المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثلاثون: الحميريون - المفصل فى تاريخ العرب قبل الإسلام - جـ ٤

[جواد علي]

الفصل: ‌الفصل الثلاثون: الحميريون

‌الفصل الثلاثون: الحميريون

وجب علينا الآن البحث عن شعب لعب دورًا خطيرًا في سياسة العربية الجنوبية، في هذا الوقت وقبله بمئات من السنين، وهذا الشعب هو:"حمير" الذي لا زال قائمًا يلعب دورًا مهمًّا بين القبائل العربية الجنوبية حتى الآن.

كانت حمير من القبائل العربية المعروفة في العربية الجنوبية عند الميلاد، حتى وصل خبرها إلى اليونان والرومان، فدعوها باسم1 Homerital وبـOmyritai و Omeritae و Hamiroel ونحو ذلك. وقد اعتبر "بلينيوس" حمير من أكثر الشعوب العربية الجنوبية عددًا، وذكر أن عاصمتهم مدينة2 Sapphar، ويقصد بذلك مدينة "ظفار"، وعرفوا باسم Hemer عند الحبش3. وأشار إلى اسم مدينة من مدنهم، سماها "مسلة"4 Mesalum = Mesala = Masala

1 Pliny، Vi، 28

2 Pliny، Nat، Histo.، Vi، 104، Ency.، Iii، P.292، Mordtmann، Miscellen Zur Himjarischen، Pliny، Vi، Xxxii، 161، Vol.، Ii، P.458-459، Alterthumskunde، In Zdmg.، 31، 1877، S. 69، His. Ecciex.، Ii، 58، Ency.، Vol.، Ii، P.310، Le Museon، 1964، 3-4، P.438

3 Ency.، Ii، P.310، E. Littmann، Sabaische Griechische Und Altarabische Inschriftten، Deutsche Aksum-Expedit Vol.، Iv، Berlin، 1913، Miscellanea Academica Berolinsia، 11/ 2، 1950، P.107، Le Museon، Lxxvii، 3-4، 1964، P.429.

4 Pliny، Vi، Xxxii، 158، Le Museon، 1964، 3-4، P.449

ص: 162

وفي كلام هذا الكاتب عنهم إشارة إلى أن مدينة "ظفار" كانت عاصمة حمير في أيامه، وأن الحميريين كانوا قد تمكنوا في أيامه من تكوين شخصيتهم، ومن إثبات وجودهم في العربية الجنوبية يومئذٍ.

وقد ذهب "كلاسر" إلى أن المراد بـMasala موضع يدعى اليوم "المشالحة" ويقع شرق "مخا" على الساحل. "أما "شبرنكر"، فرأى أنه موضع "مأسل الجمع"، وأن المقصود بـHomeritae في هذا المكان جماعة أخرى، اسمها: Nomeritae، وأن النساخ حرفوه فكتبوه Homeritae بدلًَا من1 Nomeritae. وهذه التسمية التي يراها "شبرنكر" قريبة من "نمير".

وذكر مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري" أن الحميريين كانوا يحكمون في أيامه منطقة واسعة من ساحل البحر الأحمر وساحل المحيط حتى حضرموت، كما كانوا يمتلكون ساحل "عزانيا" Azania في أفريقية، أي: قسمًا من الساحل الشرقي. وكان عليهم ملك يسمى "كرب ال" Charibael، عاصمته مدينة "ظفار" Taphar، وكان على صلات حسنة بالروم2. وعدهم "مرقيانوس" Marcianus، وهو من رجال أوائل القرن الرابع للميلاد، من جملة قبائل الحبشة، ونجد عددًا من الكتاب البيزنطيين يرون هذا الرأي3.

وقد ذكرت حمير في نص "عيزانا" Ezana، ملك "أكسوم" Askum، ودُعيت في النص اليوناني منه بـOmyritai = Omeritai أي4: حمير.

ولم يعثر الباحثون على اسم حمير في الكتابات التي يرجع عهدها إلى ما قبل الميلاد بمئات من السنين مع ورود أسماء قبائل أخرى كانت تقيم في المواضع التي نزل بها الحميريون؛ مثل "حبان""حبن" و"ذيب". فقد جاء اسم "حبن""حبان" في الكتابة الموسومة بـREP. EPIG. 3945، وهي كتابة يرجع بعض الباحثين زمان تدوينها إلى حوالي السنة "400" قبل الميلاد5. و"حبان" مدينة وأرض تقع غرب "ميفعة"، على الطريق المؤدية إلى

1 Pliny، Vi، Xxxii، 158، Glaser، Skizze، Ii، S. 137

2 Ency.، Ii، P.310

3 Ency.، Ii، P.310

4 E. Littmann، Deutsche Aksum، Iv، Berlin، 1913، Reprinted In: Miscellanea Academica Berolinsia، Ii/ 2، 1950، P.107

5 Glaser 1000a، Le Museon، 1964، 3-4، P.445

ص: 163

"شبوة". أما "ذيب""ذيلب" فقبيلة كانت منازلها ما بين "عوالق الأحور" من الغرب ومنطقة "قنا"، وتضم "دلتا""ميفعة"، وهي من القبائل التي كانت تسكن القسم الشرقي من "حمير" أي: الأرض التي هاجمت منها حمير مملكة حضرموت1.

ويذهب "فون وزمن" إلى أن اسم حمير لم يكن قد لمع في هذا العهد على أنه اسم قبيلة حاكمة، وأن اسمها لم يلمع إلا بعد أن تحالف الحميريون مع قبائل أخرى مثل "ذياب"، فصاروا بحلفهم هذا قوة، وصار لهم نفوذ2.

وقد ورد اسم قبيلة "حبن""حبان" و"ذيب""ذياب" في النصوص المتأخرة كذلك، مثل كتابات "عقلة"3.

وقد عرف الحميريون عند أهل الأخبار أكثر من بقية الشعوب العربية الجنوبية الأخرى التي نتحدث عنها، وقد جعلوا "حميرًا"، وهو جد الحميريين في زعمهم، ابنًا لـ"سبأ"، وصيروه "حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان"4. وقد سموه "العرنج" وزعموا أنه كان ملكًا، وأنه ملك بعد هلاك أبيه "سبأ"، وأنه أول من تتوَّج بالذهب، وملك خمسين سنة، وعاش ثلاثمائة عام، وكان له من الولد ستة، منهم تفرعت قبائل حمير، وكانت بينهم حروب، إلى أمثال ذلك من أقوال5.

وقد حاول بعض أهل الأخبار إيجاد تفسير للفظة "حمير" ولكلمة "عرنج"؛ فذكروا أوجهًا متعددة للتسمية. وقد اعترف "ابن دريد"، بأن من الصعب الوقوف على الأصل الذي اشتق منه اسم "حمير" أو "العرنج"؛ لأن هذه أسماء قد أُميتت الأفعال التي اشتقت منها، وقد ذكر أن بعض أهل اللغة زعموا أنه سمي حميرًا؛ لأنه كان يلبس حلة حميراء6. وذكر أيضا "أن هذه الأسماء الحميرية لا تقف لها على اشتقاق؛ لأنها لغة قد بعدت وقدم العهد بمن كان يعرفها7".

1 Rep. Epig. 2887، Le Museon، 1964، 3-4، P.445

2 Le Museon، 1964، 3-4، P.446

3 Jamme 959، Le Museon، 1964، 3-4، P.446

4 ابن حزم، جمهرة أنساب العرب "ص406"، "تحقيق ليفي بروفنسال".

5 ابن خلدون "2/ 47"، مروج الذهب "2/ 3""محمد محيي الدين عبد الحميد".

6 الاشتقاق "2/ 306"، اللسان "4/ 215"، "دار صادر".

7 الاشتقاق "2/ 312"، "والعرنجج: اسم حمير بن سبأ"، اللسان "2/ 323"، "دار صادر".

ص: 164

ويطلق أهل الأخبار لقب "تبع" على الملوك الذين حكموا اليمن، وعلى مجموعهم "التبابعة"، وهم في حيرة من تفسير المعنى. وقد ذكر أكثرهم أنهم إنما سُمُّوا تبعًا و"تبابعة" لأنهم يتبع بعضهم بعضًا، كلما هلك واحد قام مقامه الآخر تابعًا له على مثل سيرته، أو لأن التبع ملك يتبعه قومه، ويسيرون خلفه تبعًا له، أو لكثرة أتباعه، أو من التتابع، وذلك لتتابع بعضهم بعضًا1. وذكروا أن أحد التبابعة كان قد صنع "الماذيات" من الحديد، وأن الحديد سخر له كما سخر للنبي "داود"2، وأشير إلى "تبع" في القرآن الكريم: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} 3، و {أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ} 4. وقد ذكر بعضهم أن هذا اللقب لا يلقب به إلا الملوك الذين يملكون اليمن والشحر وحضرموت، وقيل حتى يتبعهم "بنو جشم بن عبد شمس" أما إذا لم يكن كذلك فإنما يسمى ملكًا5. وأول من لقب منهم بذلك "الحارث بن ذي شمر" وهو الرائش، ولم يزل هذا اللقب واقعًا على ملوكهم إلى أن زالت مملكتهم بملك الحبشة اليمن6. وذكر أهل الأخبار أن تبعًا عند أهل اليمن لقبٌ هو بمنزلة الخليفة للمسلمين وكسرى للفرس وقيصر للروم، وكان يكتب إذا كتب: باسم الذي ملك برًّا وبحرًا7.

واختلف علماء التفسير في اسم "التبع" الحميري المذكور في القرآن الكريم، فذهب بعضهم إلى أنه من حمير، وأنه حَيَّر الحيرة وأتى "سمرقند" فهدمها. وذهب بعض آخر إلى أن تبعًا كان رجلًا من العرب صالحًا، وأنه لما دنا من اليمن ليدخلها حالت حمير بينه وبين ذلك، وقالوا: لا تدخلها علينا وقد فارقت ديننا،

1 المفردات "ص71"، اللسان "8/ 31"، تاج العروس "5/ 387" حمزة "82".

2 قال أبو ذؤيب:

وعليهما ماذيتان قضاهما

داود أو صنع السوابخ تبع

اللسان "8/ 31""تبع""صادر"، المفردات "71"، مجمع البيان "25/ 115"، تفسير الخازن "4/ 115"، تفسير الشربيني "3/ 553"، تفسير ابن كثير "4/ 142".

3 الدخان، الآية 37.

4 ق، الآية 14.

5 ابن خلدون "القسم الأول من المجلد الثاني ص94"، تاج العروس "5/ 287"، "تبع".

6 صبح الأعشى "5/ 480".

7 تفسير النيسابوري، حاشية على تفسير الطبري "25/ 86"، تفسير الطبري "25/ 77"، تفسير ابن كثير "4/ 124".

ص: 165

وكانوا يعبدون الأوثان فدعاهم إلى دينه، وقال: إنه دين خير من دينكم، قالوا: فحاكمنا إلى النار. قال: نعم فتحاكموا إليها، وكان معه حبران، فغلب الحبران النار، ونكصت على عقبها، فتهودت حمير، وهدم "تبع" بيت "رئام"، وهو بيت كانوا يعظمونه وينحرون عنده ويكلمون منه، وانتصر عليهم1.

وقد ذكروا أن تبعًا أول من كسا البيت، وأن الرسول نهى عن سبه2، ورُوِيَ أنه قال:"لا أدري، تبع نبيًّا كان أم غير نبي"3. ويظهر من هذا القصص المروي عن "تبع" والذي يعود سنده إلى "كعب الأحبار" و"وهب بن منبه" و"عبد الله بن سلام" في الغالب، أنهم قصدوا بـ"تبع" الملك "أسعد أبا كرب" الذي تهود. يؤيد هذا الرأي نص كثير من المفسرين والأخباريين على اسمه، ونسبتهم القصص المذكور إليه4. وذكر "ابن كثير" أن "أسعد أبو كريب بن ملكيكرب اليماني"، هذا هو "تبع الأوسط" وأنه ملك قومه ثلاثمائة سنة وستًّا وعشرين سنة، ولم يكن في حمير أطول مدة منه، وتوفي قبل مبعث الرسول بنحو من سبعمائة سنة إلى غير ذلك من قصص يرجع سنده إلى المذكورين5.

هذا وللتبابعة قصص طويل في كتب أهل الأخبار، فيها قصص عن نسبهم، وفيها قصص آخر عن فتوحاتهم وحروبهم، وكلام عن دياناتهم، وحديث عن حكمهم وأحكامهم، تجده مبسوطا مفروشا في صفحات تلك الكتب، تجد فيها بعض التبابعة وقد آمنوا برسالة الرسول ووقفوا على اسمه، وذلك قبل ميلاده بمئات من السنين، وتمنوا لو عاشوا فأدركوا أيامه وذبُّوا عن حياضه. هذا أحدهم وهو التبع "أسعد أبو كرب بن ملكيكرب"، يقول:

شهدت على أحمد أنه

رسول من الله باري النسم

فلو مدَّ عمري إلى عمره

لكنت وزيرًا له وابن عم

وجاهدت بالسيف أعداءَهُ

وفَرَّجْتُ عن صدره كل هم

1 تفسير الطبري "25/ 77".

2 تفسير الطبري "26/ 97 وما بعدها".

3 تفسير النيسابوري، حاشية على تفسير الطبري "25/ 86".

4 تفسير الطبرسي "25/ 66""طبعة طهران".

5 تفسير ابن كثير "4/ 144".

ص: 166

فهو يشهد برسالة الرسول، ويؤمن بها قبل مبعثه بنحو من سبعمائة سنة، ويرجو لو مد في عمره، فوصل إلى أيام الرسول، إذن لجاهد وحارب معه، وفرج عنه كل هم؛ لأنه كان يعلم بما سيلاقيه الرسول من قومه من أذى وعذاب، ولصار له وزيرًا وابن عم1.

ويذكر بعض الأخباريين، أن تبعًا قال للأوس والخزرج: كونوا هنا حتى يخرج هذا النبي صلى الله عليه وسلم، أما أنا لو أدركته لخدمته وخرجت معه2.

إلى غير ذلك من قصص يحاول أن يجعل للتبابعة علمًا سابقًا قديمًا برسالة الرسول باسمه وبمكان ظهوره، وبتهيؤ القحطانيين ومنهم أهل المدينة لتأييده وللذب عنه، ولنشر دينه على رغم قريش أهل مكة، وهم لب العدنانيين.

ونجد في كتب أهل الأخبار بعض التبابعة وقد صيروا مسلمين حنفاء يدعون إلى الدين الحق وينهون قومهم عن عبادة الأصنام. وتجد فيها أحاديث قيل: إن رسول الله قالها في حق التبابعة مثل قوله: "لا تسبوا تبعًا؛ فإنه كان قد أسلم"، أو "لا تسبوا تبعًا؛ فإنه كان رجلًا صالحًا" و"لا تسبوا تبعًا؛ فإنه أول من كسا الكعبة"، أو "ما أدري أكان تبع نبيًّا أم غير نبي"3. وتجد فيها أكثر من ذلك فقد بلغ الحال ببعض أهل الأخبار أن صيروا بعض التبابعة أنبياء وفاتحين، بلغت فتوحاتهم الصين في المشرق و"روما" في المغرب. وهذا القصص كله هو بالطبع من حاصل ذلك النزاع السياسي الذي كان بين القحطانيين والكتلة المعادية لها، كتلة العدنانيين.

وما هذا الإلحاح الذي يؤكد إيمان التبابعة بإله واحد وتسليمهم برسالة الرسول وتدينهم بدينه، وفي عدم جواز سب التبابعة أو لعنهم أقول: ما هذا الإلحاح إلا دليل ظاهر محسوس على أن من الناس من كان يلعن التبابعة ويسبهم ويشتمهم، ولم يكن هذا الشتم أو اللعن موجهًا إلى التبابعة بالذات بالطبع، بل كان موجهًا لليمن وللقحطانيين عامة، وللرد عليهم وضعت تلك الأحاديث وأمثالها على لسان

1 أخبار مكة "ص84"، تفسير ابن كثير "4/ 142"، البداية والنهاية "2/ 163" وما بعدها".

2 تفسير الطبري "25/ 115 وما بعدها".

3 اللسان "8/ 31""صادر"، تفسير الخطيب الشربيني "3/ 553"، تفسير الطبري "26/ 154 وما بعدها"، لباب التأويل في معاني التنزيل والمعروف بتفسير الخازن "4/ 115، 175""مطبعة الاستقامة، القاهرة، 1955م".

ص: 167

الرسول. وقد ظهر أجداد أهل اليمن فيها أحسن وأخير من أجداد قريش وأهل مكة، ظهروا فيها مؤمنين موحدين، كسوا البيت الحرام، وكانوا هم أول من كسوه، وعنوا بالبيت إذ عمروه مرارًا، وقدروا مكانته قبل الإسلام بزمان طويل خير تقدير.

وذكر "المسعودي" أن "تبعًا" المعروف بـ"تبع الأول" كان أول من حكم بعد "الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو بن الرائش"، وقد ملك -على زعمه- أربعمائة سنة، ثم ملكت بعده بلقيس بنت الهدهاد1. ولم يشر إلى صلة "تبع الأول" بالهدهاد، والظاهر من قوله: "وذكر كثير من الناس أن بلقيس قتلته"2، أنه كان على رأي أهل الأخبار وأصحاب "كتب التبابعة"3، مغتصبًا للعرش ليست له بالهدهاد صلة ونسب. فأول من حكم باسم "تبع" على رواية المسعودي هو تبع المذكور.

وكلمة "تبع" لم ترد في نصوص المسند؛ لا بمعنى ملك، ولا بمعنى آخر له علاقة بحكم أو بوظيفة أو بملك. وقد أطلقت تلك النصوص على اختلاف لهجاتها لقب "ملك" على الملوك، أي: على نحو إطلاقنا لها في عربيتنا؛ ولهذا يرى المستشرقون أن كلمة "تبع" هي "بتع" القبيلة التي تحدثت عنها من "همدان"، وحرفت الكلمة فصارت "تبع"4.

وقد كان الحميريون يسيطرون على القسم الجنوبي الغربي من العربية الجنوبية في أيام مؤلف كتاب "الطواف حول البحر الأريتري"، ولا سيما في مدينة "ظفار" وحصنها الشهير المعروف بـ"ريدان"5، الذي يرمز إلى ملك حمير والذي يحمي العاصمة من غارات الأعداء، وهو بيت الملوك وقصرهم أيضًا6.

وقد كانت منازل حمير في الأصل إلى الشرق من هذه المنازل التي ذكرها مؤلف الكتاب. كانت تؤلف جزءًا من أرض حكومة قتبان وتتصل بحكومة حضرموت،

1 مروج الذهب "2/ 4""محمد محيي الدين".

2 المصدر نفسه.

3 كذلك.

4 Ency.، II، P.311

5 Beitrage، S. 33

6 Le Museon، 1964، 3-4، P.448

ص: 168

وتقع في جنوب "ميفعة"1. وتؤلف أرض "يافع" المسكن القديم للحميريين، وذلك قبل نزوحهم عنها قبل سنة "100" قبل الميلاد إلى مواطنهم الجديدة2، حيث حلوا في أرض "دهس" "داهس" وفي أرض "رعين" حيث كانت "رعين"، فأسسوا على أشلائها حكومة "ذو ريدان"3.

وحدود أرض حمير في مواطنها القديمة: أرض "رشأى""رشاي" و"حبان""حبن" في الشمال وأرض حضرموت في الشرق، وأرض "ذيب""ذياب" في الغرب، وقد كانت في الأصل جزءًا من حكومة قتبان.

ويظهر من الكتب العربية أن الحميريين كانوا يقطنون حول "لحج" في منطقة "ظفار" و"رداع" وفي "سرو حمير" و"نجد حمير"4.

وقد عرفت الأرض التي أقام بها الحميريون بـ"ذي ريدان""ذ ريدن"، نسبة إلى "ريدن""ريدان"، قصر ملوك حمير بعاصمتهم "ظفار". وهو عند حمير بمثابة قصر "سلحن""سلحان""سلحين"، وقصر "غمدن""غمدان" عند السبئيين.

وقد أخذ حصن "ريدان" اسمه من حصن أقدم عهدًا منه كان في قتبان، بُنِيَ عند ملتقى أودية في جنوب العاصمة "تمنع"، عرف بـ"ذي ريدان""ذ ريدان"، وقد بني على جبل يسمى بـ"ذي ريدان" يؤدي إلى "حدنم""حدن". ولما كان الحميريون يقيمون في هذه الأرض المعروفة بـ"ذي ريدان" وذلك حينما كانوا أتباعًا لمملكة قتبان، لذلك أطلقوا على الحصن الذي بنوه بـ"ظفار" اسم حصن "ذي ريدان"؛ تيمنًا باسم قصرهم القديم، وأطلقوا "ذي ريدان" على وطنهم الجديد الذي أقاموا فيه بعد ارتحالهم عن قتبان؛ ليذكرهم باسم وطنهم القديم5.

وقد عثر على كتابة في خرائب حصن "ريدان" القديم، الذي كان قد بناه الريدانيون أيام إقامتهم بقتبان، قدَّر الخبراء زمان كتابتها بحوالي السنة "400"

1 Beitrage، S. 48

2 Beitrage، S. 66

3 Beitrage، S. 73

4 Ency.، Ii، P.310

5 Beitrage، S. 48، Discoveries، P.8، Le Museon، 1964، 3-4، P.450

ص: 169

قبل الميلاد1. ويقع حصن "حدي" عند حافة الجبل الذي تقع عليه خرائب "ريدان"، وهو اسم يذكرنا باسم "حدنم" المذكور2.

وقد كان الحميريون أتباعًا لمملكة قتبان قبل انتقالهم إلى وطنهم الجديد، فأرضهم كانت خاضعة لحكومة قتبان، تؤدي الجزية لها وتعترف بسيادة ملوك قتبان عليها؛ ولذلك أطلق السبئيون عليهم "ولد عم" أي: ولد الإله "عم" و"أمة عم""ملة عم" وهو إله قتبان. وتعني تلك الجملة "جماعة عم"، أي: قتبان ومن يخضع لها من قبائل، فـ"عم" هو رمز قتبان3، وهو تعبير يؤدي معنى التبعية والجنسية بالمعنى الحديث. ولما كان الحميريون أتباعا لقتبان في ذلك العهد، وإن لم يكونوا يتعبدون للإله "عم" إله قتبان، أُدخلوا في جملة "ولد عم" للتعبير عن المعنى المذكور.

وقد عثر الباحثون على كتابات مؤرخة سنة 1094، أرخت بالتقويم العربي الجنوبي الذي يرجع عهده إلى السنة "115" أو "109" قبل الميلاد، عثر عليها في أرضين حميرية. وقد تبين من تحويل تلك السنين إلى سنين ميلادية، أنها تعود إلى السنة "400" للميلاد فما بعد4.

ويرى بعض الباحثين أن السنة المقابلة لسنة "115" أو "109" قبل الميلاد، وهي السنة الأولى من سني التقويم العربي الجنوبي، هي سنة نشوء حكومة حمير وظهورها إلى الوجود بصورة فعلية5؛ ولهذا صار الحميريون يؤرخون بها لما لها من أهمية في الناحية السياسية عندهم.

وقد كان الحميريون يغزون أرض حضرموت ويتحرشون بطرق تجارتها، ولا سيما طريق "شبوة" - "قنا""قانة" المؤدي إلى المدن الجنوبية والساحل؛ لذلك اضطرت حضرموت إلى إقامة سور يسد الوادي "وادي لبنا""لبنة"، أقيم من حجارة قوية بحيث سد الوادي، فليس للمارة سبيل سوى الباب الذي

1 Rep. Epig. 3871، Le Museon، 1964، 3-4، P.450، J. Pirenne Paleographie، I، "Cit. Note 12"، Pl. Xixd

2 Le Museon، 1964، 3-4، P.450

3 Le Museon Lxxvii، 3-4، 1964، P.429، 450، Ryckmans 535، Jamme 577، 578، 589.

4 Le Museon، 1964، 3-4، P.429

5 Le Museon، 1964، 3-4، P.430

ص: 170

يحرسه حراس أشداء. ويظهر أن إقامة ذلك السور كان قبل السنة "400" قبل الميلاد1.

وقد اكتسح الحميريون أملاك غيرهم من جيرانهم؛ فاستولوا على أرض "رعين"، وقد كانت "رعين" مملكة صغيرة حكمها ملوك كما تبين ذلك من الكتابات. وقد كانت هذه المملكة تحكم أرض "عرش" وقد استولى عليها الحميريون أيضا، كما استولوا على كل الأرضين التي كانت خاضعة لحكم ملوك "رعن""رعين"، فأضافوها إلى حكومة "ريدن""ريدان""ذي ريدان". وقد حدث ذلك في القرن الثاني قبل الميلاد2.

وقد كانت مملكة "رعين" كما يتبين من الكتابة الموسومة بـGlaser 1693 في حلف مع سبأ ضد مملكة "قتبان"، ويظهر أنها كانت مع سبأ لتدافع بذلك عن نفسها إذ كانت جارة لقتبان، ولقتبان مصالح خطيرة في أرض "رعين"3.

ويتبين من النص الموسوم بـGlaser 1693 -الذي يعود عهده إلى أيام الملك "يدع أب يجل"، والذي يرجع بعض علماء العربيات الجنوبية عهده إلى حوالي السنة "200" قبل الميلاد- أن "رعين" كانت مملكة إذ ذاك، وفي أرض "رعين" أقام الحميريون دولتهم حيث اتخذو "ظفار" عاصمة لهم4، وكانوا قد زحفوا على هذه الأرض وعلى "دهس""داهس" والمعافر واستقروا بها، حيث تغلبوا على سكانها الأصليين، وأقاموا حكومة حمير5 التي أخذت تنافس سبأ وتتوسع في أرض القتبانيين وغيرهم، متوخية انتزاع السلطة من السبئيين6.

وقد كان "شمر ذي ريدان" الذي تحدثت عنه في أثناء كلامي على "الشرح يحضب" من أقيال حمير ومن ساداتهم البارزين في ذلك الوقت. وقد رأينا أنه كان نشطًا محاربًا يتصل بالحبش وبملك "نجران"، وبملك حضرموت، وبكل من يجد فيه عداوة ونصبًا لـ"الشرح يحضب" ليمكنوه من التغلب عليه، ومن انتزاع الحكم منه. ولكنه لم يتمكن مع كل ذلك من التغلب على "الشرح"، بل

1 Beitrage، S. 44

2 Beitrage، S. 39، 48

3 Beitrage، S. 143

4 Beitrage، S. 69

5 Beitrage، S. 73

6 Beitrage، S. 113

ص: 171

اضطر في الأخير إلى التصالح معه، وإلى الاعتراف بسيادته، حتى إنه صار قائدًا من قواد جيشه في حربه التي أثارها "الشرح" على حضرموت. كما عُوقبت "نجران" عقابًا شديدًا نتيجة لاندفاعها مع "شمر" وتأييدها له، وإعلانها الحرب على "ملك سبأ وذي ريدان"1.

ويظهر من وصف "بلينيوس" Pliny، أن القسم الجنوبي من ساحل البحر الأحمر كان تابعًا لملك حمير، صاحب "ظفار". ويظهر من الكتابة CIH 41 أن مملكة حمير كانت تضم "رعين" و"ذمار""ذمر" والأرض التي تقع في الشمال المسماة بـ"قاع جهران" في الوقت الحاضر؛ فيظهر من ذلك أن الحميريين كانوا قد تمكنوا من الاستيلاء على الهضبة وعلى المناطق الجنوبية من اليمن الممتدة على البحر الأحمر. ونحن لا نملك في الوقت الحاضر أي نصوص تشير إلى الوقت الذي استولت حمير فيه على هذه الأرضين، ويظن البعض أن ذلك قد كان في أيام حملة الرومان على اليمن، فاستغل الحميريون هذه الفرصة، فرصة ضعف حكومة السبئيين، فاستولوا على تلك الأرضين2.

وقد يرجع زمان استيلاء حمير على ميناء "قنا" الشهير، وهو أهم ميناء في حضرموت إلى هذا العهد، أو إلى عهد يقع بعد ذلك بقليل3.

ولم تكن علاقات حمير بسبأ علاقات طيبة في الغالب، بل يظهر أنها كانت نزاع وخصومة في أكثر الأوقات. نجد في كتابات السبئيين إشارات إلى حمير وإلى نزاع سبأ معهم، وقد دعوهم بـ"حمير""حمر""حمرم" وبـ"ذي ريدان""ذ ريدن" و"ببني ذي ريدان"، ودعوا ملوكهم:"ذمر على ذي ريدان" و"شمر ذي ريدان" وبـ"كرب إيل ذي ريدان"4.

وقد استطاع الحميريون من الاستيلاء على "مأرب"؛ استولوا عليها جملة مرات. لقد تمكن أحد ملوكهم من احتلالها ودخولها، ويظهر أن ذلك كان بعد حملة الرومان على اليمن، فعدل في لقبه الملكي الرسمي وهو "ذو ريدان"،

1 Beitrage، S. 38، Ryckmans 535، Jamme 577، Cih 350، Le Museon، 1964، 3-4، P.477

2 Le Museon، 1964، 3-4، P.449

3 Le Museon، 1964، 3-4، P.449

4 Le Museon، 1964، 3-4، P.451

ص: 172

وجعله مثل لقب الملوك السبئيين الشرعيين، وهو "ملك سبأ وذي ريدان"، الذي يشير إلى استيلاء سبأ فيما مضى على حمير وضم أرضهم إلى أرض سبأ. والظاهر أن "أقول" أقيال سبأ ثاروا على الحميريين فأخرجوهم من "مأرب"، وأعادوا العرش إلى العائلة السبئية المالكة، فحكموها بصفتهم "ملوك سبأ وذو ريدان"، وإن لم تكن لهم سيطرة فعلية على أرض حمير، واحتفظ ملوك حمير باللقب الجديد الذي لقبوا أنفسهم به، وهو "ملك سبأ وذو ريدان"، مع أنهم كانوا قد أخرجوا من أرض سبأ، وإن لم يكن قد بقي لهم أي نفوذ عليها. وهكذا صرنا نجد حاكمين: أحدهما سبئي وآخر حميري، يلقب كل واحد منهما نفسه بلقب "ملك سبأ وذو ريدان"1.

وقد جعل "فون وزمن" استيلاء حمير على مأرب في حوالي السنة "110" بعد الميلاد، وعاد فذكر أن الحميريين استولوا على "مأرب" مرة أخرى، وذلك في حوالي السنة "200" أو "210" للميلاد، واستند في حكمه هذا على الكتابة الموسومة بـ2 Jamme 653.

ومن ملوك حمير الملك "يسرم يهصدق""ياسر يهصدق"، الملقب بـ"ملك سبأ وذو ريدان" في الكتابة الموسومة بـCIH 41. ويرى "فون وزمن" أنه حكم بعد الميلاد؛ حكم في النصف الثاني من القرن الأول بعد الميلاد، فيما بين السنة "70" و"80" بعد الميلاد3.

وقد وضع "فون وزمن" اسم "الشرح" بعد اسم "ياسر يهصدق"، وجعل أيامه في حوالي السنة "90" بعد الميلاد. وقد ذكر أنه من حمير، وإلى أيامه تعود الكتابة المرقمة بـ4 CIH 140، ويرى أن هذه الكتابة هي أقدم كتابة ورد فيها خبر حرب وقعت بين حمير وسبأ5.

ثم ذكر "فون وزمن" اسم "ذمر على يهبأر" بعد اسم "الشرح" وقد جعل حكمه في حوالي السنة "100" بعد الميلاد، وإلى زمانه تعود الكتابة

1 Le Museon، 1964، 3-4، P.451

2 Le Museon، 1964، 3-4، P.498

3 Le Museon، 1964، 3-4، P.450، Oriens Antiquus، Iii، 1964، P.85

4 Le Museon، 1964، P.498

5 Le Museon، 1964، 3-4، P.459

ص: 173

الموسومة بـCIH 365، وكان يعاصره الملك "شهر هلال يهقبض" ملك قتبان1.

ويرى "فون وزمن" أن "ذمر على يهبار""ذمر على يهبأر" حارب شخصًا من "بني حزفر""بن حزفرم"، و "بنو حزفر" هم من عشيرة "ذ خلل""ذو خليل"، وهم عشيرة قديمة يرجع إليها نسب مكربي سبأ وأكثر ملوك السبئيين، ويرى احتمال كون هذه الحرب قد وقعت مع أحد أفراد العائلة السبئية المالكة. وقد تمكن "ذمر على" من الاستيلاء على حصن "ذت مخطرن""ذات مخطران"، ومن دخول "مأرب"، وقد قام هو وابنه "ثارن""ثأران" بترميم سد مأرب وببناء المواضع التي تخربت منه؛ وذلك لأنه كان قد تخرب، وذكر أن تخرب السد هذا، هو تخرب لم يصل خبره إلينا2. وقد قدم الملكان قرابين وهما بمأرب إلى "عثتر" "عثتار" و"سحر" بمعبد "نفقان" "نفقن"3.

وقد بلغ الحميريون على رأي "فون وزمن" أوج أيام عزهم في هذا العهد؛

فقد حكموا السبئيين ومعهم "ذ عذبهن""ذو عذبهان"، الذين نعتوا أنفسهم بـ"أدم"، أي: الأتباع4.

ثم وضع "فون وزمن" اسم "ثارن يعب""ثأران يعب" بعد اسم "ذمر على"، وإلى زمانه تعود الكتابتان CIH 457 و5CIH 569.

ثم وضع "فون وزمن" اسم "شمر يهرعش الأول" من بعده، وقد كان معاصرًا لـ"أنمار يهأمن" ولـ"كرب إيل وتر يهنعم" من "بني بتع" من قبيلة "سمعي"، وقد كان حكمه في حوالي السنة "140" بعد الميلاد6.

وذكر "فون وزمن" أن السبئيين تمكنوا من الاستيلاء على حمير، فصارت تابعة لهم، وكان ذلك في أيام "ملك سبأ وذي ريدان""شعرم أوتر""شعر أوتر"، وبقيت حمير خاضعة لهم إلى أن ثارت عليهم بزعامة "لعزز يهنف يهصدق""العز يهنف يهصدق""لعز يهنف يهصدق""لعز نوفن يهصدق"

1 Le Museon، 1964، 3-4، P.498

2 Le Museon، 1964، 3-4، P.459

3 Cih 365، 457، Le Museon، 1964، 3-4، P.459

4 Glaser 551، Rep. Epig. 4775، Le Museon، 1964، 3-4، P.459

5 Le Museon، 1964، 3-4، P.498، Oriens Antiquus، Iii، 1964، P.81

6 Le Museon، 1964، 3-4، P.498

ص: 174

حيث ولي عليهم وحكم بلقب "ملك سبأ وذي ريدان"1.

وقد جعل "فون وزمن" زمان حكم "لعزز يهنف يهصدق"، فيما بين السنة "190" و"200" بعد الميلاد. وجعل أيام حكمه في أيام استيلاء "جدرت""جدرة" الحبشي على "ظفار"2.

وقد جاء اسم الملك "لعزز يهنف يهصدق" في الكتابة الموسومة بـJamme 631، وقد لُقِّب فيها بلقب "ملك سبأ وذو ريدان"، ذكر بعد أسطر من ورود اسم الملك السبئي "شعر أوتر""ملك سبأ وذو ريدان"، كما جاء اسم الملك "لحيعثت يرخم" الذي لقب أيضا بلقب "ملك سبأ وذو ريدان"، وقد سجل هذه الكتابة أحد القادة السبئيين. ويظهر أن السبئيين والحميريين كانوا قد كونوا جبهة واحدة لمحاربة الحبش الذين هاجموا اليمن في عهد "جدرت""جدرة"3.

وقد وقعت اضطرابات في هذا العهد، دامت حوالي قرن ونصف قرن، لم تنعم اليمن في خلال هذه المدة بالراحة والاستقرار. فنجد في الكتابات التي وصلت إلينا عن هذا العهد ذكر فتن وحروب وأوبئة وغزوات وغارات، ونجد ملوكًا وإقطاعيين يحاربون بعضهم بعضًا، ويعزو "ريكمنس" سبب ذلك إلى إدخال الخيل في الحروب وحلولها محل الجمل؛ مما ساعد على حركة القتال، وفي نقل الحروب بصورة أسرع إلى جبهات كان الجمل يقطنها ببطء. كما يرى "دوستل" W. Dostal أن لتحسين السروج التي كان يستعملها المحاربون الفرسان دخلًا في هذه الحروب والاضطرابات4.

لقد أدى استعمال الخيل في الحروب وتحسين سروجها على رأي الباحثين المذكورين إلى إحداث تطور خطير في أسلوب القتال، كما أدى إلى ظهور قوة محاربة صار لها نفوذ في الأحداث وفي سياسة جزيرة العرب، هي قوة الأعراب. فقد أدى استخدام البدو للخيل إلى إمعانهم في الغزو، وإلى إغارتهم على الحضر طمعًا في أموالهم وفيما عندهم من أمتعة ومال. كما أدى إلى الإكثار من غزوهم بعضهم

1 LE MUSEON، 1964، 3-4، P.498. ORIENS ANTIQUUS، III، 1964، P.85، JAMME، SABAEAN Inscriptions، P.381

2 Le Museon، 1964، 3-4، P.498

3 Le Museon، 1964، 3-4، P.451

4 Le Museon، 1964، 3-4، P.452، W. Dostal، The Evolution Of Bedouin Life، L'antica Beduina، Universita Di Roma، Studi Semitici، 2، 1959، Pp.11-34

ص: 175

بعضًا، وإلى التدخل في شئون الحكومات، وصار لهم نفوذهم في الأمور السياسية والعسكرية في العربية الجنوبية، واضطرت حكومات هذه الأرضين على أن تحسب لهم حسابًا، كما استخدموا الأعراب في قتالهم مع الحكومات الأخرى المنافسة لها، وفي محاربة الأقيال والأذواء1.

ثم جعل "فون وزمن" اسم "ياسر يهنعم الأول" من بعده، وقد حكم معه ابنه "شمر يهرعش" الذي لقبه بالثاني؛ تمييزًا له عن "شمر" المتقدم. وفي عهدهما احتل الحميريون "مأرب"، وصارت "سبأ" تابعة لهم، وكان ذلك في حوالي السنة "200" للميلاد2. وكان يعاصرهما "عذبة" نجاشي الحبشة في هذا الوقت3.

ويرى "فون وزمن" أن الكتابات العربية الجنوبية انقطعت فجأة بعد هذه الكتابة المتقدمة عن ذكر ملوك "همدان"، فلم تعد تذكر شيئًا عنهم، ويعزو سبب ذلك إلى الأوبئة التي اجتاحت البلاد، وإلى تألق نجم الأسرة الحميرية الحاكمة التي تمكنت على ما يظهر من الاستيلاء على عاصمة سبأ "مأرب" وعلى نجاد سبأ، وإلى انفراد سادة "مضحي""مضحيم""مضحم"، وقد تكون استولت على ردمان كذلك.

وفي هذه الظروف حكم "ياسر يهنعم" الذي لقبه "فون وزمن" بالأول مع ابنه "شمر يهرعش" الذي لقبه بـ"الثاني" الذي اشترك معه بالحكم ثم انفرد به وحده فحكم في "ظفار" وفي "مأرب"4.

ثم نصب "فون وزمن" شخصًا دعاه "كرب إيل ذو ريدان" بعد "شمر يهرعش الثاني" وجعله معاصرًا للنجاشي "زوسكالس" Zoskales، وجعل حكمه في حوالي السنة "210" بعد الميلاد5، وهو شخص لا نعرف اسمه الملكي الكامل. ويرى "فون وزمن" أنه هو المقصود في الكتابات Jamme 578، 586، 589، وهي كتابات دونها خصومه، ويظهر من إحدى الكتابات أن جيوش خصميه "الشرح" و"يأزل" بلغت "سرعن" في "ردمان" و"قرننهن""القرنين"

1 Le Museon، 1964، 3-4، P.452

2 Le Museon، 1964، 3-4، P.498

3 Le Museon، 1964، 3-4، Pp.457، 498

4 Rep. Epig. 4196، 4938، Jamme 647، 653، Le Museon، 1964، 3-4، P.475

5 Le Museon، 1964، 3-4، P.498

ص: 176

و"عروشتن""العرائش" في نجاد قبيلة "حرمتم""حرمت""حرمة" في أرض "مراد" بين "مأرب" و"قتبان"، وأنها استولت على الحصن الجبلي المنيع "عر أساي""عر الآسى""عر أسأي" شرق "ذمار"1.

وقد نشبت حرب أخرى بينه وبين خصميه، اضطرته إلى الاعتراف بسيادة "الشرح" و"أخيه" عليه، غير أنه عاد فثار على خصميه، فخسر في هذه المرة أيضا؛ خسر مدينة "هكر" التي اشتهرت بقصرها الملكي على قمة التل، وخسر "رداع" و"ظفار"، فاضطر إلى الفرار2.

ثم جعل "فون وزمن""ثارن يعب يهنعم" من بعده، وقد كان حكمه في حوالي السنة "230" حتى السنة "240" للميلاد3.

ثم ذكر "فون وزمن" اسم "ذمر على وتر يهبأر" من بعده، وقد كان حكمه في حوالي السنة "250" للميلاد. ثم انتقل منه إلى "عمدان بين يهقبض" الذي جعل حكمه في حوالي السنة "260" حتى السنة "270" للميلاد4.

وجعل "فون وزمن" الملك "ياسر يهنعم" من بعد "عمدان بين يهقبض" وقد نعته بالثاني، وجعل حكمه مع ابنه "شمر يهرعش" الذي لقبه بالثالث، والذي انفرد وحده بالحكم بعد وفاة والده، فحكم حتى السنة "300" للميلاد. وقد كان يعاصره الملك "شرح ال" و"رب شمس"5.

وجعل "فون وزمن" حكم الملك "ياسر يهنعم الثالث" و"ثارن أيفع""ثأرن أيفع" بعد حكم "شمر يهرعش الثالث". وقد كان حكم "ياسر يهنعم" الثالث منفردًا في بادئ الأمر ثم أشرك ابنه "ذرأ أمر أيمن" معه في الحكم، وذلك في الشطر الثاني من أيام حكمه، وقد عاصرا "عزانا" ملك الحبش الذي غزا اليمن. ثم جعل "ذمر على يهبر" من بعد الاثنين المذكورين، وهو ابن "ثارن يكرب""ثأرن يكرب"6.

1 Le Museon، 1964، 3-4، P.478

2 Le Museon، 1964، 3-4، P.478

3 Le Museon، 1964، 3-4، P.498

4 Le Museon، 1964، 3-4، P.498

5 Le Museon، 1964، 3-4، P.498

6 Le Museon، 1964، 3-4، P.498، Oriens Antiquus، Iii، 1964، P.80

ص: 177

وذكر "فون وزمن" أن "ذمر على يهبر" حكم مع ابنه "ثارن يهنعم""ثأران يهنعم" في الشطر الثاني من أيام حكمه، وذلك فيما بين السنة "340" والسنة "360" للميلاد. وجعل في حوالي هذا العهد خراب سد مأرب للمرة الثانية1.

وفي هذا العهد دخل ملك حمير في النصرانية بتأثير "ثيوفيلوس" عليه، وبنيت كنائس في "ظفار" وفي "عدن". كما أشرك الملك "ثأران يهنعم""ثارن يهنعم" ابنه "ملك كرب يهامن""ملكيكرب يهأمن" معه في الحكم.

وذكر أنه في حوالي السنة "378" للميلاد ترك معبد "أوم""أوام"، وأهمل بسبب انصراف أكثر الناس عن التعبد فيه، وتركهم عبادة آلهة سبأ القديمة2.

وذكر "فون وزمن" أن الملك "ملكيكرب يهنعم""ملكيكرب يهأمن" حكم منذ السنة "380" للميلاد مع ولديه: "أب كرب أسعد""أبي كرب أسعد" و"ذرأ أمر أيمن"، ثم ذكر بعدهم اسم "أبي كرب أسعد" مع ابنه "حسن يهأمن""حسَّان يهأمن". وقد ذكر أن "أبا كرب أسعد" هو الذي حكم بعد والده "ملكيكرب يهنعم""ملكيكرب يهأمن"، ثم حكم مع ابنه "حسان يهأمن" حكمًا مشتركًا، مستعملين لقبًا جديدًا هو:"ملك سبأ وذو ريدان وحضرموت ويمنت وأعربهمو طودم وتهمتم"، وذلك في حوالي السنة "400" للميلاد3.

ويعرف "أبو كرب أسعد""أبكرب أسعد" بـ"أسعد تبع" عند أهل الأخبار، ويذكرون أنه اعتنق اليهودية أثناء نزوله بيثرب في طريقه إلى اليمن.

وقد ذهب "فون وزمن" إلى أن الذين حكموا حمير كانوا من أسرة ملكية واحدة، ولكنهم يرجعون إلى فرعين. وذهب "ريكمنس" إلى أن ملوك حمير كانوا أسرتين: أسرة "ياسر يهنعم" وأسرة "ياسر يهصدق"، وقد حكم أعضاء الأسرتين متفرقين، ولكن في وقت واحد4.

1 Le Museon، 1964، 3-4، P.498، Oriens Antiquus، Iii، 1964، P.80

2 Le Museon، 1964، 3-4، P.480، Oriens Antiquus، Iii، 1964، P.80

3 Le Museon، 1964، 3-4، P.493

4 Le Museon، 1964، 3-4، P.494، J. Ryckmans، Chronologie، Oriens Antiquus، Iii، 1964، P.19-22

ص: 178

وظفار هي عاصمة حمير، وقد اشتهرت بجذعها، ولا تزال تشتهر به. وقد تفنن الحميريون في تجميله بحفر صور ونقوش لحيوانات ونباتات وأزهار عليه، وفي صقله، ويستعمل عِقْدًا يوضع حول العنق وخاتمًا لتزيين الأصابع. واشتهرت بأنها موطن لغة حمير، فقيل: من دخل ظفار حمر؛ لأن لغة أهلها الحميرية1.

وقد زالت معالم قصر ريدان بظفار، وموضعه اليوم ربوة مربعة الشكل تعرف بـ"ريدان"، بقي منه "سرعبان"، أي: طوفيان بشكل هندسي، من الحجر المنحوت2. وقد زار "كلاسر" مدينة ظفار والخرائب الواقعة على الربوة المتاخمة لآثار ظفار من الجنوب، وقد سمى تلك الخرائب القائمة على الربوة بـ"حصن زيدان". وقد شك في كونه "حصن ريدان" القديم، ولكن بعض الباحثين لا يؤيدون رأيه هذا3، وأظن أن كلمة "زيدان" هي تحريف للاسم القديم "ريدان".

وقد اشتهرت حمير عند أهل الحجاز بمصانعها، فقيل: مصانع حمير. وفي كلام النبي لوفد كندة: "إن الله أعطاني ملك كندة، ومصانع حمير، وخزائن كسرى وبني الأصفر، وحبس عني شر بني قحطان، وأذل الجبابرة من بني ساسانَ، وأهلك بني قنطور بن كنعان"4.

ترتيب ملوك حمير:

هذا وقد رتب "فون وزمن" بعض ملوك حمير ترتيبًا زمنيًّا على هذا النحو:

1-

ياسر يهصدق. وقد حكم بحسب رأيه في حوالي سنة "75ب. م.".

2-

ذمر على يهبر. وقد كان حكمه في حوالي سنة "100ب. م.".

3-

ثأران يعب. وقد كان حكمه في حوالي سنة "125ب. م."، ثم وضع فراغًا بعده، يدل على حكم ملك من بعده لا يعرف زمانه، ووضع

1 الإكليل "1/ 88".

2 الإكليل "1/ 87".

3 Le Museon، 1964، 3-4، P.448

4 الإكليل "1/ 66".

ص: 179

بعده حكم الملك "شمر يهرعش" الأول، وقد كان حكم ذلك الملك الذي لم يعرف اسمه ولا خبره ولا أسرته، في حوالي سنة "150ب. م.".

4-

ثم وضع بعد اسم "شمر يهرعش الأول" فراغًا، ذكر أن حمير صارت فيه تابعة للسبئيين، وذلك في عهد "ملك سبأ وذو ريدان شعرم أوتر""شعر أوتر". ثم وضع بعده اسم الملك "لعزز يهنف يهصدق""لعزز يهأنف يهصدق".

5-

ثم ذكر بعد "لعزز يهنف يهصدق" اسم الملك "ياسر يهنعم"، وقد نعته بـ"الأول"؛ ليميزه عن ملكين آخرين عرفا بهذا الاسم.

6-

ثم وضع بعده اسم ابن له دعاه بـ"شمر يهرعش الثاني".

7-

ثم وضع بعده اسم ملك، بقي من اسمِهِ اسمُهُ الأول فقط، وهو "كرب ال""كرب إيل"، وقد نعته بـ"كرب إيل ذو ريدان"1.

8-

ثم وضع اسم الملك "ذمر على وتر يهبر""ذمر على وتر يهبأر" من بعده.

9-

ثم اسم "ثارن يعب يهنعم" ثم ترك فراغًا، ذكر بعده اسمًا.

10-

الملك "عمدان بين يهقبض".

11-

ثم الملك "ياسر يهنعم الثاني".

12-

ثم "شمر يهرعش الثالث".

13-

ثم اسم الملك "ياسر يهنعم الثالث".

14-

ثم "ثارن أيفع""ثأران أيفع".

15-

ثم "ذرارمر أيمن""ذرأ أمر أيمن"، وهو ابن "ياسر يهنعم الثالث".

16-

ثم ذكر اسم ملك لم يتأكد من لقبه هو "ثأران ي

" "ثأران يـ

".

17-

وذكر بعده اسم "ذمر على يهبر""ذمر على يهبأر".

18-

ثم ابنه "ثارن يهنعم""ثأران يهنعم".

19-

ثم ذكر اسم ابنه الملك "ملكيكرب يهأمن""ملك كرب يهأمن".

1 Le Museon، 1964، 3-4، Pp.495، 498

ص: 180

20-

ثم ذكر اسم ابنه "أبكرب أسعد""أبي كرب أسعد" و"ذرأ أمر أيمن""ذرأ أمر أيمن".

21-

ثم "أبو كرب أسعد" ومعه ابنه "حسن يهأمن""حسان يهأمن".

22-

ثم اسم "شرحب ال يعفر"، "شرحبيل يعفر"، "شرحب إيل يعفر"1.

1 أخذت هذه القائمة من الصفحتين "495" و"498" من مجلة: Le Museon، 1964، 3-4

ص: 181