولم تنقطع حروب "الشرح يحضب" مع حمير وحضرموت بعد توليه العرش، فإنا لنجد في نص أن "الشرح"، وكان يومئذٍ ملكًا على "سبأ وذي ريدان"

1 GLASER 825، CIH 334، BERLIN 2672، GLASER، ABESSI.، S. 109، WINCKLER، DIE SAB. INSCHRI. DER ZEIT ALHAN NAHFAN'S، S. 17، HANDBUCH، I، S. 93

2 BEITRAGE، S. 38

3 MAHRAM، P.311

ص: 77

قد حارب الحميريين والحضرميين، وكان أخوه إذ ذاك يشاركه في لقبه هذا1. وقد انتصر فيها على أعدائه، غير أن مثل هذه الانتصارات وفي مثل تلك الأيام وفي أرض وعرة متموجة قبلية، لا يمكن أن تكون انتصارات حاسمة تأتي بنتائج إيجابية لمدة طويلة؛ ذلك لأن المغلوبين سرعان ما يجمعون شملهم أو يتحالفون مع قبائل أخرى، فيعلنون حربًا أخرى، والحروب كما نعلم جزء من حياة القبائل.

وقد ورد اسم "الشرح يحضب" وأخيه "يأزل بين" في النص الموسوم2 بـGlaser 220، وهو نص دونه جماعة من "بني بتع"، و"بنو بتع" هم من "همدان". دونوه عند إتمامهم بناء "معبد" و"مزود"؛ تيمنًا به وتخليدًا له، وليقف الناس على زمن البناء ذكروا اسمي الملكين.

ولم يرد فيه اسم "شعرم أوتر" أو غيره من نسله مع أنهم من "بتع"، و"شعرم أوتر" من "بني بتع". وقد يكون من تعليل ذلك أن هؤلاء البتعيين كانوا من أتباع "الشرح يحضب"، وأن قسمًا من "بتع" كانوا مع "الشرح"، فلم يشيروا إلى اسم "شعرم أوتر"، وقد يكون تعليله أن "شعرم أوتر" كان قد توفي قبل "الشرح"، أو أن "الشرح" كان قد تغلب عليه، أو على من ولي الأمر بعده، ولم يعد أمامه أحدٌ ينافسه من البتعيين.

وفي الكتابات التي وسمت بـJamme 574 و Jamme 575 و Jamme 590 / 5، وهي كتابات عثر عليها منذ عهد غير بعيد، أخبارٌ عن معارك وحروب وقعت بين الملك "الشرح يحضب" وشقيقه "يأزل بين" من جهة، وبين الأحباش ومن كان إلى جانبهم من قبائل من جهة أخرى. يحدثنا الملكان في النص: Jamme 574 أنهما انتقما "نقمن" من الحبش ومن حلفائهم قبائل "سهرتن""سهرة"، وذلك في معارك وقعت في مقراتهم "بمقرهمو"، أي: منازلهم وديارهم الثابتة في وادي سهام، فأنزلا بهم خسائر فادحة، ثم توجه الملك "الشرح يحضب" ومعه بعض جيشه وبعض أقياله لمحاربة "أحزب حبشت" أي: أحزاب الحبشة، ويريد بهم فلول الحبش وجيوشهم، التقى بها في وادي

1 Handbuch، I، S. 92، Background، P.94

2 Glaser 220، Cih 241، Iv، I، Iii، P.269

ص: 78

سردد، واشتبك بالحبش وبقبائل سهرة في موضعين، حيث جرت معارك معهم في موضع "ودفتن""ودفتان" وموضع "وديفان""ودفن"، ثم في "لقح". ثم اشتبك بعد هذه المعارك بخمس وعشرين جماعة من جماعات "أكسمن" و"جمدن""جمدان" و"عكم" عك، وبجماعات من سهرة، وقد أنزل بكل هذه الجماعات خسائر فادحة، وغنم منها غنائم كبيرة، وأخذ منها أسرى وماشية كثيرة، ثم عاد إلى مدينة "هجرن صنعو" صنعاء. وحين وصل إليها جاءه رسل "تنبلتم""جمدن""جمدان" ومعهم أطفالهم يريدون أن يضعوهم ودائع عنده، تعبيرًا عن طاعتهم له، وإقرارًا بخضوعهم لحكمه. فحفظهم رهائن عنده، وقد أقسموا، وأقسم قوم من أهل "لقح" يمين الإخلاص والطاعة، وحمد "الشرح يحضب" مع شقيقه "المقه ثهوان" على هذا التوفيق1.

ويظهر من هذا النص أن الأحباش، ومعهم أهل "سهرة" الذين كانوا قد استقروا واستوطنوا "وادي سهام"، كانوا قد تحرشوا بالسبئيين، وقاتلوا جيوش "الشرح يحضب"، أي: جيوش مملكة "سبأ وذي ريدان"، فقرر الملك الانتقام منهم والأخذ بثأره، فاتجه نحو الشمال حيث تقابل مع الحبش في "وادي سردد"، على مسافة "40" كيلومترًا شمال مدينة "الحديدة". فوقعت معارك بينه وبينهم في سهل "ودفين""ودفتان" و"دفن""ووفان"، وفي أرض "لقح""لقاح". وقد تقابل السبئيون بعد "لقاح" بجماعات عددها خمس وعشرون جماعة من "أكسوم" و"جمدن""جمدان"، وعك، وسهرة، غلبها جيش "الشرح" وشتت شملها. ثم عاد الملك بعد ذلك إلى "صنعاء"، حيث استقبل رسل "جمدن"، على نحو ما ذكرت.

ويحدثنا النص Jamme 575 عن معارك وقعت أيضا بين "الشرح يحضب" وأخيه "يأزل بين" من جهة، وبين الأحباش وحلفائهم عشائر "سهرة" وعشائر أخرى من جهة ثانية، ويذكر أن الملك "الشرح يحضب" وضع خطة محاربة الأحباش وحلفائهم وهو في "صنعاء". وبعد أن أتم كل شيء، أرسل مقدمة من الأدلاء "بقد ميهمو دلولم"؛ لتتعرف على مواضع العصابات المنشقة،

1 Jamme 574، Mamb 153، Mahram، P.60

ص: 79

ثم سار الجيش إلى أرض عشائر "سهرة" حيث أبلغ بوجود عصابات فيها، كانت منتشرة في كل مكان ابتداءً من موضع حصن "وحدة""وحدت""عرن وحدت". فلما رأت العصابات ذلك الجيش، ظعنت "ظعنو" إلى البحر "لبحرن"، فتعقب آثارها حتى أدركها فحاربها. ثم التف حول الحبش وحلفائهم من "عك" و"سهرة" الذين كانوا قد عسكروا بعيدًا عن مواضع أطفالهم وأموالهم، فأعمل الجيش فيهم السيف، فقتل منهم عددًا كبيرًا وذبح الحبش، حتى صاروا بين قتيل أو أسير، وحصل جيش "الشرح" على غنائم كثيرة من هؤلاء.

ثم اتجه جيش "الشرح يحضب" بعد هذه المعارك نحو الشرق؛ لمنازلة فلول الأحباش وبقيتهم، وكذلك عك وبقية حلفائهم، فبلغ موضع "عينم""عين" و"هعان""هعن"، واصطدم بهم، فأعمل فيهم السيف حتى تغلب عليهم وأخذ منهم عددًا كبيرًا من الأسرى واستولى على غنائم كبيرة، عاد بها حيث وضعت أمام شقيق "الشرح يحضب"، أي:"يأزل بين" في "صنعاء" وفي قصر "سلحن" سلحين، أي: قصر الملك في مأرب1.

ولا نعلم شيئًا أكيدًا عن موضع حصن "وحدت""وحدة"، ويظن بعض الباحثين أنه لا يبعد كثيرًا عن وادي "صور"، وهو أقرب إلى البحر منه إلى الهضاب؛ ذلك لأن العصابات كانت قد هرعت منه إلى البحر، لتنجو بنفسها من تعقب جيش "الشرح" لها. وهناك وادٍ يسمى "وادي وحدة"، وهو في أرض حمير، غرب "قعطبة" التي تقع على مسافة "125" كيلومترًا شمال غرب "عدن" وحوالي "170" كيلومترًا شمال شرقي "مخا"2.

ولا نعلم شيئا أكيدا عن موضع "عينم""عين""العين"، وإذا ذهبنا إلى أنه موضع "العين" الذي يقع على مسافة أربعين كيلومترًا من شمال شرق صنعاء وزهاء عشرة كيلومترات من جنوب غربي عمران، وإذا فرضنا أن "هعن" وهو الموضع الثاني الذي جرى فيه القتال هو موضع "هواع" الذي يقع على مسافة "35" كيلومترًا من شمال غرب عمران، فإن ذلك يقربنا من

1 Jamme 575، Mamb 224، Mahram P.64

2 Mahram، P.316

ص: 80

منازل قبائل "بكيل" المذكورة في السطر الثالث من النص، حيث كانت قد اشتركت مع الحبش في قتال جيش "الشرح يحضب" كما يفهم منه. وهذا مما يحملنا على الذهاب إلى أن "عينم" هي "العين"، وأن "هعن" هي "هواع"1.

وقد أشير في نص وسم بـJamme 590 إلى معارك وحروب وقعت مع عشائر "سهرة"، إذ يحدثنا في هذا النص "وهب أوم" و"سعد أوم"، وهما من بني "كربم""كرب" و"معدنم""معدن"، بأنهما قدما إلى الإله "المقه""بعل أوام" تمثالًا؛ لأنه مَنَّ عليهما فأعادهما سالميْنِ من "سهرة"، حيث قاتلا هناك مع سيدهما "الشرح يحضب"، ولأنه أعادهما سالمين من المعارك التي جرت فيها، وكانا في جيش هذا الملك، حيث هوجمت قطعات "مصر" جيش ذي ريدان في حقل "ريمتم""ريمت""ريمة"، ولأنه أنعم عليهما بغنائم كثيرة وبأسرى، ولكي يديم نعمه عليهما وعلى سيديهما الملكين2.

وتنبئنا النصوص: Jamme 578 و Jamme 580 و Jamme 581 و Jamme 586 و Jamme 589 بأن الملكين الأخوين حاربا "كرب إيل ذي ريدان" وكل من كان معه من كتائب محاربة "كل مصر" وقبائل "أشعب" ومن محاربي حمير الذين حاربوا إلى جانبه وحالفوه وكذلك "ولدعم"، أي القتبانيين. وقد اجتمعت كل هذه القوى تحت إمرة "كرب إيل" وتقدمت نحو "حقل حرمتم""حرمة"، ففاجأتها قوات الملكين عند "أساي""أسأى" و"قرنهن""قرننهن" حتى "عروشتن" و"ظلمن""ضلمان" و"هكربم""هكرب"، فأذاقتها الموت، ومع ذلك بقيت تلك القوات منشقة خارجة على طاعة الملكين، تباغت قواتهما بين الحين والحين، تغدر وتخون، لا تراعي ذمة ولا تخشى عقابًا، على الرغم من الخسائر التي حلت بها؛ فقرر الملكان عندئذ محاربتها، وسارت قواتهما إلى "كرب إيل ذي ريدان" وإلى حلفائه الذين انضموا إليه وساعدوه: من حمير ومن قتبان، ومن أقيال وجيوش وفرسان،

1 Mahram، P.316

2 Jamme 590، Mamb 181، Mahram، P.96

ص: 81

وكانوا قد تجمعوا في وادي "إظور""أظور"، ولما وصلت قوات الملكين، اشتبكت بهم عند مدينتي "يكلا""يكلأ" و"إبون""أبون"، فتغلبت عليهم قوات الملكين، واضطرت بعض كتائب "كرب إيل" إلى التقهقر إلى مواطنها، وغادر "كرب إيل" المكان تاركًا فيه من تبقى من جيشه ولم يرسل رسلًا عنه، وسرعان ما أعلنوا انصياعهم لأوامر الملكين وخضوعهم لها، وحلفوا على الطاعة. أما "كرب إيل ذي ريدان" فقد لجأ إلى مدينة "هكرم""هكر" فتحصن بها، وأغلق أبوابها، فاضطر الملكان إلى قصد أرض حمير، ومحاصرة المدينة التي اقتحمت ونهبت1.

يظهر مما تقدم أن قوات "الشرح يحضب" هاجمت قوات "كرب إيل ذي ريدان" في أرض "حرمتم""حرمة" في بادئ الأمر، وتقع على مقربة من جبل "أتوت"، جنوب شرقي "ريدة". وقد ألحقت قوات "الشرح" بقوات "كرب إيل" خسائر متعددة، وهزمتها في جملة معارك وقعت فيما بين "أساي""أسأى" و"قرننهن""قرننهان"، وامتدت حتى "عرشتن" و"ظلمن""ظلمان" و"هكربم""هكر"، وهي مواضع لا نعرف من أمرها شيئا يذكر. ويظن أن موضع "عروشتن" هو "العروش" في أرض "رداع". وهناك مواضع أخرى يقال لها "عروش"، منها موضع ذكره "كلاسر" وسماه "بلاد العروش"، ويقع على مسافة "95" كيلومترًا جنوبي غربي مأرب، وزهاء "70" كيلومترًا جنوبي شرقي صنعاء، وموضع آخر يسمى بهذا الاسم يقع في منتصف طريق صرواح وذمار2.

وهناك موضع يقال له: "ظلمة""ظلمه"، يقع على مسيرة ثلاث ساعات من غرب "سحول" السحول، و"سحول" في أرض حمير. ويقع وادي سحول في شمال "إب"، فلعل له علاقة بموضوع "ظلمان"3.

ويظهر من النص Jamme 578 أن "كرب إيل" بعد أن أصيب بهزائم في أرض "حرمة" في المعارك التي أشرت إليها، نبذته قبائل حمير، فاضطر إلى أن يتراجع إلى أماكن أخرى؛ ليجمع فلوله ويضم إليه من بقي مواليًا له،

1 Jamme 578، Mamb 263، Jamme 589، Mamb 179، Mahram، Pp.83، 96

2 Mahram، P.317

3 Mahram، P.317

ص: 82

فاستطاع أن يجمع أعوانه وأنصاره ومن كان يميل إليه ويؤيده، جمعهم في وادي "أظور"، غير أن قوات الملكين هاجمته فأصابته بهزيمة اضطُرَّ على أثرها إلى الالتجاء إلى مدينتي "يكلا""يكلأ" و"إبون""أبون""أبوان"، وأجبر على أن يعطي عهدًا بالولاء للملكين، وعلى الاعتراف بسيادتهما عليه، إلا أنه تحصن بمدينة "هكرم""هكر"، وامتنع بها وأغلق عليه الأبواب عندما جاءته قوات الملكين تطلب منه الاستسلام. وهاجمت قوات الملكين المدينة، واستباحتها؛ فاضطر "كرب إيل" إلى الاستسلام وإعلان طاعته وخضوعه للملكين1.

ويحدثنا النص: Jamme 586 بأن الملكين تمكنا من سحق عصيان حمير ومن إنزال خسائر فادحة بمحاربيهم ومن تأديب عشائرها، ثم أنزلا خسائر فادحة بقوات "كرب إيل" وبكتائب حمير المحاربة التي كانت معه، وغنما من هذه المعارك غنائم كثيرة. وقد قام صاحب النص بغارة مع أربعين جنديًّا على منطقة "سرعن""سرعان"، فوجدوا هناك مائة جندي من جنود حمير فباغتوهم، وقتلوا منهم سبعة وعشرين نفرًا، ثم تقدم صاحب النص على رأس قوة مكوَّنة من خمسين جنديًّا من "سرعان"، فهاجم قبيلة "قشمم""قشم"، وتمكن رجاله من قتل "الزاد" الزأد" من عشيرة "ربحم" "ربح" "رباح"، ومن قتل واحد وخمسين محاربًا من رجاله. ثم عاد مع رجاله بغنائم كثيرة وبعدد من الأسرى2.

ويظهر أن القتيل "الزاد""الزأد" كان رئيسًا من رؤساء العشائر، ومن مثيري الاضطرابات والفتن، ومن العصاة على حكم سبأ وذي ريدان. وأما "قشم" فقبيلة أو عشيرة، كانت منازلها جنوب "ردمان" وغرب "مضحيم""مضحي"3.

وقد سجل الملكان أخبار انتصارات لهما في نص موسوم بـJamme 576، وقد افتتح نصهما بمقدمة تخبر أن الملكين انتصرا بفضل توفيق الإله "المقه ثهون""المقه ثهوان" ومساعدته لهما على جميع أعدائهما من المحاربين والقبائل ومن ثار عليهما، ابتداءً من القبائل النازلة في الشمال وفي الجنوب إلى المحاربين الذين

1 Mahram Pp.317-318

2 Jamme 586، Mamb 262، Mahram، P.93

3 Jamme، P.318

ص: 83

حاربوا على اليابسة وفي البحر1، وأنهما لذلك شكرا إلههما بأن قدما إليه تماثيل تعبيرًا عن حمدهما له ولمننه الطائلة عليهما، ولأنه وفقهما أيضا في أسر "ملكم" مالك، ملك "كدت""كدة""كندة"، وأسر جماعة من سادات قبيلة "كدت" "كدة" "كندة"؛ لأن "مالكًا" كان قد ساعد أعداء "المقه" وأعداء الملكين:"مراقيس بن عوفم""مراقيس" امرأ القيس بن عوف، ملك "خصصتن""خصصتان". وقد وضعوا في مدينة "مرب"، وبقوا فيها إلى أن سلم لهما الشاب "مراقيس""مرأقيس"، وكذلك ابن الملك "مالك" وأبناء سادات كندة؛ ليكونوا رهائن عندهما، فلا يحنثوا بيمين الطاعة للملكين، وقد سلموا للملكين أفراسًا وحيوانات ركوب وجمالًا2.

ويظهر من الفقرة المتقدمة من النص أن "مالكًا" كان من "كندة""كدة" وكان ملكا عليهما أيام حكم "الشرح يحضب" وشقيقه "يأزل بين"، وقد ساعد "مراقيس""مرأقيس""امرأ القيس" ملك مملكة صغيرة اسمها "خصصتن""خصصان"، الذي كان ضد سبأ، فأثارت هذه المساعدة غضب الملكين، فساقا جيوشهما على كندة وعلى "خصصتن". وقد انتصرا عليهما، فأسر ملك كندة، وأسر معه عدد من سادات كندة، فأخذوا إلى مدينة تسمى "مرب"، يظن الباحثون أنها ليست "مأرب"، بل مدينة أخرى من مدن شعب "مرب"، Marabites الذي يسكن أرض عدن، ووضعوا رهائن فيها، إلى أن جيء بـ"مراقيس""مرأقيس"، وهو ملك شاب، وبابن ملك كندة وبأولاد سادات كندة حيث وضعوا رهائن عند الملكين؛ ليضمنا بذلك بقاء كندة ومملكة "خصصتن" على الطاعة والإخلاص لهما3.

ويظن أن أرض مملكة "كدت""كدة""كندة" كانت في جنوب "قشم"، وأما أرض "خصصتن" فتقع في أرض "عدن"4.

1 الفقرة الأولى من النص: Jamme 567، Mamb 212، Geuken 3، Mahram، P.67

2 الفقرة الثانية من النص،

Ryckmans 535، Von Wissmann، Zur Geschichte، S. 404، Die Araber، Ii، S. 322

3 D. H. Muller، Al-Hamdani، 53، 124، W. Caskel، Entdeckungen In Arabien، Koln، 1954، S. 9. Mahram، P.318

4 Mahram، P.318

ص: 84

وقد تحدث الملكان بعد انتهاء كلامهما على كندة وعلى"خصصتن" عن حملات تأديبية انتقامية أرسلاها على أحزاب "أحزب" حبشية محاربة، أي: عصابات منهم كانت تعيث فسادًا فتغير وتغزو، وعلى عشائر "سهرة"، وعلى "شمر ذي ريدان"، وعشائر حمير؛ وذلك لأن كل من ذكروا حنثوا بيمينهم وخاسوا بوعدهم الذي قطعوه على أنفسهم، فثاروا على ملكي "سبأ وذي ريدان"، فخرج الملكان من "مأرب" إلى "صنعاء"؛ لمحاربة "شمر ذي ريدان" وعشائر حمير و"ردمان" و"مضحيم""مضحي". وقاد الملك "الشرح يحضب" بعض أقياله وجيشه وفرسانه ودخل أرض حمير، حيث حطم مقاومة حمير وقمع ثورتها، واقتحم "بيت ذ شمتن""بيت شمتان" ومدينة "دلل" دلال و"بيت يهر" ومدينة "أظور" على حدود أرض "قشم"، وأباح تلك المدن وحصل منها على غنائم طائلة وأسر كثيرين1، ثم عاد إلى معسكره بين مأرب وصنعاء2.

ويظهر من هذا الخبر أن "شمر ذي ريدان" ومن كان معه من عشائر حمير ومن الحبش وعشائر "سهرة"، خاصم ملكي سبأ، فجرد الملك "الشرح يحضب" حملة عسكرية عليه وعلى حلفائه قادها بنفسه، فتمكن كما يذكر في نصه من الانتصار عليها ومن التغلب على المتحالفين ومن فتح المدن المذكورة. غير أن هذا النصر لم يحقق له إسكات "شمر ذي ريدان" وإخماد حركته وحركات من كان معه، إذ سرعان ما عاد "شمر" إلى العصيان وإلى الثورة على ملكي سبأ، وإلى تجدد القتال بينه وبينهما، وسرعان ما عاد مع حلفائه الحبش يقارعون جيش "سبأ وذي ريدان" بالسيوف في معارك عديدة ذكرت في النص: Jamme 576، وفي نصوص أخرى.

فبينما كان الملك "الشرح يحضب" مع جنوده في معسكراته بين مأرب وصنعاء، أرسل "شمر ذي ريدان" كتائب "مصر" من حمير إلى الأرض المحيطة بمدينة "باسن""بأسان" وإلى المدينة نفسها، التي هي "بوسان"؛ لتقوية استحكاماته هناك، وللاستعداد لمقاومة "سبأ وذي ريدان"، فأسرع

1 الفقرة الرابعة من النص.

2 Mahram، P.319.

ص: 85

"الشرح يحضب" وتقدم على رأس أقياله وقواده وجيوشه نحو المدينة المذكورة، ففتحها واستباحها، وحصل جنوده على أسرى وغنائم، ثم اتجه الملك "الشرح يحضب" منها نحو سهل "درجعن""درجعان"، فلم يجد أحدًا يحاربه؛ لأن قوات "شمر" كانت قد انسحبت منه، فاتجه منه إلى أرض "مهانفم" مهأنف، وأرسل قوات خاطفة سريعة غزت سكانها، وتمكنت منهم وحصلت على غنائم كثيرة وعلى أسرى، ثم اجتازت قوات الملك حمر "مقلن""يلرن" يلران، قاصدة مدينة "تعرمن""تعرمان"، فافتتحتها وأسرت أهلها، ثم عادت بأسراها وبغنائمها إلى معسكراتها بمدينة "نعض""ناعض" فرحةً مسرورة1.

وقبيلة "مهانف""مهأنف" من القبائل المعروفة، التي ورد اسمها في عدد من الكتابات. وقد اقترن اسمها باسم قبيلة "بكيل" في النص: CIH 140، وذكرت مع قبيلة أخرى تسمى "ظهر" ظهار2.

وعاد "الشرح يحضب" فقاد جيشه لغزو القسم الشرقي من أرض "قشمم""قشم"، فتمكن منه، وافتتح مدينة "أيضمم""أيضم" وكل الأماكن الواقعة في هذه المنطقة من "قشم"، ثم عاد الجيش إلى معسكراته في مدينة "نعض"3.

وتحرك الملك "الشرح يحضب" مرة أخرى، فخرج من مدينة "نعض" على رأس قواته إلى أرض قبيلة "مهانفم""مهأنف"، وكانت قواته تتألف من مشاة وفرسان، وفتح مدينتي "عثي" و"عثر"، وأخذ منهما غنائم كثيرة، وحصل على أسرى، ثم تركهما واتجه نحو مدينة "مذرحم""مذرح" وهي مدينة عشيرة "مذرحم""مذرح""مذراح"، فحاربها وحارب عشيرة "مهأنف" التي فرت إلى مدينة "ضفو""ضاف"، ففتحها وأخذ غنائم منها، ثم غادرها إلى مدينة "يكلا""يكلأ""يكلئ" حيث وجد بعض رؤساء ريدان وبعض كتائب حمير، فالتحم بهم وهزمهم من موضع

1 الفقرة السادسة والسابعة من النص.

2 Jamme 651، Mahram، P.319

3 الفقرة السابعة من النص.

ص: 86

"مرحضن""مرحضان"، وتعقب فلولهم حتى بلغ "يكلا""يكلأ"، وعندئذ عادت قوات "الشرح يحضب" إلى مدينة "نعض"، حيث معسكرها الدائم1.

وقد انتهز الحميريون فرصة انسحاب قوات "الشرح يحضب" إلى "نعض" ففاوضوا رؤساء "يكلا""يكلأ" على الاتفاق معهم للانتقام من السبئيين ولمهاجمة وادي "سر نجررم""وادي نجرر" فأسرع الملك "الشرح" نحو "يكلا"، فبلغه أن رؤساءها لم يكونوا على وفاق مع حمير، وأنهم دفعوهم عنهم، فعاد الملك إلى قواعد جيشه في مدينة "نعض"، ثم غادرها إلى "صنعاء"2.

وعلم الملك "الشرح يحضب"، وهو في "صنعاء" بأن "شمر ذي ريدان" قد أرسل رسلًا إلى "عذبة""عذبت" عذبة ملك "أكسوم" ليدعوه إلى شد أزر "شمر" ومساعدته على "الشرح يحضب"؛ فقرر الملك الإسراع لمباغتة "شمر" ومن كان يؤيده، وترك "صنعاء" في الحال؛ لمباغتة عشائر حمير و"ردمان" و"مضحيم""مضحي"، وأرسل في الوقت نفسه رسلا إلى الحبشة "حبشت"3. وقد هاجمت قواته سهل "حرور" و"أرصم" "أرص" و"درجعن"، فتغلبت على سكان هذه المواضع، وأخذت منهم أسرى وغنائم. وقد سار جيش الملك حتى بلغ موضعي "قريب" و"قرس""قريس"، فردم آبارهما، واستولى على مدينة "قريس"، واتجه "الشرح يحضب" من هذه المدينة نحو أرض "يهبشر" و"مقرام""مقرأم" و"شددم""شدادهم""شدد""شداد"، وأخذ غنائم وأسرى من أهل هذه الأرضين. وعندئذ وجد نفسه نحو "بيت راس""بيت رأس"، فاستولى عليه وعلى كل حصونه وأبراجه، وعلى مدينة "راسو""رأسو"، ثم توجه نحو "بيت سنفرم""بيت سنفر" حيث أخذ كل العصاة الذين كانوا قد اختلفوا فيه، ثم قصد مدينة "ظلم"، فوجه إليها قوات كبيرة من المشاة بقيادة ضباطه الكبار، فاستولت عليها، ودحرت خيرة قوات "شمر ذي ريدان" التي وضعها فيها،

1 الفقرة التاسعة من النص.

2 الفقرة العاشرة من النص.

3 السطر السادس من النص. Jamme 577

ص: 87

فجمع "شمر" قواته وكل من ساعده من حمير وردمان ومضحي؛ ليصد جيش "الشرح يحضب" وعسكر بها بين مدينتي "هرن""هران" و"ذمر""ذمار"1، وأقام هناك استعدادًا لجولة جديدة.

ورأى "الشرح يحضب" وجوب مباغتة هذه القوة المتجمعة، قبل أن يشتد ساعدها وتصبح قوة محاربة قوية، فسار على رأس ألف وخمسمائة جندي وأربعين فارسًا، ومعه عدد من الأقيال، حتى التقى بجمع "شمر ذي ريدان" ومعه عشائر من حمير وردمان ومضحي، وزهاء ستة عشر ألف بعير، فباغت "الشرح يحضب" جمع شمر، وهرب بعض الريدانيين وبعض عشائر حمير إلى مدينة "ذمار"، وذهب بعض الفرسان ومعهم قوات أخرى إلى معسكراتهم في "أنحرم""أنحر" و"طريدم""طريد"، وأخذ قسم من القوات يطارد "شمر ذي ريدان"2. ولم يتحدث النص عما وقع بعد ذلك؛ إذ أصاب آخر الكتابة تلف، أو لأن بقيتها كتبت على حجر آخر لمَّا يُعثَرْ عليه، فأضاع خبر بقية الحملة.

ولكن النصوص: Jamme 577 و Jamme 585 و CIH 314 + 954 تفيدنا في الوقوف على أنباء معارك وقعت بين "شمر ذي ريدان" وحلفائه، وبين "الشرح يحضب" بعد المعارك المتقدمة. وقد أصاب النص Jamme 577 تلف أضاع فهم مقدمته، فاقتحم بجملة: وقتل فرسه، ثم اتجهوا نحو مدينة "زخنم""زخان"، وأصابوا غنائم من كتائب حمير وردمان ومضحي أرضتهم، ثم غادرهم الملك "الشرح يحضب" وذهبوا إلى "ترزنن""ترزنان"3.

فيظهر من هذه الفقرة أن الملك "الشرح يحضب" اكتفى بعد انتصاره على خصومه في معركة مدينة "زخان"، فعاد إلى قاعدته، وذهب قسم من جيشه إلى مدينة "ترزنن"؛ ليستجم من القتال.

ثم يذكر النص أن "شمر ذي ريدان" ومن انضم إليه من حمير ومن "ولد عم" أي: القتبانيين، صدوا عن الحق، وعصوا، وتجمعوا للزحف ثم

1 الفقرة 14 من النص.

2 الفقرة 16 من النص.

3 الفقرة الأولى من النص.

JAMME 577، MAMB 219، MAHRAM، P.76، LE MUSEON، 1967، 1-2، P.286

ص: 88

ذهبوا إلى "ذمار" فتحصنوا فيها، ثم اتجهوا نحو مدينة "نعض"، ثم رجعوا وعسكروا بين المدينتين، فواجهتهم قوات "الشرح يحضب" وتعقبتهم في المواضع المذكورة، وأنزلت بهم خسائر كبيرة، ثم رجعت بغنائمها إلى مدينة "صنعاء"، ومعها ماشية كثيرة وأسرى وغنائم وأموال طائلة1.

ويظهر أن "شمر ذي ريدان" قد تمكن خلال هذه المدة من إقناع الحبش بالانضمام إليه ومساعدته في حروبه مع خصمه "الشرح يحضب"، فأمده "جرمت ولد نجشين"، "جرمة ولد النجاشي""جرمة بن النجاشي" بكتائب حبشية محاربة قَوَّتْ مركزه كثيرًا، ترأسها هو بنفسه وجاءته أمداد من "سهرة"، فأخذ يتحرش بالسبئيين، مما حمل الملك "الشرح يحضب" على السير إليه لمقابلته مترئسًا قوة، قوامها ألف محارب وستة وعشرون فارسًا، فاصطدم ببعض قوات "شمر" وتغلب عليها وأخذ منها أسرى وغنائم، ثم حدث أن وصلت أمدادٌ من الحبش لمساعدة تلك الكتائب المندحرة في موضع "أحدقم""أحدق"، فقابلها مشاة "رجلم""رجاله" من جيش الملك "الشرح يحضب" أنزلوا بها خسائر وشتتوا شملها، وعاد الملك "الشرح يحضب" مع أقياله ورجاله إلى صنعاء، ومعه أسرى وغنائم وأموال طائلة2.

وقد انتصر "الشرح يحضب" على الحبش كذلك، وعاد "جرمة" إلى قواعده مغلوبًا على أمره، جزاء نكثه العهد وازدرائه بمهمة الرسل الذين أرسلهم "الشرح يحضب" إليه؛ لإقناعه بعدم مساعدة "شمر ذي ريدان" ومن انضم إليه، وذلك كما يذكر النص3.

وتطرق النص بعد ما تقدم إلى الحديث عن دحر ثائر آخر كان قد أعلن الثورة على الملكين، اسمه:"صحبم بن جيشم" أي: "صحب بن جيش"، "صحاب بن جياش". ويظهر أن ثورته لم تكن على درجة كبيرة من الخطورة؛ لذلك لم يرأس "الشرح يحضب" نفسه الحملة التي أرسلت للقضاء عليه، بل رأسها قائد من قواده اسمه "نوفم""نوف"، وهو من "همدان" و"غيمان".

وقد تألفت الحملة من محاربين من "حاشد" ومن "غيمن""غيمان"،

1 الفقرة الثانية من النص.

2 الفقرة الرابعة والخامسة من النص.

3 الفقرة السادسة منه.

ص: 89

فانتصر "نوف" على خصمه انتصارًا كبيرًا، وكان في جملة ما جاء به من تلك الحملة رأس صحب ويداه1.

وتقع مدينة "غيمان" على مسافة اثني عشر كيلومترًا من جنوب شرقي مدينة صنعاء2.

وانتقل الحديث من مقتل "صحب بن جيش" إلى الكلام على ثورة قبيلة "نجرن""نجران" على الملكين. وكانت هذه القبيلة قد أُكرهت من قبل على الخضوع والاستسلام لحكم "سبأ ذي ريدان"، ولكنها عادت فأعلنت عصيانها على الملكين، بتحريض من الحبش، فسار الملك "الشرح يحضب" بنفسه على رأس قوة من أقياله وفرسانه إليها، فحاصر مدينة "ظربن""ظربان" مدة شهرين، فصبرت وقاومت ولم تسلم؛ لأنها كانت تؤمل أن تصل إليها أمداد ومساعدات وقوات من ملك حضرموت الذي وعدها بذلك ومن قبيلة نجران، فقوى ذلك الأمل عنادها، وشد من عزيمتها على الدفاع عن نفسها، ولطول مدة الحصار الذي دام شهرين، قرر الملك العودة إلى صنعاء3.

وقد ترك الملك "الشرح يحضب" قسمًا من جيشه لمراقبة الأوضاع، وضعه تحت قيادة قائدين من قواده الكبار، أحدهما:"نوفم""نوف" الذي قتل الثائر "صحب بن جيش". ووصلت في خلال هذه المدة أمداد إلى ممثل النجاشي "سبقلم""سبقل"، الذي يمثله في مدينة "نجران" ولدا قبيلة نجران، فهاجم القائدان بقواتهما وبمساعدة رجال محاربين من حاشد وغيمان وبأربعة عشر فارسًا، واديي نجران، فانتصرا وحصلا على غنائم عادا بها سالمين إلى "صنعاء"4.

ويظهر أن رجوع "الشرح يحضب" إلى "صنعاء" كان من أجل إعادة تنظيم صفوف جيشه، ولوضع خطة محكمة لملاقاة أعدائه حتى إذا تم له ذلك ووضع الخطط اللازمة لمهاجمة أعدائه، غادر صنعاء متوجهًا إلى وادي "ركبتن""ركبتان"، وقد التقى فيه بأعدائه فأنزل بهم خسائر كبيرة، فقتل عددًا كبيرًا

1 الفقرة السابعة من النص.

2 Mahram، P.322

3 الفقرة الثامنة والتاسعة من النص.

4 الفقرتان العاشرة والحادية عشرة من النص.

ص: 90

منهم، وأسر عددًا من سادات "مراس" وأحرار "أحرر" نجران، فسِيقوا إلى "مسلمن""مسلمان". ولم يستطع خليفة "عقبهو" النجاشي أن يساعد المنكسرين.

وقد أعلن المنهزمون خضوعهم لحكم الملكين، ولكي يحافظوا على وعدهم هذا ويعبروا عن طاعتهم هذه، وضعوا أبناءهم وبناتهم رهائن في مدينة "صربن""صربان" وفي وادي نجران، ولوجود بعض التلف في نهاية الفقرة الرابعة عشرة، لا نعلم ماذا حدث من تفاصيل في حصار نجران. غير أن النص يعود فيذكر أن "924" قتلهم الأعداء في المعركة وأن "562" أسيرًا وقعوا في أيدي قوات "الشرح يحضب"، وأن "68" مدينة فُتحت ونُهبت وأُبيحت، وأن ستين ألف حقل من الحقول التي يرويها الماء دمرت، وأن سبعًا وتسعين بئرًا دفنت ودمرت، وغنم المحاربون غنائم كثيرة رجعوا بها شاكرين إله سبأ، على ما أشار النص إلى مقري حكم الملكين:"قصر سلحن""قصر سلحان" في مأرب، وقصر "غندن""غندان" الذي هو قصر غمدان عند أهل الأخبار1.

ويعد النص الموسوم بـCIH 314 من النصوص المهمة المتعلقة بالحروب المذكورة، فهو يتحدث عن أمور خطيرة وقعت في تلك الأيام. وقد جاء في هذا النص: أن "رب شمس"، قيل "قول" عشيرة "بكلم"، أي "كيل" التي تكوِّن ربع "ذريدت""ذي ريدة"، و"وهب أوم" من "جدنم""جدن" و"خذوت""خذوة"، وكانا "مقتويي""الشرح يحضب" وشقيقه "يأزل"، نذرا للإله "المقه بعل مسكت ويث" و"برأن"، تمثالين من الذهب؛ لأنه من على سيديهما الملكين، وحفظهما، وكان ذلك في شهر "ذي نيل" من السنة السادسة من سني "تبع كرب بن ودال""تبعكرب بن ود إيل"، ولأنه ساعدهما ونصرهما وأَذَلَّ أعداءهما، وأكره "شمر ذي ريدان" على إرسال رسول عنه يطلب الصلح منهما، وأجبر الريدانيين وأحزابهم وحلفاءهم الحبشة من مدينتي "زوم" و"سهرة" على الطاعة والخضوع2، وعلى طلب عقد الصلح، على حين كان "شمر ذو ريدان وحمير"، يطلب النجدة من

1 الفقرة 12 فما بعدها إلى نهاية النص.

2 "أحزب حبشت هجرن زوم وسهرتن"،

CIH 314، GLASER 424، LOUVRE 4088، CIH، IV I، IV، P.340

GLASER، ABESSI.، S. 117، LE MUSEON، 3-4، 1948، P.232

ص: 91

حلفائه الحبشة لمحاربة ملكي سبأ، ولكن الإله "المقه" خيب ظنه، وخذله، ونصر الملكين:"ملكي سبأ وذي ريدان".

وقد ساعد "شمر ذي ريدان" واشترك معه في هذه الحرب عددٌ من القبائل منها: "سهرتن""سهرتان"، و"ردمن""ردمان"، و"خولن""خولان"، و"مضحيم""مضحي"، وأرسل قوة لحماية مدينة "باسن""بأسن""بأس"، وهي من المدن الواقعة في جنوب غرب "وعلان". وقد تقدم السبئيون في اتجاه مدينة "ظلم" لمحاربة "شمر" ومجابهته، حتى انتصروا عليه في مدينة "ذمر" ذمار1.

وقد كان "شمر" من "ذي ريدان"، أي: من حمير، ويظهر أنه أراد مزاحمة "الشرح يحضب" وأخيه على العرش، أو أنه اختلف معهما؛ فوقعت الحرب بينهما، وتقدم "شمر" بقبائل "حمير" و"أولاد عم" "ولد عم" أي: قتبان والقبائل الأخرى، واصطدم بجيش السبئيين على نحو ما ورد في النص2.

ويظهر أن "شمر ذي ريدان" اضطر بعد ذلك إلى الاتفاق مع "الشرح يحضب" وإلى الخضوع والاستسلام له، فانتهت بذلك معارضته له3، وتولى قيادة جيشه في حربه مع حضرموت4.

ويمكن تلخيص الوضع السياسي في عهد "الشرح يحضب" على هذا النحو: كان خصم "الشرح" ومنافسه على الملك في هذا العهد هو "شمر"، وهو من حمير، أي: سيد "ريدان""ذ ريدن"، وعاصمته "ظفار". وقد استعان بالحبش، وطلب مساعدتهم على "الشرح يحضب"، فاضطر إلى الاستسلام له، ثم اشترك مع السبئيين في محاربة ملك حضرموت "العز"

وكان يومئذ تحت حكم السبئيين. أما "شعرم أوتر" الهمداني، فكان من المؤيدين لـ"الشرح يحضب" وكان يحمل أيضًا لقب "ملك سبأ وذي ريدان"5.

وفي هذا النص إشارة إلى تدخل الحبش في شئون العربية الجنوبية في هذا العهد،

1 BOASOOR.، NUM. 145، "1957"، P.29

2 JAMME 577، BOASOOR.، NUM. 145، 1957، P.28

3 CIH 314، GLASER 424

4 BEITRAGE، S. 38

5 BEITRAGE، S. 34

ص: 92

وإلى وجودهم في مواضع من السواحل، وإلى تكوينهم مستعمرات فيها تتمون من الساحل الإفريقي المقابل.

وأنا لا أستبعد احتمال اتفاق الرومان مع الحبش يوم أرسلوا حملتهم المعروفة على العربية الجنوبية بقيادة "أوليوس غالوس"، وذلك باتفاق عقده حكامهم في مصر وقد كانت خاضعة لهم إذ ذاك مع ممثلي الحبش، يقضي بأن يسهلوا لهم أمر الوصول إلى العربية الجنوبية، ويقدموا لهم المساعدات اللازمة، وأن يتعاونوا جميعًا في الأمور السياسية والاقتصادية، وفي مقابل ذلك يضمن الرومان للحبش مصالحهم في العربية الجنوبية ويقتسمونها فيما بينهم، أو يحافظون على مستعمرات الحبشة فيها.

ويظهر من الكتابات أن الحبش كانوا يغيِّرون سياستهم في العربية تبعًا للأحوال المتغيرة؛ فنراهم مرة مع الحميريين وتارة عليهم، ونجدهم في حلف مع "شعرم أوتر" ثم نراهم في حلف آخر ضده، ونجدهم مرة أخرى على علاقات حسنة بـ"الشرح يحضب" ثم نجدهم على أسوأ حال معه. وهكذا نرى سياستهم قلقة غير مستقرة، كل يوم هي في شأن، وهي بالطبع نتيجة للأحوال القلقة المضطربة التي كانت تتحكم في العربية الجنوبية إذ ذاك، ولمصالح الحبش الذين كانوا يريدون تثبيت أقدامهم في السواحل العربية المقابلة، وتوسيع رقعة ما يملكونه باستمرار.

ويظهر من النص المتقدم أن "بكيل" التي تكون ربع "ذي ريدة" كانت مع الملكين "الشرح" و"يأزل"، و"بكيل" هي عشيرة الملكين، وقد كانت تنزل في أرض "ريدة" إذ ذاك.

وقد رأى بعض الباحثين أن "شمر ذ ريدن""شمر ذي ريدان" هو "شمر يهرعش"، وأن الذي حارب "الشرح يحضب" وأخاه "يأزل"، هو هذا الملك. ومعنى ذلك أنهم أرجعوا زمان "الشرح يحضب" زهاء "250" سنة، إذ جعلوه في أوائل القرن الرابع للميلاد1، وهو رأي يعارضه باحثون آخرون. وقد صيروا "الشرح يحضب" من المعاصرين للملك "امرئ القيس" المذكور

1 BOASOOR.، NUM.، 145، 1957، P.75

ص: 93

في نص النمارة، والمتوفى سنة "328م"، وذكروا أن "مراقس" الوارد في السطر الثاني من النص: Ry 535 هو "امرؤ القيس" المذكور1.

وقد وردت في النص المتقدم جملة "هجرن صنعو ورحبتن"، أي:"مدينة صنعاء ورحبة""رحابة"2. وقصد بـ"صنعو" مدينة صنعاء عاصمة اليمن حتى اليوم، وأما "رحبة" أو "رحابة" "الرحبة"، فإنه مكان ذكره "الهمداني"، لا يبعد كثيرًا عن صنعاء3، ويكون هذا النص أول نص على ما نعلم وردت فيه إشارة إلى صنعاء. وهناك موضع آخر اسمه "صنعاء" وموضع اسمه "رحابة" أو "راحبة" يقعان في منطقة "مأرب" على الجهة اليمنى من وادي "ذنة"، ظن بعضهم أنهما الموضعان المذكوران في النص4.

والرأي الغالب أن النص المذكور قصد بـ"صنعو" مدينة "صنعاء"؛ وذلك لورود اسم قصر "غندن""غ ن د ن""غندان" أي: "قصر غمدان" في كتابة أخرى من أيام "الشرح يحضب"، و"قصر غمدان" قصر معروف بقي قائمًا إلى الإسلام، وقد كان في صنعاء، ورقم هذه الكتابة هو: CIH 429. وقد ذكر مع القصر اسم القصر "سلحن" "سلحان" "سلحين" وهو دار الملوك الحاكمين في مدينة مأرب، فيكون "الشرح يحضب" قد أقام في القصرين، وحكم منهما. وقد ذكر "الهمداني" أن "الشرح يحضب" هو الذي بنى قصر غمدان، وأن "شاعرم أوتر""شعرم أوتر" هو الذي أسس سور صنعاء5. ويعرف قصر "غمدان" بـ"غندن" "غندان" في الكتابات، فهو إذن من القصور الملكية القديمة من أيام السبئيين.

وقد أشير إلى مدينة "صنعو" في النص: Rep. EPIG. 4139، وكان أصحابه مقتوين للأخوين الملكين "الشرح يحضب" و"يأزل بين". وقد وردت فيه أسماء أشخاص من "بني سارن""بني سأران" و"محيلم" و"نعمت"

1 RY 535، LE MUSEON، 69، "1956"، P.139، BOASOOR.، NUM.، 145، 1957، P.25

2 أي النص.

3 "رحبة صنعاء"، "وبلد بكيل من نصف الرحبة، رحبة صنعاء إلى نجران"، الصفة "ص111، 227".

4 GLASER، ABESSI.، S. 121

5 "قيل: هو من بناء سليمان"، اللسان "3/ 327"، Beitrage، S. 19

ص: 94

"نعمة" و"موضعم"1. وقد جاءت أسماء هؤلاء في النص CIH 411 الذي دونوه تقربًا إلى الإله "المقه ثهون بعل أوم" "المقه ثهوان بعل أوام"2.

ويتحدث النص: Jamme 115 عن معارك وقعت بين أعداء "تجمعوا وقتلوا" في وادٍ سقط اسمه من النص، وقد انتصر "الشرح يحضب" على أعدائه وغلبهم3.

ويتحدث النص بعد ذلك عن حرب أعلنها الملكان على حمير وحضرموت، غير أنه لم يذكر أية تفاصيل عنها. وكل ما ورد فيه أن حمير انضمت من بعد إلى سبأ وذي ريدان، واشتركت معها في بعض الحروب. ومعنى هذا أنها عقدت معاهدة صلح وأنها حالفت الملكين4.

ويرى بعض الباحثين أن النص: REP. EPIG. 4336، الذي ذكرت فيه حرب وقعت بين "شمر ذي ريدان" من جهة و"أبانسم بن معهر"، أي "أبأنس بن معهر""أب أنس بن معهر"، أو من "آل معهر""معاهر" و"بخولم" وملك سبأ، وملوك حضرموت من جهة أخرى5، هو من النصوص المتأخرة التي دونت بعد النص المتقدم، أي بعد النص:Jamme 115 دون بعد يأس حضرموت وحلفاء "شمر ذي ريدان" من إحراز أي انتصار كان على "الشرح"، فتفرقوا لهذا السبب عن "شمر" وانضموا إلى جانب الملك "الشرح"، وخاصموا "شمر". ولهذا نجد حضرموت مع "الشرح يحضب" في محاربة حليفها السابق "شمر ذي ريدان"6.

ويحدثنا نص ناقص لم يدون تدوينًا صحيحًا حتى الآن أن ثورة صهرت في أيام "الشرح يحضب" قام بها "أيسن"، أي "إنسان" ثار على الآلهة، اسمه:"نمرن""نمران" أو أنه كان من عشيرة تسمى بـ"نمران"،

1 REP. EPIG.، VII، I، P.99

2 CIH 411، CIH، IV، II، I، P.88.

3 MAHRAM، P.323

4 MAHRAM، P.323

5 REP. EPIG. 4336، SE. 101، MAHRAM، P.324

6 MAHRAM، P.324

ص: 95

وتجرأ على آلهته بثورته هذه على "ملك سبأ وذي ريدان"1. ثم يذكر النص، إلا أنه بفضل الآلهة ورحمتها تمكن "الشرح يحضب" من تأديب هذا الغر: هذا "الإنسان نمران" "أيسن نمرن" الذي حارب الآلهة والبشر "أنسن"، بل حارب حتى ذوي قرابته ورحمه، فاستحق العقاب، وأنه شكرًا للإله "عثتر ذ ذبن بعل بحر حطبم"، أي الإله "عثتر ذو ذبن رب معبد بحر حطبم" الذي ساعد عبده "الشرح يحضب" ومن عليه بالنصر والعافية والخير، وعلى قصريه: "سلحن" "سلحان" "سلحين" و"غندن" "غندان"، أي "قصر غمدان" بصنعاء، وعلى "صرواح"، وأدام عليه نعمه، ووقاه كل بأس2، تيمن بإعلان ذلك للناس؛ ليحمدوا الإله، وليشكروا نعم الآلهة عليهم، ولتديمها عليه بحق: "عثتر" و"هوبس" و"المقه" و"ذت حمم" "ذات حميم"، "ذات حمى" و"ذات بعدن" "ذات بعدان" "ذات بعدان" و"شمسم" "شمس".

وقد يكون في تعبير "أيسن نمرن""أنس نمرن"، ومعناه "الإنسان نمران"، بعض الاستهجان والازدراء بهذا الثأر، الذي هو "رب شمس نمرن"، أي "رب شمس نمران" أحد "أقول" أقيال قبيلة "بتع" على رأي بعض العلماء3. وقد ورد اسمه في كتابة دونها رجال يظهر أنهم كانوا من أتباعه، ومن قبيلة "بتع"، وذلك لشكر الإله "تالب ريام بعل شصرم"؛ لأنه من عليهم بالعافية، وأسعد قيلهم "رب شمس نمرن" "رب شمس نمران"، وبارك على قبيلته4.

ويظهر أن ثورة "نمران""نمران أوكان""نمرن أوكن"، كانت ثورة خطيرة كبيرة على "الشرح يحضب"؛ ولذلك كان القضاء عليها من الأمور المهمة بالقياس إليه5.

1 CIH 429، IV، II، II، P.114، GLASER، ABESSI.، S. 107،

H. DERENBOURG، LES MONUMENTS SABEENS ET HIMYARITIS DE LA BIBLIOTHEQUE NATIONALE، 1891، P.11

2 "بن كل باس".

3 SAB. INSCHR.، S. 40

4 MM82، RW 118، CIH 164، GLASER 148، REP. EPIG. 3621، IV، I، P.244،

J. RYCKMANS. L'INSTITUTION، P.164، MAHRAM، P.326

5 LE MUSEON، 1964، 3-4، P.481، A. JAMME، SABEAN INSCRIPTIONS، P.327

ص: 96

إن "الإنسان نمران""أنسن نمرن""إنسان نمران" الذي ثار على سيده وأغضب آلهته بثورته هذه، هو "رب شمسم نمرن""رب شمس نمران" أحد أقيال "بتع"، على رأي "موردتمن" و"ميتوخ"، الذي ورد ذكره في إحدى الكتابات1. وقد دونها رجال يظهر أنهم كانوا من أتباعه، أي: من قبيلة "بتع" شكرًا للإله "تالب ريمم بعل شصرم" "تألب ريام بعل شصر"؛ لأنه من عليهم بالعافية، وأسعد قيلهم "رب شمس نمران"، وبارك في قبيلته2.

وقد ورد في أحد النصوص: "رب شمسم نمرن بن بتع"، أي "رب شمس نمران من آل بتع"، والظاهر أنه هو القيل المذكور في النص المتقدم الموسوم بـMM 82، وبـ3ـREP. EPIG. 3621. وقد ذكر "فلبي" أن "رب شمس" هذا، هو الملك "رب شمس نمران ملك سبأ وذي ريدان"، وذكر أن هذا الملك عرف بواسطة هذا النص الذي عثر عليه في "مأرب". واستنتج من ذلك أن هذه الأسرة أسرة "بتع" التي تقطن في الهضبة هضبة همدان، امتد نفوذها حتى بلغ السهل الذي تقع به "مأرب"4. ولا أدري كيف توصل "فلبي" إلى أن "رب شمس نمران" الذي هو من "آل بتع" أي هذا القيل، هو الملك "رب شمس نمران" الذي هو "ملك سبأ وذي ريدان"! فليس في هذا النص الذي أشار إليه، إشارة يمكن أن يستدل منها على أن "رب شمس نمران" المذكور فيه، هو ملك من ملوك سبأ وذي ريدان. فهذا النص لا يخصه إذن، وإنما هنالك نص آخر رقمه: REP. EPIG. 4138 ورد فيه "رب شمس نمران ملك سبأ وذي ريدان"5، وهو نص لم يشر إليه "فلبي" سأتحدث عنه في حديثي عن هذا الملك.

وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن النص المذكور لم يكن يقصد ثائرًا من أهل اليمن ثار على الآلهة والإنسان، وإنما قصد به حملة "أوليوس غالوس"، التي جاءت من الخارج إلى اليمن. وهي معادية بالطبع لأهل اليمن ولآلهتها، فشكر

1 SAB. INSCHR.، S. 40

2 MM82، RW 118، CIH 164، GLASER، 148

3 MM82، REP. EPIG. 3621، IV، I، P.244

4 BACKGROUND، P.107

5 REP. EPIG. 4138، VA 3820، 3843، REP. EPIG.، VII، I، P.96

ص: 97

"الشرح يحضب" الذي كان هو الملك يومئذٍ آلهته؛ لأنها نصرته على القادمين المغيرين، وأنقذت شعبه منهم1.

ويعارض "جامه" Jamme رأي من يقول: إن المراد من النص: CIH 429 حملة "أوليوس غالوس"، ويرى أن المراد من "نمران" هو "نمران أوكان""نمرن أوكن" الذي ورد اسمه في النصوص 2JAMME 684 JAMME 594 JAMME758 JAMME 739 JAMME 711.

وقد ورد اسم "نمران أوكان" مع اسم أخيه "جحضم أحصن"، وهما ابنا "سعدم""سعد" في النص Jamme 594، كما ورد في هذا النص اسما الملكين:"الشرح يحضب" و"يأزل بين"، أما النصوص الأخرى، فلم يذكر فيها اسم "يأزل بين". وقد استنتج "جامه" من ذلك أن صاحب النص: Jamme 594 كان قد دونه في أيام حكم الملكين. أما النصوص الأربعة الأخرى، قد دونت بعد ذلك، دونت في أيام انتقال الحكم إلى "الشرح يحضب"، أي إلى أيام انفراد هذا الملك بالحكم وحده بعد الحادث المجهول الذي لا نعرف من أمره اليوم شيئًا والذي أدى إلى إغفال اسم "يأزل بين" في النصوص.

ويظهر من النصين: Jamme 739 و Jamme 758 أنه كان تحت إمرة الأخوين "نمران أوكان" و"جحضم أحصن" قائدان كبيران بدرجة "مقتوى". ومعنى هذا أن هذين الأخوين كانا من أصحاب القوة والسلطان في هذا العهد، ولا يستبعد أن يكونا قد ألفا جيشا خاصا بهما، يحاربان به. ويرى "جامه" أن الشعور بالعظمة قد ركب رأس "نمران أوكان"، حتى دفعه إلى الثورة على سيده "الشرح يحضب" على النحو المذكور في النص:3 CIH 429.

وقد ذكر اسم "يأزل بين" بعد اسم شقيقه "الشرح يحضب" في الكتابة4 CIH 954، وقد نعتا فيها بـ"ملكي سبأ وذي ريدان"، وقد ورد اسم "المقه بعل مسكت وبث وبران". وهي من بقايا نص سقطت أسطره الأولى،

1 RYCKMANS، 122A، CIH 429، BEITRAGE، S. 34

2 MAHRAM، P.327

3 MAHRAM، P.327

4 CIH 954، BOMBAY 30

ص: 98

وذكرت فيه أسماء عدد من الرجال من "بني جدن"1.

وذكر اسمهما على الترتيب نفسه في النص CIH 398، وهو نص سقطت منه كلمات، ولا سيما في الأسطر الأولى منه2، فسبب سقوطها عدم فهمنا المراد فهمًا صحيحًا. وقد دعيا في النص بـ"ملكي سبأ وذي ريدان". غير أننا نلاحظ أيضا أنه ذكر في السطر الثامن منه اسم "شعرم أوتر"، ونعته بـ"ملك سبأ وذي ريدان"، مع أن "شعرم أوتر""شعر أوتر" كان خصمًا للملكين "الشرح يحضب" و"يأزل بين"، فلِمَ ذكر معهما في النص؟ وعلى أي محمل نحمل هذا القول؟ ويلاحظ أن كلمة "مراهم""مرأهم" أي "سيدهم""سيده" ذكرت مباشرة قبل اسم "شعر أوتر"، كما ذكرت كلمة "مرايهمي" أي "سيديه" أو "سيديهم" قبل جملة "الشرح يحضب وأخيهو يازل بين" أي:"الشرح يحضب وأخيه يأزل بين". فنرى من هذا النص أن صاحبه نعت الثلاثة: "شعر أوتر" و"الشرح يحضب" وأخاه "يأزل بين" ملوكًا على "سبأ وذي ريدان"، فهل يدل هذا على أن هؤلاء الثلاثة حكموا حكمًا مشتركًا وفي وقت واحد، وقد كان "شعر أوتر" يحكم في مكان بينما كان "الشرح" وأخوه "يأزل" يحكمان في مكان آخر؟ وأن صاحب النص أو أصحابه كانوا يملكون أرضين في جزأي المملكة؛ لذلك اضطر أو اضطروا إلى ذكر الملوك الثلاثة في النص؟

هذه أسئلة تصعب الإجابة عنها بالاستناد إلى هذه الكتابة التي لم تتعرض لعلاقات "شعر" مع "الشرح" وأخيه، ولا يمكننا استخراج أي جواب منها مقنع في هذا الوقت.

ويرى "هومل" أن السبب الذي من أجله ذكر اسم "شعر أوتر" في هذا النص هو لأجل أن ينتقم الإله "المقه" الذي دعا في هذا النص منه، ولكي ينزل رحمته ونعمته على "الشرح" وعلى شقيقه يأزل، اللذين استطاعا في النهاية أن ينتصرا على خصمهما "شعر أوتر"، وأن "شعر أوتر"

1 CIH، IV، III، II، P.280

2 CIH 398، GLASER 891، CIH، IV، II، I، P.58، WINCKLER، DIE SAB. INSCHR. DER ZEIT ALHAN NAHFAN'S، S. 347، HARTMANN، DIE ARABISCHE FRAGE، S. 148.

ص: 99

هذا هو الذي قصده أحد النصوص، حيث أشير إلى الإنسان الذي ثار على سيده1.

وقد وردت في هذا النص جملة "أرضن خولن"، أي "أرض خولان"، و"محرم بعل أوعلن""محرم بعل أوعلان"، و"شعب صروح"، أي قبيلة صرواح.

ونشر في مجلة Le Museon نص آخر، ذكر فيه اسم "الشرح يحضب" وقد وردت قبل اسم "الشرح يحضب" جملة "ملك سبأ وذو ريدان ابن"، وقبلها ثلاثة أحرف هي:"ح م د""حمد"، وهي بقايا كلمة. ويظهر أن أصحاب النص قد تيمنوا بذكر اسم أحد أبناء "الشرح يحضب" ممن كانوا ملوكًا على سبأ وذي ريدان، غير أن هذا الاسم طمست معالمه بفعل العوامل الطبيعية وتقادم العهد، فلم يبقَ منه أثر. وذكرت بعد "الشرح يحضب" جملة "ملك سبأ وذو ريدان"2.

وقد لفتت بعض الكتابات -قَدَّرَ بعض الباحثين عددها بأحد عشر نصًّا، أو أكثر من ذلك بقليل- أنظار العلماء إليها؛ لأنها لم تذكر اسم "يأزل بين" خلافًا للكتابات الأخرى التي يربو عددها على هذا العدد، والتي تذكر اسم الشقيقين معًا. فاستنتج من إغفال تلك النصوص لاسم "يأزل" أن حدثًا وقع له أخذه إلى العالم الثاني، وذلك في حياة أخيه "الشرح يحضب"، فصار الحكم إلى "الشرح يحضب" وحده، وبقي على ذلك إلى أن بدا له ما حمله على إشراك ابنه معه في الحكم، فصار اسم ابنه يرد بعد اسمه في الكتابات3.

ويواجه هذا الاستنتاج مشكلة ليس من السهل حلها، مشكلة عثور الباحثين على كتابات ورد فيها اسم "يأزل بين" مدونًا فيها بعد اسم أحد أبناء "الشرح يحضب". ومعنى هذا أن "يأزل بين" لم يكن قد مات في أيام "الشرح"، بل بقي حيًّا وشهد نفسه وفاة شقيقه ثم عاش فعاصر حكم أحد أبناء شقيقه. فلا يمكن الأخذ إذن برأي من يقول: إنه كان قد أدركه أجله في حياة أخيه، اللهم

1 HANDBUCH، I، S. 93، DERENBOURG، BIBLIO. NATION، 2

2 LE MUSEON، LXII، 1-2، 1949، P.86، NR. 404

3 MAHRAM، P.326

ص: 100

إلا إذا قلنا: إن "يأزل بين" المذكور بعد "نشأكرب يهأمن يهرجب"، وهو ابن "الشرح يحضب"، لم يكن "يأزل بين" شقيق "الشرح يحضب"، بل شخصًا آخر، كأن يكون ابنًا لـ"وتر يهأمن" شقيق "نشأكرب"، أو ابنًا لـ"نشأكرب نفسه"؛ وعندئذ يكون في إمكاننا الادعاء بوفاة "يأزل" شقيق "الشرح" في حياة أخيه.

وهناك احتمال آخر قد يكون مقبولًا للعقل أكثر من الاحتمال الأول، هو احتمال بقاء "يأزل" حيًّا وإدراكه أيام حكم أولاد شقيقه. وعندئذ يمكن تفسير اختفاء اسمه في الكتابات في الأيام المتأخرة من حكم "الشرح" بوقوع خصومة بين الأخوين اشتدت حتى أدت إلى وقوع قطيعة بينهما وإلى حذف اسم "يأزل"، وهو أصغر سنًّا من أخيه من الكتابات، أي إلى خلعه وتجريده من اللقب الرسمي وهو لقب الحكم. وقد بقي مخاصمًا لشقيقه حتى أدركت شقيقه منيته، ثم مخاصمًا لابن أخيه "وتر يهأمن" إلى ولاية شقيقه "نشأكرب يهأمن يهرحب" الحكم. فلما ولي "نشأكرب" عرش "سبأ وذي ريدان"، أشرك عمه معه في الحكم؛ ولهذا أدرج اسمه من جديد في الكتابات، أدرج بعد اسم "نشأكرب" الملك الفعلي وارث العرش.

أما كيف أشرك "يأزل" مع ابن أخيه في الحكم، وكيف عاد مرة ثانية إلى الحياة الرسمية العامة؟ فليس في استطاعتنا الجواب عن ذلك جوابًا أكيدًا. ولا يستبعد احتمال قيام أناس بالتوسط بين العم وبين ابن أخيه لإصلاح ذات بَيْنِهما، وقد يكون "نشأكرب" هو الذي صالح عمه وأرضاه؛ لدافع شخصي، أو لمصلحة رآها، أو لاضطراره إلى ترضيته؛ لضعف مكانته أو شخصيته، فأراد الاستعانة به لتقوية مركزه. على كلٍّ، فإذا كان "يأزل بين" هذا، هو "يأزل بين" شقيق "الشرح" فيجب أن يكون قد تقدم في السن حين عاد إلى الحكم.

ولدينا نص من نصوص الـ"وتف" أمر به "الشرح" ولم يذكر اسم أخيه فيه، وقد وجه به إلى قبيلة "يرسم" في شهر "ذو نسور الأول" وفي السنة السادسة من سني "معد يكرب بن تبع كرب""معد كرب بن تبع كرب" من آل "حزفرم""حزفر"، وقد ذكرت فيه أسماء عدد من سادات هذه القبيلة. وفي النص حديث عن أحوال المزارعين والفلاحين والآبقين

ص: 101

الذين يهربون من المزرعة إلى مزارع أخرى، ولا سيما من الأرض التي يشمل أحكامها هذا النص، وهي: وادي "يفعن""يفعان"، وأرض "يبلح"، وهي من "رأس مقـ.... ن" إلى "غضران"1.

ويتبين من هذا النص أن الفلاحين، وأكثرهم من المسخرين، كانوا يفرون من مزارعهم؛ للتخلص من عملهم المرهق الشاق فيها، ولعدم تمكنهم من كسب قوتهم، فصدر هذا الأمر في معالجة هذه المشكلة. وهي مشكلة أدت إلى تلف المزارع، وإعراض الناس عن الزراعة بسبب إكراه الفلاحين على العمل فيها سخرة، ولقسوة أصحاب الأرض وموظفي الحكومة عليهم.

وقد عثر في أرض "شبام سخيم" على كتابة، ذكر فيها "الشرح يحضب" وابنه، وأقيال "سمعي" وهم من سخيم، وذكر بيت "ريمان"، و"ريمان" هم من القبائل التي ذكرت في عدد من الكتابات2.

وقد جاء اسم "الشرح يحضب" وحده في النصوص: "أحمد فخري: 94، و95، و123"، وهي من نصوص هذا العهد: عهد انفراد "الشرح" بالحكم، متلقبا بـ"ملك سبأ وذي ريدان"3.

ويعود النص Jamme 571 إلى هذا العهد كذلك، وهو نص يتوسل فيه صاحبه إلى إلهه بأن يمن عليه بالسعادة والعافية، وبأن يبارك في ثماره "أثمرن" وفي حاصل حصاده "أفقلم"، وبأن يبعد عنه كل شر، ويرد عنه كيد الكائدين، وحسد الشانئين4.

وأما النص: Jamme 567، فقد كتب في هذا العهد أيضا، دونه رجل اسمه "أبامر أصدق""أبأمر أصدق""أب أمر أصدق"، وهو من بني "صريهو معد كرب""صريهو معد يكرب"، وولداه "برلم""برل"،

1 REP. EPIG. 4646، VII، II، 289، RHODOKANAKIS، EINE ALTSUDARABISCHE WATF INSCHRIFT، 1937، S. 1-6، J. RYCKMANS، L'INSTITUTION، P.179،

2 SAB. INSCHRI.، S. 38، MM 24، BEITRAGE، S. 19

3 MAHRAM، P.326

4 JAMME 571، MAMB 189، MAHRAM، P.57

ص: 102

و"كربعثت""كرب عثت"، وذلك عند تقديمهم ثلاثة تماثيل من ذهب1 إلى الإله "المقه ثهوان"؛ وذلك لمناسبة نوم "برلم" الذي أصابه وألم به، في شهر "عثتر" من سنة "سمهكرب بن أبكرب""سمهوكرب بن أبكرب" من بني "حذمت""حذمة"، ولمناسبة الحكم الذي رآه في منامه وتحقق فيما بعد، ولمناسبة شفائه من مرضه، ولكي يديم نعمه عليهم جميعًا، ويعطيهم ذرية طيبة صحيحة، وثمارًا كثيرة وحصادًا جيدًا وغلة وافرة، ويمن على سيدهم "الشرح يحضب، ملك سبأ وذي ريدان، بن فرعم ينهب ملك سبأ"2.

وإلى هذا العهد أيضا يعود النص: Jamme 572. وقد دونه ضابطان كبيران "مقتوى" من ضباط "الشرح يحضب؛ ملك سبأ وذي ريدان"، لمناسبة تقديمها تمثالًا من رصاص أو نحاس "صرفن" "صراف"، يزن ثلاثمائة "رضف"، تعبيرًا عن حمدهما وشكرهما له؛ لأنه مَنَّ على سيدهما "الشرح يحضب" بالشفاء والصحة، ونجاه من عاقبة مرضه "بن مرض مرض بهجرن مرب"، بمدينة "مأرب"، ولكي ينعم عليه ويزيل عنه كل بأس "باستم" وكل أرق "مقيظم" أصابه، ولكي ينعم عليهما ويسعدهما ويبعد عنهما حسد الحاسدين وأذى الأعداء3.

ويتبين من هذا النص أن مرضًا نزل بالملك "الشرح يحضب" وهو بمأرب، وقد أصيب بأرق "مقيظم" وقلق، ولم يذكر النص سبب المرض، ولكن يظهر أنه كان قد أصيب بإعياء وتعب بدني ونفسي، حتى استولى عليه الأرق والاضطراب؛ ولهذا توسل هذان الضابطان إلى الإله "المقه" بأن يُشفي سيدهما مما أَلَمَّ به.

وتعد الكتابات: Jamme 568 و Jamme 569 و Jamme 570، من نصوص هذا العهد. وصاحب النص الأول رجل اسمه "سعد شمس أسرع" وهو من "جرت""جرة"، وكان من أقيال عشيرة "ذمري". وقد

1 لقد ترجم "جامه" Jamme لفظة "ذهبن"، أي: ذهب بـ"برونز" Bronze، في كل ترجماته للنصوص إلى اللغة الإنجليزية، مع أن لفظة "ذهب" معروفة لا تحتاج إلى تفسير، وأنا أخالفه في هذا الرأي.

2 JAMME 567، MAMB 291، MAHRAM، P.49

3 JAMME 572، MAMB 112، MAHRAM، P.59

ص: 103

قدم هو وابنه "مرثدم يهحمد" مرثد يهحمد، إلى الإله المقه تمثالًا؛ ليمن على سيدهما الملك، وليحفظه من كل سوء، ولكي يبارك فيهما ويزيد نعمه عليهما وعلى أهلهما من "جرت" وعلى قبيلتهما قبيلة "سمهرن" سمهران1.

وقد قدم أصحاب النص: Jamme 569، وهم من عشيرة "مربان" "مربأن" تمثالًا مؤنثًا "صلمتن" -ويظهر أنه يقصد تمثالًا لامرأة- وذلك ليحظوا برضا ملكهم "الشرح يحضب"2. وأما النص: Jamme 570 فقد دونه رجل، سقط اسمه الأول من النص، وبقي نعته فقط، وهو "ركبن"، أي "ركبان"، وقد قال عن نفسه:"عبد ملكن"، أي: عبد الملك، يقصد خادم الملك؛ ذلك لأنه تمهل في عمله، فلم يجمع غلة اليوم الثامن من المزرعة، فكَفَّر عن تمهله هذا وتجاهله أمر الإله "المقه" الذي كان عليه أن يقوم بخدمته وبأن يحضر موضع أداء الشعائر له، وذلك بتقديمه ذلك التمثال وبأن يقوم بجني غلة المزرعة على نحو ما يرام3. ويلاحظ أنه استعمل جملة:"ولشرح يدهو ولسنهو"4، أي:"وليشرح يده ولسانه"، ويقصد بها التوسل إلى الإله "المقه" بأن يبسط يد الملك ولسانه، أي: يبارك في يده ولسانه، كما نقول: يشرح الله قلبه، فهي من التعابير المستعملة عند العرب الجنوبيين في ذلك العهد.

ولم يذكر اسم "يأزل بين" في النصين: REP. EPIG. 3990، و REP. EPIG. 4150. وصاحب النص الأول هو "يجعر بن سخيم" وكان قيلًا "أقول" على عشيرة "سمعي" المؤلفة لثلث "ذي حجرم". وقد قدم إلى الإله "تألب ربام""بعل كبدم" خمسة تماثيل؛ لينعم ويبارك على سيده "الشرح يحضب"، ملك سبأ وذي ريدان، وعلى ابنه "وترم""وتر"، وليبارك فيه وفي بيته "بيتو""ريمان"5.

1 JAMME 568، MAMB 295، MAHRAM، P.53

2 JAMME 569، MAMB 188، MAHRAM، P.54

3 JAMME 570، MAMB 227، MAHRAM، P.55

4 الفقرة 13 من النص.

5 REP. EPIG. 3990، MAHRAM، P.328، MM 24، BU. SAN'A 1909، JEMEN، II، 345، SAB. INSCHR.، S. 38

ص: 104

والنص: REP. EPIG. 4150 صاحباه شقيقان، "شرح عثت أريم" وشقيقه "رثد ثون" تمثالًا إلى الإله "عثتر ذ ذنن""عثتر ذو ذبان"، "بعل بحر حظيم" حامدين "حمدم" له وشاكرين، إذ من عليهما، وأوفى لهما ما طلبا وسألا، وكان ذلك في أيام "الشرح يحضب ملك سبأ وذي ريدان وابنه وتر"1.

ويلاحظ أن النصين لم يذكرا بعد "وترم" لقبه، ولم يكتبا جملة "ملك سبأ وذي ريدان". ويظهر أنهما كُتبا في أيام انفراد "الشرح يحضب" بالحكم، وتولي ابنه "وتر" إدارة الأمور؛ لمساعدة أبيه فقط، ولم يكن قد منحه أبوه يومئذ حق التلقب بألقاب الملوك.

لقد بلغنا الآن نهاية أيام حكم "الشرح يحضب"، لقد رأيناه محاربًا مقاتلًا حارب الحبش، وحارب حمير، وحارب حضرموت، وحارب قبائل أخرى. لا يكاد يعود إلى إحدى عاصمتيه "مأرب" أو صنعاء، ليستقر في قصريه ومقري حكمه: قصر "سلحان" أو "غمدان" وليستريح بعض الوقت، حتى تشتعل ثورة هنا أو هناك تدفعه إلى ترك راحته والإسراع نحوها للقضاء عليها وإخمادها حتى لا يمتد لهيبها إلى مكان آخر. لقد أجهدته هذه الحروب وتلك الفتن، فأتعبت جسمه ونهكت أعصابه، حتى أُصيب مرارا بأمراض وطغى عليه الأرق، وهذا ما حمل المقربين إليه على التوسل إلى آلهتهم؛ لتمن عليه بالشفاء وبنوم هادئ مريح، ولتمنحه الراحة والاستقرار، وتبعد عنه الأتعاب وشر الأعداء الأشرار وحسد الحاسدين، دلالة على كثرتهم وتعبيرًا عن تلك الفتن المتتالية التي كانت في تلك الأيام.

وقد كلفت هذه الحروب وتلك الثورات، العربية الجنوبية أثمانًا باهظة، وأنزلت بها خسائر فادحة في الأرواح والأموال، وأحلت بكثير من مواضعها الدمار والخراب، ونَغَّصَتْ عيش أهلها فجعلتهم في حالة نفسية قلقة مضطربة، بدليل ما نجده من توسلات ترتفع إلى الآلهة تدعوها بأن تمن على عبيدها بنعمة الطمأنينة والهدوء والاستقرار، كما نشرت فيها الأوبئة والأمراض التي كانت تفتك بالناس بالجملة

1 REP. EPIG. 4150، VA 3846 + 5334، MAHRAM P.328،

REP. EPIG.، VII، I، P.106

ص: 105

فتكًا، وأحلت الهلاك بالمزارع والحقول وبالمدن، فردمت آبار، عاشت عليها الزراعة والقرى والمدن، واقتلعت الأشجار، وأتلفت الحقول والمزارع، وأُوذيت مجاري المياه التي تسقيها، وخُربت مدن، وأُعمِل في أهلها السيف، أو سِيقوا أسرى، ووضعٌ على هذا النحو لا بد أن يخلق تعاسةً وبؤسًا، ويؤثر في الوضع العام بجملته تأثيرًا سيئًا، يصير إرثًا ينتقل إلى الطبيعة الجديدة1.

وقد لاحظ "ريكمنس" J. Ryckmans أن هذا الاقتتال وهذا النظام الإقطاعي يصادف زمن حلول الخيل محل الجمل في القتال في أواسط جزيرة العرب وجنوبيِّها، كما لاحظ W. Dostal أن جيوش العربية الجنوبية استعملت سروجا جيدة لدوابها التي تحارب عليها، وأن قبائل أواسط جزيرة العرب حسنت من أنظمتها وكفاءتها في القتال؛ مما أكسبها قدرة في الغزو بسرعة والانتقال من مكان إلى مكان في مدة قصيرة، فأكسبها شأنا عسكريا وسياسيا؛ فأثر كل ذلك في السياسة العامة للجزيرة، إذ لم تبقَ القوى العسكرية محصورة في مناطق الزراعة في هضاب جنوب جزيرة العرب، وإنما انتقلت إلى بقية أنحاء جزيرة العرب؛ إلى مواضع الآبار والرياض والعيون حيث تركزت الزراعة كما حدث في يثرب وفي الطائف وفي أماكن زراعية أخرى، أو إلى مواضع تقع على طرق قوافل مثل مكة، أهلتها لأن تختص بالتجارة، وأن تنال مكانة بها2.

لقد وضع "جامه" حكم "الشرح يحضب" مع أخيه "يأزل بين"، إذ كانا يحكمان حكمًا مشتركًا في حوالي السنة الخمسين قبل الميلاد، وجعل نهاية هذا الحكم المزدوج حوالي السنة الثلاثين قبل الميلاد، حيث حكم "الشرح" حكمًا منفردًا لا يشاركه فيه أحد. وقد دام هذا العهد إلى حوالي السنة العشرين قبل الميلاد أو بعدها بقليل3.

وإذا جارينا رأي "جامه" المتقدم، ورأي الباحثين الذين ذهبوا إلى أن حكم "الشرح يحضب" كان في النصف الأخير من القرن الأول قبل الميلاد، وفي

1 LE MUSEON، 1964، 3-4، P.451

2 W. DOSTAL، THE EVOLUTION OF BEDOUIN LIFE، L'ANTICA SOCIETA BEDUINA، UNIVERSITA DI ROMA، STUDI SEMITICI 2، 1959، P.11-34، LE MUSEON 1964، 3-4، P.452.

3 MAHRAM، P.390

ص: 106

الربع الأخير منه، جاز لنا القول بأن "إلساروس" Ilasaros، الذي ذكره "سترابون" على أنه ملك السبئيين في أيامه، وكانت في عهده حملة "أوليوس غالوس" هو هذا الملك "الشرح يحضب"1. ولكن جمهرة أخرى من الباحثين والمتخصصين في العربيات الجنوبية ترجع أيام "الشرح" إلى ما قبل ذلك، فقد جعل "فلبي" مثلًا حكمه فيما بين السنة "125" والسنة "105" قبل الميلاد2.

هذا، ويلاحظ أن بعض الكتابات التي أغفلت "يأزل"، ذكرت ابن "الشرح" بعد أبيه، ودعت له ولأبيه بالعافية ودوام البركة والنعمة، إلا أنها لم تنعته بنعت، مما يدل على أنه لم يكن يحمل لقب "ملك سبأ وذي ريدان" آنذاك3.

وقد اختلف الباحثون في ضبط اسم الشخص الذي ولي الحكم بعد "الشرح يحضب"؛ فقد وضع "فلبي" اسم "يأزل بين" بعد "الشرح يحضب"، دلالة على أنه هو الذي حكم بعده، ثم وضع "نشأكرب يهأمن يهرحب" من بعده، وهو ابن "الشرح يحضب"، ومعناه أنه هو الذي حكم بعد وفاة عمه4. إذ إن "يأزل بين" هو شقيق "الشرح يحضب" كما رأينا.

ووضع "فلبي" اسم "وتر يهأمن" بعد "نشأكرب يهأمن يهرحب"، وهو كذلك أحد أبناء "الشرح يحضب". ويرى بعض الباحثين أن "وترًا" اتخذ لقب "يهأمن" بعد اعتلائه العرش، وكان قبل ذلك يعرف بـ"وتر"5، وقد ورد اسمه في عدد من الكتابات6.

أما "ريكمنس" فقد دون اسم "يأزل بين" بعد "الشرح يحضب" وقد جعله شريكًا له في الحكم، ومعاصرًا لـ"حيو عثتر يضع"، وهو ابن "شعر أوتر" والمالك من بعده، وآخر من حكم من أسرة "علهان نهفان"،

1 MAHRAM، P.390 BEITRAGE، S. 32، J. RYCKMANS، L'INSTITUTION، P.337

2 BACKGROUND، P.142

3 MM24، BU SAN'A 1909، JEMEN، II، 345، SAB. INSCHR.، S. 38

4 BACKGROUND، P.142

5 SAB. INSCHR.، S. 39

6 REP. EPIG. 4216، VII، II، P.147، MORDTMANN UND EUGEN MITTWOCH، ALTSUDARABISCHE INSCHRIFTEN، ROMA، 1933، S. 47

ص: 107

"علهن نهفن". ثم جعل الحكم في "نشأكرب يهأمن" ابن "الشرح يحضب". وذكر معه اسم "وتر" غير أنه لم يذكر أنه ولي الحكم، كما أنه لم يذكر أي شيء آخر عنه، ثم ترك فراغًا، ذكر بعده اسم "ذمر على بين"1.

وأما "جامه"، فقد نصب "وتر يهأمن" ملكًا من بعد "الشرح يحضب" الذي هو أبوه، وجعل حكمه ملكًا في حوالي السنة "5" قبل الميلاد حتى السنة "10" بعد الميلاد2.

و"وتر يهأمن" هو "وتر" الذي تحدثت عنه، وقلت: إن اسمه قد ورد في النصين: Rep. Epig. 3990 و rep. Epig. 4150 اللذين ورد اسمه فيهما غير مقرون بلقب، ولا جملة "ملك سبأ وذي ريدان". أما في النصوص الأخرى، فقد ذكر فيها لقبه وهو "يهأمن"، وذكر بعده شعار حكمه ملكًا، وهو "ملك سبأ وذي ريدان"3.

ويرى "ميتوخ" و"موردتمن" أن من المحتمل أن يكون "وتر يهأمن" المذكور في النصين: CIH 10 و CIH 258، هو "وتر يهأمن" هذا الذي نبحث عنه. وقد ذكرت بعد "وتر يهأمن" في النص CIH 10 جملة "ملك سبأ". ويرى "ميتوخ" و"موردتمن" أيضا أن ابن "الشرح" كان يعرف بـ"وترم""وتر" وذلك قبل اعتلائه العرش. فلما أصبح ملكًا، عرف بـ"وتر يهأمن"، أي باتخاذ لقب "يهأمن" لقبًا رسميًّا له4.

ويتحدث النص: Jamme 601 عن معارك وقعت في أرض "خولن جددن""خولان جددان"، تولى إدارتها وقيادتها "الرم يجعر""الريام يجعر""الرام يجعر""الريم يجعر"، وهو من عشيرة "سخيمم""سخيم"، وكان قيلًا "قول" على عشيرة "سمعي"، التي تكون ثلث قبيلة "حجرم"، وهو صاحب النص، والآمر بتدوينه. وقد ذكر فيه: أن سيده الملك "وترم يهأمن""ملك سبأ وذي ريدان ابن الشرح يحضب ملك سبأ وذي ريدان"

1 J. RYCKMANS، L'INSTITUTION، P.337

2 MAHRAM، P.390

3 CIH 10، CIH 258، GEUKENS 4، JAMME 601، 602، 603، 604، 605، 606، 607، RYCKMANS، IN ORIENS ANTIQUUS، ROMA، 1964، VOL.، III، P.68

4 SAB. INSCHR.، S. 39

ص: 108

أمره بأن يسير إلى عشائر "خولان""خولن" ويؤدبها؛ لأنها عصت الملك، وشجعت قبائل أخرى على العصيان، فانضمت إليها. وقد استطاع هذا القائد كما يذكر في نصه أن يقهر الثائرين ويحطم مقاومتهم، ثم عاد بعد ذلك بغنائم كثيرة سرت الملك، فشكر الإله "المقه ثهوان""بعل أوام" الذي وفقه ونصره، فقدم إليه تمثالين له؛ تعبيرًا عن شكره، وعن مننه عليه، إذ نصره في معركتين مع قبائل خولان ومن انضم إليها، اللتين قهر فيهما أولئك الثائرين، ولكي يزيد من نعمه عليه، ويبارك في ملكه وفيه وفي أهله، ويعطيه بركة في زرعه وقوة في جسمه، ويبعد عنه أذى الأعداء1.

والنص: Jamme 602 هو في معنى النص الأول وفي مضمونه، وصاحبه هو "الرم يجعر" نفسه. وأما النص: Jamme 603، فقد أمر بتدوينه "فرعم بن مقرم""فرع بن مقر""الفارع بن مقر" وأولاده، وهو من عشيرة "عقبان""عقبن"؛ وذلك لمناسبة إنشائهم "سقه"، أي:"سقاية" صهريجًا و"مزودًا" وصرحًا في "ذ عقبن""ذي عقبان". وتيمنًا بهذه المناسبة قدموا إلى الإله المقه تمثالًا حمدًا له وشكرًا على أنعمه عليهم، وكان ذلك في أيام:"وتر يهأمن ملك سبأ وذي ريدان"2.

وشكر "وهبم أصدق""وهب أصدق""وهاب أصدق"، الإله "المقه" على نعمه التي أنعمها عليه. وتعبيرا عن حمده وشكره له، قدم إلى معبده "أوام" ثلاثة أصنام" تماثيل"، وذلك في أيام "وتر يهأمن، ملك سبأ وذي ريدان"، ابن "الشرح يحضب ملك سبأ وذي ريدان". وقد سجل شكره هذا في نص، وسمه الباحثون بـ Jamme 604. ومما يلفت النظر فيه ورود جملة:"وبشمس ملكن تنف"، أي: وبشمس الملك تنف، ويقصد بها وبشمس إلهة الملك، ونعتها تنف3.

والنصوص الثلاثة الأخرى هي في أمور شخصية، لا صلة لها بالسياسة وبالحرب وببقية النواحي من الحياة العامة، كل ما فيها توسلات وتضرعات إلى الآلهة بأن تمن على أصحابها بالخيرات وبالبركات وبالسعادة وبأولاد ذكور

1 JAMME 601، MAMB 205، MAHRAM، P.102

2 JAMME 603، MAMB 87، MAHRAM، P.104

3 JAMME 604، MAMB 207، MAHRAM، P.107

ص: 109

"أولدم أذكرم"، وما شاكل ذلك1. ولذلك لا أجد فائدة في الكلام على مضمونها في هذا المكان.

وقد وضع "جامه" اسم "نشأكرب يهأمن يهرحب" بعد اسم "وتر يهأمن" في الحكم. و"نشأكرب" هذا هو أحد أبناء "الشرح" أيضًا، فهو شقيق "وتر يهأمن"2.

وقد حصل الباحثون على عدد من الكتابات من أيام حكم "نشأكرب"، من جملتها الكتابة: Jamme 619، وصاحبها رجل اسمه "رب إيل أشوع""ربئيل أشوع"، وابنه "ددال""دودايل""دادايل""داديل" من عشيرة "حلحلم""حلحل""حلاحل"، وقد كان "رب إيل أشوع" عاقب "عقبت" الملك على مدينة "نشقم" أي:"نشق". ويراد بـ"عقبت""عاقب"، درجة نائب الملك، أو ممثله الذي يمثله ويدير مكانًا ما، وقد دون كتابته عند شفائه من مرض ألم به وهو في مدينة "نشق"، ومن اضطراب وقع له في معدته، ومن سقوط بعيره بعثرة عثرها، فسقط "رب إيل أشوع" من ظهره على ما يبدو من النص، ولكي يحظى برضا سيده "نشأكرب يهأمن يهرحب، ملك سبأ وذي ريدان ابن الشرح يحضب، ملك سبأ وذي ريدان"3.

وسجل "رب إيل" وأخواه "يزد""يزيد" و"هوف ال""هوف إيل""هوفئيل"، وهم من "ال ذخرم""آل ذخر" شكرهم وحمدهم للإله "المقه ثهوان""بعل أوام"؛ لأنه نجاهم مما ألم بهم من أمراض، وخفف عنهم كل شين نزل بهم "تشينت هشين"، ومن كل مصيبة ألمت بهم فنهكتهم، سجلوه على لوح وضعوه في معبد ذلك الإله، كما أهدوا إليه صنمًا، أي تمثالًا، تعبيرًا عن شكرهم وحمدهم له، وكان ذلك في عهد هذا الملك الذي نتحدث عنه4.

وجاء اسم "نشأكرب" في النص: REP. EPIG. 3563، وقد نعت فيه

1 السطر الحادي عشر من النص: Jamme 605

2 MAHRAM، P.390، LE MUSEON، 1967، 1-2، P.272

3 JAMME 619، MAMB 178، MAHRAM، P.120

4 JAMME 620، MAMB 150، MAHRAM، P.121

ص: 110

بـ"أيمن يهرجب" بدلًا من "يهأمن بهرحب"، وفي النص: REP. EPIG. 4191 وقد سقط اسم أصحابه فيه، وكانوا أقيالًا "أقول" على قبيلة سقط اسمها فيه أيضًا، وقد عبروا عن أنفسهم بـ"أدم نشأكرب"، أي "عبيد نشأكرم"، على سبيل الأدب والتعظيم للملك. وقد ذكروا فيه أنهم أهدوا للإله "المقه بعل أوعلن"، أي: المقه رب "أوعلان"، صنمًا "صلمن" مصنوعًا من صريف "صرفن" أي: فضة أو رصاص أو نحاس، بحسب تعريب الباحثين لكلمة "صرف""صرفان"، وصنمًا آخر من ذهب؛ لأنه من عليهم وأجاب كل ما سألوه1.

وقد سجل الملك "نشأكرب يهأمن يهرحب" نصين آخرين، أحدهما النص: Jamme 611، والآخر النص: Jamme 611، دون في النص الأول أنه أهدى لمعبد "المقه ثهوان"، وهو معبده المسمى "أوام""بعل أوم"، صنمين، أي: تمثالين من ذهب؛ لأنه أجاب دعواته "واستوفين كل دعت" ووفى له كل ما طلبه منه، وأعطاه "برق الخريف"، "ببرق خرف" أي: الأمطار التي تتساقط في موسم الخريف، فتُحيِي الأرض وتُغِيث الزرع، وذلك في سنة "نشأكرب من معد يكرب" من "فضحم""فضح الثاني"، ولأنه حفظه من البرد "بردم"، وربما قصد به مرض "البرداء"، أي:"الملاريا" التي تجعل المريض وكأنه يرتجف من البرد، أو ربما قصد به نزلة أصابته، ومن "أربيم" وقد ترجمها "جامه" بـ"جراد"، ومن سحب الهوام والحشرات التي ظهرت في هذا الموسم، بمناسبة حدوث هذا البرق، "بهيت برقن"، ولكي يزيد في نعمه عليه ويباركها، ويحفظه ويحفظ ملكه "ملكهمو" ويحفظ جيشه "خمسهمو""خميسه"، ولكي يثبر "لثبر" ويحط "وضع" من شأن كل شانئ وحاسد وعدو له2.

وأما النص: Jamme 611، فيذكر فيه "نشأكرب يهأمن يهرحب" أنه قدم صنمًا، "صلمن" إلى معبد الإله "المقه"، وهو معبد "أوم"

1 REP. EPIG. 4191، SE. 68، WIEN 72، MAHRAM، 336

2 ومجموع النصوص التي عثر عليها حتى الآن تحمل اسم الملك "نشأكرب" على أنه هو الآمر بتدوينها، هو تسعة نصوص Jamme 610، Mamb 208، Mahram، P.107، 336

ص: 111

"أوام"، حمدًا لذاته؛ لأنه أعطاه كل ما أراده وطلبه منه، ووفاه له، قدمه في شهر "هوبس وعثتر" من سنة "نشأكرب بن معد يكرب" من "حذمت" حذمة الثالث "ثلثن"، ولكي يديم نعمه عليه، ويمنحه القوة والحول، ويبارك في ملكه "ملكهمو"، ويعز جيشه، ويقهر أعداءه1.

ولدينا نص آخر من النصوص التي أمر "نشأكرب" بتدوينها، هو النص الذي وسم بـJamme 877، يخبر فيه أنه أهدى لمعبد الإله "المقه ثهوان"، وهو معبد "بعل أوام"، صنمًا "صلمن"؛ لأنه من عليه، وأوحى إليه في قلبه بأن يقدمه إليه، ولأنه أجاب كل ما سأله وطلبه منه. وقد أهداه له في شهر "هوبس" من سنة "سمه كرب""سمهكرب بن أبكرب" من "حذمت" حذمة الثالث "ثلثن"، ولكي يديم نعمه عليه، ويبارك فيه، ويبعد عنه أذى الأشرار والأعداء، وذلك بحق "المقه ثهوان""بعل مسكت" و"يثو برن""يثو برءآن"2.

وورد اسم هذا الملك في نص آخر وسم بـJamme 621 وصاحبه من عشيرة "عبلم""عبال""عبل""عبيل"، من بني "أأذنن""أأذنان""أأذن". وقد دونه تعبيرًا عن حمده لذات إلهه "المقه" الذي وفى له كل مطلب طلبه منه3، وذلك في عهد "نشأكرب"4، كما ورد اسمه في النص: Jamme 622، وصاحبه "أبكرب أصحح""أبو كرب أصحح"، وولداه "يحمد يزن""يحمد يزان""يحمد يزأن""يحمد يزءان"، و"أحمد يزد""أحمد يزيد"، وهم من "آل جرت""جرة" ومن "آل أنبر""أنبر""ال أنبر" وقد دونا فيه حمدهما وشكرهما للإله "المقه"، الذي أغناهم وأنعم عليهم بغنائم حرب أرضتهم، ولكي يمن عليهم بتنفيذ أي أمر يكلفهم الملك "نشأكرب" إياه، ولكي يبارك في زرعهم وفي حاصلهم الشتوي وحاصل الخريف وحاصل الصيف، ولكي يمنحهم البركة في أرضهم ويوفر لهم الماء لإسقاء زرعهم، ويبعد عنهم كل بأس "بن باستم" ويبعد الأرق عنهم،

1 JAMME 611، MAMB 21، MAHRAM، P.108

2 MAHRAM، P.336

3 "حمدم بذت هو فيهمو بكل املا ستملوا"، السطر الرابع من النص.

4 Jamme 621، Mamb 171، Mahram، P.122

ص: 112

وكل مكروه وكل أذى وحسد الشانئين البعيدين والقريبين1. ويلاحظ ورود اسم "أحمد" و"يحمد" في هذا النص.

ويتحدث النص Jamme 612 عن حملة قام بها "إحمد يغنم""أحمد يغنم"، وهو ابن "نشاي""نشأى"، وكان من كبار ضباط "مقتوى" الملك "نشأكرب"، وبأنه أهدى لمعبد "بعل أوام"، المخصص بعبادة الإله "المقه" صنمًا من ذهب؛ لأنه من عليه وأفاض عليه بنعمه، وأيده في الحملة التي قادها مع أقيال "أقولن" وجيش الملك إلى أرض حضرموت، ولأنه أعاده سالمًا بريئًا "أتو ببريتم" معافًى بعد أن قتل رجلين، ولكي يزيد في نعمه عليه وتوفيقه له، وليبعد عنه أذى الشانئين2.

والنص المذكور نص موجز، لم يذكر أسماء المواضع التي حارب فيها جيش "سبأ وذي ريدان" في حضرموت، ولا الأسباب التي أدت إلى إرساله إلى هناك. ويظهر من إيجازه هذا ومن عدم إشارته إلى عودته بغنائم وأسرى وأموال، أن الحملة المذكورة لم تكن حملة كبيرة، وإلا قادها الملك نفسه، فقد كان من عادة الملوك عندهم ترؤس الحملات الكبيرة، وإدارة الحروب بأنفسهم إذا كانت كبيرة، ولو رئاسة شكلية أو رمزية. وعدم إشارة هذا النص إلى وجود الملك مع رجال الحملة، يشير كما قلت إلى صغر حجمها، وإلى أن الغاية التي أرسلت من أجلها لم تكن ذات خطر، وقد تكون لمجرد تأديب قبائل من حضرموت تحرشت بسبأ أو عصت أمر ملك حضرموت، فأرسلها الملك "نشأكرب" لتأديب تلك القبائل الثائرة.

ونقرأ في النص: Jamme 616 خبر معارك اشترك فيها أصحاب النص، وهم من بني "سخيم" سادات "بيت ريمان". وكانوا أقيالا "أقول" على عشيرة "يرسم" من عشيرة "سمعي" التي تؤلف ثلث قبيلة "هجرم""هجر"، كما كانوا من كبار ضباط الملك "نشأكرب"، أي: من درجة "مقتوى". وقد نشبت تلك المعارك من امتناع عدد من القبائل عن دفع ما استُحِقَّ عليها من ضرائب؛ مما حمل الملك على إرسال حملة عسكرية إليها، تمكنت من

1 JAMME 623، MAMB 238، MAHRAM، P.122

2 JAMME 612، MAMB 88، MAHRAM، P.109، LE MUSEON، 1964، 3-4، P.481

ص: 113

تأديبها وإخضاعها، فاضطرت عشائر "خولان جددم""خولان جدد" إلى إرسال ساداتها وأشرافها إلى مدينة صنعاء "صنعو" لمقابلة الملك وعرض طاعتهم عليه وخضوعهم له. وقد رضي الملك عنهم، وأدوا ما استحق عليهم من إتاوة، وبذلك نجحت هذه الحملة، وسر أصحاب -وهم قادتها- بهذا النصر1.

وتحدث النص بعد ذلك عن عصيان قبيلة "دوات""دوأت" وعشائرها، وهي:"أباس""أبأس"، و"أيدعن""أيدعان"، و"حكمم""حكم"، و"حدلنت"، و"غمدم""غمد"، و"كهلم""كاهل"، و"أهلني""أهلاني"، و"جدلت""جدلة"، و"سبسم""سبس"، و"حرمم""حرم""حرام"، و"حجرلمد"، و"أومم""أوم"، و"رضحتن""رضحتان" من "حرت""حرة". وقد ثارت كل هذه العشائر، وعصت الملك، وامتنعت من دفع الضرائب؛ فاضطر الملك إلى إرسال قوة عسكرية عليها، التقت بها في أسفل الأودية "بسفل اوديتن":"بارن""بئران""بأرن""بأران" و"خلب" و"تدحن""تدحان"، فانتصرت عليها، أي: على العشائر الثائرة، وأخذت منها غنائم كثيرة وأسرى2.

وعثر على كتابات أخرى، ورد فيها اسمه ثم اسم "يأزل بين" من بعده، وذلك على هذا النحو:"نشأكرب يهأمن يهرحب، ملك سبأ وذي ريدان ابن الشرح يحضب، وبأزل بين، ملكي سبأ وذي ريدان". وقد أوجد ورود هذا الاسم -وذلك كما ذكرت سابقًا- للباحثين الذين قالوا بوفاة "يأزل بين" في أيام حياة "الشرح" مشكلة، خلاصتها: أنه إذا كان "يأزل بين" قد توفي في أيام شقيقه، فلِمَ ذكر اسمه في هذا النص وفي نصوص أخرى مثله؟ أفلا يدل ورود اسمه في النص على أنه لم يمت في ذلك العهد ولكن بقي حيًّا، وعاد فحكم مع ابن أخيه "نشأكرب"، بعد ترضيته أو لأسباب أخرى لا نعرفها، فعاد اسمه، فظهر مرة أخرى في الكتابات؟

أما الذين أبقو "يأزل بين" حيا ولم يُميتوه، فإنهم يعتمدون على هذه

1 JAMME 616، MAMB 154، 199، RY. 538، LE MUSEON، 1964، 3-4، P.481

2 الفقرة 23 فما بعدها، وراجع النص: Geukens 6، Mahram P.114

ص: 114

النصوص في دعواهم ببقائه على قيد الحياة، وبمشاركته ابن أخيه في الحكم، وأما غيرهم فقد تعمدوا إلى حجج وأعذار في تفسير ما ورد في النصوص، في جملتها أن ذكر اسمه لا يدل على بقائه حيًّا حتى ذلك الزمن، وأن ذكره في الكتابات معناه الإشارة إلى عم الملك، وقد كان ملكًا، وأن "نشأكرب" إنما ذكره ليبين للناس أنه سيسير على سنة أبيه وعمه في مقاومة أعدائه بتجريد الحملات عليهم ومحاربتهم، وأنه سيخالف بذلك سياسة شقيقه "وترم يهأمن" الذي سلك خطة التهدئة وحل المشكلات بطريقة المفاوضات والسلم. ودليلهم على ذلك ورود جملة نصوص من أيامه، فيها أخبار حروب وقتال، على حين لا نجد من أخبار القتال في أيام شقيقه غير خبر واحد ورد في نص واحد، هو النص: Jamme 601 الذي مر ذكره1. ولكن، هل نحن على علم يقين بأننا لن نعثر في المستقبل على نص ما من أيام "وترم يهأمن"، فيه نبأ عن حرب أو حروب؟ ثم من يدري بنا أنه كان مسالمًا؟ أفلا يجوز أن يكون قصر حكمه، هو الذي حال بينه وبين خوض المعارك؟ ثم ما الدليل على أن ذكر اسم "يأزل بين" في نصوص أيام "نشأكرب"، معناه اتباع سياسته وسياسة شقيقه في الحرب؟ وليس في النصوص أية إشارة ولا أي تلميح يدفعنا إلى التفكير في هذا التفسير أو التأويل.

ومن الكتابات التي دون فيها اسم "يأزل بين" بعد اسم "نشأكرب"، الكتابة: Jamme 608. وصاحبها هو الملك "نشأكرب يأمن يهرحب" نفسه2. وقد دونها حمدًا للإله "المقه ثهوان""بعل أوام" وشكرًا له على نعمه وأفضاله، وذكر أنه قدم في هذه المناسبة صنمًا أي: تمثالًا من صريف "صرفن" فضة أو رصاص أو نحاس، زنته ألف "رضى""رضيم"؛ ليكون تعبيرا عن شكره، وتقربه إليه3.

وتعد الكتابة: REP. EPIG. 4233 من كتابات هذا العهد، وصاحبها رجل اسمه "يصبح" وقد سقط اسم أبيه من النص. وقد ذكر فيها أنه قدم خمسة

1 Mahram، P.330

2 دون لقبه "يأمن"، أما في بقية النصوص فـ"يهأمن". وقد يكون الخطأ في الاستنساخ.

3 Jamme 608، Mamb 109، Mahram، P.106

ص: 115

تماثيل إلى الإله "المقه ثهوان"؛ لأنه من على عبده "يصبح" فأفاض عليه بنعمه، وأجزل له العطاء، ومنحه رضا سيده الملك، ولكي يديم نعمه هذه عليه، ويبعد عنه كل أذى وشر، بحق الإله: المقه1.

وإلى هذا العهد أيضا تجب إضافة النص: Jamme 611، الذي سبق أن تحدثت عنه في أثناء كلامي على الكتابات التي أمر الملك "نشأكرب" بتدوينها باسمه، إذ ذكر فيها اسم عمه "يأزل بين".

لقد انتهيت الآن من كلامي على "آل فرعم ينهب"، ووجب عليَّ التحدث عن أسرة جديدة حكمت "سبأ وذا ريدان"، هي أسرة يبدأ حكمها بحكم "ذمر على بين". ولكنني أرى التحدث عن أسرتين كان لهما شأن في هذا الزمن: أسرة "وهب أوم يضف""وهب أوم ياضف"، وأسرة "سعد شمسم أسرع""سعد شمس أسرع".

وقد ورد اسم "وهب أوم يضف""وهب أوم ياضف""وهب أوام يضف" في عدد من الكتابات، وذكر مع اسمه اسم شقيق له يعرف بـ"يدم يدرم"، وقد عاصرا الملك "الشرح يحضب"، كما عاصرا "نشأكرب يهأمن يهرحب". وقد عرفنا من الكتابات أسماء عدد من أولاد "وهب أوم يأضف" "وهب أوم يضف" هم:"حمعثت أزأد""حمعثت أزاد"، و"أبكرب أسعد""أبو كرب أسعد" و"سخيمم يزان""سخيم يزأن" و"وهب أوم يسبر""وهب أوم يسبر"، و"نشأكرب يدرم""نشأكرب يدرم"2.

ويظهر من النص: Jamme 616 أن "وهب أوم" وأخاه، كانا من عشيرة "سخيم"، وكانا "أبعلا" على بيت ريمان "أبعل بيتن ريمن" أي: أصحاب "بيت ريمان"، وكانوا أقيالًا على عشيرة "يرسم" من قبيلة "سمعي" التي تكون ثلث "ذي هجرم". فيظهر منه ومن النص: Jamme 718 أنهما كانا من عشيرة "سخيمم"، أي: سخيم3.

1 REP. EPIG. 4233، BACKGROUND، P.98، REP. EPIG.، VII، II، P.166، LE MUSEON، LXI، 3-4، "1948"، P.232

2 MAHRAM، P.332

3 JAMME 616، MAMB 199، MAHRAM، P.113، JAMME 718، MAMB 56، MAHRAM، P.202

ص: 116

وقد كانت أسرة "وهب أوم" وأولاده، وشقيقه "يدم" تستغل أرضين حكومية تابعة للملك، أجرها لها الملك "الشرح يحضب" وفق أمر ملكي أصدره باسمه، وأعلنه، عثر عليه الباحثون، فوسموه بـREP. EPIG. 4646. وقد ذكر في النص اسما ولدين من أولاد "وهب أوم"، هما: "حمعثت"، و"أكرب"، كما أشير إلى عشيرة "يرسم" و"سخيم". وهو من النصوص المهمة التي تتعلق بالزراعة وباستغلال الأرضين في ذلك الزمن.

وأما أسرة "سعد شمسم أسرع""سعد شمس أسرع"، فإن أهميتها تزيد على أهمية الأسرة المتقدمة، إذ كانت لاسمها صلة بالملك "الشرح يحضب"، كما جاء في النصوص: Jamme 626 و Jamme 627 و Jamme 628، Jamme 629 و Jamme 630. فقد نسب "سعد شمس أسرع" وابنه "مرثد يهحمد" في النصوص المذكورة إلى "الشرح يحضب"، فذكر أنهما "ابنا" الملك، ولقبا فيها بـ"ملكي سبا وذ ايدن"، أي ملكي سبأ وذي ريدان، مما يدل على أنهما كانا ملكين1.

وصاحب النص: Jamme 626 رجل اسمه "ينعم إذرح""ينعم أذرح"، وقد دون مع اسمه اسم ولديه:"إبكرب""أبكرب""أبي كرب" و"كبرم""كبر"، وهم من "غيمان". واشترك معهم في تدوينه رجل آخر اسمه:"ناسم""نأسم""نأس"، وكانوا أقيالًا على قبيلة "غيمان". وقد ذكروا أنهم أهدوا صنمًا إلى الإله "المقه ثهوان""بعل أوام" كما أُوحِيَ إليهم، حمدًا له وشكرًا، إذ من عليهم، ومنحهم السعادة والعافية، وجعل "سيديهم: سعد شمس أسرع وابنه مرثد يهحمد، وهما ملكا سبأ وذي ريدان وابنا الشرح يحضب ملك سبأ وذي ريدان"2 يرضيان عنهم، ولكي يديم الإله المقه نعمه عليهم، وذلك بحق عثتر وهوبس والمقه وذات حميم وذات بعدان

1 Le Museon، 1967، 1-2، P.272

2 "رضو وحظى مرايهمو سعد شمسم أسرع وبنهو مرثدم يهحمد ملكي سبأ وذ ريدن بني الشرح يحضب ملك سبأ وذ ريدن"، الفقرة 9 وما بعدها من النص:

Jamme 626، Mamb 146، Mahram، P.124، Orlens Antiquus، Vol، III، 1964، P.70

ص: 117

وبشمس الآهة الملك الملقبة بـ"تنف""تنوف" وبحق سيدهم "وبشمهمو""حجرم قحمم""حجر قحم""حجر قحام"، بعل القلعتين "عرنهن":"تنع" و"لمس".

وأما أصحاب النص: Jamme 627، فهم:"هو فعثت يزان""هو فعثت يزأن" و"آل كبسيم""آل كبسي"، وهم أقيال "أقول" عشيرتي "تنعمم""تنعم" و"تنعمت""تنعمة".

وقد ذكروا فيه أنهم أهدوا لمعبد "أوام"، وهو معبد "المقه"، صنمًا "صلما" لأنه أوحى إليهم أنه سيجيب مطالبهم، ويوفي لهم كل ما سألوه من دعوات، فينزل عليهم الغيث، ويمطرهم بوابل الخير والبركات، ويسقي جانبي وادي "يعد""يعود" و"إتب""أتب" وأرضًا من أرض "تنعمم""تنعم"، ولأنه أنبأهم بأنه سيملأ "ماخذ همو"، أي سد "يفد" وأرض يفد بأمطار الربيع وبأمطار الخريف، وبماء جارٍ دائم، وبأنه سيرفع حظوتهم عند "سعد شمس أسرع وعند ابنه مرثد يهحمد ملكي سبأ وذي ريدان، ابني الشرح يحضب، ملك سبأ وذي ريدان" وبقربهم إليهما تقربًا يرضيهم، ولأنه وعدهم بأنه سيمنحهم السعادة والمال والطمأنينة، وأنه سيسر خواطرهم، ويمنحهم غلة وافرة وثمارًا غزيرة وحصادًا طيبًا، وذلك بحق الآلهة:"عثتر" و"هوبس" و"المقه" و"بذات حميم" و"بذات بعدان" وبحق "شمس ملكن تنف"، أي: بحق الشمس إلهة الملك الملقبة بـ"تنف"، وبحق "المقه""بعل شوحط"، وبحق "شمسهمو بعلت قيف رشم"، أي:"الشمس" ربة "قيف رشم""قيف رشام"، وقد جعلوا نذرهم تقدمة للإله "عثتر شرقن""عثتر الشارق" و"المقه بعل أوام"1.

وأما النص Jamme 628، فهو النص المتقدم نفسه، فلا حاجة بنا إلى الكلام عليه. وأما النص: Jamme 630، فإنه كالنصوص السابقة، حمد وشكر للإله "المقه ثهوان""بعل أوام"؛ لأنه من على "لحيعثت أصححل" وهو من "يهعن""يهعان"، بكل ما سأله وطلبه منه، وأمطره بشآبيب

1 Jamme 627، Mamb 210، Mahram، P.125

ص: 118

نعمه وأفضاله، وبوابل من فضله، ورفع منزلته وأعطاه الحظوة عند "سعد شمس أسرع"، وعند ابنه "مرثد يهحمد"، ملكي سبأ وذي ريدان، ابني الشرح يحضب، ملك سبأ وذي ريدان، ولكي يديم نعمه عليه، ويتمها عليه وعلى بيته، ويعطيه ثمارًا وحصادًا جيدًا كثيرًا من كل أرضه "بن كل أرضتهمو"، ويقيه من كل الأمراض والآفات

بحق "عثتر" و"هوبس" و"المقه" و"بذات حميم" و"بذات بعدان" وبحق "شمس ملكن تنف" شمس إلهة الملك تنف1.

والنص Jamme 629 هو من أهم النصوص المذكورة؛ لورود أخبار ومعارك وحوادث تأريخية فيه لم ترد في أي نص آخر من النصوص المعروفة عن هذا العهد وعن هذه الأسرة، وصاحب النص رجل اسمه "مرثدم" وقد سقط لقبه في النص، وقد دون اسم ابنه:"ذرح إشوع""ذرح أشوع" معه، وهما من "جرفم""جراف""جرف" أقيال عشيرة "يهب عيل""يهبعيل". وقد دوناه عند تقديمهما صنمًا إلى الإله "المقه ثهوان""بعل أوام"، حمدًا له وشكرًا؛ لأنه وفقهما وأسبغ نعمه عليهما، ولأنه وفق "ذرحن""ذرحان" في كل المعارك والحروب التي خاضها لمساعدة سيديه "سعد شمس أسرع" وابنه "مرثد يهحمد""ملكي سبأ وذي ريدان"، ابني "الشرح يحضب ملك سبأ وذي ريدان"2.

وقد حمد "ذرحن""ذرحان" إلهه وشكره إذ نجاه من المعارك التي حدثت في أرض عشيرة "ردمان""ردمن"، تلك المعارك التي هاجمها حلف تكون من "وهب إيل"، الذي هو من "معاهر" ومن "خولان" وحضرموت وقتبان وردمان ومضحيم "مضحي" ومن كل من انضم إليهم من ناس "وكل أنس"3 ومن أعراب؛ وذلك لمغاضبة سيديهما ملكي سبأ ومعارضته4.

1 JAMME 630، MAMB 267، MAHRAM، P.131

2 JAMME 629، MAMB 203، MAHRAM، P.129، ORIENS ANTIQUUS، VOL.، III، 1964، P.70

3 "وكل أنس"، السطر السابع من النص.

4 "وأعرب"، السطران السابع والثامن من النص.

ص: 119

ويظهر أن "ذرحان" كان قد حُوصر أو وقع في مشكل في أرض ردمان، وربما في "وعلان" عاصمة "ردمان"، وبقي محاصرًا أو في وضع حرج صعب حتى جاءته قوات أنقذته مما وقع فيه، وعاد فالتحق بجيش سيديه الملكين لمحاربة ذلك الحلف1.

وقد أسرع الملكان، فعبَّأا جيشهما ومن كان معهما من تبع "أدمهمي" ومحاربين "ذبن أسبعن" وأقيال، واتجها نحو "وعلان"، حيث واجها الأحلاف"؛ واجها "يدع إيل" ملك حضرموت، ومن معه من أهل حضرموت و"نبطعم" "نبط عم"، ملك قتبان، ومن كان معه من أهل قتبان، و"وهب إيل" من "معاهر" وخولان و"هصبح" و"مضحيم"، ومن كانوا معهم، وقد جرت معارك انتهت بانتصار "ملكي سبأ وذي ريدان" على رجال الحلف2. ولم تذكر الأسطر التي دون فيها خبر هذه المعارك أسماء المواضع التي نشب فيها القتال، ولم تأت كذلك بأية تفاصيل عنها ولا عن فداحة الخسائر التي مُنيت بها قوات ذلك الحلف.

ويظهر أن "ذرحان" كان قد ترأس قوة مؤلفة من مقاتلين من "فيشن""فيشان" ومن "يهبعيل""يهب عيل"، وأخذ يهاجم بها بعض الأعداء، إلا أنه وقع في وضع عسكري حرج، إذ حاصره أعداؤه، ولم يتمكن من النجاة بنفسه وبقواته إلا بعد إسراع الملكين أنفسهما على رأس قواتهما لفك الحصار عنه. وقد نجحا في ذلك، وسلم مع قوته من الوقوع في الأسر. ولما خلص ونجا، أخذ يهاجم فلول بعض الأعداء، فنجح في هجومه وحصل على غنائم وأموال3، وعاد فانضم إلى جيش الملكين، وعاد الملكان إلى مدينة "مأرب" سالمين غانمين4.

ويتحدث "ذرحان" بعد ذلك عن معارك نشبت في منطقة مدينة "حلزوم" ومدينة "مشرقتن""مشرقتان""المشرقة". وكان "ذرحان" يحارب مع

1 Mahram. P.342

2 السطر التاسع فما بعده من النص.

3 Mahram، P.342

4 الفقرة: 23 من النص.

ص: 120

جيش الملكين في خلال هذه المعارك. وقد حاصر جيش الملكين مدينة "حلزوم" ثم افتتحها وأباحها فأخذ ما وجد فيها من أموال، ثم هاجم المواضع الأخرى على جانبي الأودية والسهول، وتركها للنهب والسلب، ودمر المعابد "الحرم""محرمت" والهياكل "وهيكلت"، وخرب كل المساقي "مسقى" التي تروي الأرضين في هذه المناطق1، وبذلك انتهت معارك هذه المنطقة بتفوق الملكين على أعدائه. ويظهر أن الجيش لم يتمكن من افتتاح مدينة "مشرقتن""المشرقة"، فبقيت صامدة مقاومة، حتى اضطر إلى ترك حصارها والارتحال عنها.

ثم ينتقل النص إلى الحديث عن معارك أخرى أدت إلى احتلال مدينة "منوبم""منوب"، وكل مدن "كل هجرن" ومصانع عشيرة "أوسن" أوسان، وإلى الاستيلاء على مدينة "شيعن""شيعان"2، ولم يذكر شيئًا مفصلًا عن هذه المعارك، ولا عن الأماكن الأخرى التي وقعت فيها، ولا عن الغنائم والأموال التي أخذها الجيش من هذه المواضع. ويرى بعض الباحثين أن مدينة "منوبم"، هي "منوب"، وهي من مدن "بني بدا"، وأن وادي "منوب" من الأودية التي تصب في وادي حضرموت في غرب "الحوطة"، التي تقع على مسافة عشرين كيلومترًا من جنوب شرق "شبام"، وأما شيعان فتقع على مسافة ثمانين كيلومترًا جنوب "تمنع"3.

ثم يتحدث النص بعد ذلك عن معارك أخرى اشترك فيها "ذرحان" وقائد آخر اسمه "رب شمسم يعر""ربشمس يعر""رب شمس يعر"، وهو من "علفقم""علفق""علافق"، وكانا يحاربان في أرض قتبان، وقد وقعا على ما يظهر منه في وضع حرج، وذلك في منطقة مستوطنات حضر "أحضر" وأعراب، حتى وصلت أمداد إلى"تمنع". وتمكنا بفضل "المقه" ورحمته بهما ومساعدته لهما من الخلاص والنجاة مما وقعا فيه، ثم عادا مع الملكين، وشقوا طريقهم إلى "مأرب" وعادوا جميعًا سالمين4.

1 الفقرة "25" فما بعدها إلى الفقرة "30".

2 الفقرتان 29 و30 من النص.

3 Mahram، P.342

4 الفقرة 31 وما بعدها.

ص: 121

ويظهر أن "مرثدم""مرثد" أبا "ذرحان أشوع" كان في مدينة "صنعاء""صنعو" وذلك بأمر من الملك للقيام بأعمال نِيطت به، كما ناط الملكان بخمسة أقيال آخرين القيام بأعمال خاصة بمدينة "رحبتن""الرحبة" في خلال الحملتين1، وتقع مدينة "رحبتن""الرحبة""الرحابة""رحبتان" على مسافة عشرين كيلومترًا شمال شرقي مدينة صنعاء2.

ويظن أن الملك "نبطعم""نبط عم" ملك قتبان المذكور في هذا النص، هو الملك "نبطعم يهنعم بن شهر هلال"، الذي حكم فيما بين السنة "20" والسنة "30" بعد الميلاد على رأي "جامه". وقد حكم أبوه "شهر هلال يهقبض" فيما بين السنة "10" والسنة "20" بعد الميلاد، على رأيه أيضًا. و"نبطعم يهنعم" هو أبو الملك "مرثدم" ملك قتبان الذي حكم فيما بين السنة "30" والسنة "45" بعد الميلاد3.

و"تمنع" المذكورة في هذا النص، هي "تمنع" عاصمة قتبان. ولورود اسمها في هذا النص أهمية كبيرة؛ لأنه يدل على أنها كانت موجودة في هذا الزمن، وأنها بقيت إلى ما بعد الميلاد، أي: إلى القرن الأول منه، إذا ذهبنا مذهب "جامه" في التقدير المذكور4.

هذا، ونحن لا نعلم في الزمن الحاضر عن الملكين المذكورين شيئًا يذكر، وقد وضع "جامه" حكم "سعد شمسم" وابنه "مرثدم يهحمد" فيما بين السنة "20" والسنة "30" بعد الميلاد، أي: إنه جعل حكمهما بعد حكم الملك "نشأكرب يهأمن يهرحب" ابن "الشرح يحضب" الذي انتهى حكمه في حوالي السنة "20" بعد الميلاد على رأيه5.

أما "فون وزمن"، فوضع زمان حكم "سعد شمس أسرع" في حوالي السنة "110" بعد الميلاد، ووضع زمان حكم "مرثد يهحمد" في حوالي السنة "130" بعد الميلاد. وذكر أن "الشرح يحضب"، هو "الشرح يحضب"

1 الفقرة 36 فما بعدها.

2 MAHRAM، PP.322، 342

3 MAHRAM، P.391

4 MAHRAM، P.343

5 MAHRAM، P.390

ص: 122

الأول الذي جعل ابتداء زمان حكمه سنة "80" للميلاد، وهو من "مرثد" من "بكيل"، والذي كان يحكم "شبام أقين""شبام أقيان". وقد أشار إلى وجود ملك آخر اسمه "الشرح يحضب" ميزه عن الأول بإعطائه لقب "الثاني"، وقد جعل زمان حكمه سنة "200" أو "206" للميلاد1.

وقد يذهب الظن إلى أن الملكين المذكورين هما في الواقع "سعد شمسم أسرع" وابنه "مرثدم يهحمد"، اللذان كانا من "جرت" جرة، وكانا قيلين على قبيلة "ذمرى"، كما نُصَّ على ذلك في الكتابات Jamme 568 و Jamme 606 و Jamme 607 و Jamme 753. وكانا في خدمة "الشرح يحضب" وفي خدمة ابنه "وترم"؛ لأن اسمي الملكين واسمي القيلين أسماء واحدة، ولأن زمانهما وزمان الملكين زمان واحد، إلا أن هذا الظن يصطدم بكون القيلين من "جرت" "آل جرة"، وبكون الملكين من نسل "الشرح يحضب"، كما يفهم ذلك من كلمة "بني"، أي: ابني بالتثنية الواردة بعد اسمها ولقبهما وقبل اسم "الشرح"، ولم يكن الملك من أسرة "جرت" "جرة"2.

وجملة "سعد شمسم أسرع وبنهو مرثدم يهحمد ملكي سبأ وذ ريدن بني الشرح يحضب ملك سبأ وذ ريدن"، ومعناها:"سعد شمس أسرع وابنه مرثد يهحمد ملكا سبأ وذي ريدان، ابنا الشرح يحضب، ملك سبأ وذي ريدان"، الواردة في النص3 Jamme 629، جملة مثيرة في الواقع تثير التساؤل عن المراد من لفظة "بني" المذكورة فيها، فلو فسرناها بمعنى "ابني" أي: ولدي "الشرح" اصطدمنا بحقيقة أن "مرثدم يهحمد"، لم يكن ابنًا للملك "الشرح" وإنما كان حفيدًا له، والحفيد غير الابن في اللغة وفي التعبير؛ ولذلك صار هذا التفسير غير منسجم مع واقع الحال.

أما لو فرضنا أن البنوة المقصودة، هي بنوة تبنٍّ، أي: إن "سعد شمس أسرع" لم يكن ابنًا من صلب "الشرح يحضب"، بل كان ابنًا بالتبني جُوبهنا بمعضلة أخرى، هي أن "سعد شمس أسرع" لم يكن في عمر يُتَبَنَّى فيه في العادة، ثم إن ابنه نفسه كان قيلًا أي: في عمر لا بد أن يكون قد جاوز

1 LE MUSEON، 1946، 3-4، P.498

2 MAHRAM، P.340، ORIENS ANTIQUUS، III، 1964، P.70

3 الفقرة الخامسة وما بعدها، Le Museon، 1967، 1-2، P.289

ص: 123

فيه سن المراهقة، وهو أولى على كل حال من والده بالتبني بالنسبة إلى سنه، ولو كان التبني له، لما جاز لأبيه أن يسمي نفسه ابنًا للملك بالمعنى المفهوم من التبني. لذا فنحن أمام معضلة لا يمكن حلها في الزمن الحاضر، ولا يمكن حلها إلا بعثور المنقبين على كتابات جديدة تتعلق بهذه الأسرة، وبشخصية "الشرح يحضب" نفسه، فلعل "الشرح" رجل آخر، حكم في غير هذا الزمن.

ويفهم من النص: Glaser 1228 أن "سعد شمس أسرع" وابنه "مرثد يهحمد"، وقد لقبا أنفسهما بلقب "ملك سبأ وذي ريدان"، كانا حليفي الملك "ذمر على يهبر"، وقد حاربا معه الملك "وهب ال يحز""وهب إيل يحز"، الذي كان مسيطرًا على نجاد قبيلة "سمعي"1. وقد انتصر "ذمر على يهبر" وحليفاه فيها، غير أن هذا النص لم يكن حاسمًا على ما يظهر.

أسرة فرعم ينهب:

1-

فرعم ينهب.

2-

الشرح يحضب بن فرعم ينهب.

3-

يازل بين بن فرعم ينهب، أي: شقيق الشرح يحضب.

4-

نشأكرب يأمن يهرحب، "نشأكرب يهأمن يهرحب"، وهو ابن الشرح يحضب.

5-

وترم يهأمن "وتر يهأمن"، وهو ابن الشرح يحضب، ومنهم من يقدم "وتر يهأمن" على أخيه "نشأكرب يهرحب".

1 LE MUSEON، 1964، 3-4، P.461، CIH 306 + 598

ص: 124