المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌السمة العاشرة:قيادات العدو تنضم إلى الإسلام - المنهج الحركي للسيرة النبوية - جـ ٣

[منير الغضبان]

فهرس الكتاب

- ‌تمهيد

- ‌المرحلة الثانية: الجهاد السياسي وانتصار الرسالة

- ‌السمة الأولى: التحدي المعنوي للمشركين

- ‌السمة الثانية: حديث الإفك

- ‌السمة الثالثة: الزواج وأثره في الدعوة

- ‌السمة الرابعة:الصف الداخلي القوي من خلال صلح الحديبية

- ‌السمة الخامسة:الاعتراف الرسمي من الوثنية بدولة الإسلام

- ‌السمة السادسة: حرب المستضعفين

- ‌السمة السابعة:الإعلان العالمي للإسلام: مراسلة الملوك والأمراء

- ‌السمة الثامنة: تجمع القوى والثقة بالنصر

- ‌السمة التاسعة:إنهاء الوجود اليهودي في جزيرة العرب: غزوة خيبر

- ‌السمة العاشرة:قيادات العدو تنضم إلى الإسلام

- ‌السمة الحادية عشرة: الصدام الأول مع الروم - مؤته

- ‌السمة الثانية عشرة: نصر الله والفتح: فتح مكة

- ‌السمة الثالثة عشرة:إنهاء الجيوب الوثنية المتبقية

- ‌السمة الرابعة عشرة:الجزيرة العربية تدخل في الإسلام

- ‌السمة الخامسة عشرة:التحدي الأكبر للروم في غزوة تبوك

- ‌السمة السادسة عشرة:سورة براءة وإنهاء الوجود الوثني

- ‌السمة السابعة عشرة:الحج الأكبر ومائة وثلاثون ألفا من المسلمين

- ‌السمة الثامنة عشرة:إلى الرفيق الأعلى بعد إتمام النعمة

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌السمة العاشرة:قيادات العدو تنضم إلى الإسلام

‌السمة العاشرة:

قيادات العدو تنضم إلى الإسلام

إسلام عمرو بن العاص: قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حبيب عن راشد مولى حبيب بن أبي أوس الثقفي، عن حبيب بن أبي أوس الثقفي قال: حدثني عمرو بن العاص من فيه قال:

لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق. جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي، ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون والله أني أرى أمر محمد يعلو الأمور علوا منكرا، وإني قد رأيت أمرا فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد. وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا، فلن يأتينا منهم إلا خير، قالوا: إن هذا الرأي قلت: فاجعوا له ما نهديه له. وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم، فجمعنا له أدما كثيرا ثم خرجنا حتى قدمنا عليه.

فوالله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري وكان رسول الله قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده. قلت لأصحابي هذا عمرو بن أمية الضمري لو قد دخلت على النجاشي وسألته إياه فأعطانيه، فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك، رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد. قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحا بصديقي، أهديت إلي من بلادك شيئا؟ قلت: نعم. أيها الملك قد أهديت إليك أدما كثيرا، قال: ثم قربته إليه، فأعجبه واشتهاه، ثم قلت له: أيها الملك، إني قد رأيت رجلا خرج من عندك، وهو رسول رجل عدو لنا، فأعطنيه لأقتله، فإنه تد أصاب من أشرافنا وخيارنا، قال: فغضب، ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقا منه، ثم قلت له: أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه، قال: أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله! قلت: أيها الملك، أكذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو، أطعني واتبعه، فإنه والله لعلى الحق، وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قلت: أفتبايعني له على الإسلام؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعته على الإسلام، ثم خرجت إلى أصحابي وقد حال رأيي عما كان عليه، وكتمت أصحابي إسلامي (1) ....

(1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3 ص 289.

ص: 84

إسلام خالد بن الوليد (قال الواقدي: حدثني يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت أبي يحدث عن خالد بن الوليد قال: لما أراد الله بي ما أراد من الخير قذف في قلبي الإسلام وحضرني رشدي فقلت قد شهدت هذه المواطن كلها على محمد صلى الله عليه وسلم فليس في موطن أشهده إلا انصرف، وأنا أرى في نفسي أني موضع في غير شيء، وأن محمدا سيظهر، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية خرجت في خيل من المشركين، فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه بعسفان. فقمت بإزائه، وتعرضت له، فصلى بأصحابه الظهر أمامنا فهممنا أن نغير عليهم ثم لم يعزم لنا. وكانت فيه خيرة، فاطلع على ما في أنفسنا من الهم به فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف، فوقع ذلك منا موقعا، وقلت: الرجل ممنوع فاعتزلنا، وعدل عن سير خيلنا وأخذ ذات اليمين فلما صالح قريشا بالحديبية ودافعته قريش بالرواح، قلت في نفسي: أي شيء بقي؟ أين أذهب إلى النجاشي! فقد اتبع محمدا وأصحابه عنده آمنون، فأخرج إلى هرقل فأخرج من ديني إلى نصرانية أو يهودية. فأقيم في عجم، فأقيم في داري بمن بقي، فأنا في ذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في عمرة القضاء فتغيبت ولم أشهد دخوله وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبي في عمرة القضاء فطلبني فلم يجدني فكتب إلي كتابا فإذا فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإني لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام وعقلك عقلك! ومثل الإسلام جهله أحد؟ وقد سألني رسول الله صلى الله عليه وسلم عنك، وقال: أين خالد. فقلت يأتي الله به فقال مثله يجهل الإسلام؟ ولو جعل نكايته وجده مع المسلمين كان خيرا له، ولقدمناه على غيره فاستدرك يا أخي ما قد فاتك من مواطن صالحة.

قال: فلما جاءني كتابه نشطت للخروج وزادني رغبة في الإسلام وسرني سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم عني، وأرى في النوم كأني في بلاد ضيقة مجدبة. فخرجت في بلاد خضراء واسعة فقلت: إن هذه لرؤيا، فلما أن قدمت المدينة قلت: لأذكرنها لأبي بكر، فقال: مخرجك الذي هداك الله للإسلام والضيق الذي كنت فيه من الشرك. فلما أجمعت الخروج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: من أصاحب إلى رسول الله؟ فلقيت صفوان بن أمية فقلت: يا أبا وهب أما ترى ما نحن فيه إنما نحن كأضراس، وقد ظهر محمد على العرب والعجم فلو قدمنا على محمد واتبعناه، فإن شرف محمد لنا شرف؟ فأبى أشد الإباء فقال: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدأ. فافترقنا، وقلت: هذا رجل قتل أخوه وأبوه ببدر فلقيت عكرمة بن أبي جهل، فقلت له مثل ما قلت لصفوان بن أمية فقال لي مثل ما قال صفوان، قلت فاكتم عني. قال: لا أذكره. فخرجت إلى منزلي فأمرت براحلتي، فخرجت بها إلى أن لقيت عثمان بن طلحة. فقلت: إن هذا لي صديق. فلو ذكرت له ما أرجو، ثم ذكرت من قتل من آبائه فكرهت أن أذكره ثم قلت: وما علي وأنا راحل من ساعتي فذكرت له ما صار الأمر إليه فقلت

ص: 85

: إنما نحن بمنزلة ثعلب في حجر لو صب فيه ذنوب من ماء لخرج وقلت له نحوا مما قلت لصاحبي، فأسرع الإجابة، وقلت له: إني غدوت اليوم. وأنا أريد أن أغدو وهذه راحلتي بفج مناخة، قال: فاتعدت أنا وهو بيأجج إن سبقني أقام وإن سبقته أقمت عليه، فأدلجنا سحرا، فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدة فنجد عمرو بن العاص بها قال: مرحبا بالقوم فقلنا وبك. قال: إلى أين مسيركم؟ فقلنا: وما أخرجك؟ فقال: وما أخرجكم؟ قلنا: الدخول في الإسلام، واتباع محمد صلى الله عليه وسلم قال: وذاك الذي أقدمني فاصطحبنا جميعا حتى دخلنا المدينة فأنخنا بظهر الحرة ركابنا فأخبر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر بنا فلبست من صالح ثيابي ثم عمدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقيني أخي: فقال: أسرع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر بك فسر بقدومك وهو ينتظركم، فأسرعنا المشي فاطلعت عليه فما زال يبتسم حتى وقفت عليه فسلمت عليه بالنبوة، فرد علي السلام بوجه طلق، فقلت: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقال: تعال. ثم قال: الحمد لله الذي هداك قد كنت أرى لك عقلا رجوت أن لا يسلمك إلا إلى خير. قلت: يا رسول الله: إني قد رأيت ما كنت أشهد عليك من المواطن معاندا للحق، فادعو الله أن يغفرها لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام يجب ما كان قبله. قلت: يا رسول الله على ذلك قال: اللهم اغفر لخالد بن الوليد كل ما أوضع فيه من صد عن سبيل الله قال خالد: وتقدم عثمان وعمرو فبايعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وكان قدومنا في صفر سنة ثمان قال: والله ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعدل بي أحدا من أصحابه فيما حزبه (1)).

كانت غزوة خيبر قد انتهت وحطمت ما بقي في نفسية مكة من مقاومة. فقد سقط حليف ضخم لها في المنطقة، كانت تأمل أن ينهي على محمد إن فاتها هي ذلك. وحتى غطفان، فقد قام محمد صلى الله عليه وسلم بغزوات لها في عقر دارها، خلال هذه المرحلة، وكان عمرو بن العاص بعيد النظرة، حين حكم بعد الخندق بانتهاء قريش كقوة عسكرية بعد أن جيشت الجيوش وقادت عشرة آلاف مقاتل لتستأصل شأفة محمد في المدينة، ورجعت تجرجر أذيال الخيبة. فقد انتهى عمرو بن العاص رضي الله عنه كقائد حربي في مكة منذ الخندق، كما حدثنا عن ذلك، وصمم أن يغادر مكة إلى الحبشة لاجئا سياسيا يعيش عند صديقه النجاشي، تاركا الأمور في أعنتها حيث لا جدوى من المقاومة.

وكان الغزو النفسي لخالد رضي الله عنه إبان صلح الحديبية حين صلى رسول صلاة الحوف في الوقت الذي هم فيه خالد بغزوه وأقسم أن الرجل ممنوع. وتلقى عمرو بن العاص هزيمته الأخيرة بين يدي النجاشي حيث تمنى لو أن الأرض ابتلعته فرقا من النجاشي. ورواية الواقدي تقول إن النجاشي لم يضرب أنفه إنما ضرب أنف عمرو وتناثر الدم

(1) البداية والنهاية لابن كثير ج 4 ص 240 ط 3 مكتبة المعارف 1980.

ص: 86

منه. وكانت تلك الهزة الوجدانية التي لامست عمرو فهزته من مفرق رأسه إلى أخمص قدميه. ولم تنته إلا ببيعة عمرو للنجاشي على الإسلام في ذات اللحظة التي كان يود أن يضرب عنق عمرو بن أمية الضمري لو سلمه النجاشي إليه فلقد كانت الهزة من العمق والضخامة بحيث كسرت أثقال الجاهلية وأغلالها وفتحت عينيه على الإسلام. وكانت الضربة العنيفة هي التي أعادته إلى رشده، وقرر أن يرحل من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام.

بينما كانت الهزة الضخمة التي زلزلت كيان خالد بن الوليد رضي الله عنه تلك الرسالة الصغيرة المعدودة الكلمات. وقد غيرت كل مخططات حياته. فلقد غادر خالد مكة والغيظ والحقد يأكل قلبه أن يدخل محمد مكة. بعد سبع سنوات من المقاومة دون أن يقف في وجهه أحد بل بإقرار قريش واعترافها ولا شيء على القائد العسكري أشد مرارة من الهزيمة. وأن يرى بأم عينيه خصمه مظفرا منتصرا، ومن أجل ذلك غادر مكة عند دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، بل فكر أكثر من ذلك بأن يفعل ما فعله عمرو وصحبه. أن يمضي إلى النجاشي أو كسرى أو قيصر. غير أنه وجد الذل واحدا وليس له من الصداقة عند النجاشي ما لصاحبه عمرو وسيكون نكرة في أي مكان يمضي إليه حتى ولولم يكن نكرة مجهولة. فأي معنى أن يضع إمكاناته وعبقريته لينصر فرسا على روم أو روما على فرس. ومن أجل هذا ضاقت الدنيا في عينيه، وهو يعرف في أعماقه أن موقعه الحقيقي في مكة.

وجاءت هذه الرسالة. لتعيد تركيبه من جديد. فلقد قدم مكة وخف الضغط على أعصابه أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد غادر مكة. ولم يكن غصة في حلقة أن يراه وهو يطوف حرول الكعبة ويستلم الركن. ويرى من حوله أتباعه من كل مكان يسرحون ويمرحون في بلده. وكانت رسالة أخيه عند والدته. وفض الرسالة، ولم يأبه في بادىء الأمر إلى دعوة أخيه له للإسلام فهو لا يقيم هذا الوزن لرأي أخيه وطالما ساهم في حبسه ومنعه عن المسير إلى المدينة لكن الذي شده، وشد نظره أن يكون محمد رسول الله قد مال عنه: وكاد يلتهم الكلمة التهاما ليرى طبيعة السؤال ويرى دوافعه رأي محمد فيه، وعلى الغالب أنه لم يخطر على باله دافعا للسؤال عنه من محمد صلى الله عليه وسلم إلا الرغبة في إذلاله وإشعاره بالهزيمة والاستخفاف بهؤلاء المعاندين، لكن المفاجأة الضخمة التي هزت أعماقه هي هذه الكلمات العادية في الصحيفة الهائلة في التأثير والمعنى. (فقلت: يأت الله به. قال: مثله جهل الإسلام؟ ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين لكان خيرا له ولقدمناه على غيره).

فإذن ليس هو أمام قائد متعجرف أذل كبرياءه أو حتى غاضب ثأر لحروب ضخمة سابقة أو حتى عاتب لائم على مواقف معاندة مكابرة، ليس أمام هذا كله. إنه أمام إنسان لا مثيل له في البشر. إنه أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعاد القراءة الثانية وما يكاد يصدق عقله، ولو كان جعل نكايته وجده مع المسلمين لكان خيرا له ولقد مناه على غيره، إذن فقد وجد ضالته، ورأى موقعه، تحت

ص: 87

راية محمد صلى الله عليه وسلم وفي الموقع المناسب والمركز الملائم. إذن ففيم يقف؟ وماذا ينتظر؟

لقد حققت هذه الكلمات القلائل تلك النقلة الهائلة لخالد بن الوليد رضي الله عنه من الجاهلية إلى الإسلام. وكانت في ضخامة تأثيرها أشد بكثير من لطمة النجاشي. فلقد بقي عمرو ابن العاص رضي الله عنه شهورا طوالا قبل أن يعزم عزمته الأخيرة على المسير إلى المدينة أما خالد بن الوليد، فقد كان التحول الضخم عنده ليهيء متاعه دون توان ويمضي إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وإن كان له من شبه في الأثر ففى تلك الضربة العمرية لختنه سعيد بن زيد ولأخته وفي تلاوته لصدر سورة طه تلك الكلمات مست أعماق عمر ومضى إلى دار الأرقم مؤمنا منيبا بعد أن غدا قاتلا. وهذه الكلمات اليوم حولت خالد بن الوليد من حاقد ناقم إلى مؤمن ملتزم.

ولم تستطع معارك عشرين عاما وحوار عشرين عاما أن يفعل فعله في خالد بن الوليد رضي الله عنه كما فعلت تلك الكلمات في أعماق خالد، وهو يرى الأرض قد ضاقت عليه ويبحث عن الموقع الذي يضع قدميه فيه. فجاءته الرسالة لتقول له: تعال: هذا هو موقعك. وحلت أكبر عقدة نفسية عنده.

ومضى ليستلقي قليلا فيرى الرؤيا التي تتناسب وهذا الوضع النفسي الجديد الذي خرج من صحراء قاحلة مجدبة إلى أرض خضراء ممرعة.

والدعاة إلى الله اليوم بحاجة إلى وقفة طويلة مع هاتين القضيتين. قضية إسلام خالد، وإسلام عمرو فأعماق الحادثتين أكبر من الحدث الآني وهو دعوة ملحة لهؤلاء الدعاة أن يتعاملوا مع نفوس الناس. وأخص بالذكر الخصوم وقيادات الخصوم، ليحولوا تلك النفوس إلى الإسلام.

وليكن أعظم أهدافهم هو جعل طاقات وعبقريات هؤلاء الخصوم تنصب في معين الإسلام وتذود عنه. تماما كما قال عليه الصلاة والسلام (ولو كان جعل جده ونكايته مع المسلمين ..) وليكن لدى الدعاة من سعة الصدر أن يقولوا لخصومهم ما قاله عليه الصلاة والسلام لأكبر أعداء الإسلام ذات يوم لخالد بن الوليد (ولقدمناه على غيره).

أن تنتصر الحركة الإسلامية في معركة حربية. فتجندل بعض القيادات قتل ويلوذ بعض القواد بالفرار ثم يتأجج الحقد والرغبة في الثأر في معركة جديدة شيء عظيم لكن الأعظم منه بلا شك أن تنتصر الحركة الإسلامية في معركة النفوس الكبرى وفي حلبة الصراع العظمى بين الجاهلية والإسلام فتفتح هذه القيادات صدورها للإسلام وتنضوي تحت لوائه هو النصر الأكبر ولا شك. ومن أجل ذلك كان الفتح المبين في الحديبية. حيث أزيح السيف من الطريق، وفتحت معركة العقيدة وسرعان ما انتصرت العقيدة في النفوس، ومن أجل ذلك كان نصر الله والفتح ليس في هزيمة الجيش المكي الهزيمة المنكرة وعدد القتل والجرحى فيه. إنما كان في دخول الناس في

ص: 88

دين الله أفواجا {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} .

النصر الحقيقي هو أن تدخل قادة العدو في الإسلام لا أن تهزمهم في معركة من معارك الإسلام. ويبقى هذا الهدف هو الأعلى.

نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها، لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم.

لكن فن الدعوة لا بد أن يلامس تلك النفوس لمسا حادا، وينفذ إلى أعماقها نفوذا حكيما بحيث يكون هو المصير للمدعو ولا مصير غيره هو الحل ولا حل غيره.

أما إذا شعر العدو أو الخصم أن الإسلام هو الذي يذل، ويحطم مصالحه. فسيبقى في إطار العداء لله على الدوام.

ومن إسلام خالد إلى خطواته في الدعوة بعد لحظات إلى رفاق دربه صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل وعثمان بن طلحة.

وحين شرح الله صدر خالد للإسلام صار على التو داعية إلى الله وتذكر أحب الناس إليه هؤلاء الثلاثة وراح يعرض عليهم الإسلام فطووا عنه كشحا، فلم تنلهم هزة خالد، ولم يشرح الله صدورهم بعد غير أن إقدامه على دعوتهم ليعطي دلالة واصحة على صخامة هذه الهزة فلقد كان بإمكانه أن يكتم خبره ويمضي وحده إذا كان هذا الإيمان ذاتيا من جهة، وباردا من جهة ثانية، لكن حرارته وصدقه، هما اللذان دفعاه إلى عرض هذا الدين على رفاق الدرب معه بل أصبح يدرك ببصيرة المؤمن، أن عناد هؤلاء الرفاق مرتبط بنزعات جاهلية عميقة ولما يمر عليه في الإسلام ساعات بعد. إذ أن مقتل آبائهم وإخوانهم هو الذي يعمي بصرهم عن الحقيقة ولن يدرك الحقيقة موتور ثائر إنما يدركها مخلص. بعيد عن الهوى والغرض.

ولعلنا قبل أن ننتقل مع القادة الثلاثة إلى المدينة نستمع لعمرو رضي الله عنه ينقل لنا طرفا من الحديث من خلال رواية البيهقي عن الواقدي:

(

فغضب من ذلك ورفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه كسره، فأبتدر منخراي فجعلت أتلقى الدم بثيابي، فأصابني من الذل ما لو انشقت بي الأرض دخلت فيها فرقا منه ثم قلت: أيها الملك لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتك. قال فاستحيا، وقال يا عمرو تسألني أن أعطيك رسول من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى، والذي كان يأتي عيسى لتقتله؟ قال عمرو: فغير الله قلبي عما كنت عليه، وقلت في نفسي، عرف هذا الحق العرب والعجم

ص: 89

وتخالف أنت .. ثم دعا بطست، فغسل عني الدم وكساني ثيابا وكانت ثيابي قد إمتلأت بالدم فألقيتها ثم خرجت على أصحابي فلما رأوا كسوة النجاشي سروا بذلك. وقالوا هل أدركت من صاحبك ما أردت؟ فقلت لهم: كرهت أن أكلمه في أول مرة. وقلت أعود إليه. فقالوا: الرأي ما رأيت. قال ففارقتهم وكأني أعمد إلى حاجة فعمدت إلى موضع السفن. فأجد سفينة قد شحنت تدفع قال: فركبت معهم ودفعوها حتى انتهوا إلى الشعبة، وخرجت من السفينة ومعي نفقة: فابتعت بعيرا وخرجت أريد المدينة حتى مررت على مر الظهران ثم مضيت حتى إذا كنت بالهوة فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريدان منزلا وأحدهما داخل في الخيمة والآخر يمسك الراحلتين، فنظرت فإذا خالد بن الوليد: قال: قلت: أين تريد؟ قال: محمدا. دخل الناس في الإسلام فلم يبق أحد به طعم، والله لو أقمت لأخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الضبع في مغارتها، قلت: أنا والله قد أردت محمدا وأردت الإسلام فخرج عثمان بن طلحة فرحب بي فنزلنا جميعا في المنزل ثم اتفقنا حتى أتينا المدينة فلما أنسى قول رجل لقيناه ببئر أبي عتبة يصيح: يا رباح يا رباح يا رباح فتفاءلنا بقوله وسرنا، ثم نظر إلينا فأسمعه يقول: أعطت مكة المقادة بعد هذين وظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد، وولى إلى المسجد سريعا فظننت أنه بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدومنا فكان كما ظننت، وأنخنا بالحرة فلبسنا من صالح ثيابنا ثم نودي بالعصر فانطلقنا على أظلعنا عليه، وإن لوجهه تهللا والمسلمون حوله قد سروا بإسلامنا فتقدم خالد بن الوليد فبايع، ثم تقدم عثمان بن طلحة فبايع، ثم تقدمت فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه فما استطعت أن أرفبع طرفي حياء منه فبايعته على أن يغفر لي ما تقدم من ذنبي ولم يحضرني ما تأخر فقال إن الإسلام يجب ما كان قبله والهجرة تجب ما كان قبلها قال: فوالله ما عدل بي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبخالد بن الوليد أحدا من أصحابه في أمر حزبه منذ أن أسلمنا. ولقد كنا عند أبي بكر بتلك المنزلة، ولقد كنت عند عمر بتلك المنزلة وكان عمر على خالد كالعاتب.

ولقد عرضنا هذه الرواية الثانية التي تعطي إيضاحات أكثر على إسلام عمرو رضي الله عنه. وتلقي أضواء على طبيعة شخصيته. فعمرو داهية العراب وقد بايع النجاشي على الإسلام لم يكن من سمته ولا من طبعه أن يطرح ما في نفسه على صحبه كما فعل خالد رضي الله عنه. بل كتم الأمر عنهم وأوهمهم بكسوة النجاشي أنه لا يزال على عهده واستحيا طلب رسول محمد صلى الله عليه وسلم لهذه الهدية، واتنسل عن صحبه يبحث عن سفينة تقوده إلى يثرب.

وتبرز طبيعة شخصيته ثانيا حين التقى مع خالد ولم يظهر مقدمه للإسلام حتى اطمأن إلى خالد أنه ماض إلى المدينة ليسلم. فشخصيته التي تقوم على أساس الحذر والحيطة المناسبتين لطبيعة الداهية تقتضي منه هذه المواقف.

والملاحظ أن عرض عمرو رضي الله عنه لإسلامه وإسلام خالد بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم لا

ص: 90

يختلف في المضمون لكن نرى في بعض الجزئيات إشارات لمعنى ضخم في طبيعة الدعاة فخالد رضي الله عنه يرى ابتسام رسول الله صلى الله عليه وسلم له منذ لقياه. وأنه ينظر به وعمرو رضي الله عنه يرى تهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أن رآهما.

وخالد يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعدل به أحد إذا حز به أمر، وعمرو رضي الله عنه يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعدل بهما أحد إذا حز به أمر وهذه الإشارات تدل على عظمة هذا النبي سيد ولد آدم. فكل صحابي كان يشعر أنه أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه موطن ثقته. وحده من دون الناس، وهكذا كان عمرو وخالد يشعران أنهما قد احتلا الموقع المناسب وأن كفاءتهما العسكرية والسياسة لم تذهب هدرا أو عبثا. بل كان لهما محل القيادة والريادة بين المسلمين رغم حداثة دخولهما في الإسلام.

ويبقى المعنى الأعمق والأشمل بإسلام هذه القيادات وأثر هذا الإسلام على المعسكر المكي الذي بدأ ينهار إثر هذه الضربة القاضية حتى أبو سفيان القائد العام شهد بأم عينه عند هرقل ما قاله قيصر في حق النبي صلى الله عليه وسلم وكانت بداية الغزو النفسي له. لقد أهدت مكة إلى المعسكر الإسلامي ثلاثة أبطال من أبطالها وكل بطل ركن في عشيرته فخالد سيد بني مخزوم وعمرو سيد بني سهم، وعثمان سيد بني عبد الدار وصدق فيهم قول رسول اللهق صلى الله عليه وسلم لقد رمتكم مكة بأفلاذ أكبادها، فهم قرة عين مكة، وقادتها الكبار ينضمون إلى معسكر النبوة.

ولإسلام عثمان بن طلحة أثر فوق هذه الآثار جميعا هو أن مفتاح الكعبة معه، فبنو عبد الدار عندهم حجابة الكعبة، وعثمان بن طلحة قد انتهت إليه هذه المأثرة. وهذا الأمر يهد قريشا هدا فهي تفاخر العرب بالبيت الحرام وأنها حاميته والذائدة عنه فإذا كان حامل مفتاح الكعبة قد غدا جنديا في جيش محمد صلى الله عليه وسلم فلقد انتهت ادعاءاتها في الحامية وصار عثمان بن طلحة المسلم صاحب الحجابة هو المسؤول أمام العرب عن حجابة الكعبة ورعاية البيت الحرام كما أن بني هاشم قد انتهت عندهم السقاية والرفادة وليس موقف العباس بتأييده المطلق الواضح لمحمد صلى الله عليه وسلم بخاف عن أحد، وقد رأينا نموذجا من هذا التأييد المطلق في خيبر، حيث لبس حلته وتخلق بطيب، ومضى يطوف حول الكبة ابتهاجا بنصر ابن أخيه محمد عليه الصلاة والسلام.

وتبدو صورة هذه المعاني في وقتنا الحاضر حين ينضم الى الحركة الإسلامية من كان يمثل موقعا مهما في المجتمع الجاهلي، كأن يكون سفيرا أو وزيرا أو ضابطا قائدا فكم يكون لمثل هذا الانضمام من أثر على قوة الحركة الإسلامية، وضربة نجلاء في صميم المجتمع الآخر. وحق لهذا العرض أن يكون سمة واضحة في هذه المرحلة من تاريخ الدعوة.

ص: 91