الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السمة التاسعة:
إنهاء الوجود اليهودي في جزيرة العرب: غزوة خيبر
كان مما وعد الله تعالى به المؤمنين في سورة الفتح، قوله عز وجل:
وسنأخذ تلخيص المباركفوري عن الغزوة فهو من أشمل ما كتب عنها وأوفاه:
(كانت خيبر مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع على بعد ستين أو ثمانين ميلا من المدينة في جهة الشمال، وهي الآن قرية في مناخها بعض الوخامة.
سبب الغزوة: ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوى أجنحة الأحزاب الثلاثة وأمن منه أمنا باتا بعد الهدنة أراد أن يحاسب الجناحين الباقين - اليهود وقبائل نجد - حتى يتم الأمن والسلام، ويسوذ الهدوء في المنطقة، ويفرغ المسلمون من الصراع الدامي المتواصل إلى تبليغ رسالة الله والدعوة إليه.
ولما كانت خيبر هي وكرة الدس والتآمر، ومركز الاستفزازات العسكرية ومعدن التحرشات وإثارة الحروب، كانت هي الجديرة بالتفات المسلمين أولا.
أما كون خيبر بهذه الصفة، فلا ننسى أن أهل خيبر هم الذين حزبوا الأحزاب ضد المسلمين وأثاروا بني قريظة على الغدر والخيانة، ثم أخذوا في الاتصالات بالمنافنين - الطابور الخامس في المجتمع الإسلامي - وبغطفان وأعراب البادية - الجناح الثالث من الأحزاب - وكانوا هم أنفسهم يهيؤون للقتال فألقوا المسلمين بإجراءاتهم هذه في محن متواصلة حتى وضعوا خطة لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم وإزاء ذلك اضطر المسلمون إلى بعوث متوالية وإلى الفتك برأس هؤلاء المتآمرين، مثل سلام بن أبي الحقيق، وأسير بن رزام، ولكن الواجب على المسلمين إزاء هؤلاء اليهود كان أكبر من ذلك وإنما أبطأوا بالقيام بهذا الواجب لأن قوة أكبر وأقوى وألد وأعند منهم - وهي قريش - كانت مجابهة للمسلمين، فلما انتهت هذه المجابهة صفا الجو لمحاسبة هؤلاء المجرمين، واقترب لهم يوم الحساب.
الخروج إلى خيبر: قال ابن إسحاق: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة حين رجع من الحديبية ذا الحجة وبعض المحرم: ثم خرج في بقية المحرم إلى خيبر .. فلما أراد رسول الله الخروج إلى خيبر. أعلن أنه لا يخرج معه إلا راغب في الجهاد، فلم يخرج إلا أصحاب
(1) سورة الفتح الآيتان 19و20.
الشجرة وهم ألف وأربعمائة
…
وقد قام المنافقون يعملون لليهود فقد أرسل رأس المنافقين عبد الله بن أبي إلى يهود خيبر، إن محمدا قصد قصدكم وتوجه إليكم فخذوا حذركم. ولا تخافوا منه، فإن عددكم وعدتكم كثيرة، وقوم محمد شرذمة قليلون، عزل لا سلاح معهم إلا قليل، فلما علم ذلك أهل خيبر، أرسلوا كنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس إلى غطفان يستمدونهم لأنهم كانوا حلفاء يهود خيبر، ومظاهرين لهم على المسلمين وشرطوا لهم نصف ثمار خيبر إن هم غلبوا على المسلمين.
الجيش الإسلامي إلى أسوار خيبر: بات المسملون الليلة الأخيرة التي بدأ في صباحها القتال قريبا من خيبر، وإلا تشعر بهم اليهود، وكان النبي. صلى الله عليه وسلم إذا أتى قوما بليل لم يقربهم حتى يصبح، فلما أصبح صلى الفجر بغلس، وركب المسلمون فخرج أهل خيبر بمساحيهم ومكاتلهم ولا يشعرون بل خرجوا لأرضهم فلما رأوا الجيش قالوا: محمد، والله محمد والخميس ثم رجعوا هاربين إلى مدينتهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، الله أكبر خربت خيبر -الله أكبر خربت خيبر. إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين (1) ..
التهيؤ للقتال وحصون خيبر: ولما كانت ليلة الدخول قال: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فلما أصبح غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلهم يرجو أن يعطاها فقال: أين علي بن أبي طالب. فقالوا: يا رسول الله هو يشتكي عينيه قال: فأرسلوا إليه، فبصق رسول الله في عينيه ودعا له فبرىء، كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، قال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم (2).
وكانت خيبر منقسمة إلى شطرين:
شطر فيها خمسة حصون:
1 -
حصن ناعم،
2 -
حصن الصعب بن معاذ،
3 -
حصن قلعة الزبير،
4 -
حصن أبي،
5 -
حصن النزار.
والحصون الثلاثة الأولى تقع في منطقة يقال لها النطاة، وأما الحصنان الآخران فيقعان في منطقة تسمى الشق.
أما الشطر الثاني ويعرف بالكتيبة ففيه ثلاثة حصون فقط
1 -
حصن القموص (وكان حصن بني أبي الحقيق من بني النضير)
2 -
حصن الوطيح
3 -
حصن السلالم.
وفي خيبر حصون وقلاع غير هذه الثمانية، إلا أنها كانت صغيرة لا تبلغ إلى درجة هذه القلاع في مناعتها وقوتها والقتال المرير إنما دار في الشطر الأول منها، أما الشطر الثاني فحصونها الثلاثة مع كثرة المحاربين فيها سلمت دونما قتال.
(1) صحيح البخاري 2/ 603، 604 باب غزوة خيبر.
(2)
صحيح البخاري، الباب نفسه ص505 و 506.
بدء المعركة وفتح حصن ناعم: وأول حصن هاجمه المسلمون من هذه الحصون الثمانية هو حصن ناعم، وكان خط الدفاع الأول لليهود لمكانه الاسراتيجي وكان هذا الحصن هو حصن مرحب البطل اليهودي الذي كان يعد بالألف.
خرج علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالمسلمين إلى هذا الحصن، ودعا اليهود إلى الإسلام فرفضوا هذه الدعوة وبرزوا إلى المسلمين ومعهم ملكهم مرحب فلما خرج إلى ميدان القتال دعا إلى المبارزة، قال سلمة بن الأكوع، فلما آتينا خيبر خرج ملكهم يخطر بسيفه يقول:
قد علمت خيبر أني مرحب
…
شاكي السلاح بطل مجرب
إذا الحروب أقبلت تلهب
فبرز له عمي عامر فقال:
قد علمت خيبر أني عامر
…
شاكي السلاح بطل مغامر
فاختلفا ضربتين، فوقع سيف مرحب في ترس عمي عامر وذهب عامر يسفل له وكان سيفه قصيرا فتناول به ساق اليهودي ليضربه فيرجع ذباب سيفه فأصاب عين ركبته فمات منه، وقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لأجرين وجمع بين إصبعيه .. (1)
ويبدو أن مرحب دعا بعد ذلك إلى المبراز مرة أخرى وجعل يرتجز بقوله:
قد علمت خيبر أني مرحب- فبرز له علي بن أبي طالب قال سلمة بن الأكوع: فقال علي:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة
…
كليث غابات كريه المنظرة
أوفيهم بالصاع كيل السندرة
فضرب رأس مرحب فقتله، ثم كان الفتح على يديه (2).
ولما دنا علي رضي الله عنه من حصونهم اطلع يهودي من رأس الحصن وقال: من أنت، قال: أنا علي بن أبي طالب، فقال اليهودي: علوتم وما أنزل على موسى.
ثم خرج ياسر أخو مرحب وهو يقول: من يبارز؟ فبرز إليه الزبير، فقالت صفية أمه: يا رسول الله، يقتل ابني؟ قال: بل ابنك يقتله، فقتله الزبير.
(1) صحيح مسلم باب غزوة خيبر 122/ 2.
(2)
صحيح البخاري الباب نفسه 3/ 603.
ودار القتال المرير حول حصن ناعم، قتل فيه عدد من سراة اليهود انهارت لأجله مقاومة اليهود وعجزوا عن صد هجوم المسلمين، ويؤخذ من المصادر أن هذا القتال دام أياما لاقى المسلمون فيه مقاومة شديدة، إلا أن اليهود يئسوا من مقاومة المسلمين فتسللوا من هذا الحصن إلى حصن الصعب، واقتحم المسلمون حصن ناعم.
فتح حصن الصعب بن معاذ:
وكان حصن الصعب الحصن الثاني من حيث القوة والمناعة بعد حصن ناعم قام المسلمون بالهجوم عليه تحت قيادة الحباب بن المنذر الأنصاري. ففرضوا عليه الحصار ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتح هذا الحصن دعوة خاصة، وروى ابن إسحاق: أن بني سهم من أسلم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لقد جهدنا وما بأيدينا من شيء فقال: اللهم إنك قد عرفت حالهم، وأن ليست بهم قوة وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه. فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء، وأكثرها طعاما وودكا. فغدا الناس ففتح الله عز وجل حصن الصعب بن معاذ، وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه) (1).
ولما ندب النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بعد دعائه لمهاجمة هذا الحصن كان بنو أسلم هم المقاديم في المهاجة، ودار البراز والقتال أمام الحصن، ثم فتح الحصن في ذلك اليوم قبل أن تغرب الشمس، ووجد فيه المسلمون بعض المنجنيقات والدبابات.
ولأجل هذه المجاعة الشديدة التي ورد ذكرها في رواية ابن إسحاق كان رجال من الجيش قد ذبحوا الحمير، ونصبوا القدور على النيران فلما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك نهى عن لحوم الحمر الأنسية.
فتح قلعة الزبير: وبعد فتح حصن ناعم والصعب، تحول اليهود من كل حصون النطاة إلى قلعة الزبير وهو حصن منيع في رأس تلة، لا تقدر عليه الخيل والرجال لصعوبته وامتناعه. ففرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحصار، وأقام محاصرا ثلاثة أيام، فجاء رجل من اليهود، وقال: يا أبا القاسم إنك لو أقمت شهرا ما بالوا إن لهم شرابا وعيونا تحت الأرض تخرجون بالليل ويشربون منها، ثم يرجعون إلى قلعتهم فيمتنعون منك، فإن قطعت مشربهم عليهم أصحروا لك (2) فقطع ماءهم عليهم فخرجوا فقاتلوا أشد القتال، قتل فيه نفر من المسلمين، وأصيب نحو العشرة من اليهود، وافتتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(1) ابن هشام 3 ص 346.
(2)
أصحروا: خرجوا إلى الصحراء.
فتح قلعة أبي: وبعد فتح قلعة الزبير انتقل اليهود إلى قلعة أبي وتحصنوا فيها، وفرض المسلمون عليهم الحصار وقام بطلان من اليهود واحد بعد الآخر يطلب المبارزة، وقد قتلهما أبطال المسلمين، وكان الذي قتل المبارز الثاني هو البطل المشهور أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري صاحب العصابة الحمراء. وقد أسرع أبو دجانه بعد قتله إلى اقتحام القلعة واقتحم معه الجيش الإسلامي وجرى قتال مرير ساعة دخول الحصن. ثم تسلل اليهود من القلعة وتحولوا إلى حصن النزار آخر حصن من الشطر الأول.
فتح حصن النزار: كان هذا الحصن أمنع حصون هذا الشطر، وكان اليهود على ثقة بأن المسلمين لا يسطيعون اقتحام هذه القلعة وإن بذلوا قصارى جهدهم في هذا السبيل ولذلك أقاموا في هذه القلعة مع الذراري والنساء بينما كانوا قد أخلوا منها القلاع السابقة، وفرض المسلمون على هذا الحصن أشد الحصار، وصاروا يضغطون عليهم بعنف ولكون الحصن يقع على جبل مرتفع منيع لم يكونوا يجدون سبيلا للاقتحام فيه، أما اليهود فلم يجترئوا للخروج من الحصن، للاشتباك مع قوات المسلمين لكنهم قاوموا المسلمين مقاومة عنيدة برشق النبال، وبإلقاء الحجارة وعندما استعصى حصن النزار على قوات المسلمين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنصب آلات المنجنيق ويبدو أن المسلمين قذفوا بها القذائف فأوقعوا الخلل في جدران الحصن واقتحموه ودار قتال مرير في داخل الحصن انهزم أمامه اليهود هزيمة منكرة، وذلك لأنهم لم يتمكنوا من التسلل من هذا الحصن كما تسللوا من الحصون الأخرى. بل فروا من هذا الحصن تاركين للمسلمين نساءهم وذراريهم. وبعد فتح هذا الحصن المنيع، تم فتح الشطر الأول من خيبر، وهي ناحية النطاة والشق وكانت في هذه الناحية حصون صغيرة أخرى إلا أن اليهود بمجرد فتح هذا الحصن المنيع أخلوا هذا الحصن وهربوا إلى الشطر الثاني من بلدة خيبر.
فتح الشطر الثاني من خيبر: ولما فتح ناحية النطاة والشق تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل الكتيبة والوطيح والسلالم حصن أبي الحقيق من بني النضير، وجاءهم كل فل كان انهزم من النطاة والشق وتحصن هؤلاء أشد التحصن.
واختلف أهل المغازي هل جرى هناك قتال في أي حصن من حصونها الثلاثة أم لا؟ فسياق ابن إسحاق صريح في جريان القتال لفتح حصن القموص. بل يؤخذ من سياقه أن هذا الحصن تم فتحه بالقتال فقط من غير أن يجرى هناك مفاوضات للاستسلام أما الواقدي فيصرح تمام التصريح أن قلاع هذا الشطر الثلاثة إنما أخذت بعد المفاوضة ويمكن أن تكون المفاوضة قد جرت لاستلام حصن القموص بعد إدارة القتال. وأما الحصنان الآخران فقد سلما إلى المسلمين دونما قتال، ومهما كان فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الناحية -الكتيبة-فرض على أهلها أشد الحصار، ودام الحصار أربعة عشر يوما واليهود لا يخرجون من حصونهم
حتى هم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينصب عليهم المنجنيق فلما أيقنوا بالهلكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلح.
المفاوضة: وأرسل ابن أبي الحقيق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: انزل أكلمك؟ قال: نعم فنزل، وصالح على حقن دماء من في حصونهم من المقاتلة وترك الذرية لهم ويخرجون من خيبر وأرضها بذراريهم ويخلون بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ما كان لهم من مال وأرض وعلى الصفراء والبيضاء - أي الذهب والفضة- والكراع والحلقة إلا ثوبا على ظهر إنسان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وبرئت منكم ذمة الله وذمة رسوله إن كتمتموني شيئا فصالحوه على ذلك وبعد هذه المصالحة تم تسليم الحصون إلى المسلمين وبذلك تم فتح خيبر.
قتل ابن أبي الحقيق لنقض العهد: وعلى رغم هذه المعاهدة غيب ابنا أبي الحقيق مالا كثيرا غيبا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب، كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير.
قال ابن إسحاق: وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكنانة بن الربيع. وكان عنده كنز بني النضير فسأله عنه. فجحد أن يكون يعرف مكانه. فأتى رجل من اليهود فقال: إني رأيته يطيف بهذه الخربة كل غداة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنانة: أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك؟ قال: نعم فأمر بالخربة فحفرت، فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله عما بقي منه فأبى أن يؤديه، فدفعه الى الزبير، وقال: عذبه حتى تستأصل ما عنده، فكان الزبير يقدح بزند في صدره حتى أشرف على نفسه، ثم دفعه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى محمد بن سلمة فضرب عنقه بمحمود بن سلمة (1).
قسمة الغنائم: وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلي اليهود عن خيبر فقالوا: يا محمد دعنا نكون في هذه الأرض نصلحها، ونقوم عليها، فنحن أعلم بها منكم، ولم يكن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا لأصحابه غلمان يقومون عليها، وكانوا لا يفرغون يقومون عليها فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع، ومن كل ثمر ما بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقرهم، وكان عبد الله بن رواحة يخرصها (2) عليهم، وقسم أرض خيبر على ستة وثلاثين سهما وجمع كل سهم مائة سهم فكان ثلاثة آلاف وستمائة سهم فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين النصف من ذلك وهو ألف وثمانمائة سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم كسهم أحد المسلمين وعزل النصف الآخر وهو ألف وثمانمائة سهم، سهم لنوائبه وما يتنزل به من أمور المسلمين، وإنما قسمت على ألف وثمانمائة سهم لأنها كانت طعمة من الله لأهل الحديبية من شهد منهم ومن غاب، وكانوا ألفا وأربعمائة وكان معهم مائتا فرس. لكل فرس سهمان فقسمت على ألف وثمانمائة سهم فصار
(1) السيرة لابن هشام ج 3 ص 351.
(2)
يخرصها: يقدرها.
للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم واحد.
قتلى الفريقين في معارك خيبر: وجملة من استشهد من المسلمين في معارك خيبر ستة عشر رجلا، أربعة من قريش وواحد من أشجع، وواحد من أسلم، وواحد من أهل خيبر، والباقون من الأنصار أما قتلى اليهود فعددهم ثلاثة وتسعون قتيلا.
فدك: ولما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، بعث محيصة بن مسعود إلى يهود فدك ليدعوهم إلى الإسلام فأبطأوا عليه فلما فتح الله خيبر قذف الرعب في قلوبهم. فبعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصالحونه على النصف من فدك بمثل ما صالح عليه أهل خيبر فقبل ذلك منهم. فكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه وسلم خالصة لأنه لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب.
وادي القرى: ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر انصرف إلى وادي القرى وكان بها جماعة من يهود وانضاف إليهم جماعة من العرب. فلما نزلوا استقبلتهم يهود بالرمي وهم على تعبئة. فقتل مدعم عبد لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال الناس هنيئا له الجنة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلا والذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من الغنائم لتشتعل عليه نارا ..
ثم عبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للقتال، وصفهم، ودفع لواءه إلى سعد بن عبادة، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سهل بن حنيف، وراية إلى عباد بن بشر، ثم دعاهم إلى الإسلام فأبوا وبرز رجل منهم فبرز إليه الزبير بن العوام فقتله، ثم برز آخر فقتله، ثم برز آخر فبرز له علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقتله، حتى قتل منهم أحد عشر رجلا، كلما قتل منهم رجل دعا من بقي إلى الإسلام. وكانت الصلاة تحضر هذا اليوم فيصلي بأصحابه، ثم يعود فيدعوهم إلى الإسلام وإلى الله ورسوله، فقاتلهم حتى أمسوا، وغدا عليهم فلم ترتفع الشمس قيد رمح حتى أعطوا ما بأيديهم، وفتحها عنوة، وغنمه الله أموالهم وأصابوا أثاثا ومتاعا كثيرا. وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بوادي القرى أربعة أيام. وقسم على أصحابه ما أصاب بها وترك الأرض والنخل بأيدي اليهود، وعاملهم عليها (1) كما عامل أهل خيبر.
تيماء:
ولما بلغ يهود تيماء خبر استسلام أهل خيبر ثم فدك ووادي القرى لم يبد أي مقاومة ضد المسلمين بل بعثوا من تلقاء أنفسهم يعرضون الصلح فقبل ذلك منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) زاد المعاد 2/ 146، 147.
وأقاموا بأموالهم (1). وكتب لهم بذلك كتابا وهاك نصه: هذا كتاب محمد رسول الله لبني عاديا إن لهم الذمة، وعليهم الجزية، ولا عداء ولا جلاء الليل مد، والنهار رشد، وكتب خالد بن سعيد.
العود إلى المدينة:
ثم أخذ رسول الله في العودة إلى المدينة وفي مرجعه ذلك سار ليلة، ثم نام في آخر الليل ببعض الطريق وقال لبلال: اكلأ لنا الليل فغلبت بلالا عيناه، وهو مستند إلى راحلته، فلم يستيقظ أحد صلى الله عليه وسلم حتى ضربتهم الشمس، وأول من استيقظ بعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خرج من ذلك الوادي، وتقدم صلى الفجر بالناس، وقيل: إن هذه القصة في غير هذا السفر (2).
وبعد النظر في تفصيل معارك خيبر يبدو أن رجوع النبي صلى الله عليه وسلم كان في أواخر صفر أو في ربيع الأول سنة 7 هـ) (3).
أمر الأسود الراعي في حديث خيبر:
قال ابن إسحاق:
وكان من حديث الأسود الراعي فيما بلغني: أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محاصر لبعض حصون خيبر، ومعه غنم له، كان فيها أجيرا لرجل من يهود فقال: يا رسول الله: اعرض علي الإسلام، فعرضه عليه، فأسلم- وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحقر أحدا أن يدعوه إلى الإسلام ويعرضه عليه، فلما أسلم قال: يا رسول الله، إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم، وهي أمانة عندي، فكيف أصنع بها؟ قال: اضرب في وجوهها فإنها ستريع إلى ربها - أو كما قال- فقام الأسود فأخذ حفتة من الحصى، فرمى بها في وجوهها، وقال: ارجعي إلى صاحبك فوالله لا أصحبك أبدا، فخرجت مجتمعة كأن سائقا يسوقها، حتى دخلت الحصن ثم تقدم إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين، فأصابه حجر فقتله، وما صلى لله صلاة قط فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضع خلفه، وسجي بشملة كانت عليه، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه نفر من أصحابه، ثم أعرض عنه، فقالوا: يا رسول الله، لم أعرضت عنه؟ قال: إن معه الآن زوجتيه من الحور العين. قال ابن إسحاق:
وأخبرني عبد الله بن أبي نجيح أنه ذكر له: أن الشهيد إذا ما أصيب تدلت له زوجتاه من الحور العين عليه تتفضان التراب عن وجهه، وتقولان: ترب الله وجه من تربك، وقتل من
(1) نفس المصدر 2/ 147.
(2)
ابن هشام 2/ 340 زاد المعاد 2/ 147.
(3)
الرحيق المختوم بتصرف من ص 412 - 425.
قتلك.
أمر الحجاج بن علاط السلمي:
قال ابن إسحاق:
ولما فتحت خيبر كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجاج بن علاط السلمي ثم البهتري، فقال: يا رسول الله، إن لي بمكة مالا عند صاحبتي أم شيبة بنت أبي طلحة- وكانت عنده له منها معرض بن الحجاج - مال متفرق في تجار أهل مكة، فأذن لي يا رسول الله، فأذن له قال. إنه لا بد لي يا رسول الله من أن أقول قال: قل الحجاج: فخرجت حتى إذا قدمت مكة وجدت بثنية البيضاء (1) رجالا من قريش يتسمعون الأخبار، ويسألون عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد بلغهم أنه قد سار إلى خيبر، وقد عرفوا أبا قرية الحجاز، ريفا ومنعة ورجالا فهم يتحسسون الأخبار ويسألون الركبان فلما رأوني قالوا: الحجاج بن علاط، قال: ولم يكونوا علموا بإسلامي، عنده والله الخبر - أخبرنا يا أبا محمد، فإنه قد بلغنا أن القاطع قد سار إلى خيبر، وهي بلد يهود، وريف الحجاز، قلت: قد بلغني ذلك وعندي من الخبر ما يسركم، قال: فالتبطوا (2) بجنب ناقني يقولون: إيه يا حجاج، قال: قلت: هزم هزيمة لم تسمعوا بمثلها قط، وقتل أصحابه قتلا وأسر محمد أسرا. وقالوا: لا نقتله حتى نبعث به إلى أهل مكة فيقتلوه بين أظهرهم ممن كان أصاب من رجالهم، قال: فقاموا وصاحوا بمكة وقالوا: قد جاءكم الخبر، وهذا محمد إنما تنظرون أن يقدم به عليكم فيقتل بين أظهركم. قال: قلت: أعينوني على جمع مالي بمكة وعلى غرمائي فإني أريد أن أقدم خيبر، فأصيب من فل (3) محمد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى هناك.
قال: فقاموا فجمعوا مالي كله كأحث (4) جمع سمعت به قال: وجئت صاحبتي فقلت: مالي. وقد كان لي عندها مال موضوع لعلي ألحق بخيبر فأصيب من فرص البيع قبل أن يسبقني التجار؟ قال: فلما سمع العباس بن عبد المطلب، وجاءه عني، أقبل حتى وقف إلى جنبي وأنا في خيمة من خيام التجار فقال: يا حجاج ما هذا الخبر الذي جئت به؟ قال، فقلت: وهل عندك حفظ لما وضعت عندك؟ قال: نعم. قلت: فاستأخر عني حتى ألقاك على خلاء. فإني في جمع مالي كما ترى، فانصرف عني حتى أفرغ. حتى إذا فرغت من جمع كل شيء كان لي بمكة، وأجمعت الخروج لقيت العباس، فقلت: احفظ علي حديثي يا أبا الفضل فإني
(1) ثنية البيضاء: هي ثنية التنعيم في مكة.
(2)
التبطوا بجنبي ناقتي: مشوا إلى جنبها ملازمين لها.
(3)
فل محمد: القوم المنهزمون معه.
(4)
كأحث: كأسرع.
أخشى الطلب ثلاثا ثم قل ما شئت قال: افعل قلت: فإني والله تركت ابن أخيك عروسا على بنت ملكهم - يعني صفية بنت حيي - ولقد افتتح خيبر، وانتثل (1) ما فيها وصارت له ولأصحابه، فقال: ما تقول يا حجاج؟ قلت: إي والله فاكتم عني ولقد أسلمت وما جئت إلا لآخذ مالي، فرقا من أن أغلب عليه، فإذا مضت ثلاث فاظهر أمرك فهو والله على ما تحب، قال: حتى إذا كان اليوم الثاني لبس العباس حلة له وتخلق (2) وأخذ عصاه ثم خرج حتى أتى الكعبة فطاف بها فلما رأوه قالوا: يا أبا الفضل هذا والله التجلد لحر المصيبة، قال: كلا والله الذي حلفتم به، لقد افتتح محمد خيبر وترك عروسا على بنت ملكهم، وأحرز أموالهم وما فيها، فأصبحت له ولأصحابه، قالوا: من جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذي جاءكم بما جاءكم به ولقد دخل عليكم مسلما فأخذ ماله فانطلق ليلحق بمحمد وأصحابه فيكون معه، قالوا: يا لعباد الله انفلت عدو الله، أما والله لو علمنا لكان لنا وله شأن، قال، ولم ينشبوا أن جاءهم الخبر بذلك (3).
خرص ابن رواحة ثم جبار على أهل خيبر:
قال ابن إسحاق: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني عبد الله بن أبي بكر يبعث إلى أهل خيبر عبد الله بن رواحة خارصا بين المسلمين ويهود فيخرص عليهم فإذا قالوا: تعديت علينا قال: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلنا، فتقول يهود بهذا قامت السموات والأرض. وإنما خرص عليهم عبد الله بن رواحة عاما واحدا، ثم أصيب بمؤته يرحمه الله فكان جبار بن صخر أخو بني سلمة هو الذي يخرص عليهم بعد عبد الله بن رواحة فأقات يهود على ذلك لا يرى بهم المسلمون بأسا في معاملتهم حتى عدوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن سهل أخي بن حارثة فاتهمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون عليه.
إجلاء اليهود عن خيبر أيام عمر: قال ابن إسحاق: وسألت ابن شهاب الزهري كيف كان إعطاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود خيبر نخلهم، حين أعطاهم النخل على خرجها، أبت ذلك لهم حتى قبض، أم أعطاهم إياها لضرورة من غير ذلك، فأخبرني ابن شهاب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم افتتح خيبر عنوة بعد القتال وكانت خيبر مما أفاء الله عز وجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقسمها بين المسلمين، ونزل من نزل من أهلها على الجلاء بعد القتال، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال إن شئتم دفعت إليكم هذه الأموال على أن تعملوها وتكون ثمارها بيننا وبينكم؛ وأقركم ما أقركم الله، فقبلوا فكانوا على ذلك يعملونها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة فيقسم ثمرها، ويعدل عليهم في الخرص، فلما توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم، أقرها أبو بكر
(1) انتشل: استخرج.
(2)
تخلق: تطيب بالخلوق وهو نوع من الطيب.
(3)
السيرة لابن هشام ج 3 ص 309 - 361.
رضي الله تعالى عنه، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيديهم على المعاملة التي عاملهم عليها رسول الله حتى توفي، ثم أقرها عمر رضي الله عنه صدرا من إمارته ثم بلغ عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في وجعه الذي قبضه الله فيه: لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان، ففحص عمر عن ذلك حتى بلغه الثبت، فأرسل إلى يهود، فقال: إن الله عز وجل قد أذن في جلائكم، قد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يجتمعن بجزيرة العرب دينان، فمن كان عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود فليأتني به، أنفذه له، ومن لم يكن عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم من اليهود فليتجهز للجلاء فأجلى عمر من لم يكن عنده عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم (1).
من شهد خيبر من النساء: وشهد خيبر عشرون امرأة منهن أم المؤمنين أم سلمة، وصفية بنت عبد المطلب، وأم أيمن وسلمى أمراة أبي رافع مولاة النبي صلى الله عليه وسلم وامرأة عاصم بن عدي وأم عمارة وأم منيع وكعيبة بنت سعد، وأم مطاع الأسلمية، وأم سليم بنت ملحان، وأم الضحاك بنت مسعود، وهند بنت عمرو بن حرام، وأم عامر الأشهلية، وأم عطية الأنصارية، وأم سليط. وأمية بنت قيس الغفارية (2).
لم يمض على موعود الله لجند الحديبية أكثر من شهرين بالفتح القريب والمغانم الكثيرة حتى كانت حصون خيبر بما تحوي من خيرات بين يدي المسلمين، وشاء قدر الله أن لا يشارك مع أهل الحديبية أحد معهم في خيبر، اللهم إلا بعض النساء، والوفود القادمة من اليمن والحبشة.
ولقد بلغ من جهد المسلمين وجوعهم وفاقتهم في هذه المعركة أن ذبحوا الحمر الأهلية، ونصبوا القدور على النيران، وجاء منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن رسول الله ينهاكم عن أكل لحوم الحمر الأهلية.
(قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن عمرو بن ضمرة عن عبد الله بن أبي سليط عن أبيه قال: أتانا نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الأنسية. والقدور تفور بها فكفأناها على وجوهها)(3).
وإنها لتجربة قاسية ولا شك، وفريدة كذلك أن المسلمين قد عض الجوع بنابهم وليس لديهم ما يأكلون حتى التمر لا يجدونه، وهم مكلفون بخوض حرب طاحنة مع اليهود وليسوا مسترخين نائمين في المعسكر، وذبحوا الحمر وطهوها، وسال لعابهم عليهم، والقدور تفور باللحم الطازج ثم يأتي الأمر النبوي بالنهي عن أكل لحموم الحمر، فما يترددون لحظة واحدة، أو
(1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 371.
(2)
إمتاع الأسماع ج 1 ص 326، 327.
(3)
السيرة النبوية لابن هشام ص 345.
يشكلون استعصاء مسلحا، أو يشكلون فرارا من الجيش والمعركة أو يتموا هذه الوجبة وينتهوا بعد ذلك، أو ينهشوا بنهشة واحدة تقيم أودهم لم يفعلوا ذلك كله، إنما كفؤوا القدور باللحم، واسجابوا لأمر الله ورسوله. وهو درس حي ولا شك في الالتزام والانضباط بالأوامر بالعسر واليسر والمنشط والمكره. وأن يكون الجندي المسلم خارجا من سلطان بطنه، وهو على أشد ما يكون من الجوع، وهو مكلف بخوض معركة، هو مستوى رفيع جدا، حين نرقى إليه نرقى معه إلى مستوى نصر الله.
وكان بالإمكان أن ينهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الأهلية قبل ذبحها، أو بعد ذبحها، وقبل العناء بطهيها وجمع الحطب ونفخ النار تحتها، لكن حتى تكون التجربة في أعمق أبعادها شاءت إرادة الله تعالى أن يكون النهي والقدور تغلي بلحوم الحمر، حتى يكشف الالتزام في أصعب أحواله، والذي يلتزم في هذا الظرف قادر على الالتزام بما هو أدنى منه.
وشيء آخر لا يقل صعوبة ومرارة عنه. هذا الشيء هو حفظ الفرج عن الحرام. فلقد مضى المسلمون لخيبر، والمتعة حلال لهم، ولم يشهد المسلمون بعدا عن نسائهم كما شهدوه في خيبر. لقد استمرت المعركة شهرين قاسيين. فكان لا بد من تلبية داعي الجنس الحلال من خلال الاستمتاع المؤقت بالنساء. وكان النهي عن نكاح المتعة كذلك في هذه المناسبة. ولم يكن النهي وهم بجوار نسائهم في المدينة، ولم يكن النهي مجرد وصولهم إلى خيبر لقد كان النهي في أصعب مظانه، في قلب المعركة، وبعد الغياب الطويل عن الزوجات. وحيث الإمكانات المتاحة للمتعة. ولم يكن النهي منصبا فقط عن نكاح المتعة في علاج حفظ الفرج والانضباط فيه. بل كان من أمور عدة يحدثنا عنها رويفع بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه وقد قام خطيبا في المسلمين بعد أن افتتح قرية من قرى المغرب فقال:
(يا أيها الناس إني لا أقول فيكم إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله فينا يوم خيبر قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره - يعني إتيان الحبالى من السبايا - ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة من السبي حتى يستبرئها. ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم، ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من فيء المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيه، ولا يحل لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده فيه)(1).
إنها أمور تمس ثلاث شهوات هي من أعمق ما تحمله النفس البشرية من شهوات.
(1) السيرة النبوية لابن هشام ص 345 ج 3 ص 346.
شهوة الجوع التي يتشدق الماديون فيها، حتى ليبيحوا من أجلها الأعراض والسرقة.
وشهوة الجنس التي يعتبرها الماديون جزءا من تركيب الإنسان وحاجة عضوية فيه وشهوة التملك التي يستعبد الناس ويسبذلون من أجلها. ويأتي الأمر النبوي، وهذه الشهوات على أشد ما تكون يقظة وحاجة وشدة بالامتناع عنها، فستجيب الصف المسلم كله، دون أن تسجل مخالفة إلا مخالفة واحدة سنعرض لها فيما بعد.
ولئن حملت الحديبية إنسانا واحدا تباطأ عن البيعة على الموت. فلقد شهدت خيبر من أهل الحديبية مخالفة لا تكاد تذكر في هذه الأمور. وذلك من خلال ربط هذه الأمور فقط بالإيمان بالله واليوم الآخر.
وأمام هذا الصبر على الجوع، والصبر على الجنس في سبيل الله، والصبر على الغنائم حتى توزع وبعد هذه التجربة القاسية الفريدة. كان عطاء الله تعالى وفيض رحمته أكبر من كل التوقعات وشهدنا دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم للأسلميين الذين جاؤوا يشكون لرسول الله صلى الله عليه وسلم جوعهم وفاقتهم وكان الدعاء الخالد:
اللهم إنك قد عرفت حالهم، وأن ليست بهم قوة، وأن ليس بيدي شيء أعطيهم إياه، فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء، وأكثرها طعاما وودكا، فغدا الناس، ففتح الله عز وجل حصن الصعب بن معاذ وما بخيبر حصن كان أكثر طعاما وودكا منه.
ويحدثنا المقريزي عن بعض هذه الغنائم فيقول: (واقتحم المسلمون الحصن يقتلون ويأسرون فوجدوا فيه من الشعير والتمر والسمن والعسل والزيت والودك كثيرا. فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم كلوا واعلفوا ولا تحتملوا (يعني لا تخرجوا به إلى بلادكم) فأخذوا من ذلك الحصن طعامهم وعلف دوابهم ولم يمنع أحد من شيء ولم يخمس ووجدوا بزا في عشرن عكيما (1) محزومة من متاع اليمن، ووجدوا خوابي سكر، فأمر بالسكر (2) فكسر في خوابيه (3)، ووجدوا آنية عن نحاس وفخار كانت يهود تأكل فيها وتشرب فقال عليه السلام: اغسلوها واطبخوا وكلوا فيها واشربوا وأخرجوا منها غنما وبقرا وحمرا، وآلة الحرب، ومنجنيفا ودبابات، وعدة، وخمسمائة قطيفة
…
) (4).
وهذا هو الصف الذي كتب الله تعالى له النصر في خيبر بالتزامه وانضباطه في القليل والكبير، ونحن بحاجة لهذا الصف الذي يلتزم بالأوامر من منطلق الإيمان قبل التزامه من منظلق
(1) العكم: ثوب يبسط ويوضع فيه المتاع.
(2)
السكر (ما يسكر به من الخمر).
(3)
الخابية: الوعاء الكبير.
(4)
إمتاع الأسماع ج 1 ص 318، 319.
الخوف والسلطة.
2 -
أما الحديث عن المخالفات فهو عجيب حقا. نستمع إلى النماذج التي حدثت في هذه الغزوة: (وشرب الخمر رجل من المسلمين يقال له: عبد الله الحمار. فخفقه رسول الله بنعليه، وأمر من حضروه فخفقوه بنعالهم، ولعنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال صلى الله عليه وسلم: فإنه يحب الله ورسوله، ثم راح عبد الله كأنه أحدهم فجلس معهم)(1).
(ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدوا الخياط (2) والمخيط (3) فإن الغلول عار وشنار ونار يوم القيامة. فعصب فروة رأسه بعصابة ليستظل بها من الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عصابة من نار عصبت بها رأسك فطرحها .. وتوفي رجل من أشجع فلم يصل عليه وقال: إن صاحبكم غل (4) في سبيل الله، فوجد في متاعه خرز لا يساوي درهمين (5)).
نذكر هذه الهنات ونذكر معها مثلا آخر مما وقع بين يدي المسلمين وكانوا قادرين على الغلول فيه:
(قال ابن وهب: قلت لمالك: وما الكتيبة؟ قال: من أرض خيبر وهي أربعون ألف عذق فوجد خمسمائة قوس عربية، ومائة درع، وأربعمائة سيف، وألف رمح)(6).
وفي مكان آخر: وصالح كنانة بن أبي الحقيق رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الكتيبة فأمن الرجال والذرية، ودفعوا إليه الأموال والذهب والفضة والحلقة والثياب إلا ثوبا على إنسان بعد ما حصرهم أربعة عشر يوما (7).
في هذه الغنائم الكثيرة المثقلة من المال والمتاع والسلاح والطعام، وجد من أخذ خرزا لا يساوي درهمين، ومن عصب رأسه بعصابة. وكان الجزاء الصارم أن قيل لصاحب العصابة عصابة من نار تعصب بها رأسك (8). ولم يصل على الثاني لهذا الغلول.
(1) المصدر نفسه ج 1 ص 319.
(2)
الخياط: الخيط.
(3)
المخيط: الإبرة يخاط بها.
(4)
غل من الغنم: خان وسرق.
(5)
المصدر ج 1 ص 323.
(6)
إمتاع الاسماع ج 1 ص 319، 320.
(7)
المصدر نفسه 319.
(8)
يحسن أن نذكر أن صاحب العصابة هو المسؤول عن حفظ الغنائم وتوزيعها، ولشدة عمله وصعوبته استظل بالعصابة من حر الشمس.
أمر لا يعرفه تاريخ الأمم والحروب في الدنيا إلا لدى الصف المسلم.
ومخالفة ثالثة أن يوجد بين الألف والأربعمائة إنسان، رجل لم يملك نفسه أمام خوابي الخمر وهي تكسر؛ فشرب الخمر في لحظة ضعف، وكانت العقوبة الصارمة أن خفقه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنعليه، وخفقه المسلمون بنعالهم، فتلقى العقوبة بصدر رحب، ولم يمض ليبيت ليلا اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه لهذه الإهانة بل أنهى العقوبة وراح يمزح ويضحك مع المسلمين، بل رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم لعنه، وقال عنه، وهو يتلقى عقوبة المعصية: إنه يحب الله ورسوله.
فليست مهمة العقوبة أن تسلخ الجندي من الصف، وتحوله إلى حاقد موتور. بل مهمتها تطهيره من الذنب ليغدو أهلا للجندية في هذا الصف المسلم، واللعن يرفض، لأنه عقوبة فوق العقوبة. بل الثناء عليه ليبقى بقلبه الحي المؤمن لاصقا بالصف ملتحما فيه.
وما أحرج صفنا وجنودنا إلى هذه المستويات حيث يتقبل الأخ المسلم العقوبة بصدر رحب. وحيث يفقه إخوانه فلسفة العقوبة لا لطرده وتحطيم نفسيته، بل لتطهيره وضمه جنديا في الصف بريئا من الذنب.
هذا هو الصف المسلم الذي انتصر بخيبر على اليهود. ويكفي هذا الوصف. لنتعرف على الصف العربي الذي لا يزال يحارب اليهود ثلث قرن ويتلقى الهزائم المكررة:
نذكر ذلك الصف في خيبر. حيث يخفق شارب الخمر بالنعال. والصف العربي الذي قال عنه مدير مخابرات العدو، سوف أهزم العرب بما يحرمه عليهم دين محمد، بالخمر والنساء.
وفعلا هزم الصف بالمعصية، إذ كان الطيارون ليلة الخامس من حزيران في عربدة مع الخمر والنساء وعلى رأسهم العقداء والألوية والفريق الأول قائد سلاح الطيران وذلك حتى الفجر.
وبهذه المقارنات ندرك من ذلك الجيش، ومن هذا الجيش، وفيه الغنى عن أي تعليق.
3 -
وبقيت مخالفة أرجأتها للمقارنة مع صورة مقابلة. نلحظ من تلك المقارنة كيف يكون الحكم على الأشخاص لأن صف الحركة الإسلامية يستهجن وجود نوعيات انتهازية فيه:
(قال ابن إسحاق: فحدثني ثور بن زيد بن سالم عن أبي هريرة قال: فلما انصرفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خيبر إلى وادي القرى ونزلنا بها أصيلا مع مغرب الشمس، ومع رسول الله الله صلى الله عليه وسلم غلام له، أهداه له رفاعة بن زيد، فوالله إنه ليضع رحل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتاه سهم غرب (1) فأصابه فقتله. فقلنا هنيئا له الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كلا والذي نفس محمد بيده إن
(1) سهم غرب: سهم طائش.
شملته (1) الآن لتحترق عليه في النار، كان غلها من فيء للمسلمين يوم خيبر. فسمعها رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه فقال: يا رسول الله: أصبت شراكين لنعلين لي، قال فقال: يقد لك مثلهما في النار) (2).
نضع هذا الغلام الذي رآه الناس من أهل الجنة وهو يعيش في الصف المسلم منذ فترة غير قليلة، ثم أصبح من خواص رسول الله صلى الله عليه وسلم وخدمه مع الغلام الآخر، الأسود الراعي الذي قص لنا ابن إسحاق خبره حين قال: يا رسول الله: اعرض علي الإسلام فعرضه عليه، فأسلم وكان رسول الله لا يحقر أحدا أن يدعوه إلى الإسلام، ويعرضه عليه، فلما أسلم قال يا رسول الله إني كنت أجيرا لصاحب هذه الغنم وهي أمانة عندي، فكيف أصنع بها؟ قال: اضرب في وجوهها فإنها سترجع إلى ربها. فقام الأسود، فأخذ حفنة من الحصى، فرمى بها في وجوهها، وقال: ارجعي إلى صاحبك، فوالله لا أصحبك أبدا، فخرجت مجتمعة كأن سائقا يسوقها حتى دخلت الحصن، ثم تقدم إلى ذلك الحصن ليقاتل مع المسلمين فأصابه حجر فقتله، وما صلى لله صلاة قط، فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع خلفه، وسجي بشملة كانت عليه، فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من أصحابه ثم أعرض عنه فقالوا: يا رسول الله: لم أعرضت عنه، فقال: إن معه الآن زوجتيه من الحور العين) (3).
صورتان متقابلتان عجيبتان لغلامين في الصف المسلم، ونهايتان أغرب وأعجعب.
غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقتل بين يديه، ويهنأ بالجنة على ظاهر الأمر وغلام يهودي لم يصل لله صلاة قط، ويقتل على باب الحصن الذي خرج منه. والشملة التي غلها غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي خيانة كانت كفيلة أن تشتعل عليه في النار، ويحرم من الجنة، ولم يشفع له خدمته لرسول الله، وماضيه السابق في الصف المسلم، وأمانة الغلام اليهودي تحولت كرامة له بحفنة من حصباء في وجه الغنم يقول لها: فوالله لا أصحبك أبدا، ويدخل في الاسلام طاهرا من يهوديته ومن ذنوبه بهذه الأمانة العظيمة. وما هي إلا ساعة حتى يغدو الغلام اليهودي قتيلا. فتتدلى له زوجتاه من الحور العين تحفانه إلى الجنة.
يا شباب دعوة الإسلام:
ليكن هذا الدرس حيا في نفوسكم، فالخطيئة الصغيرة تؤدي إلى النار ولو كانت شملة من غنيمة لا يؤبه لها. ولا يشفع معها قدم في الدعوة أو ماض في الجهاد أو موقع في التنظيم.
والاستقامة على المنهح ولو كانت من أعدى أعدائكم لحظة واحدة كفيلة بالشهادة في سبيل
(1) الشملة: كساء غليظ يلتحق به.
(2)
يقد: يقطع.
(3)
السيرة لابن هشام ج 1: 345.
الله لا يحول دونها حرب عنيفة للإسلام، أو تحتاج إلى رصيد من الطاعة والعبادة. بل النية الصادقة والتصميم على الاسقامة تكفي في ميزان الله لدخول الجنة.
ودعوا عنكم المظاهر فالله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم.
وآن لقيادة الحركة الإسلامية أن لا تغالي في الحكم على الأشخاص وخاصة أبناءها من خلال القدم التنظيمي فترفع هذا الجندي إلى المستوى الأعلى عندها بغض النظر عن سلوكه وتربيته.
وآن لشباب الحركة الإسلامية أن لا يغالوا في المكابرة بمن يأتيهم صادقا إلى الصف فيحرموه من كل ثقة لأنه لم يمر عليه قدم تنظيمي في الجماعة.
فقد يكون ذلك الأخ النقيب من أهل النار، وقد يكون هذا الجندي الجديد الذي لا تزال آثار حربه للإسلام بادية عليه من أهل الجنة.
ولتأخذ التربية الحقة دورها في الصف المسلم وليكفكف الشباب المسلم من غلوائه. في قضية الثقة بالمنتبين الجدد إلى الصف وليبق في ذهنهم ..
غلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وخيانته التي أودت به إلى النار.
والغلام اليهودي الذي لم يسجد لله سجدة وأمانته التي افتتح بها إسلامه فقادته إلى الجنة وليكفكف الشباب المسلم من غلوائه كذلك فيستبيح كل صور الغنيمة من العدو إذا ارتبطت بلوثة مع الإسلام وشباب الإسلام.
4 -
وحين نتناول هذه السمة بمظاهرها العامة سمة إنهاء الوجود اليهودي من جزيرة العرب وقد عرضنا للصف المسلم وأمانته بينما استحق الصف اليهودي أن تحق عليه لعنة الله وغضبه بعد أن خان الأمانة لا يغيب عن البال غدر كنانة بن أبي الحقيق والذي خان رسول الله وأخفى ما لديه من ثروة مع أنه هدد بالقتل إن أخفى شيئا من ذلك ثم قتل عقوبة له على غدره. لا ننسى أن الصف الداخلي لليهود قد تمزق ومضى بعض أفراده ليدل المسلمين على ثغرات الحصون وثرواتها. وما كان ذلك ليقع لولا أن هؤلاء اليهود قد كفروا بقياداتهم فراحوا يتطوعون بإعطاء الأسرار للجيش المسلم دون مقابل بل ساهم بعضهم بكشف خيانة كنانة بن أبي الحقيق حين رآه يتردد على خربة له وقد أخفى فيها ثروة يهود. ونلحظ معه كذلك المحاولات الإجرامية للاعتداء على المسلمين ونقض العهود حين يتاح لهم ذلك حيث قتلوا عبد الله بن سهل حين أمنوا إخفاء الجريمة وحاولوا اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع السم في الشاة التي أهدوها لرسول الله ومات على إثرها بشر من البراء بن معرور رضي الله عنه واستحقوا هذه الهزيمة.
وحين يكون الصف المسلم يمثل هذه الواصفات فستقع عليه العقوبة ويحال بينه وبين
النصر.
5 -
لكن هذه الأمور على مستوى الصف لا تعفي الصف من تقديم التضحيات المناسبة واللازمة فلقد عانى المسلمون من الجهد في هذه المعركة ما لم يعانوه في معركة سابقة فالخندق أطول معاركهم استمرت عشرين يوما أو تزيد، وهم في بيوتهم وبلدهم وحصونهم، بينما نراهم هنا، ولا يملكون من الطعام حتى التمر، وهم في أشد الحاجة يصبرون قرابة شهرين على الحرب. فلم تتم نهاية اليهود بهذه السهولة، ولقد دافع اليهود دفاع المستميت عن وجودهم وحصونهم، وقاتلوا وصبروا، لكن المؤمنين كانوا أصبر الفريقين، وأشجع الفريقين وما بذله أبطال المسلمين من بسالة وبذل في النفس والنفيس، فاق تصورات العدو، وكان البذل مشتركا من الفريقين المهاجرين والأنصار.
فعلي بن أبي طالب والزبير بن العوام وعمر بن الخطاب في المبارزات الفردية وكذلك الحباب بن المنذر ومحمد بن سلمة وأبو دجانة سماك بن خرشة حطم كل البطولات الفردية عند اليهود الذين كانوا يحسبون كل بطل من أبطالهم بألف رجل.
والقتال العام الذي كان يستمر أياما. فيضطر اليهود للانسحاب والتراجع، وقد شارك فيه الجيش كله بلا إستثناء يعني أن الحركة لم يبخل المسلمون عنها بشيء من أرواحهم ودمائهم وهي أطول معركة عجم فيها عودهم، واختبر فيها صبرهم فكانوا على مستوى المعركة.
6 -
وتبدو ضراوة المعركة وضخامتها حين نتصور المعركة مع المتحصنين في القلاع والحصون من اليهود. وكما وصف القرآن اليهود {لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) (1).
وكل هذه الحصون والقلاع لم تفل من عزيمة المسلمين، ولم توهن من مقاومتهم. وهذه طبيعة اليهود اليوم كذلك فمن وراء دباباتهم ومتاريسهم وتحصيناتهم يقاتلون المسلمين اليوم لكن مسلمي اليوم سرعان ما انكشفوا أمام تلك التحصينات وكم أبيد من الألوية العربية في الحروب أمام حصون اليهود.
وحين نقارن بين حرب الخامس من حزيران وبين فتح خيبر. فليست مقارنة عرضية. بل هي مقارنة حقيقية. فلقد أعلن موشي دايان وزير الدفاع الإسرائيلي بعد أن احتل القدس واكتسح بجيشه الأرض العربية في سورية والأردن ومصر. قال وقد مس ثرى القدس: هذه بخيبر.
لقد لقي اليهود قبل خمسة عشر قرنا تلك الهزيمة النكراء التي أنهت الوجود اليهودي في جزيرة العرب ولم تنهه لعقد أو عقدين من الزمان أو لقرن أو لقرنين من الزمان. إنما أنهته لخمسة
(1) سورة الحشر: من الآية 14.
عشر قرنا من الزمان لم يقم بعدها لليهود قائمة، ولم يرتفع لهم علم ولم تخفق لهم راية. إلى أن كان منتصف هذا القرن وقامت دولة إسرائيل فوق ربا فلسطين، ولم يغب عن ذهن اليهود مرارة خيبر وقد تجرعوا الذل والهوان فيها، وبقي الجيل بعد الجيل يرويها، ويؤرث سلفهم الحقد لخلفهم ويذكره بالثأر من رسول الله صلى الله عليه وسلم. حتى كانت معركة الخامس من حزيران. حيث سلمت الجولان غنيمة باردة لليهود من الخائن العربي الأكبر. رغم الحصون الضخمة التي فيها، والتي كانت كفيلة أن تقاوم اليهود بعدة جنود قلائل أشهرا طوالا، سلمت بدون قتال، على الجهة السورية، وانهارت تحصينات الجولان التي كان يقال عنها - خط ماجينو- لا بالشجاعة اليهودية ولكن بالخيانة العربية.
لقد كان النصر الإسلامي في خيبر من القوة والضخامة بحيث أنهى الوجود العسكري لليهود. خلال هذه القرون الطوال. وفي غفلة من الزمن، وفي غياب لجند الإسلام عن الأرض وفي غياب لخلافة الإسلام وحكم الإسلام برز الوجود اليهودي من جديد.
7 -
وحين نعالح ذلك الواقع ندرس من خلاله الصيغة التي انتهى يهود إليها أن يكونوا خولا عند المسلمين وأجراء فيخدموا الأرض ولهم نصف الثمر وللمسلمين النصف، ولقد كانت القيادة النبوية من العظمة ما جعلها فوق أحقاد اليهود، وجعل التعامل معمهم بصفتهم بشرا ومدنيين غير مقاتلين بحيث لا يستغل جهدهم، ولو كانوا أعداء الله ورسوله، ولا تستنزف طاقاتهم عبيدا كالعبيد، بل أمكن إيجاد جو من التعايش معهم. بحيث يشتغلون بأرض المسلمين ولهم نصف الثمر. والحركة الإسلامية اليوم بحاجة إلى فقه هذا المعنى. فمن أجل الجهاد رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينكب الجيش المقاتل الثائر على الزراعة، فيفقد جاهزيته ويفقد عسكريته، ويفقد جنديته، كما علمهم القرآن الكريم.
{ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (1).
وليست التهلكة إلا الإنشغال بالزرع والضرع عن المعركة فلا بد أن توجه كل الطاقات للمعركة أما الأرض فلن تلهي عنها ولن تشغل عنها، واليوم والحركة الإسلامية تعد نفسها لمواجهة شاملة لا بد لها أن تجند كل طاقاتها للمعركة. فالإسلام لم يقبل هذا الموقف بعد النصر المؤزر المبين. فكيف تقبله الحركة الإسلامية وهي تخوض معركة وجودها أو لا وجودها في الساحة.
ومع ذلك. فقد استفاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخبرة الزراعية المختصة، ولو كانت من اليهود لتلبي هذا القطاع وتؤمن حاجته ومضى العام الأول والثاني ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ماضون في حربهم، وتنقل لهم ثروات أرضهم فهل يستطيع المسلمون اليوم أن يعيدوا اليهود إلى الأرض
(1) البقرة: من الآية 195.
وتكون لهم القيادة والسيادة من جديد؟
8 -
وإذا كان أمر التعامل مع اليهود وهم أذلة فإن هذا لا يعني في المفهوم الإسلامي بخسهم حقهم ولوكانوا مستضعفين أو مضطرين للعمل مع النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه وتذكر كتب السيرة عن ذلك الخرص الوحيد الذي قام به عبد الله بن رواحة رضي الله عنه لعام واحد وهو يوزع الثمر مناصفة بين اليهود والمسلمين قالوا له: ما نراك عدلت. فيجيب رضي الله عنه: يا إخوة القردة والخنازير، والله ما أحد على ظهر الأرض أبغض إلي منكم وما يدفعني بغضي لكم أن أنقصكم تمرة واحدة. ووالله ما أحد على ظهر الأرض أحب الي من محمد صلى الله عليه وسلم، وما يدفعني حبي له أن أزيده تمرة واحدة. إن شئتم هذه أو شئتم هذه، ويشير رضي الله عنه إلى الحصتين أمامه. أو كما روى ابن إسحاق:(قالوا له: تعديت علينا، قال: إن شئتم فلكم، أو شئتم فلنا، فتقول يهود: بهذا قامت السماوات والأرض)(1).
وإذن فمفهرم دولة الإسلام وحكم الإسلام الذي نرقبه ونسعى له، ونقاتل من أجله هو في تحقيق هذا العدل بين العدو والصديق والقريب والخصم وهو أكبر ميزان على تحقيق شريعة الله في الأرض أن يأمن العدو قبل الصديق، والخصم قبل الأخ، ولا يطمع شريف في ظلم، ولا ييأس ضعيف من عدل وأن يطمئن المسالم الآمن على ماله وعرضه وعقيدته وأرضه واليهود الذين عاشوا في ظل هذا الإسلام العظيم، نعموا بهذا الأمن، وطردتهم دول الأرض وآوتهم دولة الخلافة الإسلامية فكان جزاؤها أن هدموا هذه الخلافة إنهم يعلمون أن عدل محمد صلى الله عليه وسلم لن يستطيعوه هم على أنفسهم، ومن أجل ذلك قالوا: بهذا العدل قامت السموات والأرض، وأن يتعامل عبد الله بن رواحة وهو المبغض الألد لهم بنفس الصيغة التي يتعامل فيها مع حبيبه عليه الصلاة والسلام.
إنه ما لم تقتنع قاعدة الحركة الإسلامية بأن قيادتها على الجادة، وأنها تحقق العدل في صفوفها وتؤثر الحق على العاطفة في تعاملها، فلن تخطو خطوة واحدة خارج صفها في تحقيق الهدف الذي ترنو إليه وعندما يطمئن الصف المسلم إلى أن قيادته رائدها العدل دائما وأنه لن يضيع حق لفرد من أفراده فيه. فحينئذ تستطيع أن تكون داعية لهذا المعنى في صفوف الخصوم، ولا بد أن يتربى الصف كذلك على قبول هذا العدل والرصوخ له، ولو كان على حسابه ومن مصلحته.
فالقضية ذات طرفين متوازنين الطرف الأول: طرف القيادة الصارمة العادلة التي لا تأخذها في الله لومة لائم، وتكون قوامة بالقسط شاهدة لله ولو على نفسها أو الوالدين والأقربين. وطرف القاعدة التي لا تعتبر الإسلام مغنما ومكسبا، وحقا متسلطا على رقاب العباد بل تعطي من ذاتها ونفسها ما يعين القيادة على تطبيق هذه العدالة وأن تخضع للحق ولا تستجيب للنزوة الطارئة
(1) السيرة النبوية لابن هشام ج 4: 354.
أو الهوى الجموح.
9 -
والمعنى الآخر الذي نلحظه من خلال خيبر هو إخراج اليهود من جزيرة العرب إذ لم يكن نقضا للعهد كما يحلو للمغرضين أن يسموه، بل كان جزءا من الاتفاق الأول حين عرض اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعملوا مع المسلمين في الأرض فكان جوابه عليه الصلاة والسلام (فأعطاهم خيبر على أن لهم الشطر من كل زرع ومن كل ثمر ما بدا لرسول الله أن يقرهم) وعند ابن إسحاق:(وأقركم ما أقركم الله).
وعندما أصبحت المصلحة بإجلائهم عن خيبر، وتأكد لأمير المؤمنين رضي الله عنه هذا المعنى ووصية النبي صلى الله عليه وسلم ألا يجتمع بجزيرة العرب دينان، أمر بإجلائهم إلا من كان معه عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم خاص به بالبقاء.
وتبقى دوما مصلحة المسلمين العليا وأمنهم، أهم من مصلحتهم العادية في زرعهم وضرعهم، ويضحى بكل شيء حفاظا على هذه المصلحة علما بأن المسلمين قد اكتسبوا الخبرة المطلوبة في الأرض. وصاروا قادرين على الانتاج ولديهم السعة للعمل في الزراعة بعد التمكين الكبير لهم فاستغني عن هذه الطاقات كما تستغني كل دولة وحركة عن خدمات وخبرات من هم خارج صفها عندما تمتلك هذه الخبرات أو تستغني عنها وتعتمد الاكتفاء الذاتي في تسيير دولتها.
10 -
ويبرز المعنى الأخير في خيبر من خلال السبر العام لنفسيه قريش حين جاءها الحجاج بن علاط السلمي، ولم تعط فرحتها لأحد بهزيمة محمد وأسره، لكنها فوجئت بالصاعقة على رأسها حين عرفت أن الحجاج عبث بها حتى أخذ حقه وماله ورحل عنهم.
والذي يعنينا من هذا الدرس جانبان:
الجانب الأول: في التيقظ من المهادنين، والتعرف على حقيقة نفسياتهم وإمكانية نكثهم للعهد إن أتيح لهم ذلك وعلى الحركة الإسلامية أن تقدم الاختبارات المتتالية للتعرف على نفسية الحلفاء والمسالمين.
الجانب الثاني: حق الجندي المعترف على شركه أن يصل إلى حقه عن طريق التضليل بالصف المشترك وإلا لحرم هذا الحق لإسلامه وطالما أن الأخ لم يعلن التزامه في الصف الإسلامي فالمجتمع الجاهلي يحمل وزر تصرفه لا المجتمع الإسلامي فالحجاج في ظاهر الأمر مشرك وأعطي المال على ضوء شركه واستعمل المخادعة للوصول إلى حقه لكنه لم يقدم على هذا الأمر إلا بعد استئذان قيادته.
وحري بشباب الحركة الإسلامية خاصة السريين منهم الذين يحسبون في الأصل جواز مثل هذه التصرفات ألا تتم إلا من خلال الإذن من القيادة الشرعية التي تحدد حدود هذه التصرفات
والاجتهاد الفردي مرفوض ولو كان صوابا محضا واستئذان القيادة الشرعية ولو كان خطأ محضا من حيث السلوك فهو صواب محض من حيث التنظيم.
11 -
ومن المعاني الواضحة في خيبر والتي لم تغب في كل لحظاتها الدعوة إلى الله تعالى فما من مواجهة بين اليهود والمسلمين إلا والتوجيهات النبوية تؤكد على ضرورة الدعوة إلى الله قبل المواجهة.
(فأعطاه الراية فقال: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا، قال: انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك حمر النعم)(1).
فإذن ليست الدعوة إلى الله في حالة السلم فقط، ومقابل المعركة، إن المسلم وهو في قلب المعركة داع إلى الله تعالى قبل أن يكون مقاتلا. والبطل العظيم علي رضي الله عنه يحمل الراية بشهادة رسول رب العالمين. يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، ويفتح الله تعالى على يديه، ومع ذلك فالدعوة إلى الله تعالى هي الأصل، والهداية خير من القتل.
وهداية امرىء واحد خير من حمر النعم، فليدرك هذا الأمر شباب الحركة الإسلامية أن قضية الدعوة إلى الله يجب أن ترافق المسلم في كل لحظة من لحظات حياته قبل المعركة وخلالها وبعدها وأن يصبح تقييم القيادة والحركة من خلال المعركة ونسيان الأصل الذي قامت عليه الجماعة هو انحراف في الفهم الإسلامي ولا شك. ولئن كانت هذه المرحلة بعد صلح الحديبية هي مرحلة الانطلاق السياسية والدعوية وكانت معركة خيبر ظاهرة خاصة في قلب هذه الأحداث لكنها بقيت تحمل طابع الدعوة إلى الله مع اليهود الذين حاربوا هذه الدعوة منذ مهدها وحاربوا سيد الدعاة محمد صلى الله عليه وسلم منذ ولادته.
12 -
ولا ننسى في النهاية دور المرأة المسلمة وقد شاركت في خيبر في أكبر تجمع نسوي بلغ عدده عشرين امرأة، ورضخ رسول الله صلى الله عليه وسلم لهن من الفيء وتبقى هذه الذكرى حتى لا ننسى دور المرأة المسلمة في الصف الإسلامي بجوار الرجل. فإذا كان لها دور في المعركة فمن باب أولى أن يكون لها الدور في الدعوة إلى الله. والمرأة نهبة لدعاة الشر في الأرض يريدون لها أن تهدم فتهدم الأسرة معها. وبالتالي يهدم المجتمع كله. ولعل القلادة التي أهداها النبي صلى الله عليه وسلم للفتاة الغفارية تعدل كثيرا من غلوائنا ونحن نتعامل مع النساء وذلك كما روى ابن إسحاق عن امرأة من بني غفار قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة من بني غفار، فقلنا: يا رسول الله، قد أردنا أن نخرج معك إلى وجهك هذا وهو يسير إلى خيبر، فنداوي الجرحى ونعين المسلمين بما استطعنا، فقال:
(1) صحيح البخاري 2/ 505.
على بركة الله. قالت: فخرجنا معه، وكنت جارية حدثة، فأردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم على حقيبة رحله، قالت: فوالله لنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصبح وأناخ ونزلت عن حقيبة رحله وإذا بها دم مني، وكانت أول حيضة حضتها قالت فتقبضت إلى الناقة واستحييت، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بي ورأى الدم قال: ما لك لعلك نفست، قالت قلت: نعم قال: فأصلحي من نفسك، ثم خذي إناء من ماء فاطرحي فيه ملحا، ثم اغسلي به ما أصاب الحقيبة من دم ثم عودي لمركبك، فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر رضخ لنا من الفيء هذه القلادة التي ترين في عنفي فأعطانيها، وعلقها بيده في عنقي، فوالله لا تفارقني أبدا) (2).
…
(2) السيرة لابن هشام ج3: 342.