المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌السمة الثانية عشرة: نصر الله والفتح: فتح مكة - المنهج الحركي للسيرة النبوية - جـ ٣

[منير الغضبان]

فهرس الكتاب

- ‌تمهيد

- ‌المرحلة الثانية: الجهاد السياسي وانتصار الرسالة

- ‌السمة الأولى: التحدي المعنوي للمشركين

- ‌السمة الثانية: حديث الإفك

- ‌السمة الثالثة: الزواج وأثره في الدعوة

- ‌السمة الرابعة:الصف الداخلي القوي من خلال صلح الحديبية

- ‌السمة الخامسة:الاعتراف الرسمي من الوثنية بدولة الإسلام

- ‌السمة السادسة: حرب المستضعفين

- ‌السمة السابعة:الإعلان العالمي للإسلام: مراسلة الملوك والأمراء

- ‌السمة الثامنة: تجمع القوى والثقة بالنصر

- ‌السمة التاسعة:إنهاء الوجود اليهودي في جزيرة العرب: غزوة خيبر

- ‌السمة العاشرة:قيادات العدو تنضم إلى الإسلام

- ‌السمة الحادية عشرة: الصدام الأول مع الروم - مؤته

- ‌السمة الثانية عشرة: نصر الله والفتح: فتح مكة

- ‌السمة الثالثة عشرة:إنهاء الجيوب الوثنية المتبقية

- ‌السمة الرابعة عشرة:الجزيرة العربية تدخل في الإسلام

- ‌السمة الخامسة عشرة:التحدي الأكبر للروم في غزوة تبوك

- ‌السمة السادسة عشرة:سورة براءة وإنهاء الوجود الوثني

- ‌السمة السابعة عشرة:الحج الأكبر ومائة وثلاثون ألفا من المسلمين

- ‌السمة الثامنة عشرة:إلى الرفيق الأعلى بعد إتمام النعمة

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌السمة الثانية عشرة: نصر الله والفتح: فتح مكة

‌السمة الثانية عشرة: نصر الله والفتح: فتح مكة

قال ابن إسحاق: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بعثه إلى مؤته جمادى الآخرة ورجبا ثم إن بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عدت على خزاعة وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له الوتير:

فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة وأصابوا منهم ما أصابوا ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد والميثاق بما استحلوا من خزاعة وكانت في عقده وعهده خرج عمرو بن سالم الخزاعي ثم أحد بني كعب حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان ذلك مما هاج فتح مكة، فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس. فقال:

يا رب إني ناشد محمدا

حلف أبينا وأبيه الأتلدا

فانصر رسول الله نصرا أعتدا

وادعو عباد الله يأتوا مددا

إن قريشا أخلفوك الموعدا

ونقضوا ميثاقك المؤكدا

هم بيتونا بالوتير هجدا

وقتلونا ركعا

وسجدا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نصرت يا عمرو بن سالم ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء فقال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب

ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه: فقال: يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني. قالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك نجس، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يا بنية لقد أصابك بعدي شر.

ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه فلم يرد عليه شيئا، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله، فقال: ما أنا بفاعل، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه فقال: أأنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب رضوان الله عليه، وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها وعندها حسن بن علي غلام يدب بين يديها، فقال: يا علي إنك أمس القوم بي رحما، وإني قد جئت في جاجة فلا أرجعن كما جئت خائبا. فاشفع لي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: ويحك يا أبا سفيان والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فالتفت إلى فاطمة فقال: يا ابنة محمد هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: والله ما بلغ بني ذاك أن يجير بين الناس إذ ما يجير أحد على رسول

ص: 110

الله صلى الله عليه وسلم. قال: يا أبا الحسن إني أرى الأمور قد اشتدت علي فانصحني قال: والله ما أعلم لك شيئا يغنيك، ولكنك سيد بني كنانة فقم فأجر بين الناس ثم الحق بأرضك، قال: أو ترى ذلك مغنيا عني شيئا. قال: لا والله ما أظنه. ولكني لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره وانطلق فلما قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمدا فكلمته، فوالله ما رد علي شيئا، ثم جئت ابن أبي قحافة فلم أجد فيه خيرا، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أدنى العدو، ثم جئت عليا فؤجدته ألين القوم، وقد أشار علي بشيء صنعته، فوالله ما أدري أيغني ذلك شيئا أم لا؟ قالوا: وبم أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس، ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا قالوا: ويلك إن زاد الرجل على أن لعب بك فما يغني عنك ما قلت. قال لا والله ما وجدت غير ذلك.

تجهيز الرسول لفتح مكة: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز وأمر أهله أن يحهزوه فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضي الله عنها، وهي تحرك بعض جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أي بنية: أأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تجهزوه؟ قالت: نعم، فقال: فأين ترينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدري، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة، وأمرهم بالجد والتهيؤ. وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها، فتجهز الناس.

كتاب حاطب إلى قريش: قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة ابن الزبير وغيره من علمائنا قالوا: لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر في السير إليهم، ثم أعطاه امرأة

وجعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا، فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب. فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام رضي الله عنهما فقال: أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم. فخرجا حتى أدركاها (بالخليقة، خليقة بني أبي أحمد) فاستنزلاها فالتمسا في رحلها فلم يجدا شيئا فقال لها علي بن أبي طالب: إني أحلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا كذبنا، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك، فلما رأت الجد منه، قالت: أعرض، فأعرض، فحلت قرون رأسها فاستخرجت الكتاب منها، فدفعته إليه فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا حاطبا فقال: يا حاطب ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله أما والله إنني لمؤمن بالله ورسوله ما غيرت وما بدلت، ولكني كنت امرءا ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليه. فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله دعني فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما يدريك يا عمر، لعل الله اطلع على أهل بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فأنزل الله تعالى في حاطب: {يا أيها الذين آمنوا لا

ص: 111

تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ..} إلى قوله {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ..} (1) إلى آخر القصة.

خروج الرسول في رمضان: قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن عباس قال: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن الحصين بن عتبة بن خلف الغفاري وخرج لعشر مضين من رمضان فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصام الناس معه، حتى إذا كان بالكديد بين عسفان وأمج أفطر، ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين فسبعت سليم، وبعضهم يقول: ألفت، وألفت مزينة، وفي كل القبائل عدد وإسلام، وأوعب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم أحد فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، وقد عميت الأخبار عن قريش، فلم يأتهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يدرون ما هو فاعل، وخرج في تلك الليالي أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء يتحسسون الأخبار، وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به، وقد كان العباس بن عبد المطلب لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق.

هجرة العباس: قال ابن هشام: لقيه بالجحفة مهاجرا بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيما بمكة على سقايته، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنه راض، فيما ذكر ابن شهاب الزهري.

إسلام أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن أمية: وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله أيضا بنيق العقاب فيما بين مكة والمدينة فالتمسا الدخول عليه، فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك، قال: لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فقد هتك عرضي، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال، قال: فلما خرج الخبر إليهما بذلك، ومع أبي سفيان بنيا له. فقال: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيدي بني هذا، ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا وجوعا فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لهما ثم أذن لهما فأسلما.

قصة إسلام أبي سفيان على يد العباس: فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، قال العباس بن عبد المطلب: فقلت: واصباح قريش والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه؛ إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر قال: فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، فخرجت عليها، قال: حتى جئت الأراك، فقلت: لعلي أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا

(1) الآيات من أوائل سورة الممتحنة.

ص: 112

حاجة يأتي مكة، فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة. قال: فوالله إني لأسير عليها، وألتمس ما خرجت له، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء، وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانا قط ولا عسكرا، قال يقول بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب، قال، يقول أبو سفيان: خزاعة أذل وأقل، من أن تكون نيرابها وعسكرها، قال: فعرفت صوته، فقلت: أبا حنظلة، فعرف صوتي فقال: أبو الفضل؟ قال: قلت: نعم، قال: ما لك؟ فداك أبي وأمي، قال: قلت: ويحك يا أبا سفيان هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، واصباح قريش والله، قال: فما الحيلة؟ فداك أبي وأمي، قال: قلت: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك. فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمنه لك. قال: فركب خلفي ورجع صاحباه، قال: فجئت به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها قالوا: عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته حتى مررت بنار عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فقال: من هذا؟ وقام إلي. فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال: أبو سفيان عدو الله! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم وركضت البغلة فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء. قال: فاقتحمت عن البغلة، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليه عمر، فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد فدعني فلأضرب عنقه، قال: قلت: يا رسول الله إني قد أجرته ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذت برأسه فقلت: والله لا يناجيه الليلة دوني رجل، فلما أكثر عمر في شأنه قال. قلت: مهلا يا عمر فوالله أن لو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد ضمناف فقال: مهلا يا عباس فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إلا أني قد عرفت إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم. فقال: اذهب به يا عباس إلى رحلك، فإذا أصبحت فأتني به. قال: فذهبت إلى رحلي فبات عندي فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويحك يا أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ قال: بأبي أنت وأمي، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله آخر غيره لقد أغنى عني شيئا بعد. قال: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأني لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه والله فإن في النفس منها شيئا فقال له العباس، ويحك! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك، قال: فشهد ثهادة الحق، فأسلم قال العباس. قلت: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب هذا الفخر فاجعل له شيئا، قال: نعم: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن ومن دخل المسجد فهو آمن فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عباس احبسه بمضيق الوادي عند خطم (1) الجبل. حتى تمر به جنود الله فيراها

(1) خطم الجبل: أنفه حيث يضيق.

ص: 113

قال: فخرجت حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله أن أحبسه. قال: ومرت القبائل على راياتها كلها مرت قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فأقول سليم: فيقول: ما لي ولسليم، ثم تمر القبيلة فيقول: يا عباس من هؤلاء؟ فأقول: مزينة فيقول: ما لي ولمزينة، حتى نفذت القبائل ما تمر به قبيلة ولا يسألني عنهم، فإذا أخبرته بهم قال: ما لي ولبني فلان، حتى مر رسول الله في كتيبته الخضراء فيها المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال: سبحان الله يا عباس من هؤلاء؟ قلت: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار. قال: ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما قال: قلت: يا أبا سفيان إنها النبوة. قال: فنعم إذن.

ليس ببعيد أن تكون الأنباء قد وردت متضاربة لأهل مكة حول نتائج سرية مؤته. لأن نقض قادة قريش للعهد لا بد أن يكون وراءه خلفية معينة حول ضعف محمد وأصحابه. فبعد خيبر ارتفعت الثقة بقوة المسلمين، أما إذا وصلت الأنباء إلى مكة عن فرار جيش محمد من الروم، فهذا يطمع في فتح هذه الجبهة، خاصة وأن الذين ساهموا في نقض العهد هم الذين أبرموه سهيل بن عمرو ومركز بن حفص، وحويطب بن عبد العزى، مع آخرين، وقد تكون القضية اندفاعا وحمية عمياء، إذ يذكر المقريزي (أن أنس بن زنيم الدبلي هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعه غلام من خزاعة فضربه فشجه، فثار الشر بين بني بكر (حلف قريش) وبين خزاعة (حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم)(1).

وتبدو محاولة مكشوفة تلك التي لجأت إليها قريش في إرسال أبي سفيان لتلافي الأمر وزيادة المدة وتأكيد العهد. لأنه لن يغيب عن ذهن قريش أن خزاعة ستستنجد برسول الله حليفها الأكبر. ولقد أدرك أبو سفيان منذ اللحظات الأولى فشل مهمته حين تأكد من أن بديل بن ورقاء الخزاعي قد وفد إلى المدينة والتفى برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن فرك بعر راحلة بديل بيده وقال: أحلف بالله لقد جاء بذيل محمدا، وذلك حين رأى النوى في بعر البعير.

وكان ذهاب بديل وهو أحد قادة مكة رفدا لعمرو بن سالم الذي جاء المسجد وعرض قضية الغدر بأسلوب مشرق مثير. وذكر بضرورة الانتصار للمضطهدين من خزاعة. وقبل أن نتحدث عن رحلة أبي سفيان لمكة، لا بد من التركيز على بعض النقاط المهمة حين نتحدث عن فتح مكة بصفته سمة بارزة في العهد المدني لا حدثا تاريخيا مر.

فالأصل في العهود بين المسلمين والمشركين أن يكون الوفاء بها من الطرفين. ورأينا عظمة تمسك النبي صلى الله عليه وسلم بعهده وعقده، حتى ولو برفض قبول المؤمنين المستضعفين في المدينة، وقد شكل

(1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 357.

ص: 114

هذا الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم إحراجا كبيرا أمام هؤلاء المؤمنين الذين اختاروا الإسلام على الكفر. ومع ذلك أعاد أبا بصير التزاما بالعهد وقال: إنه لا يحل في ديننا الغدر.

هذه الصورة الإسلامية المشرقة.

بينما تقابلها تلك الصورة الغادرة من التواطؤ مع المعتدين، والاشتراك معهم في غزو حلفاء محمد صلى الله عليه وسلم من خزاعة.

هذه هي القضية الأولى.

والقضية الثانية: هناك فرق واضح بين الاسقامة وبين الغفلة فالمسلمون لا بد أن يكونوا على يقظة تامة من تحركات من هادنوهم، وأن يكون التعامل معهم بصدق لكن بحذر. ولعل هذا الأمر يوضح فيما بعد من تحرك أبي سفيان.

والقضية الثالثة: حول طبيعة الحلف في الإسلام فانضمام خزاعة ودخولها في عقد محمد صلى الله عليه وسلم وعهده يعني كل مستلزمات هذا الحلف، علما بأن خزاعة لم تكن كلها مسلمة. بل كانت قيادتها لا تزال خاضعة للمشركين. ولم تعلن هذه القيادة إنضمامها إلى المسلمين في المدينة. صحيح قد تفشى فيهم الإسلام، ولكن فيها المسلم والكافر، وعندما عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم خزاعة عاهدها على أنها مشركة. وهذا يعني أن من حق الدولة الإسلامية حين ترى مصلحتها في حلف محدد، لا يقتضي بالضرورة أن يكون الحليف مسلما. كما أنه لا تتناقض بين هذا التحالف وبين موادة الذين يحادون الله ورسوله.

إن الشباب المسلم بحاجة إلى التفريق بين قضيتين كبيرتين:

الأولى: موادة أعداء الله ورسوله الذين يحاربون المؤمنين ويضطهدونهم من خلال قناعات فردية للشباب المسلم دون إذن أو علم قيادتهم.

الثانية: التحالف مع كافرين إختاروا أن يكونوا مع المؤمنين ضد عدو مشترك لهما معا.

وهذه هي الصورة الثانية التي تمت بين خزاعة والمسلمين. فليس الكفر مانعا من هذا التحالف ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد شرع لنا هذا الأمر.

وتبقى القضية الخلانية، حول مشروعية هذا التحالف هل هو مرتبط بكون المسلمين دولة قوية يحق لهم ذلك فقط، لأنهم وهم ليسوا دولة قد يبتلعهم حليفهم أو يفرض عليهم شروطه؟ أم إن الأمر عام مرتبط بحاجة المسلمين لهذا الأمر إذ ما رأوا مصلحة في ذلك. وإن كان لا دليل على التخصيص واضح فيدخل الأمر - والله أعلم - ضمن إطار تقدير المصلحة.

القضية الرابعة: هي الجدية في تنفيذ بنود التحالف. فعندما وقع اعتداء على خزاعة وثبت

ص: 115

لرسول الله صلى الله عليه وسلم تواطؤ قريش مع بني بكر، لم يتمالك أن أعلنها في المسجد صريحة مدوية نصرت يا عمرو بن سالم، أو قوله: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب أو قوله: لا نصرت إن لم أنصر بني كمب مما أنصر منه نفسي.

فهذه الجدية في تنفيذ بنود الحلف تجعل الثقة لدى الآخرين بأن ينضووا تحت لواء المسلمين لضمان نصرهم وعونهم. لكننا لو تصورنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعر اهتاما لهذا الأمر، فهذا قد يدفع خزاعة إلى البحث عن حليف قوي ينصرها، أو التخلي على الأقل عن حلف رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

القضية الخامسة: هي أثر هذا التحالف في صف المتحالفين، فهذا الأمر يكسر الحدود المصطنعة بين هؤلاء الحلفاء والإسلام، أولا، وبينهم وبين المسلمين ثانيا. فهي فرصة مواتية لكي يعرض الإسلام على حقيقته دون غبش في صفوف هؤلاء الخصوم، وفرصة مواتية ثانية ليتعرف الحلفاء على طبيعة المسلمين وأخلاقهم وأفكارهم عن كثب. فتكون القدوة والدعوة من خلالها مهيأة أمام الآخرين.

وكل هذه القضايا هي في رصيد الحركة الإسلامية ذات بال تحتاج إلى استيعاب وتوضيحها لقواعدها حتى يزول اللبس في الأمور لدى شباب الحركة الذين يسيطر عليهم دائما نقاء الصف وتميزه وطهره.

وننتقل إلى مهمة أبي سفيان في المدينة.

فقد قدر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الأمر سلفا بثاقب نظره، وعميق فكره فقال:(كأني بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العقد، ويزيد في المدة).

ووصل أبو سفيان المدينة، وكان يفاجأ بالفشل أينما مضى، وكيفما اتجه وذلك لأن الصف الداخلي القوي كان قلعة منيعة في وجهه، عجز من أن يتسلل إليه ولو من ثقب إبرة، ويكفي أن نعلم أن في هذا الصف المسلم القوي ابنة أبي سفيان وألصق الناس به. وقد تلقى منها منذ اللحظات الأولى أقسى درس في حياته. لا ينساه ما عاش. وذلك حين طوت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه لأنه نجس على شركه.

ولو استطاع أن يتسلل من هذه الثغرة لكانت أخطر ثغرة على الإطلاق. فهو بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ولاشك أذ العدو يحاول دائما أن ينفذ من مثل هذه الثغرات إلى الصف المسلم.

ولم يكن لدى رسول الله حرج من أن تستقبل أم حبيبة بنت أبي سفيان أبا سفيان أباها في بيت رسول الله فهو مطمئن إلى أهل بيته، واثق بزوجه.

ص: 116

وما أروع الثقة حين تسود في الصف المسلم، فلم يتطرق الشك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إلى أصحابه الأدنين والأبعدين، ولا إلى بيوت أزواجه الأخرى فيغمزن من قناة ضرتهن أم حبيبة. وحتى طوي فراش النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي سفيان لم يكن بإيحاء نبوي بمقدار ما كان فطرة إسلامية خالصة.

وهنا نذكر الشباب المسلم بالفرق بين الموادة، وبين المعاملة الدبلوماسية اللازمة.

فلم ينهش المسلمون عرض أم حبيبة رضي الله عنها وهي تستقبل أباها وترحب به. ولم تتهم في دينها أو ممالأتها للكفار، وأبو سفيان يمثل في هذه المرحلة مسؤولية غدر قريش ونقضها للعهد. وهي رضي الله عنها لم تجد حرجا في مثل هذا الاسقبال وهذه الضيافة فهي مطمئنة إلى ثقة النبي صلى الله عليه وسلم، والمسلمين بها، لكنها من الطرف الآخر، وصلت بالتميز والمفاصلة مع أبيها أكثر من المطلوب منها حين منعت أباها عن الجلوس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا شك أن عصبة تصل الثقة في صفوفها أن تخلي بين قائد العدو وابنته في جلسة خاصة. دون أن يتطرق الشك بهذه المرأة لهي عصبة مؤهلة أن تحكم الأرض ويدين لها الخافقان.

ثم كانت المواجهة الثانية بين النبي صلى الله عليه وسلم وأبي سفيان:

يقول أبو سفيان: (يا محمد إني كنت غائبا في صلح الحديبية، فاشدد العهد وزدنا في المدة.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولذلك قدمت يا أبا سفيان؟ قال: نعم! قال: هل كان قبلكم حدث؟ قال: معاذ الله! قال: فنحن على مدتنا وصلحنا يوم الحديبية) (1).

لقد كان أبو سفيان القائد العام لجيش المشركين يريد أن يضع كل عبقريته في عقد جديد يلغي ما كان من إخلاله قبله. وتذرع بغيابه عن صلح الحديبية. ولكن أنى له أن تسري أحابيله بين يدي رسول رب العالمين فقال له عليه الصلاة والسلام: ولذلك قدمت يا أبا سفيان؟ قال: نعم! وكان بإمكان النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفعل ويغضب، ويكشف غدر قريش. لكن العلاقات السياسية لا تحل عن طريق الانفعالات، ثم استجره أكثر لعله يعترف بغدر قريش. فسأله: هل كان قبلكم حدث؟ قال: معاذ الله.

وأبو سفيان مضطر لنفي الأمر رغم معرفته به ورغم توقعه أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم قد عرف به، لأن الاعتراف فيه قد يودي بضرب عنقه، أو علمه على الأقل بهذا الغدر، ومع هذا النفي فكان الجواب الحاسم: فنحن على مدتنا وعهدنا وصلحا يوم الحديبية.

يقول الشاعر:

ليس الغبي بسيد في قومه

لكن سيد قومه المتغابي

وأن تكون هذه الصورة فعلا حقيقية، وهي نجاح أبي سفيان في مهمته، أو إيهام النبي صلى الله عليه وسلم

(1) إمتاع الأساع ج 1 ص 358.

ص: 117

بالوفاء التام. فهو عبقرية من أبي سفيان ولا شك لكن هذه العبقرية تبدو سذاجة أمام عبقرية النبي صلى الله عليه وسلم في إيهام أبي سفيان بأنه اقتنع بجوابه. وأن العهد لا يزال على ما هو عليه. فلقد سد المنافذ كلها على أبي سفيان. إذ ما معنى تجديد العقد وزيادة المدة، طالما أن قريشا على عهدها ومدتها.

ولتمام نجاح هذه المهمة، فلقد كانت الأسرار في الصف المسلم من المناعة، ومن الكتمان بحيث لا يمكن أن تبرز ولو من صفحات الوجه أن المسلمين على علم بغدر قريش. وهكذا برزت البراعة السياسية بأعلى صورها حين سدت على العدو كل منافذه وسبله.

لقد كان بإمكان أبي سفيان أن ينجح بشيء من مهمته. لو أن لحظة انفعال أو غضب سيطرت على أحد الجنود الذين التقى بهم أبو سفيان وكان يمكن أن ينجح في شيء من مهمته لو أن سرا قد أفشي من أسرار المسلمين من خلال لقاءات أبي سفيان في المدينة.

وحين يرتفع الصف المسلم إلى هذا المستوى. فلن يكون العدو قادرا على تحقيق النزر اليسير من مهمته. بله الأمر الكبير. فليس الداهية هو الذي يخدع الآخرين فقط، بل الأدهى منه هو الذي يوحي له بجواز خدعته عليه.

لقد كان بإمكان النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتقل أبا سفيان أو يهدد به، أو يهدده ولكن لم يكن تخطيط النبي صلى الله عليه وسلم أن يحل الأمر بالطرق السلمية أو بحلول محدودة لقد رأى أن الأوان قد آن لفتح مكة. بعد أن أصبح حرا من العقود والعهود التي نقضها العدو. ومن أجل ذلك حرص على إخفاء أية صورة من صور التحدي والإثارة أمام أبي سفيان ثم كانت خطوات أبي سفيان المتلاحقة في اللقاء مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، بين من يراه أمس الناس رحما به، ومن يراه أعدى العدو ولئن اختلفت لهجة الاستقبال من عظيم إلى آخر لكنها كانت جميعا ذات مضمون واحد هي أنه لا يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يقبل أحد أن يكون وسيطا في قضية رفضها رسول الله عليه الصلاة والسلام. ولم يتورع أبو سفيان في الوساطة أن يطلب من فاطمة بنت محمد، والحسن بن فاطمة بنت محمد رضي الله عنهم أن يكونا وسطاء في زيادة المدة وتجديد العهد. وفاطمة أحب خلق الله تعالى إلى أبيها وكان الجواب واحدا لا يتغير. فلن يشفع أحد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر. بعد أن صدر الجواب الحاسم. فنحن على مدتنا وصلحنا يوم الحديبية لا نغير ولا نبدل.

وهو درس كذلك لقواعد الحركة الإسلامية وقياداتها في أن لا تحرج أمير الجماعة في أمر أعلنه والتزم به خاصة حين يكون هذا الأمر مع خصوم الجماعة أو أعدائها أو حلفائها على السواء أو أن يبرز خلاف في الرأي أمام هذا الحليف أو ذاك العدو مهما كانت الأسباب الموجبة لذلك فالأصل أن يصدر الجميع عن رأي واحد خلف قيادتهم وبدون تردد.

ص: 118

وأبو سفيان يدرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يرد شفاعة وجاه أقرب المقربين إليه مثلل أصحابه الأربعة، وابنته وابن ابنته، وإدراك هذا المعنى عند أبي سفيان جعله يقول لفاطمة رضي الله عنها: يا ابنة محمد هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر (1)؟ لأنه يتصور أن هذه الإجارة ستوقف حربا ضروسا بين مكة والمدينة لأنه يعلم أن الأخبار لا بد واردة إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ولن يقبل محمد أن يكون مهيض الجناح، فيسكت على ذبح حلفائه.

وننظر هنا إلى الخطوط العامة التي سادت مكة بعد عودة أبي سفيان فنراها تنصب على الاتجاه الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الناس بالتجهز والتهيؤ في بادىء الأمر، حتى أن أبا بكر الوزير الأول ما يدري لأي مكان الاتجاه ويسأل ابنته عائشة عن الأمر: فأين ترينه يريد؟ قالت: لا والله ما أدري ثم يوضح الهدف بعد ذلك بإعلام الناس بالتهيؤ إلى مكة. مع المحافظة على سرية التحرك: (اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها).

ولم يند عن هذه السرية في المدينة إلا حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه. وكانت زلة ضخمة دفعه لها حرصه على ولده وأهله. ومثل هذا المستوى مرفوض من حاطب البدري، وهو من الثقة لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كان بمهمة ضخمة بعد الحديبية، بأن كان ممثل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس وقام بدور إيجابي ضخم في شرح رسالة الإسلام، ومع ذلك كانت هذه السقطة منه. ورأى عمر رضي الله عنه فيها أنها نفاق يستحق صاحبها القتل. غير أن الماضي العظيم لحاطب شفع له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أجاب:(لعل الله اطلع على أهل بدر يوم بدر فقال: إعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم). ولا شك أن خطيئة القدوة ضخمة في صفوف العامة. ومثل حاطب رضي الله عنه في موطن القدوة. غير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستغني عن أحد من أصحابه. ويكفي ما جاء من المحاكمة العلنية أمام الناس، والقرآن الكريم الذي جاء بإدانته على هذا التصرف.

وتأتي خطورة القضية في أنها تمت دون علم القيادة، ودوافعها مصلحة الأهل والولد.

وهذا الدرس يعني بالنسبة للشباب المسلم أنه لا معصوم إلا من عصمه الله تعالى، وقد تقع الزلة والخطيئة ممن هم في موقع الولاية والمسؤولية والذين هم أصحاب الأسرار العامة والخاصة ومثل هذه الخطيئة تستحق القتل فهي بمثابة الخيانة العظمى، ولعل هذه الخاصية -حضور بدر-

(1) لم يكن أبو سفيان يدري أنه يتكلم في ظهر الغيب وأن الحسن بن علي صار سيد العرب والمسلمين إلى آخر الدهر، وذلك بعد ثلث قرن من فتح مكة على التقريب حين أجار بين الناس، وأوقف نزيف الدماء بين المسلمين بعد ستة أشهر من خلافته، وحقق نبوءة جده عليه الصلاة والسلام حين قال فيه:(إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين من المسلمين.) وكانت سيادته تكمن في حقنه للدماء بعد عشرات الألوف من القتلى في صفوف المسلمين، ولا نبعد أبدا أن يكون حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن ابنه الحسن في تلك الفترة، وعقب كلمة أبي سفيان لأن النبي صلى الله عليه وسلم توفي ولما يناهز الحسن من العمر خمس سنين.

ص: 119

هي التي شفعت لحاطب رضي الله عنه، وما أعتقد أن أي عمل في الإسلام اليوم يعدل حضور بدر إذ أن ذلك وحي من الله تعالى غير أن المعنى العام الذي يفقهه الدعاة، هو أن بلاء الرجل وجهاده قد يشفعان له في تخفيف العقوبة لا بإلغائها. وهو ضلال عن سواء السبيل كما ذكره القرآن الكريم.

وتأتي الصورة الأخيرة في الاستنفار العام للعرب جميعا من المدن والحضر الذين دخلوا في دين الله وكانت صيغة الاستنفار: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحضر رمضان بالمدينة .. وبعث رسلا في كل ناحية حتى قدموا فقدمت أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع المدينة وأتت بنو سليم بقديد، وعسكر ببئر أبي عنبة، وعقد الألوية والرايات).

ومع كل هذا التوسع فقد حافظ المسلمون جميعا على سرية التحرك، وكان الدرس القاسي الذي نزل قرآنا يتلى بحق حاطب رضي الله عنه قد تعمم على الجيش كله. ولم يجرؤ أحد بعد وفي قلبه إيمان بالله ورسوله أن يخون هذه الخيانة، ونجحت سرية التحرك دون أن تصل الأخبار إلى مكة.

وما كان لمثل هذا التحرك الضخم أن ينجح لولا قوة هذا الصف وسلامته.

ولم تكن الخطيئة الكبيرة من حاطب لتغير من هذه النظرة. رغم أن المهاجرين والأنصار لا يبلغون نصف الجيش (فقد كان المهاجرون سبعمائة ومعهم ثلاثمائة فرس، وكانت الأنصار أربعة آلاف ومعهم خمسمائة فرس، وكانت مزينة ألفا فيها مائة فرس ومائة درع، وكانت أسلم أربعمائة فيها ثلاثون فرسا، وكانت جهينة ثمانمائة معها خمسون فرسا، وكانت بنو كعب بن عمرو خمسمائة).

وبمقارنة هذا العدد الهائل والاستجابة للنفير العام مع التباطؤ والتلكؤ يوم الحديدبية، نلاحظ الفرق بين تحرك الناس قبل التمكن وتحركهم بعده. ولقد قرع القرآن الكريم في سورة الفتح أولئك الأعراب الذين تباطؤوا وتخاذلوا عن هذا النفير حتى حرموا من حضور خيبر بعدها، هم هم أنفسهم اليوم ينضمون بالآلاف إلى الجيش الإسلامي، وهذا المعنى يرتبط بالفتح المبين يوم الحديبية. فثبات النفر القليل أيام المحنة والأيام السود هو الدرس الحي الذي يقود جحافل الناس بعد المحنة. وثبات النفر القليل هو الذي هيأ الجو لمثل هذه المعاهدة، وهذا لجو هو الذي فتح القلوب للإسلام، والجو المفتوح البعيد عن الخوف، الخالي من المخاطر، هو الذي هيأ المجال للتحرك الجاد من القاعدة الصلبة إلى نفوس الناس المتعطشة لهذا الدين، وما كان لمثل هذا التجمع أن يعطي فعاليته لولا ثبات الرواد الأوائل على الطريق، وقدرتهم على ضم هذه الأعداد الهائلة إلى المعركة.

ص: 120

ونلتقي مع أبي سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمة والعباس بن عبد المطلب من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحركون للإسلام أما مهمة العباس فقد انتهت فكان لابد له أن يدرك الهجرة وأما أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية هم أعدى العدو بالحسام وبالبيان. ولقد رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم بادىء ذي بدء قبولها بقوله: (أما ابن عمي فقد هتك عرضي، وأما ابن عمتي فهو الذي قال لي بمكة ما قال). وقول عبد الله بن أبي أمية بقي جرحا غائرا يحفر في قلب النبي صلى الله عليه وسلم بعد مرور ما ينوف عن خمسة عشر عاما. فهو الذي قال: (والله لا أؤمن بك حتى تصعد إلى السماء، وتدخل فيها ثم ترجع ومعك كتاب ومعك أربعة من الملائكة يشهدون أن هذا من عند الله ولو فعلت هذا ما أظن أني أصدقك،) وضاقت الأرض بما رحبت بهذين الطريدين فقال أبو سفيان: والله ليأذنن لي أو لآخذن بيدي بني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا .. ويلجأ أبو سفيان بن الحارث لابن عمه علي بن أبي طالب، ويشكو عبد الله بن أبي أمية لأم المؤمنين أم سلمة (فقالت: يا رسول الله لا يكن ابن عمك وابن عمتك أشقى الناس بك، وقال علي لأبي سفيان بن الحارث: أئت رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبل وجهه فقل له ما قال إخوة يوسف ليوسف {قالوا تالله لقد آترك الله علينا وإن كنا لخاطئين} فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن قولا منه. ففعل ذلك أبو سفيان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم) لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) ومسحت حرب عشرين عاما من الهجاء والإقذع بكلمة واحدة أمام أعظم نفس بشرية لأن مفتاحه أنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه قولا (1) فلقد أدرك علي رضي الله عنه مفتاح شخصية النبي صلى الله عليه وسلم وهذا المفتاح هو أنه قمة الكمال البشري. فلا يرضى عليه الصلاة والسلام لنفسه موقفا أدنى من غيره وهو المؤهل للقدوة العليا للبشرية في الأرض.

ومن الموقع نفسه نشهده مع أبي سفيان بن حرب ولقد جاء به العباس بن عبد المطلب ليأخذ له أمانا من النبي صلى الله عليه وسلم عله ينقذ مكة من المواجهة ومما يثلج الصدر أن تكون رواية العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه بين أيدينا، وهو يعرض لنا حرصه على نجاة مكة.

(فقلت: واصباح قريش. والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر).

ونجد أن هذا الاتجاه لا يخرج عن رغبة النبي صلى الله عليه وسلم، فهو حريص على أن تستسلم مكة دون قتال، وهو حريص على حقن الدماء في مكة لتسلم له قلوب أهلها. وتكون مستعدة بالمعاملة الحسنة الكريمة الطيبة أن تنضم إلى الإسلام.

فنحن لسنا أمام قائد عسكري فقط، وهو سيد القادة في الأرض تهيئة وتخطيطا، وإعدادا

(1) الرحيق المختوم ص 448، 449.

ص: 121

ومواجهة لكننا كذلك أمام رسول رب العالمين، لا يريد أن يشقى أحد على يديه. فهو الرحمة المهداة. ولكم كان حريصا على هداية قومه حتى ليعاتبه ربه عز وجل بذلك {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا} (1) 0 ولم تغير حرب عشرين عاما من نفسه الطاهرة الشريفة بأن يكون الانتقام رائده. بل بقي النور الذي يغمر الظلام مهما اشتد. ويمثل هذه النفسية العليا في الأرض رؤيا أبي بكر وتفسير النبي عليه الصلاة والسلام لها:(فرأى أبو بكر الصديق رضي الله عنه، في الليلة التي أصبح فيها بالجحفة، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دنوا من مكة خرجت عليهم كلبة تهر، فلما دنوا منها استلقت على ظهرها. فإذا أطباؤها (2) تشخب لبنا، فذكرها أبو بكر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذهب كلبهم (3)، وأقبل درهم. هم سائلوكم بأرحامكم! وأنتم لاقون بعضهم فإن لقيتم أبا سفيان فلا تقتلوه) (4).

لقد أطلقنا على هذه المرحلة، مرحلة الجهاد السياسي، ولكنه من أعلى مواقع القوة العسكرية.

فليس هذا الاتجاه عن عجز أو وهن. بل لأن القوة الضاربة هي التي تلجم اندفاعات العدو وتكبح جماحه وتتيح الفرصة لصوت الحق أن يظهر فحرص النبي صلى الله عليه وسلم على سلامة مكة من حرب ضروس هو الذي دفعه لأن يدعو (اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها) وحرص العباس على سلامة قريش هو من مشكاة النبوة يريدها أن يسقط في يدها فتستسلم دون حرب وتستأمن لنفسها، فلا تجد حرجا أو غضاضة بعدها في الإسلام، أما لو وقعت المقتلة العظيمة في كل بيت من قريش وفي بطحاء مكة، فستدخل هذه القلوب في الإسلام ذليلة.

ويتضح حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هذا المعنى كذلك من موقفه من سيد الخزرج سعد بن عبادة فقد (كانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، فلما مر بأبي سفيان قال له: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشا، غلما حاذى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان قال: يا رسول الله ألم تسمع ما قال سعد؟ قال: وما قال؟ فقال: كذا وكذا. فقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله ما نأمن أن يكون له في قريش صولة: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل اليوم يوم المرحمة، اليوم تعظم فيه الكعبة، اليوم يوم أعز الله قريشا، ثم أرسل إلى سعد فنزع منه اللواء، ودفعه إلى ابنه قيس، ورأى أن اللواء لم يخرج عن سعد، وقيل بل دفعه إلى الزبير)(5).

(1) الكهف: الآية 6.

(2)

أطباؤها: جمع طبي، وهي حلمات الضرع التي فيها اللبن.

(3)

كلبهم: سعار يأخذ الكلاب فتنبح وتعض.

(4)

إمتاع الأسماع ج 1 ص 367، 368.

(5)

الرحيق المختوم ص 452. وقد وردت عند ابن إسحاق وابن عساكر وموسى بن عقبة بروايات متقاربة.

ص: 122

فعز قريش وتعظيم الكعبة والحرص على حقن الدماء هو الخط العام الذي يتحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلاله لكنه مع ذلك لا يريد أن يؤذي أكبر أنصاره سعد رضي الله عنه وهو الذي كان والخزرج كتائب الفداء الأولى في الإسلام فأخذ الراية وأعطاها لابنه قيس؛ وقيس في حلمه ورجاحة عقله ودهائده ما يجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يطمئن إلى جانبه ألا يندفع في ثورته ونقمته على قريش بمقدار ما يندفع ضمن الخط النبوي المرسوم.

وكان ذلك اللقاء التاريخي بين قائد جيش العدو-أبي سفيان- الذي وصل شبيه الأسير بين يدي محمد صلى الله عليه وسلم. وتحققت نبوءة عتبة بن ربيعة ند أبي سفيان الذي قال له ذات يوم في بطحاء مكة: (لكأني بك يا أبا سفيان تساق إلى محمد كما يساق الجدي ليفعل بك ما يشاء).

وها هو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يحتمل الأمر أكثر من إشارة، أو حركة في العين ليطاح رأسه عن جسده. لكن سيد الدعاة صلى الله عليه وسلم لا ينسى أن إسلام أبي سفيان يعني تحولا تاما في مكة وفي بني أمية بالذات. وهم أعدى الأعداء. ورمى عليه الصلاة والسلام عداء عشرين عاما خلف ظهره ليقول لأبي سفيان:(أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله؟ فيجيبه: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك. والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد) إنه وهو الذي لا يزال على جاهليته يصعقه نبل محمد صلى الله عليه وسلم ويهزمه في أعمق أعماقه. فيفديه بأبيه وأمه وما يتمالك عن القول: ما أحلمك وأكرمك وأوصلك. ثم يأتي السؤال الثاني ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله قال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئا.

وإنها لقمة الانتصار في موازين الرجال وفي معارك النفوس أن يبهت القائد العام للعدو بخلق خصمه الأول فلا يتمالك عن الثناء على حلمه وكرمه وصلته للرحم بل يفديه بأبيه وأمه. وأدرك العباس رضي الله عنه أن عدم إسلام أبي سفيان لن يضمن تجديد معركة وحرب وفي هذه الحالة فقتل أبي سفيان قبل أن يجيش الجيوش من جديد هو الذي تقتضيه طبيعة الخطة النبوية، ومن أجل ذلك قال العباس لأبي سفيان: ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قبل أن تضرب عنقك. قال: فشهد شهادة الحق فأسلم. ومع أن هذا الإسلام واضح أنه خوف من السيف. لكن ليس من طبيعة زعيم كأبي سفيان أن يرضى غدرة من خلال إسلامه أو يرضى تلطيخ تاريخه أنه جبن أمام رسول الله محمد. فتمضي سبة عليه بين العرب والعباس الخبير بنفس أبي سفيان طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من الفخر لابن حرب فقال عليه الصلاة والسلام: من دخل الكعبة فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن.

فالميزة التي أخذها من هذا الفخر، إظهار لزعامته في قريش، وهذا حق مكتيب له لكن دون أن يبني عليها تعديل ذرة واحد من الخطة، وحين لا تتعارض الجزئية مع الكليات العامة فلا

ص: 123

ضير في ذلك.

ولتحقيق الهدف الأساسي من تفويت الفرصة على قريش في أن لا تعد العدة ولا تواجه الحرب كان لا بد من استعراض القوات الإسلامية المسلحة أمام أبي سفيان وذلك عند خطم الجبل حتى ييأس نهائيا من المقاومة فيقنع قريشا بضرورة الاستسلام وها هي نفسيته تلوح وهو يشهد قبائل العرب التي كانت قبل عامين كلها معه ضد محمد. فيقول وهو يرى الكتيبة الخضراء بعد أن هدته القبائل (ما رأيت مثل هذه الكتيبة قط ولاخبرنيه مخبر ما لأحد به طاقة ولا يدان، لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما). إنها خطتان تمشيان جنبا إلى جنب.

الخطة الأولى: تلامس نفس هذا القائد في أعماقه وتدعوه إلى الإسلام لتفت في عضد قريش فماذا بعد إسلام قائدها الأكبر أو استسلامه.

الخطة الثانية: أن يحطم نفسية المقاومة عنده بحيث يشهد بأم عينه جيش النبوة الذي تهتز الأرض اعتزازا به. وهو يعلم أنه فشل في حربه ولما يتجاوز جيش محمد ثلاثمائة رجل فكيف به أمام عشرة آلاف مقاتل؟

ولا يسعنا قبل أن نغادر أبا سفيان أن نعرض له وهو يرى سيف عمر بن الخطاب ينتظر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليهوي عليه فيقطع رأسه عن جسده. ويرى إلحاح عمر وإلحاح العباس فيه حتى ليكادان يختصمان عليه وفيه. فيحميه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراجع رصيده قبل عامين وهو في بلاط قيصر الذي يقسم أن محمدا سيطأ ما بين رجليه. وأنه يتمنى أن يكون عنده فيقبل الأرض بين قدميه ونستطيع القول، أن إنهاء أبي سفيان من المعركة هو القضاء على ثلثي العدو فيها. وكم يكون ربح الحركة الإسلامية في القمة حين ينهى جيش العدو بالإجهاز على قائده. وليس إجهاز الإفناء، بل هو إدخاله في الإسلام. وأن تجتنب معركة بتحييد قائدها لصالح الإسلام مع أن الطريق الوحيد لذلك هو القوة الرادعة القادرة على أن تقنع هذا القائد فتعطيه عوضا عن الذل، حلما وكرما وصلة تجعله يفدي أمير المسلمين بأمه وأبيه. إنه الشرط الطويل لكنه هو الطريق.

نصر الله والفتح

رجوع أبي سفيان إلى أهل مكة:

قال: قلت النجاء إلى قومك، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة

ص: 124

فأخذت بشاربه. فقالت: اقتلوا الحميت الدميم الأحمس (1) قبح من طليعة قوم! قال: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، قالوا: قاتلك الله وما تغني عنا دارك، قال: ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.

وصول النبي إلى ذي طوى: قال ابن إسحاق: فحدثني عبد الله بن أبي بكر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى ذي طوى. وقف على راحلته معتجرا بشقة برد حبرة (2) حمراء وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل.

دخول جيوش المسلمين مكة: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرق جيشه من ذي طوى، أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كدى، وكان الزبير على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء (3).

طريق المسلمين في دخول مكة: قال ابن إسحاق: وقد حدثني عبد الله بن أبي نجيح في حديثه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر خالد بن الوليد، فدخل من الليط، أسفل مكة في بعض الناس.

وكان خالد على المجنبة اليمنى، وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل رسول الله من أذاخر حتى نزل بأعلى مكة، وضربت له هناك قبته.

تعرض صفوان في نفر معه للمسلمين: قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الله بن أبي نجيح وعبد الله بن أبي بكر أن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو كانوا قد جمعوا ناسا بالخندمة ليقاتلوا، وقد كان حماس بن قيس بن خالد، أخو بني بكر يعد سلاحا قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصلح منه، فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه قالت: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شيء: قال والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم، ثم قال:

إن يُقبلوا اليوم فما لي عِلَّه

هذا سلاح كامل وأله (4)

وذو عزارين سريع السِّله (5)

ثم شهد الخندمة مع صفوان، وسهيل وعكرمة، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد

(1) الحميت الدميم الأحمس: الشديد اللحم والمعنى على تشبيه الرجل بالزق لعبالته وسمنه.

(2)

الحبرة: ضرب من ثياب اليمن.

(3)

جبل بأعلى مكة (كداء).

(4)

أله: الحربة لها سنان طويل.

(5)

ذو عزارين: ذو حدين.

ص: 125

ابن الوليد ناوشوهم شيئا من قتال، فقتل كرز بن جابر، أحد بني محارب

وخنيس بن خالد حليف بني منقذ وأصيب من جهينة سلمة بن الميلاء، وأصيب من المشركين ناس قريب من اثنى عشر رجلا، أو ثلاثة عشر رجلا، ثم انهزموا فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته، ثم قال لامرأته: أغلقي علي بابي قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال:

إنك لو شهدت يوم الخندمة

إذ فر صفوان وفر عكرمة

وأبو يزيد قائم كالموتمة

واستقبلتهم بالسيوف المسلمة

يقطعن كل ساعد وجمجمة

ضربا فلا يسمع إلا غمغمة

لهم نهيت خلفنا وهمهمة

لم تنطقي باللوم أدنى كلمة

وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وحنين والطائف شعار المهاجرين يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله وشعار الأوس: يا بني عبيد الله.

عهد رسول الله إلى أمرائه وأمره بقتل نفر ممن سماهم: وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين، حين أمرهم أن يدخلوا مكة، أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أنه قد عهد إلى نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة منهم عبد الله بن سعد

وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله لأنه قد كان أسلم وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي. فارتد مشركا راجعا إلى قريش. ففر إلى عثمان بن عفان وكان أخاه للرضاعة فغيبه حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن اطمأن الناس وأهل مكة فاستأمن له فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صمت طويلا ثم قال نعم. فلما انصرف عنه عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن حوله من أصحابه لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه. فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إلي يا رسول الله؟ قال: إن النبي لا يقتل بالإشارة. وعبد الله بن خطل رجل من تيم إنما أمر بقتله أنه كان مسلما. فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مضدقا وبعث معه رجل من الأنصار وكان معه مولى له يخدمه. وكان مسلما فنزل منزلا، وأمر المولى أن يذبح له تيسا فيصنع له طعاما. فنام واستيقظ ولم يصنع له شيئا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركا وكانت له قينتان: وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر رسول الله بقتلهما معه. والحويرث بن نقيذ. وكان ممن يؤذيه بمكة. (قال ابن هشام: وكان العباس بن عبد المطلب قد حمل فاطمة وأم كلثوم ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة يريد بهما المدينة؛ فنخس بهما الحويرث فرمى بهما إلى الأرض) ومقيس بن حبابة. وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله، لقتل الأنصاري الذي كان قتل أخاه خطأ ورجوعه إلى قريش مشركا وسارة مولاة بني عبد المطلب، وعكرمة بن أبي جهل وكانت سارة ممن يؤذيه بمكة. فأما عكرمه فهرب إلى اليمن، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام. فاستأمنت له من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمنه. فخرجت في طلبه إلى اليمن حتى أتت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، وأما عبد الله بن خطل فقتله سعيد بن حريث وأبو برزة الأسلمي،

ص: 126

اشتركا في دمه، وأما مقيس بن حبابة فقتله نميلة بن عبد الله رجل من قومه وأما قينتا ابن خطل فقتلت إحداهما، وهربت الأخرى، حتى استؤمن لها

وأما سارة فاستؤمن لها فأمنها .. وأما الحويرث بن نقيذ فقتله علي بن أبي طالب.

حديث الرجلين اللذين أمنتهما أم هانىء: قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن أبي هند عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب، أن أم هانىء ابنة أبي طالب قالت: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة، فر إلي رجلان من أحمائي، من بني مخزوم. وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي، قالت: فدخل علي علي بن أبي طالب أخي فقال: والله لأقتلنهما، فأغلقت عليهما باب بيتي، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جفنة إن فيها لأثر العجين، وفاطمة ابنته تستره بثوبه، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى، ثم انصرف إلي فقال: مرحبا وأهلا يا أم هانىء، ما جاء بك؟ فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي؛ فقال: قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت، فلا يقتلهما.

طواف الرسول بالبيت وكلمته فيه: قال ابن إسحاق: وحدثني محمد جعفر بن الزبيرى، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مكة، واطمأن الناس خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعا على راحلته، يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له، فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده، ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف (1) له الناس في المسجد.

قال ابن إسحاق: فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على باب الكعبة فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ففيه الدية مغلظة، مائة من الإبل، أربعون منها في بطونها أولادها. يا معشر قريش. إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء الناس من آدم، وآدم من تراب ثم تلا هذه الآية:{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} . ثم قال: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرا أخ كريم وابن أخ كريم قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

إقرار الرسول صلى الله عليه وسلم ابن طلحة على السدانة: ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد فقام إليه علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك فقال رسول

(1) استكف له الناس: تجمعوا له وتحلقوا حوله.

ص: 127

الله صلى الله عليه وسلم: أين عثمان بن طلحة فدعي له، فقال: هال مفتاحك يا عثمان اليوم يوم بر ووفاء.

أمر الرسول بطمس ما في البيت من صور: قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل البيت يوم الفتح، فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم، فرأى إبراهيم عليه السلام مصورا في يده الأزلام يستقسم بها، فقال: قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم والأزلام {ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين} ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست.

سبب إسلام عتاب والحارث بن هشام: قال ابن هشام: وحدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال، فأمره أن يؤذن وأبو سفيان بن حرب عتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيدا ألا يكون سمع هذا فسمع منه ما يغيظه. فقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته، فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا لو تكلمته لأخبرت عني هذه الحصى، فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد علمت الذي قلتم ثم ذكر ذلك لهم: فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول أخبرك.

سقوط أصنام الكعبة بإشارة من الرسول: قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل الرواية في إسناد له عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح على راحلته، فطاف عليها وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول:{جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} . فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه. حتى ما بقي منها صنم إلا وقع. فقال تميم بن أسد الخزاعي في ذلك:

وفي الأصنام معتبر وعلم

لمن يرجو الثواب أو العقابا

كيف أسلم فضالة: قال ابن هشام: وحدثني: أن فضالة بن عمير بن الملوح الليثي أراد قتل الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح، فلما دنا منه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضالة؟ قال: نعم فضالة يا رسول الله: قال: ماذا كنت تحدث به نفسك؟ قال لا شيء كنت أذكر الله، قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: استغفر الله، ثم وضع يده على صدره فسكن قلبه. فكان فضالة يقول: والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه. قال فضالة: فرجعت إلى أهلي، فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها، فقالت: هلم إلى الحديث فقلت: لا. وانبعث فضالة يقول:

قالت هلم إلى الحديث فقلت لا

يأبى عليك الله والإسلام

ص: 128

لو ما رأيت محمدا وقبيله

بالفتح يوم تكسر الأصنام

لرأيت دين الله أضحى بيننا

والشرك يغشى وجهه الإظلام

أمان الرسول لصفوان بن أمية: قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن جعفر، عن عروة بن الزبير، قال: خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومه، وقد خرج هاربا منك، ليقذف نفسه في البحر فأمنه صلى الله عليك، قال: هو آمن؛ قال: يا رسول الله فاعطني آية يعرف بها أمانك، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل فيها مكة، فخرج بها حتى أدركه، وهو يريد أن يركب البحر. فقال: يا صفوان، فداك أبي وأمي. الله الله في نفسك أن تهلكها. فهذا أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جئتك به، قال: ويحك! أغرب عني فلا تكلمني. قال: أي صفوان، فداك أبي وأمي أفضل الناس وأبر الناس، وأحلم الناس، وخير الناس، ابن عمك، عزه عزك وشرفه وملكه ملكك قال: إني أخافه على نفسي، قال: هو أحلم من ذاك وأكرم، فرجع معه حتى وقف به على رسول صلى الله عليه وسلم فقال صفوان: إن هذا يزعم أنك أمنتني، قال: صدق، قال: فاجعلني في الخيار شهرين؛ قال: أنت بالخيار فيه أربعة أشهر.

إسلام عكرمة وصفوان: قال ابن إسحاق: وحدثني الزهري: أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام، وفاختة بنت الوليد، وكانت فاختة عند صفوان بن أمية، وأم حكيم عند عكرمة بن أبي جهل، أسلمتا، فأما أم حكيم فاستأمنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لعكرمة فأمنه. فلحقت به في اليمن فجاءت به. فلما أسلم عكرمة وصفوان أقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهما على النكاح الأول.

إسلام ابن الزبعري: قال ابن إسحاق: وحدثني سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت، قال: رمى حسان ابن الزبعري وهو بنجران بيت واحد ما زاده عليه:

لا تعدمن رجلا أحلك بغضه

نجران في عيش أخد ليئم

فلما بلغ ذلك ابن الزبعرى خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم، فقال حين أسلم:

يا رسول المليك إن لساني

رائق ما فتقت إذ أنا بور

إذ أباري الشيطان في سنن الغي

ومن مال ميله مثبور

آمن اللحم والعظام لربي

ثم قلبي الشهيد أنت النذير

إنني عنك زاجر ثم حيا

من لؤي وكلهم مغرور (1).

إسلام سهيل بن عمرو: وكان سهيل بن عمرو أغلق عليه بابه، وبعث إلى ابنه عبد الله بن سهيل أن يأخذ له أمانا فأمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: من لقي سهيل بن عمرو فلا يشد النظر إليه

(1) مقتطفات من السيرة لابن إسحاق من ص 405 - 419 ج 4 ط. دار الكنوز الأدبية.

ص: 129

فلعمري إن سهيلا له عقل وشرف وما مثل سهيل جهل الإسلام، ولقد رأى ما كان يوضع (1) فيه أنه لم يكن له بنافع. فخرج عبد اله إلى أبيه فأخبره فقال: سهيل: كان والله برا صغيرا وكبيرا فخرج وشهد حنين وأسلم بالجعرانة (2).

نتحدث عن هذا النصر والفتح من خلال النقاط التالية التي تحدد معلم هذه السمة: أو تتمة معالمها.

أولا: إنهيار المقاومة المسلحة.

ثانيا: رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة والبيت الحرام.

ثالثا: المحكوم عليهم بالإعدام.

رابعا: إسلام القيادة جميعا.

النصر يبتدىء دئما عندما تتحقق الهزيمة النفسية في صفوف العدو، وكان أبو سفيان هو بطل الاستسلام الرسمي فهو التائد العام لمكة وكان كل اهتمامه ينصب على حماية مكة من التدمير، ولن تتم حمايتها إلا إذا أعلنت الانسحاب والتخلي عن المقاومة. ولا نشك أبدا أن إسلام أبي سفيان رضي الله عنه كان دافعا قويا لفتح الطريق أمام محمد صلى الله عليه وسلم لدخول مكة.

غير أن التطورات كانت على غير ما يهوى أبو سفيان. لقد حملت هند بنت عتبة زوجه لواء المعارضة ضده، ودعت إلى قتله لأنه استسلم، وراحت تهيح المشاعر والنفوس للمقاومة واسطاعت أن تقود تيارا قويا مع القادة الشباب الذين عز عليهم أن تمرغ كرامتهم بالتراب لو لجؤوا إلى بيوتهم مذعورين خائفين، وضبط القائد العام لمكة أعصابه على هول الصفعة من زوجه هند، واكتفى للمحافظة على الهدف أن يقول: لا تغرنكم هذه عن أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به.

وكان الجيش الإسلامي كما وزعه رسول الله صلى الله عليه وسلم مكلفا بدخول مكة من عدة محاور. وكان خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى وكلف بدخول مكة من أسفلها وتحت إمرته أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة. وكان سلاح الفرسان مع هذه الكتيبة. وخالد هو قائد سلاح الفرسان دائما إذ أن أسلم وحدها، حين انضمت للجيش الإسلامي قدمت بألف فرس وفارس.

وتحركت القيادات الشابة تقود الكثير من هؤلاء الشباب للمقاومة وشاء قدر الله أن يلتقي رفاق السلاح في مكان واحد، فخالد قبل أقل من عام هو قائد سلاح الفرسان لقريش وقبل أقل من عام كان يخطط مع صفوان وعكرمة وسهيل لمواجهة محمد صلى الله عليه وسلم وهذه أول موقعة يقف فيها خالد

(1) يوضع. يجتهد ويشتد. كناية عما كان يعبد.

(2)

إمتاع الأسماع ج 1 ص391.

ص: 130

تجاه أعز أصدقائه من قبل، وأقرب أقربائه الأدنين تجاه عكرمة وصفوان اللذين دعاهما إلى الإسلام من بين كل الناس حين مضى إلى المدينة ليسلم.

ولكنها العقيدة هي التي فرقت بينه وبينهما اليوم، وهم يعرفون من خالد بن الوليد، وكانت مفاجأة صاعقة لهم أن يواجهوا به، وإن كان المهم وغيظهم منه أكثر من كل من سواه، فهو الذي تخلى عنهم، وانضم إلى صف محمد وهم الموتورون منه. وحاول خالد رضي الله عنه أن يحول بين المواجهة غير أنه عجز عن ذلك، فلقد كان الغرور والعجرفة هو الذي يسطر على هؤلاء المقاتلين، وقد رأينا مدى ثقتهم بقوتهم أن كان حماس بن قيس يعد امرأته أن يخدمها أحدهم. فسيكون المسلمون أسرى بين أيديهم وكما يقول:

إن يقبلوا اليوم فما لي عله

هذا سلاح كامل وإله

وذو غرارين سريع السلة

ولن تستطيع قوة الشرك أن تصمد أمام قوة الإيمان حين يكون جند الإيمان هم القلة فكيف إذا كانوا هم الكثرة عددا وعدة، ومن أجل هذا ما تمالك المشركون ساعات حتى تبارى القادة بالفرار صفوان وعكرمة وسهيل، ومع فرار القيادة لاذ الجنود بالفرار والمسلمون في ظهورهم كالنار المشتعلة كما وصفهم حماس نفسه:

لم نهيت خلفنا وهمهمة

لم تنطقي باللوم أدنى كلمة

ونلاحظ أن الخسائر كانت قليلة، فقد قتل من المشركين حوالي ثلاثة عشر رجلا بينما استشهد من المسلمين ثلاثة بينهم اثنان ضلا الطريق فوقعا بين يدي العدو. وقلة القتلى بين الفريقين ناتجة عن سرعة فرار المشركين من جهة بعد فرار قياداتهم. وعدم رغبة المسلمين في متابعة القتال حسب أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم من جهة ثانية.

والدرس الذي نفقهه من خلال هذه المواقف أن نحسب كل الحسابات في مواجهة العدو.

فلا يكفي الاعتماد على الاستسلام العام له إذ أن بعض فصائل هذا العدو قد تثور على من وقع وثيقة الاستسلام. فلا بد أن يعد لمثل هذا الأمر في التخطيط الذي تقوم به القيادة. والإرهاب بالقوة في أحيان كثيرة ليس هدفه القتل والذبح بمقدار ما يهدف إلى إحباط مقاومة العدو. والحركة الإسلامية تستفيد كثيرا من هذا الدرس حين تفت في أعضاد خصومها بما تملكه حقيقة من قوة رادعة لهؤلاء الخصوم. ولقد رأينا مثل هذا الموقف في عمرة القضاء حين قال المشركون: سيأتيكم محمد وجيشه قد أوهنتهم حمى يثرب، فاضطبع رسول الله صلى الله عليه وسلم بردائه وقال لجيشه والمشركون ينظرون إليهم من دار الندوة: رحم الله امرءا أراهم من نفسه قوة ومضى عليه الصلاة والسلام يهرول والمسلمون وراءه. لا بد أن تملك الحركة الإسلامية القوة الرادعة، أو تخطط لذلك، وهذا

ص: 131

هو الضمان الوحيد الذي يمنع الخصوم من حربها، وامتلاك هذه القوة الرادعة لا يعني أن تتحول إلى عصابة قاتلة بل تستطيع بهذه القوة أن تحطم النفوس المعاندة وتردع العدوان الكامن. وفي معظم الأحيان نجد أن هزيمة العدو مرتبطة بهزيمة قيادته. فمع فرار صفوان وعكرمة وسهيل انتهت الحرب.

وعلى الحركة الإسلامية أن تقدم إضافة إلى القوة الرادعة القوة المكافئة. فخالد هو الذي واجه سهيلا وصفوان وعكرمة. وهو الأدرى بهم وبإمكاناتهم. وهذا يعني كذلك أن الحركة الإسلابة لا بد أن تعد الوسائل المكافئة كذلك لمواجهة خصمها، وتجربة الحركة الإسلامية حين خاضت حربا ضروسا ضد أعدائها قبل أن تمتلك السلاح والرجال المكافئين للخصم فكانت كارثة مروعة راح ضحيتها عشرات الألوف من القتلى والجرحى والمفقودين. ولا بد أن تأتي الفرصة التي تحدد فيها مسؤولية هؤلاء المسؤولين عن هذه المرحلة. إن فرطوا في هذه الأمانة.

ونمضي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة:

أولا: فلقد كان وهو القائد المنتصر الذي دانت له رقاب العرب بعد أن أهدر دمه. وقال عنه ربه {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه، وأيده بجنود لم تروها، وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} (1).

من ذلك الموقع الذي يقول فيه أبو بكر رضي الله عنه، لو نظر أحدهم إلى خلل قدمه لرآنا.

إلى هذا الموقف ويحيط به عشرة آلاف مقاتل على قلب رجل واحد. يفتح بهم الأرض، ويمضي إلى

الذين حاربوه عشرين عاما أو تزيد وها هو اليوم يدخل في قلب هذا النصر (يضع رأسه تواضعا لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل). فهو الآن عبد الله ورسوله الذي أنعم الله تعالى عليه بالقتح، وليس هو كما تقول الجاهلية بطل النصر، وصانعه ومفجره، بل كان الهتاف الإسلامي الخالد:

لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده لا شيء قبله ولا شيء بعده.

فالنصر هو نصر العقيدة، نصر كلمة التوحيد، وليس انتصار الذات، أو انتصار الثأر أو انتصار الهوى وبالتالي فالتذلل لله تعالى في هذه الساعات هو التي يتنزل فيها نصر الله. وهذا الدرس لكل قادة الأرض الذين حفل بهم التاريخ أن يتعلموا من معلمهم الأول كيف يكون القائد المنتصر بين يدي ربه الذي أعطاه هذا النصر.

(1) سورة التوبة: 40.

ص: 132

وكم يغيب هذا المعنى عن القادة المسلمين بله الفرد العادي من المسلمين فتأخذه نشوة النصر فلا يكاد يطا له أحد وهو قد انتصر بمظاهرة أو كلمة ألقاها أو كلمن عابرة اثنى عليه بها عابر سبيل.

ثانيا: ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعد أن أعلنت استسلامها الأخير وكان أول ما يقصده الذي يدخل مكة هو البيت. ولا بد أن نقارن بين طوافين. لقد كان الطواف الأول في عمرة القضاء والمسلمون معه والأصنام الثلاثمائة والستون تملأ فجاج الكعبة وأركان البيت. ولكنه كان عاجزا عن المساس بها. وليس له الحق في ذلك. إذ أن دخول الكعبة في عمرة القضاء دخول سلمي بحماية قريش وموافقتها. فطاف والأصنام قائمة أما اليوم فقد اختلف الأمر، لقد دخل مكة فاتحا، واستسلمت بعد قتال، غزيت بعد نقض للعهد. فالسلطة العليا له. ولا عهد لأحد عليه. فكان أول ما أقدم عليه صلى الله عليه وسلم هو تحطيم الأصنام. (فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه، ولا أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه حتى ما بقي منها صنم إلا وقع).

وليت شباب الحركة الإسلامية يدركون هذه المقارنة، ويدركون أن الإسلام لا يطبق طفرة واحدة، فمع أن المسلمين دولة قوية في عمرة القضاء لكن لا سلطة ولا سلطان لهم على مكة. والذين صالحوهم وهادنوهم منحوهم حق العمرة في مكة فقط ولأيام محدودة دون مس بأمن مكة أو شعائرها أو عقائدها، لكن لا يطوفون بإعلان شعائر غيرهم كذلك فالمسلمون يعلنون كلمة التوحيد في مكة وهذا نقض كامل لمبادىء قريش. غير أنهم عاجزون عن القضاء على شعائر المشركين ومقدساتهم من الأصنام. ولقد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الواقع من خلال معاهدة أقبل على توقيع بنودها، وهو درس هام وهام جدا للحركة الإسلامية يوضح خطوط تحركها، ويوضح المرحلية في الوصول إلى أهدافها، فما كان جائزا من خلال معاهدة بين قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عدم التعرض لأصنام قريش. لم يعد جائزا. بعد مرحلة القوة الجديدة التي فتحت أبواب مكة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم دون قيد أو شرط.

فقد تقدم الحركة الإسلامية على ميثاق هدنة أو صلح أو تحالف لا يتم من خلاله التميز الكامل لشعائر الإسلام، أو التنفيذ الكامل لمبادىء الإسلام. لكن الذي لا عذر فيه أن يقدم المسلمون شعائر جاهلية. أن تشترك الشعائر كل حسب مقدساته. فلا غرابة في ذلك، إذ لم يثبت أن المسلمين وهم يعطوفون حول الكعبة منعوا طواف بقية الناس، ومنعوا إعلان شعائر الشرك التي تقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكا هو لك وما ملك. أو منعوا السجود للأصنام وتقديسها أثناء الطواف لكن كان لهم كامل الحق أن يطوفوا بشعائرهم دون أن يتقيدوا بشعائر المشركين.

وهذا التدرج الذي يصل المسلمون إليه خطوة بعد خطوة لا بد أن يفقهه الدعاة إلى الله

ص: 133

تعالى. ولا يسارعوا إلى النيل من قياداتهم حين تسير في هذه الخطوات في التدرج حسب القوة التي تمتلكها. إن معاملة القاعدة للقيادة دائما على أن عليها أن تطبق أحكام الإسلام النهائية كما هي بعد براءة. فهو ظلم لهذه القيادة من جهة، وجهل بحقيقة هذا الدين ومرحلتيه وحركتيه في الوصول إلى أهدافه. وحين نبين الحد الواضح بين الاحتواء الذي يمثل نطقا بفكر غيرنا الذي لا نؤمن به أو يحارب عقيدتنا وبين التعامل التي يحفظ لكل طرف حقه في شعائره وعقيدته. والدليل على هذه المرحلية كما نرى هو اختلاف الموقف بين طواف عمرة القضاء وطواف الفتح. فقد رافق طواف الفتح هدم للأصنام في الكعبة، وإعلان كلمة التوحيد على بابها. والمشركون لا يملكون حتى رفع بصرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم خوفا ورهبة وإجلالا كذلك هذا الافتراق بين الطوافين هو الذي يعلمنا كيف ننطلق بهذا الإسلام في منهجه الحركي، ومن خلال سماته، المتتابعة التي تحقق نصرا عقب نصر من خلال خطة واضحة المعالم، محددة المراحل في ذهن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خطط لفتح مكة دون أن يضطر لقيد واحد أو شرط واحد على الفتح. بينما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بذاته الشريفة في إعلان مبادىء الهدنة المشتركة بين قريش ومحمد بن عبد الله.

ومما كسر كذلك صنم قريش الأكبر الذي كان مفخر عزها، وهو الذي نادى أبو سفيان باسه يوم أحد فقال: أعل هبل .. ولم يترك الزبير رضي الله عنه هذا الأمر. فذكر أبا سفيان بذلك قائلا له: (يا أبا سفيان قد كسر هبل أما إنك كنت يوم أحد في غرور حين تزعم أنه قد أنعم! فقال: دع هذا عنك يا ابن العوام فقد أرى لو كان مع إله محمد غيره لكان غير ما كان). ومع انتهاء الطواف. وإلغاء كل مظاهر الوثنية الظاهرة. كان الناس ينظرون إلى القائد العظيم بثيابه الحربية الدرع والمغفر وعلى راحلته وهو بينهم حيث قام عليه الصلاة والسلام بعد الطواف بالشرب من ماء زمزم والوضوء منه استعدادا لخطوات لاحقة.

ثالثا: ثم كان دخول الكعبة المشرفة، حيث دعا عثمان بن طلحة رضي الله عنه وأخذ منه مفتاح الكعبة ودخلها فكسر شعائر الوثنية داخلها وهي الحمامة من العيدان، وصورة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهو يستقسم بالأزلام. وصلى بالكعبة ثم خرج إلى الناس. وكانت فرصة مواتية، أن طلب العباس بن عبد المطلب ضم الحجابة إلى السقاية وتكونان لبني هاشم.

وكان هذا أمام الناس جميعا، ومن يستطيع أن يناقش رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر، حتى عثمان بن طلحة، فلقد غدا جنديا مسلما ينفذ أمر رسوله والناس جميعا كأن على رؤوسهم الطير، وهم ينتظرون ما تتحرك به شفتي النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمر وبيده أن يلغي الحجابة ويضعها في يده، أو يعطيها لبني هاشم رهط النبي من بعده. لكن المسلمين والمشركين فوجئوا برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ادعوا إلي عثمان بن طلحة - وكان صلى الله عليه وسلم قال له يوما بمكة: وهو يدعوه إلى الإسلام، ومع عثمان المفتاح. فقال: لعلك سترى هذا المفتاح يوما بيدي أضعه حيث شئت. فقال له عثمان: لقد

ص: 134

هلكت إذن قريش وذلت، فقال صلى الله عليه وسلم بل عمرت وعزت يومئذ - فأقبل عثمان فقال له عليه الصلاة والسلام، خذوها يا بني أبي طلحة تالدة خالدة، ولا ينزعها منكم إلا ظالم! يا عثمان إن الله استأمنكم على بيته، فكلوا بالمعروف. فلما ولى عثمان ناداه عليه الصلاة والسلام فرجع إليه فقال له: ءألم يكن الذي قلت لك؟ فذكر عثمان قوله له بمكة. فقال: بلى أشهد أنك رسول الله، فقال: قم على الباب، وكل بالمعروف. ودفع عليه السلام السقاية إلى العباس رضي الله عنه (1).

ونقف أمام هذا الدرس العظيم العجيب الذي يفسره قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا إن كل ربا في الجاهلية أو دم أو مال أو مأثرة فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج).

ولا بد من التذكير أن هذا التوزيع لهذه المآثر بالأصل هو توزيع جاهلي بحت على يدي قصي بن كلاب مؤسس دولة قريش. (وكان ابنه عبد مناف قد شرف وساد في حياته، وكان عبد الدار بكره فقال له قصي لألحقك بالقوم وإن شرفوا عليك، فأوصى له بما كان يليه من مصالح قريش فأعطاه دار الندوة والحجابة واللواء والسقاية والرفادة، وكان قصي لا يخالف ولا يرد عليه شيء صنعه. وكان أمره في حياته وبعد موته كالدين المتبع. فلما هلك أقام بنوه أمره لا نزاع بينهم ولكن لما هلك عبد مناف نافس أبناؤه بني عمهم عبد الدار في هذه المناصب، وافترقت قريش فرقتين وكاد يكون بينهما قتال، إلا أنهم تداعوا إلى الصلح واقتسموا هذه المناصب، فصارت السقاية والرفادة إلى بني عبد مناف، وبقيت دار الندوة واللواء والحجابة بيد بني عبد الدار ..)(2).

ومع أن هذا التقسيم كما رأينا أعراف جاهلية ودين متبع عندهم. لم يكن لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من بني هاشم أن يعيد المفتاح إلى عثمان بن طلحة ابن عمه البعيد. تقيدا بأعراف مكة التي تخالف الإسلام. بينما أعلن عليه الصلاة والسلام أن بقية المآثر تحت قدميه.

ونحن نعلم أن هذا الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من عند الله لأن الله تعالى أقر نبيه على ذلك. وشاءت إرادة الله تعالى أن تبقى حراسة بيته بيد بني عبد من عبيده وهو عثمان بن طلحة. وحتى خمسة عشر قرنا من الزمان. لم يتغير الأمر طالما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي شرعه. وأما السقاية فقد تحولت على يد زبيدة زوج الرشيد (العباسية) ابنة العباس بن عبد المطلب إلى سقاية رسمية من خلال مشروع المياه الذي مددته من الطائف إلى مكة لسقاية الحجيج حين لم يعد زمزم كافيا لذلك.

ونفقه من هذا الدرس كذلك أن بإمكان الحركة الإسلامية وهي في ذروة قوتها أن تحافظ

(1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 387، 388.

(2)

الرحيق المختوم ص 37.

ص: 135

على بعض المآثر التي لا تتعارض مع المفهوم الإسلامي. حفاظا على مشاعر الأمة أن تصدم فيها حين تدخل في صميم حياتها أما ما دون ذلك فمن حق دولة الإسلام أن تلغيه حين يتعارض مع الإسلام، أو مصلحة المسلمين والجماعة الإسلامية.

لقد حافظ رسول الله صلى الله عليه وسلم في بداية الأمر على اللواء. حتى أحد حيث كان بيد مصعب بن عمير رضى الله عنه العبدري. لكنه بعد ذلك تخلى عنه، ولم يدخل اللواء في إطار هذا الخلوذ. لأن الله تعالى يعلم أن ألوية المسلمين سوف تملأ فجاج الأرض، وسوف تنتثر تحت كل نجم، فلا يمكن أن يحصر في إنسان بل في أمة بل في جيل من الأجيال. أما حين يرد سكان الأرض إلى البيت الحرام. فلا يصعب أن تكون سدانته في يدي بني أبي طلحة، ولا تزال في عهدتهم إلى اليوم، حتى إن سادن الكعبة قد أعلن عن وفاته قبل عشرة أعوام فقط. وقد استلم ابنه بعده وسيبقى إلى يوم الدين كما قال عليه الصلاة والسلام. خذوها تالدة خالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم.

ونقول في نهاية المطاف مع هذه الفقرة: إن المسلمين وهم في ذروة نصرهم، حيث لا يملك أحد أن يحول بينهم وبين ما يريدون ومع هذا كله فيستطيعون المحافظة على أعراف وتقاليد الدولة التي كانت قبل الحكم الإسلامي ما لم يتعارض ذلك مع الإسلام.

رابعا: ثم كانت الخطبة التي أعلن فيها عليه الصلاة والسلام في بداية الأمر عفوه عن قريش (يا معشر قريش ما تظنون أني فاعل بكم، قالوا خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم وقد قدرت. فقال فإني أقول لكم، كما قال أخي يوسف: {لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين} اذهبوا فأنتم الطلقاء).

ثم أعلن مبادىء الحكم الإسلامي صريحة مدوية، والتي سيبدأ بتنفيذها على التو، بعد أن صار عليه الصلاة والسلام قادرا على تنفيذ هذا الحكم: وها نحن نرى هذه المبادىء.

أ - إعلان إسلامية الدولة: الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.

ب - إسقاط الثارات والأمجاد السابقة: إن كل ربا في الجاهلية أو دم أو مال أو مأثرة فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج.

ج - إسقاط الرابطة الجاهلية: إن الله لد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتكثرها بالآباء، كلكم لآدم وآدم من تراب، وأكرمكم عند الله أتقاكم.

د - حرمة الكعبة: ألا إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض؛ فهي حرام بحرام الله لم تحل لأحد كان قبلي، ولا تحل لأحد كائن بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من النهار، ألا لا ينفر

ص: 136

صيدها ولا يعضد (1) عضاهها (2) ولا تحل لقطتها إلا لمنشد (3) ولا يختلي خلالها (4). فقال العباس: يا رسول الله إلا الإذخر فإنه لا بد منه للقبور وظهور البيوت. فسكت ساعة ثم قال: إلا الإذخر فإنه حلال.

هـ - في مجال المرأة: ولا وصية لوارث، وأن الولد للفراش وللعاهر الحجر، ولا يحل لامرأة أن تعطي من مالها إلا بإذن زوجها.

و- إعلان الرابطة الجديدة: والمسلم أخو المسلم، والمسلمون إخوة والمسلمون يد واحدة على من سواهم يتكافؤون دماءهم، يرد عليهم أقصاهم، ويعقد عليهم أدناهم، ومشدهم على مضعفهم ومسيرهم على قاعدهم.

ز - بعض الحقوق للطوائف الأخرى: ولا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ولا يتوارث أهل ملتين مختلفتين.

ح - بعض الأحكام الاقتصادية: ولا جلب ولا جنب (5)، ولا تؤخذ صدقات المسلمين إلا في بيوتهم وبأفنيتهم

ط - في النكاح: ولا تُنكح المرأة على عمتها وخالتها.

ي - في القضاء: والبينة على من ادعى، واليمين على من أنكر.

ك - في المحارم: ولا تسافر المرأة مسيرة ثلاث إلا مع ذي محرم.

ل - في العبادات: ولا صلاة بعد العصر وبعد الصبح، وأنهاكم عن صيام يومين يوم الأضحى ويوم الفطر.

م - في الألبسة: وعن لبستين: لا يحتب أحدكم في ثوب واحد يفضي بعورته إلى السماء، ولا يشتمل الصماء ولا إخا لكم إلا قد عرفتموها (6).

ومع نهاية الخطبة ألغي الوجود الجاهلي، وصار الحكم للإسلام. وتم تنفيذ حكمين شرعيين خلال وجود رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة.

أولهما: دية القتيل من بكر (وقد قتلتم هذا القتيل والله لأدنيه فمن قتل بعد مقامي هذا

(1) ويعضد، يقطع.

(2)

العضاة: شجر عظام له شوك.

(3)

اللقطة: الملقى في الأرض والمنشد: المعرف بالضالة.

(4)

الخلا: الحشيش، واختلى قطع.

(5)

لا جلب ولا جنب: يجلب أموال الزكاة أو تجنيها له.

(6)

أورد المقريزي هذه الخطبة في إمتاع الأسماع ج 1 ص 387 وهي وإن لم تثبت كاملة في هذا اليوم لكنها ثابتة بنسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأحاديث صحيحة.

ص: 137

فأهله بالخيار إن شاؤوا فدم قتيلهم وإن شاؤوا فعقله).

ثم أمر خزاعة يخرجون ديته فأخرجوها مائة من الإبل فكان أول قتيل وداه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام.

ثانيهما: المرأة المخزومية التي سرقت. وكانت امتحانا مباشرا لدولة الإسلام في الأرض، وبنو مخزوم من أشراف الناس وبدأت الوساطات من كل جانب وكان أسامة بن زيد رضي الله عنه أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء يشفع في حدها، فكان الجواب قاسيا جدا عليه: يا أسامة أتشفع في حد من حدود الله!!

ثم أعلن عليه الصلاة والسلام، أسباب محق الأمم وهلاكها: إنما أهلك من كان قبلكم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد.

ثم أعلن كذلك صلى الله عليه وسلم، أنه لا أحد في هذه الأرض فوق حدود الله بعد بلوغها للحاكم: والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).

والحركة الإسلامية تهلك يوم لا تعدل في أحكامها بين قيادتها وقواعدها، وطالما أنها ترهب أن تقول كلمة الحق في صفها، فلن تعلن كلمة الحق في الناس، وميزان الحكم على النصر والهزيمة من خلال هذه الكلية الضخمة. وإنه لامتحان عسير أن تساوى القيادة في أحكامها على أبنائها مع الآخرين، وحين تنفذ ذلك فتكون لها القوامة على الآخرين.

أما الذين أهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمهم، وكانوا ستة نفر فكان أغلبهم من المرتدين أو الذين آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجاء مقذع أو اعتداء أثيم .. وقد قتل نصفهم ونجا نصفهم. وتقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على كره منه - وساطة عثمان في عبد الله بن سعد في الوقت الذي أتاح فيه للمسلمين أن ينفذوا حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وشاءت إرادة الله أن لا ينتبه المسلمون لذلك فينجو عبد الله، ثم يسلم فيحسن إسلامه. وعثمان الذي تستحي منه الملائكة، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحي منه ويقول: ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة. جعلت رسول الله يوافق بعد لأي وإلحاح لثلاث مرات على إجارته.

وهو موقف كريم من نبي كريم، مع صحابي كريم من صحابته. نرى من خلاله إلى أي مدى ترتفع قيمة الجندي عند قائده ولو في تغيير خطة أعلنها على الملأ. وكرامة عثمان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت يوم تمت بيعة الحديبية على الموت ثأرا له بعد إشاعة مقتله. وها هو اليوم في مكة يشفع لمرتد لا يمكن أن ينجو لولا الموافقة النبوية على ذلك.

والإشارة العظيمة إلى أن النبي لا يقتل بالإشارة ذات دلالة على شرف النبوة التي لا تتعامل

ص: 138

بالغدر من الناس مهما كانت التكاليف الباهظة في حقها.

إن كرامة العهد غالية جدا على المسلم.

وكرامة الرجل المسلم غالية جدا على الحركة الإسلامية.

وكرامة حدود الله غالية جدا على الجيش المسلم.

ولابد من المرازنات بين هذه الأمور بحيث لا يطغى جانب على جانب.

ونلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رفض قبول شفاعة زيد ووساطته من أجل المرأة المخزومية التي سرقت. بينما قبل وساطة عثمان في حد المرتد. ولكن في هذا الأمر شبهة لجوئه إلى مكة. بينما حدثت السرقة في ظل الدولة الإسلامية دون أية شبهة، ودائما تدرأ الحدود بالشبهات.

والحركة الإسلامية التي تحمل عبء إقامة دولة الله في الأرض، لا بد لها أن تتحمل مسؤولية التطبيق العملي لذلك، مهما كان الثمن غاليا. والمجرمون الذين يحملون كبر الإجرام من كبار العتاة في الأرض لا بد من عقوبتهم دون مراعاة لعواطفهم طالما أنهم قادة لهذا الشر أو مراوغون مرتدون ثبت غدرهم وكفرهم. هذا بالنسبة لخارج الصف المسلم. وكذلك الأمر داخل هذا الصف فليست الغرابة أن يقع فيه الخطأ. بل نقول أكثر من ذلك إن الغريب ألا يقع الخطأ في هذا الصف. لأن طبيعة النفس البشرية مجبولة على الخطأ.

(لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر الله لهم)(1).

إنما الأشد غربة أن يقع الخطأ في كبيرة أو حد من الحدود. ويتهاون به، وينفذ على الصغير دون الكبير، وعلى الضعيف دون الشريف. فهذه قاصمة الظهر للجماعة وللحركة الإسلامية كاملة فالحركة الإسلامية العاجزة عن تحقيق العدل في صفوفها هي من باب أولى عاجزة عن تحقيقه في صفوف غيرها .. ومن هنا تأتي أضخم أزمة ثقة بين القيادة والقاعدة في صف الحركة حين يصبح المثل المحتذى. والقدوة محل نقد وشك من شباب الدعوة، وجنودها الأوفياء.

القيادات جميعا تعتنق الإسلام

ولم يحدث في تاريخ الأرض كلها أن يدخل قادة جيش العدو في دين عدوهم إلا في تاريخ الإسلام.

الثلاثة الكبار: وهم قادة جيش العدر صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن

(1) رواه الإمام أحمد عن ابن عباس ومسلم عن أبي هريرة.

ص: 139

عمرو. وإسلام كل واحد منهم ملحمة فخار في تاريخ هذه الدعوة.

أما عكرمة: فهو الذي قال لابن عمه خالد عندما دعاه للإسلام: لو لم يبق غيري ما اتبعته أبدا.

ولاذ بالفرار إلى اليمن لينهي حياته هناك. غير أن المفاجأة أذهلته وهو يرى زوجه قد قدمت إليه وحسب أنها فارة إليه. ولكنها الآن تدعوه إلى أمان محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وعكرمة يعرف عهد محمد ووفاءه وكراهيته للغدر.

وعلى الصيغة نفسها كانت دعوة صفوان بن أمية للإسلام إذ لحق به صديقه السابق عمير بن وهب أما سهيل فاختبأ في بيته ينتظر أمانا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه إياه.

وطبيعي أن يفر هؤلاء الثلاثة أو يختبئوا. فقد رفضوا الأمان الأول، وحاربوا الجيش الإسلامي، وأعلنوا العداء الصريح الواضح أن لا لقاء مع محمد إلا من خلال السيف.

لكن حرص النبي صلى الله عليه وسلم على طوي صفحة الحرب حتى مع هؤلاء القادة المحاربين. كان واضحا بحيث أعطى أمانه لهم دون تردد. وحمل هذا الأمان زوجة وولد وصديق.

(وطلبت أم حكيم أمانا لعكرمة وقد هرب إلى اليمن. فأمنه. فخرجت إليه حتى قدم، فلما دنا من مكة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا، فلا تسبوا أباه. فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ إليه! فلما رآه وثب إليه فرحا، فوقف ومعه امرأته متقبة، فقال: يا محمد إن هذه أخبرتني أنك أمنتني. فقال: صدقت. فأنت آمن: فأسلم)(1).

وحين تذكر الخالدات في التاريخ تبرز أم حكيم في ذروتهن. فهي التي استطاعت أن يغلب حكمها جهلها والمرأة تنطلق من الحب والكره أكثر بكثير من الرجل. ولم تكتف بذلك بل اعتبرت رسالتها الحقيقة هي أن تقنع زوجها بالإسلام، وكم تثق بنفسها حين تقطع الأرض إلى اليمن باحثة عن زوجها تدعوه إلى أمان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وطامحة إلى إسلامه. وهي في أعتى بيئة عداء للإسلام. فأبوها الحارث بن هشام، الذي لم يدخل الإسلام بعد، وعمها أبو جهل، وزوجها عكرمة. فالبيئة تنضح بالكره لمحمد والحقد عليه. ومع ذلك استطاعت أن تتجاوز هذا كله. وتمضي الداعية العظيمة في فجاج الأرض لتعود بزوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومدرسة النبوة الحية في عظمة حلمها وصلتها وبرها تجل عن الوصف. حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم يوصي المسلمين بالامتناع عن سب أبي جهل أمام عكرمة. وتوارث سب أبي جهل في الصف

(1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 392.

ص: 140

الإسلامي هو مدرسة بحد ذاتها. فلم يشتف المسلمون من كافر شفاءهم من أبي جهل. ورغم هذا الحقد المتوارث في النفوس والكره المستأصل فيها، فقد صدرت أوامر النبي صلى الله عليه وسلم بإغلاق هذه المدرسة. إكراما لعكرمة المؤمن المهاجر. وإذا كان المسلمون قادرين على كبت مشاعر الحقد والكره على أبي جهل فرعرن هذه الأمة. لكنهم عاجزون تماما عن إبداء مشاعر الحب إلى الذي بقي حتى آخر لحظة يحارب الإسلام ويحارب الله تعالى ورسوله. لكن النبي صلى الله عليه وسلم الذي يحمل في قلبه تاريخا كاملا من أذى أبي جهل وحربه له ولعقيدته، كان أكبر من بشر الأرض جميعا في سوه، واستطاع أن يظهر كل معاني الحب والود لعكرمة. فيثب إليه فرحا منذ رؤيته. أولا يحس عكرمة رضي الله عنه أنه يذوب حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنه أعجز من أن يصمد لحظة واحدة أمام هذا الاسقبال العظيم بعد الحرب الكؤود. وأنه لن يقدر على هذا إلا أولوا العزم من الرسل أو بالأحرى سيد هؤلاء الرسل جميعا. ومع ذلك تمالك وتجلد وتأكد قبل أن يعلن إسلامه من أمان رسول الله صلى الله عليه وسلم له. وأعلن إسلامه بعد أن نال أمانه.

إنها مدرسة في التربية وليس درسا فقط، تجري أمام هذا الجيش المسلم. تتجلى في هذه المعالم الثلاثة كظم الكره والحقد عن أكبر كفار في التاريخ ومجرميهم أبي جهل إكراما للعدو الألد ابنه الذي يأتي للإسلام. القيام والوثوب لاستقبال هذا العدو الألد. ومظاهر الفرح تملأ كيان النبي صلى الله عليه وسلم، ولما يعلن عكرمة إسلامه بعد.

إعطاء الأمان لعكرمة قبل أن يعلن إسلامه وهو الذي ملأ الدنيا حربا ضد الإسلام والمسلمين. وهكذا دخل عكرمة في هذا الدين دون أن تخدش كرامته أو تمس. فقد كان بإمكانه أن يغادر مكة، أو يبقى على كفره بهذا الأمان إلى فترة محددة. ولكنه حرص على أن يدخل في هذا الدين دون أن يكون هذا الأمر تحت وطأة السيف وطريق الإرهاب. واستطاع النبي صلى الله عليه وسلم أن يستل حقده كله، وأن يضبط عواطف جيشه كله. فلا ينال من عدو الله أبي جهل إكراما لهذا المستأمن أولا، ثم المسلم بعد ذلك.

والذي يؤكد هذا المعنى هو صفوان بن أمية الذي طلب أمانا لشهرين فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمان لأربعة أشهر. وتأخر في إسلامه حتى حضر حنين مشركا.

والذي لا شك فيه أن معاملة هؤلاء القادة كانت معاملة خاصة استثنائية. فلا أمان لكافر محارب في الأصل، وإعطاؤه الأمان هو فسح الصدر لهذه النفوس أن تهدأ وترعوي.

وصفوان رضي الله عنه، بلغ من حقده أنه رفض في بداية الأمر أن يكلم صديق عمره، عمير بن وهب الجمحي والذي لم يكن حقده عليه أقل من حقده على محمد صلى الله عليه وسلم حين عاهده في الحجر بعد بدر على قتل محمد صلى الله عليه وسلم، وراح يحدث القوم: سيأتيك عمير بخبر تتحدث به الركبان.

ص: 141

وجاء الخبر بإسلامه، فأقسم أن لا يكمله. وها هو الآن يلحق به إلى البحر ويدعوه ويلاطفه ويلح عليه ويذكره بابن عمه محمد صلى الله عليه وسلم أبر الناس وأوصل الناس وأحلم الناس حتى تلين قناته، وتهدأ نفسه. وعاد يطلب الآمان. وقبل منه أن يدخل مدرسة المسلمين وهو على شركه. إنه يعيش وسط البيئة المسلمة. وهو على شركه وهو على حقده. وجرت حادثة كان من الممكن أن توتر الجو حين جاءه رسول محمد صلى الله عليه وسلم.

حيث بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقرض من صفوان خمسين ألف درهم، وأدراعا من عنده للحرب فقال: أغصبا يا محمد، قال: لا. ولكن عارية مؤداة. وأداها رسول الله صلى الله عليه وسلم له من غنائم حنين، ولئن كفت المعاملة الطيبة لعكرمة مباشرة في دخوله في الإسلام. لكن صفوان تأخر بعد حنين حتى أسلم يقول رضي الله عنه:

والله ما كان على ظهر الأرض أحد أبغض إلي من محمد، فما زال يعطيني من غنائم حنين حتى لم يعد أحد على ظهر الأرض أحب إلي من محمد.

ولئن كان الوثوب لاستقبال عكرمة والأمان والنهي عن سب أبي جهل استطاعت أن تسل حقد عكرمة فيسلم. وكانت غنائم حنين كفيلة بأن تستل حقد صفوان بعد شهرين. فكان لجواب رسول الله عليه صلى الله عليه وسلم لسهيل بن عمرو. أعظم الأثر في استلال حقده. وكانت مدرسة سهيل بن عمرو من مدرسة خالد بن الوليد رضي الله عنه. حيث أسلما من خلال الكلمة الطيبة.

كانت كلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: ما مثل خالد يجهل الإسلام، وعقله عقله، ولو جاء إلينا لقدمناه على غيره.

وكانت كلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن سهيل عن أبيه:

من لقي سهيل بن عمرو فلا يشد النظر إليه، فلعمري إن سهيلا له عقل وشرف، وما مثل سهيل جهل الإسلام، ولقد رأى ما كان يوضع فيه أنه لم يكن بنافع.

فقال سهيل، كان والله برا صغيرا وكبيرا.

فخرج وشهد حنينا وأسلم بالجعرانة.

إن هذا الصبر القليل على هؤلاء القادة الثلاثة. جعلهم يدخلون الإسلام كما قال ابن الزبعري. بعد أن أسلم اللحم والعظام لربهم، ولا يدخلونه خيفة أو نفاقا.

إن السخصيات العظيمة لا تتقن النفاق، فقد كان بالإمكان أن يموتوا طريدين مشردين، حاقدين على الإسلام. لكن عظمة المعاملة النبوية. نقلتهم وهم قادة إلى الصف المسلم ليتبوؤوا موقع القيادة فيه. ويكونوا سادة على قومهم يقاتلون بهم أعداء الله. ويسقطون شهداء في المعارك.

ص: 142

لقد مثل هذه الصورة واحد فقط من قادة مكة هو هبيرة بن أبي وهب زوج أم هانىء ولم يتراجع عن حقده، ومات في اليمن طريدا على كفره. فماذا يذكر التاريخ عن هبيرة. وأم هانىء رضي الله عنها، استطاعت أن تنقذ اثنين من أحمائها ليدخلوا في حظيرة الإسلام. ولم تتمكن أن تفعل مع زوجها ذلك.

شيوخ مكة: وكان إسلامهم وهم يبثون حقدهم على رؤية بلال رضي الله عنه يؤذن فوق الكعبة تقول جويرية بنت أبي جهل وهي تسمع وأشهد أن محمدا رسول الله - (قد لعمري رفع لك ذكرك أما الصلاة فسنصلي. والله لا نحب من قتل الأحبة أبدا. ولقد كان جاء أبي الذي جاء محمدا من النبوة فردها وكره خلاف قومه).

عتاب بن أسيد: الحمد لله الذي أكرم أبي فلم يسمع هذا اليوم.

الحارث بن هشام: واثكلاه! ليتني مت قبل هذا اليوم: قبل أن أسمع بلالا ينهق فوق الكعبة.

الحكم بن أبي العاص: هذا والله الحدث العظيم، أن يصبح عبد بني جمح على بينة أبي طلحة (1).

سهيل بن عمرو: إن كان هذا سخطا لله فسيغيره، وإن كان رضى فسيقره.

أبو سفيان بن حرب: أما أنا فلا أقول شيئا، لو قلت شيئا لأخبرته هذه الحصباء. فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبرهم) (2).

(فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قد علمت الذي قلتم ثم ذكر ذلك لهم: فقال الحارث وعتاب: نشهد إنك رسول الله ما اطلع على هذا أحد كان معنا فنقول اخبرك.)(3).

وهكذا انضم الحارث شيخ بني مخزوم إلى الإسلام، وهو أخو أبي جهل، وانضم الشاب الفتى عتاب بن أسيد إلى الإسلام كذلك.

لسان مكة: وكان الناطق الرسمي باسم مكة ابن الزبعري الذي أمضى حياته ووطن شعره ووظفه في حرب محمد صلى الله عليه وسلم. وفر إلى اليمن. فأرسل إليه حسان بن ثابت بالبيت المشهور:

لا تعدمن رجلا أحلك بغضه

نجران في عبش أحد لئيم

وحرك هذا البيت مشاعر ابن الزبعري، فتقدم إلى مكة، حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهيىء

(1) بنية أبي طلحة: الكعبة ودعيت لأبي طلحة نسبة لأبي طلحة بن عبد الدار سادنها.

(2)

إمتاع الأسماع ج 1 ص 390، 391.

(3)

البداية والنهاية لابن كثير ج 4 ص 302.

ص: 143

الجو لقدومه ويقول في صحبه: هذا ابن الزبعري ومعه وجه فيه نور الإسلام ولا يغيب عن البال الشاعر الفحل الآخر، كعب بن زهير الذي فر هاربا إلى الطائف فجاءته رسالة أخيه المسلم بجير. بن زهير يقول فيها:

من مبلغ كعبا فهل لك في التي

تلوم عليها باطلا وهو أحزم

إلى الله لا العزى ولا اللات وحده

فتنجو إذا كان النجاء وتسلم

لدي يوم لا ينجو وليس بمفلت

من الناس إلا طاهر القلب مسلم

فدين زهير وهو لا شيء دينه

ودين أبي سلمى علي محرم

فلما بلغ كعب الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه، وأرجف به من كان في حاضره من عدوه وقالوا: هو مقتول. فلما لم يجد من شيء بد قال قصيدته التي يمدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به. ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة، كما ذكر لي، فغدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صلاة الصبح فصلى مع رسول الله ثم أشار له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقال هذا رسول الله فقم إليه فاستأمنه فذكر لي أنه قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس إليه ووضع يده في يده وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعرفه فقال:

يا رسول الله إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمن منك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن جئتك به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم. فقال: إذن أنا يا رسول الله كعب بن زهير.

قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمرو بن قتادة أنه وثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعه عنك فإنه جاء تائبا نازعا (1).

وكان مما قاله:

نبئت أن رسول الله أوعدني

والعفو عند رسول الله مأمول

مهلا هداك الذي أعطاك نافلة

القرآن فيها مواعيظ وتفصيل

إن الرسول لنور يستضاء به

مهندمن سيوف الله مساول

في عصبة من قريش قال قائلهم

ببطن مكة لما أسلموا زولوا

نسوة قريش: وأسلمت هند بنت عتبة، وأم حكيم بنت الحارث امرأة عكرمة بن أبي جهل، والبغوم بنت المعذل امرأة صفوان بن أمية، وفاطمة بنت الوليد بن المغيرة، وهند بنت منبه ابن الحجاج أم عبد الله بن عبرو بن العاص في عشرة نسوة من قريش، فأتين رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأبطح، وعنده زوجتاه وفاطمة ابنته، في نساء من نساء بني عبد المطلب، فبايعته ولم تمس يده يد

(1) البداية والنهاية ج 4 ص 369.

ص: 144

امرأة. (ورؤيت فيهن هند بنت عتبة وهي متنكرة لأجل صنيعها بحمزة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا، فبايع عمر النساء على أن لا يشركن بالله شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا تسرقن. فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح. فإن أنا أصبت من ماله هنأت؟ فقال أبو سفيان: وما أصبت فهو لك حلال. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفها فقال: وإنك لهند؟ قالت: نعم، فاعف عما سلف يا نبي الله، عفا الله عنك فقال: ولا يزنين. فقالت: أو تزني الحرة؟ فقال: ولا يقتلن أولادهن. فقالت: ربيناهم صغارا وقتلتهم ببدر كبارا فأنتم وهم أعلم. فضحك عمر حتى استلقى، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ولا يأتين ببهتان فقالت: والله إن إتيان البهتان لقبيح، وما تأمرنا إلا الرشد ومكارم الأخلاق، فقال: ولا يعصينك في معروف فقالت: والله ما جلسنا مجلسك هذا وفي أنفسنا أن نعصيك.

ولما رجعت جعلت تكسر صنمها وتقول: كنا منك في غرور) (1).

ها هي مكة بشيوخها وشبابها ونسائها وقادتها وشعرائها تدخل في الإسلام؛ أو في أمان رسول الله صلى الله عليه وسلم. وحقق النبي عليه الصلاة والسلام هدفه الأكبر بالنسبة لقريش: اليوم يوم المرحمة، اليوم أعز الله قريشا.

وكان عزها في دخولها أفواجا في دين الله، واستطاع الرسول صلى الله عليه وسلم. أن يتجنب مجزرة فيها فناء قريش كلها من جهة. وأن تدخل قريش كلها في الإسلام. وهذه هي عظمة الجهاد السياسي المسلح. الجهاد الذي ينطلق من القوة الضخمة التي تجعل العدو قد أحيط به، فيستسلم على ضوء ذلك.

وهذا هو الفقه الأكبر للنفوس الذي شهدناه من خلال الفتح الأكبر. والحركة الإسلامية التي تحمل لواء الدعوة في سبيل الله، لا بد أن تنتقل إلى الخط المسلح الذي يمنع عنها الإبادة من العدو ولكن هذا الأمر لا يتم إلا من خلال خطة متكاملة محددة المراحل، في طبيعة الصراع مع الباطل والطاغوت، وقمة انتصارها حين تصبح قوة مرهوبة الجانب، عندئذ يدخل خصومها معها في حوار، وينتقلون للاعتراف بها كأمر واقع. وكلما استطاعت أن تتقدم في مضمار القوة أكبر. كلما استطاعت أن تسمع صوتها أكثر للجميع، واستطاعت أن تجد الآذان الصاغية لها ولدعوتها. ولا يجوز أن تفتنها القوة عن هدفها. بحيث تنسى مهمتها الأولى في أن تكسب الناس جميعا لهذا الدين الخصوم والأصدقاء على السواء.

ومن الفقه الأكبر كذلك التعرف على نفسيات القيادات والشخصيات الضخمة للعدو.

بحيث تتجنب أسلوب الإرغام والإذلال لها. لأن هذا الأسلوب سيقود هذه الشخصيات إلى الحقد الأسود على الداعية والدعوة، ويوجهها إلى الثأر والانتقام من جهة، أو إلى الممالأة والنفاق

(1) الرحيق المختوم عن مدارك التنزيل للنسفي ص 460.

ص: 145

ثم الكيد والتآمر في الخفاء من جهة أخرى.

وعلى الحركة الإسلامية كذلك أن تعير قضية المرأة اهتمامها الكبير. فهند بنت عتبة، أشهر الحاقدات في التاريخ، هي التي قادت نسوة قريش إلى الإسلام. وبلغ حقدها أن هاجمت زوجها ودعت إلى قتله حين دعا إلى الاستسلام، ومع ذلك أمكن تفتيت هذا الحقد إذ تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انتهاء البيعة:

والله يا محمد ما كان على ظهر الأرض أحد أحب إلي من أن يذل من أهل بيتك وخبائك.

والله ما عاد على ظهر الأرض أحد أحب إلي من أن يعز من أهل بيتك وخبائك.

فيقول عليه الصلاة والسلام: وأيضا والذي نفس محمد بيده (1).

فلو استطاعت الحركة الإسلامية أن تقنع رائدات الانحراف من النساء بطبيعة هذا الدين لأمكن أن يحولن المسار كله نحو الإسلام، والاهتمام بالقيم الكبرى التي تقبع في أعماق القيادات وتختفي وراء بعض المظاهر الخادعة. يمكن أن يساهم مساهمة فعالة في تحقيق الهدف العظيم:

{إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} .

(1) البداية والنهاية ج 4 ص 319 عن البيهقي بسنده.

ص: 146