الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السمة الحادية عشرة: الصدام الأول مع الروم - مؤته
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير قال:
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثة إلى مؤته في جمادى الأولى سنة ثمان واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال: إن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة على الناس، فتجهز الناس ثم تهيؤوا للخروج. وهم ثلاثة آلاف. فلما حضر خروجهم ودع الناس أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا عليهم. فلما ودع عبد الله بن رواحة من ودع من أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى. فقالوا: ما يبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم. ولكني سمعت رسول الله يقرأ آية من كتاب الله عز وجل يذكر فيها النار {وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} . فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود فقال المسلمون: صحبكم الله وردكم إلينا صالحين. فقال عبد الله بن رواحة:
لكنني أسأل الرحمن مغفرة
…
وضربة ذات قرع تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة
…
بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جدثي
…
أرشده الله من غاز وقد رشدا
ثم إن القوم تهيؤوا للخروج فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله صلى الله عليه وسلم فودعه ثم قال: فثبت الله ما آتاك من حسن
…
تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا
إني تفرست فيك الخبر نافلة
…
الله يعلم أني ثابت البصر
أنت الرسول فمن يحرم نوافله
…
والوجه منه فقد أزرى به القدر (1)
وشيعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ثنية الوداع، ثم وقف وهم حوله وقال: أوصيكم بتقوى الله وبمن معكم من المسلمين خيرا اغزوا في سبيل الله فقاتلوا من كفر الله لا تغدروا ولا تغلوا ولا تقتلوا وليدا وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى إحدى ثلاث. فأيتهن ما أجابوك إليها فاقبل منهم واكفف عنهم. ادعهم إلى الدخول في الإسلام فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين فإن فعلوا فأخبرهم أن لهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، وإن دخلوا في الإسلام واختاروا دارهم. فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله ولا يكون لهم في الفيء ولا في الغنيمة شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن أبوا فادعهم إلى إعطاء الجزية فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم، فإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم.
(1) السيرة لابن إسحاق ج 3 ص 373، 374.
وإن أنت حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوك أن تستنزلهم على حكم الله فلا تستنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ وإن حاصرت أهل حصن أو مدينة فأرادوك على أن تجعل لهم ذمة الله وذمة رسوله. ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أبيك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذمتكم وذمة آبائكم خير لكم من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله. وستجدون رجالا في الصوامع معتزلين الناس فلا تتعرضوا لهم؛ وستجدون آخرين في رؤوسهم مفاحص (1) فاقلعوها بالسيوف. لا تقتلن إمرأة ولا صغيرا ولا كبيرا فانيا، ولا تغرقن نخلا ولا تقلعن شجرا ولا تهدموا بيتا (2).
قال ابن إسحاق: ثم خرج القوم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا ودعهم وانصرف عنهم قال:
خلف السلام على امرىء ودعته
…
في النخل خير مشجع وخليل
ثم مضوا حتى نزلوا معان فبلع الناس أن هرقل قد نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم. وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وبلى مائة ألف منهم، عليهم رجل من بلى ثم أحد إراشة يقال له مالك بن زافلة فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معان ليلتين يفكرون في أمرهم وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره. فنمضي له. فشجع الناس عبد الله بن رواحة وقال: يا قوم، والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به. فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة. قال: فقال الناس: قد صدق والله ابن رواحة، فمضى الناس فقال عبد الله بن رواحة في حبسهم ذلك شعرا. ثم مضى الناس. حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، فالتقى الناس عندها، فتعبأ لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بني عذرة يقال له: قطبة بن قتادة. وعلى مسيرتهم رجلا من الأنصار يقال له عباية بن مالك. ثم التقى الناس واقتتلوا. فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط (3) في رماح القوم. ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى إذا ألحمه (4) القتال اقتحم عن فرس له شقراء فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل، فكان جعفر أول
(1) المفحص: حيث تجثم القطا وتفرخ، والمقصود عشعشة الشيطان بالفي.
(2)
إمتاع الأسماع ج 1 ص 345، 346.
(3)
شاط الرجل: إذا سال دمعه فهلك.
(4)
ألحمه القتال: نشب فيه فلم يجد مخلصا.
رجلا من المسلمين عقر (1) في الإسلام.
وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال: حدثني أبي الذي أرضعني، وكان أحد بني مرة بن عوف. وكان في تلك الغزوة غزوة مؤته قال: والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء. ثم عقرها ثم قاتل حتى قتل وهو يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها
…
طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها
…
كافرة بعيدة أنسابها
عليَّ إذ لاقيتها ضرابها
قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم: إن جعفر بن أبي طالب أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل رضي الله عنه وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله جناحين في الجنة يطير بهما حيث يشاء. ويقال: إن رجلا من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه نصفين.
قال ابن إسحاق: (وبالسند السابق):
فلما قتل أخذ الراية عبد الله بن رواحة، ثم تقدم بها، وهو على فرس فجعل يستنزل نفسه ويتردد بعض التردد، ثم قال:
أقسمت يا نفس لتنزلنه
…
لتنزلن أو لتكرهنه
أن أجلب الناس (2) وشدوا الرنة (3)
…
ما لي أراك تكرهين الجنة
قد طال ما قد كنت مطمئنة
…
هل أنت إلا نطفة من شنة (4)
وقال أيضا:
يا نفس إلا تقتلي تموتي
…
هذا حمام الموت قد لقيت
وما تمنيت فقد أعطيت
…
إن تفعلي فعلهما هديت
يريد صاحبيه زيدا وجعفرا، ثم نزل، فلما نزل أتاه ابن عم له بعرق (5) من لحم فقال: شد بهذا صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده ثم انتهس (6) منه نهسة، ثم سمع الحطمة (7) في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا! ثم ألقاه من يده ثم أخد سيفه فتقدم.
(1) عقرها: ضرب قوائمها وهي قائمة بالسيف.
(2)
أجلب الناس: صاحوا واجتمعوا.
(3)
الرنة: صوت ترجيع شبيه بالبكاء.
(4)
الشنة: السقاء البالي.
(5)
العرق: العظم الذي عليه بعض اللحم.
(6)
انتهس: أخذ منه بفمه يسيرا.
(7)
الحطمة: صوت ازدحام الناس وحطم بعضهم بعضا.
فقاتل حتى قتل.
ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم أخو بني العجلان فقال: يا معشر المسلمين اصطلحوا على رجل منكم. قالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد. فلما أخذ الراية دافع القوم وحاشى بهم (1)، ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف الناس.
وقد أورد ابن كثير روايات البخاري والنسائي والبيهقي حول نهاية الغزوة وبعض جزئياتها نسوقها لتستكمل صورة هذه المعركة.
وروى البخاري عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبر فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب ثم أخذها ابن رواحة فأصيب، وعيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم.
وروى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة مؤته زيد بن حارثة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قتل زيد فجعفر، وإن قتل جعفر فعبد الله بن رواحة قال عبد الله: كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى ووجدنا في جسده بضعا وتسعين من ضربة ورمية.
وروى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: سمعت خالد بن الوليد يقول:
لقد دق في يدي يوم مؤته تسعة أسياف وصبرت في يدي صفحة يمانية.
قال الواقدي حدثني عبد الجبار بن عمارة بن غزية بن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال: لما التقى الناس بمؤتة جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، وكشف له ما بينه وبين الشام فهو ينظر إلى معتركهم فقال أخذ الراية زيد بن حارثة فجاء الشيطان فحبب إليه الحياة وكره إليه الموت وحبب إليه الدنيا فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تحبب إلي الدنيا، فمضى قدما حتى استشهد، فصلى عليه رسول الله وقال: استغفروا له فقد دخل الجنة وهو شهيد، ولما قتل زيد أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة وكره إليه الموت ومناه الدنيا، فقال الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين يمنيني الدنيا، ثم مضى قدما حتى استشهد فصل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: استغفروا لأخيكم فإنه شهيد دخل الجنة وهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت حيث يشاء ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة فاستشهد ثم دخل الجنة معترضا فشق ذلك على الأنصار فقيل يا رسول الله: ما اعتراضه؟ قال: لما أصابته الجراح نكل فعاتب نفسه فتشجع واستشهد ودخل الجنة فسري عن قومه.
(1) حاشى بهم: انحاز بهم.
وقال الواقدي حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه قال:
لما أخذ الراية خالد بن الوليد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآن حمي الوطيس.
قال الواقدي وحدثني العطاف بن خالد قال: لما قتل ابن رواحة مساء بات خالد بن الوليد فلما أصبح غدا وقد جعل مقدمته ساقته وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته. وميسرته ميمنته فأنكروا ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين (1).
لقد كان قدر هذا الجيل أن يواجه أمم الأرض بهذا الدين وها نحن الآن أمام منعطف جديد في تاريخ دولة الإسلام هو الصدام المباشر مع الروم، ويحسن أن لا يغيب عن البال أن السبب لهذه المعركة هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الحارث بن عمير الأزدي بكتابة إلى عظيم بصرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، وكان عاملا على البلقاء من أرض الشام من قبل قيصر، فأوثقه رباطا ثم قدمه فضرب عنقه (2).
فالمعركة إذن نتجت عن الدعوة. ومقتل فرد مسلم يعني عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حربا ضروسا مع المعتدين، ولعل هذا المعنى لا يغيب عن أذهان بعض الدعاة الذين يرون أن بالإمكان تجنب المعركة مع العدو إذا سالمناه وعرضنا عليه فكرنا فحسب.
إن الصدام مع أعداء الله أمر لا مفر منه. لكن تحديد وقت الصدام وإمكانيته يعود إلى قيادة الجماعة المسلمة. الفقه النبوي يعني أن مقتل جندي مسلم - وهو رسول إلى العدو - إشعال معركة ضارية وقد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين:
الأولى: يوم الحديبية حين بلغه أن عثمان رضي الله عنه قد قتل، وأخذ البيعة من جيشه على الموت وهذه المرة الثانية. فلا بد إذن من توطين الحركة الإسلامية نفسها على المواجهة وهو تأكيد من جهة ثانية على الدرس السابق، على أهمية الفرد المسلم عند قيادته وأن الجيش كله مستعد أن يخوض معركة للثأر له.
لكن الملاحظ أن هذا الأمر مرتبط بإمكانيات الجماعة المسلمة على ذلك ففي حالات الضعف كان كل ما يملكه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة، أو يدفعهم إلى الذهاب إلى النجاشي الذي لا يظلم عنده أحد، حتى والمسلمون دولة، قد تكون الدولة المسلمة عاجزة عن الثأر لشهدائها فمأساة بئر معونة والتي ذهب ضحيتها سبعون من خيار المسلمين لم يتمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الثأر لهم إلا بعد لأي.
لكن المعنى الأساسي يبقى ثابتا في التحام الصف المسلم، وقيمة الجندي فيه - إنه
(1) البداية والنهاية لابن كثير ج 4 ص 245، 246.
(2)
الرحيق المختوم 435.
حين تكون الظروف مواتية. فلا يجوز أن يذهب دم الشهيد هدرا، ولا بد أن يثأر له.
ونقف أمام هذا العدد الضخم الذي تحرك للقاء الروم، فلم يتحرك جيش خارج المدينة أكثر من ألف وخمسمائة مقاتل، وأكبر جيش حشده المسلمون داخل المدينة هو جيش الخندق وكان قوامه ثلاثة آلاف مجاهد، وها هو الجيش الإسلامي يتحرك اليوم مغادرا المدينة إلى الشام بثلاثة آلاف مجاهد، وهنا نشير إلى الفتح المبين في الحديبية. حيث تضاعف عدد الجيش الإسلامي بعد الحديبية بسنة ونصف على التقريب. وبدأت تظهر أسماء جديدة لم تكن تعرف من قبل فقائد ميمنة المسلمين في الحديبية قطبة بن قتادة وهو من بلى وهذا معنى مهم إذ القبائل التي تواجه المسلمين فيهم تجمع كبير من هذه القبيلة.
ونضيف في الحديث عن هذا الحشد إلى شعور الرسول صلى الله عليه وسلم بخطورة المواجهة مع دولة عظمى، فلن يصلح لهذه المواجهة عدة مئات.
ويؤكد هذا المعنى كذلك تعيين الأمراء الثلاثة فلم يسبق لرسول الله صلى الله عليه وسلم خلال المراحل السابقة أن عين أكثر من أمير على الجيش لكنه كان يعلم عليه الصلاة والسلام بما أوحى الله تعالى إليه أن الأمراء يلقون مصرعهم في هذه المعركة.
ولقد أدرك اليهود هذا المعنى حيث قال أحدهم: (إن الأنبياء في بنى إسرائيل كانوا إذا سموا الرجل على القوم فقالوا إن أصيب فلان ففلان. فلوا سموا مائة أصيبوا جميعا ثم جعل يقول لزيد: اعهد فإنك لا ترجع أبدا إن كان محمد نبيا قال زيد: أشهد أنه نبي صادق)(1) وقد يقول قائل كان بإمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تجنب هذه المواجهة مع العرب الغساسنة في الشام لكن الصورة المقابلة كذلك إن قتل هذا الرسول ولم يثأر له. فقد يدفع عرب الشام مع الروم إلى غزو المدينة. وكثيرا ما يكون الهجوم وسيلة ضخمة من وسائل الدفاع عن النفس.
وإذا كانت قوة الجيش تقاس بمعنوياته. فلن نجد أقوى من هذا الجيش والأصل أن يكون المسلمون اليوم في هذا الاتجاه عندهم بعض الخوف والتردد فهم يقدمون على حرب في البلقاء على تخوم الروم، واحتمال المواجهة واردة معهم. ولم يسبق لهم رصيد من التجربة في الحرب مع الروم أو الفرس والدولتان الكبريان آنذاك تتقاسمان الأرض ومع ذلك فقد كان أحد القادة الثلاث يبكي وقد حضره المسير، ولم يكن سبب بكائه جزعا من الموت إنما كان خوفا لما بعد الموت، خوفا من النار التي يرد عليها الناس جميعا:{وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا} وتصور الناس أن الدعاء بالسلامة هو الذي يثلج الصدر فقالوا له ولإخوانه: صحبكم الله ودفع عنكم وردكم إلينا صالحين. فكان جواب القائد الشاعر ابن رواحة
(1) البداية والنهاية لابن كثير ج 4 ص 241 عن البيهقي.
طلب الشهادة في أرض الشام والمغفرة.
هذه نفسية الجيش وقيادته قبل التحرك.
وكانت أزمته الثانية عندما بلغه التجمع الهائل وهو في معان وهو وجود حوالي مائتي ألف من العرب والروم قد تهيؤوا للقائهم ومضوا يناقشون الأمر وقالوا: نكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنخبره بعدد عدونا فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره ولم يكن من بين الحلول المطروحة أن يعودوا إلى المدينة. وكل ما يخشونه أن تكون المواجهة مغامرة غير جائزة أن يواجهوا هذا العدد الضخم بقوتهم الضئيلة. وما أعتقد أن جيشا في الأرض لا تنهار معنوياته أمام هذه المواجهة وبينهم هذا الفارق في العدد والعدة ولكن هذا الدين الذي ضرب جذوره في أعماق هذه العصبة المؤمنة، جعل منهم نموذجا آخر لا يبارى في التاريخ وجعل لدى الجيش تلك الأرضة التي تقبل قول الأمير الشاعر ابن رواحة رضي الله عنه.
(والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة. وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة).
وأمكن لهذه الكلمة أن تفعل في الجيش كله فعل السحر، وانطلق الجيش للمواجهة قائلين قد والله صدق ابن رواحة.
إن فكرة الشهادة والأمل برضوان الله تعالى ودخول الجنة قد أثبت التاريخ عمليا أنها أقوى دافع في هذا الوجود للمواجهة والموات. لأن المسلم على يقين أن ما عند الله خير وأبقى للمسلم من كل شيء فلا يتوانى لحظة واحدة عن الإقبال على الموت تغمره السعادة ويحدوه الرضا بقضاء الله وقدره. وكلا الأمرين لا يدري أيهما أحب إليه النصر أو الشهادة. وهذه الروح المعنوية التي رافقت الجيش المسلم في كل معاركه هي التي رجحت كفته دائما على عدوه. ودانت له الأرض بسبب ذلك.
وكانت الأزمة الثالثة العنيفة لحظة المواجهة؛ أو المفروض أن تكون الأزمة لكن الروح المعنوية العالية، على ما تذكر الروايات، لم تفارق الجيش وهو بعدده الضئيل أمام ذلك الجيش العرمرم وكانت القيادات من الكفاءة بحيث تتسابق أمام جنودها على الموت. وكأنما هي تتجهز له تجهز العروس لعروسه.
(قال ابن إسحاق: ثم التقى الناس فاقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شاط في رماح القوم.)
ومقتل قائد واحد خلال لحظات قليلة كفيل أن يعيد النظر في المواجهة حيث كان الأمر الثاني جعفر بن أبي طالب. لكن شوق الجنة هو الذي حدا بجعفر رضي الله عنه أن يقتحم عن فرسه الشقراء ويتراقص فرحا بالجنة وهو يواجه العدو:
يا حبذا الجنة واقترابها
…
طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها
…
كافرة بعيدة أنسابها
عليَّ إذ لاقيتها ضربها
واستشهد القائد الثاني فجرى بعض الفتور في هذه الروح المعنوية عند ابن رواحة، وكان الفرق واضحا بين طلبه الشهادة وهو في المدينة وبين معاينتها وهو في مؤتة. لقد كانت الرؤى الشعرية الوجدانية عنده أقوى من الواقع العملي. فراح يبرز خلجات نفسه في هذا الحديث الرائع
أقسمت يا نفس لتنزلنه
…
لتنزلن أو لتكرهنه
قد طال ما قد كنت مطمئنة
…
مالي أراك تكرهين الجنة
ولم يكتف بهذا الحديث النفسي، فراح ينقل حديثا آخر:
يا نفس إلا تقتلي تموتي
…
هذا حمام الموت قد لقيت
إن تفعلي فعلهما هديت
…
أو تعرضي عنهم فقد شقيت
ولكن مهما تزعزع القائد إذا كان له من إيمانه ما يعصمه. فلابد من الثبات بعد ذلك وهذا ما جرى لدى ابن رواحة فقد طغى التدفق الإيماني عليه، وانخرط في القتال حتى قضى شهيدا في سبيل الله.
وكانت الأزمة الأخيرة، وهذه الروح المعنوية العالية كفيلة أن تحطم أي روح مهما سمت، وبعد مقتل الأمراء الثلاثة وانتهاء القيادة من المعركة. لم يعد إلا ذبح هذا الجيش كله. فمن هؤلاء من مضى لائذا بالفرار إلى المدينة لكن أكثرية الجيش عادت فتمالكت. وأخذ الراية ثابت بن أقرم رضي الله عنه، وهو يحس بثقل الأمانة.
(وصاح: يا للأنصار. فأتاه الناس من كل وجه وهم قليل، وهو يقول: إلي أيها الناس فلما نظر إلى خالد بن الوليد قال: خذ اللواء يا أبا سليمان! فقال: لا آخذه أنت أحق به، أنت رجل لك سن، وقد شهدت بدرا قال ثابت: خذه أيها الرجل. فوالله ما أخذته إلا لك فأخذه خالد ..)(1)
وهكذا استطاع هذا الجيش المسلم أن يواجه ذلك البحر المتلاطم من البشر بتلك الروح
(1) امتاع الأسماع ج 1: 348.
المعنوية العالية التي لم يرو لها التاريخ مثيلا إلا في المحضن الإسلامي.
والذي نؤكده بحمد الله عز وجل أن هذه الروح المعنوية العالية بقيت خلال خمسة عشر قرنا في الأجيال الإسلامية يرثها الجيل بعد الجيل. وما تنبت فئة مؤمنة بالإسلام إلا ووجدت في صفوفها هذه الروح، حتى جيلنا المعاصر. فلم يعرف تاريخ الحركات السياسية اليوم بطولة نادرة واستبسال منقطع وضحايا في سبيل الهدف كما عرف تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة. وثرى فلسطين وأفغاسسان وحماة هي أصدق شاهد على ما نقول.
وإذا كان جيش العقيدة بهذه الروح المعنوية العالية فهو جيش المبادىء التي بقيت معلما للبشرية خلال تاريخها الطويل حتى صحت البشرية اليوم ووضعت مبادىء في أصول الحرب، لم ترتفع بعد إلى المستوى الإسلامي فوصية النبي صلى الله عليه وسلم للجيش المعد لمقابلة أمم الأرض. توضح أن الهدف الأعظم فيه هي نشر هذه العقيدة وإبلاغ هذا الدين على يد هذه العصبة المؤمنة التي هيأها الله تعالى لذلك. (فادعهم إلى الإسلام فإن فعلوا فاقبل منهم واكفف عنهم) ليس الأمر طمعا في مال أو أرض أو جاه إنما دعوة الناس إلى الدخول في دين الله.
وحين يحال بين الناس وبين دين الله فلا أقل من ألا يحال بينهم وبين شريعة الله والخضوع لهذه الشريعة من خلال الجزية كاف لإنهاء الحرب والكف عن الدماء.
وما لم يكن هذا ولا ذاك، فمن يحارب شرعة الله تعالى يحارب، ولا يجوز لجيش المبادىء أن يخالف المبادىء التي انطلق لتحقيقها والدعوة إليها ومن أجل ذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الجيش عن الإخلال بهذه المبادىء قائلا: (لا تغدروا ولا تغلوا، ولا تقتلوا وليدا
…
وستجدون رجالا في الصوامع معتزلين الناس فلا تتعرضوا لهم، ولا تقتلن امرأة ولا صغيرا ضرعا ولا كبيرا فانيا) (1).
فهؤلاء الذين نشدوا السلامة وهجروا الحرب كالوليد والمرأة والشيخ الفاني والمتبتل للعبادة. ليس هم الإسلام القضاء عليهم بل هو يحارب من أجلهم، ويقاتل الذين يشرعون سيافهم ورماحهم في وجه هذه العقيدة وهذه الشريعة، ويحولون بين الناس وبين دين الله وشرعته. ولا يقتل من المدنيين إلا دعاة البغي والانحلال (وستجدون آخرن في رؤوسهم مفاحص فاقلعوها بالسيوف).
وهؤلاء الذين انطلقوا في الأرض وابتعثهم الله ليخرجوا من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ليسوا أوصياء على البشرية حين تستجيب لهم البشرية، ولا يعني براءتهم من الخطأ، وأنهم الناطقون باسم الله، بل هم بشر ممن خلق ومن أجل هذا يدعوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن ينزلوا الناس على ذممهم لا على ذمة الله ورسوله، وبذلك يكون الخطأ عليهم لا على هذا الدين الذي
(1) إمتاع الأسماع ج 1: 349.
مضوا يدعون إليه صلى الله عليه وسلم ويدعوهم إلى أن ينزلوا الناس على حكمهم لا على حكم الله ورسوله (فإنك لا تدري أتصبب فيهم حكم الله أم لا).
وبذلك يلتصق الخطأ بالإنسان لا بعقيدته، بالقائد لا بدينه.
وهكذا نرى أن هذا الجيش المسلم هو كتيبة دعاة حضرت إلى أرض الشام لتتابع رسالة المسلم الشهيد الذي قضى نحبه وهو يبلغ رسالة رسول رب العالمين.
ولا نستطيع ونحن نتحدث عن مؤته إلا الوقوف عند أبطالها الكبار.
فلقد كان زيد رضي الله عنه مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أخص خاصته. فلقد كان حب رسول الله صلى الله عليه وسلم له حبا مشهورا عند الصحابة جميعا فيطلقون على ابنه أسامة الحب ابن الحب. وهو أول مولى على الأرض أشرق قلبه بنور الإسلام، والمهمات الصعبة كانت عليه، فهو المكلف بعد بدر بإحضار أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قلب مكة، وحين يحدق الخطر في أشد أهواله، فليكن رجل المهمات الصعبة على رأسه، وحين يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه المخاطر أحب الناس إليه، لا يضن الناس بمهجهم وأرواحهم بين يدي رسول الله عليه الصلاة والسلام.
وكان الرجل الثاني
…
طرازا رفيعا من الرجال.
إنه جعفر بن أبي طالب، الذي شهدناه داعية إلى الله عز وجل في الحبشة، ورئيس الجالية الإسلامية فيها، وأكرمه الله تعالى أن تسلم الملوك على يديه فهو الذي أوضح الإسلام للنجاشي، فاعتنقه، ولم نشهده إطلاقا مقاتلا في معركة، إنه سفير فوق العادة لفترة خمسة عشر عاما خلت في أرض الغربة لسانا ووطنا ودينا، إذا به اليوم قائد معركة.
وليس في الإسلام ذلك الخط الفاصل بين السياسي والجندي والقائد. فكل مسلم هو جندي في المعركة مهما علت مرتبته واختلفت وظيفته، ولا ننسى أنه لم يمر على انضمام جعفر للصف الإسلامي في المدينة السنة، أو تزيد قليلا عن ذلك فقد وصل خيبر بعد الفتح، وكانت خيبر في ربيع الأول لسنة سبع وكانت مؤتة لجمادى الأولى سنة ثمان.
عام واحد فقط. متع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه برؤية حبيبه جعفر، ويكفي أن نعرف مبلغ حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لجعفر، بعد غربة خمسة عشر عاما عنه. إن رؤيته له كانت تعادل هزيمة اليهود، فقال عليه الصلاة والسلام:(والله ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر) وعلى شدة هذا الحب، وعلى طول تلك الغربة، عندما لاحت بوارق الصدام مع الروم فكان الرجل الثاني لذلك جعفر بن أبي طالب، وكان الدرس العملي، الأضخم أن يكون المولى زيد بن حارثة أميرا على جعفر بن أبي طالب القرشي الهاشمي.
وقد شهدنا جعفر رضي الله عنه يمضي من أرض الغربة إلى أرض الغربة فيسلخ قرابة
نصف عمره فيها، وحين يحين القتال، وهو لم يخض معركة من قبل قط، يبدي من ضروب البسالة والقوة والمقاومة ما تتصاغر أمامه الصناديد الأبطال، يأخذ الراية بيمينة فتقطع، ثم يأخذها بشمال فتقطع، ثم يأخذها بعضديه، ثم يسقط شهيدا وقد أفضى إلى ربه وقد انشق نصفين، فلم يجد إخوته المؤمنون حرجا أن ينظروا إلى عدد طعناته ورمياته فكانت تسعين ما بين ضربة سيف وطعنة رمح.
وكان لا بد لأنصار الله ورسوله من أن يشاركوا في هذا الشرف العظيم على مستوى القيادة فكان الأمير الثالث هو شاعر الإسلام العظيم عبد الله بن رواحة.
وأن تكون قيادة الجيش بين مولى وسفير وشاعر، ليؤكد أن طاقات الإسلام كلها في خدمة المعركة. وأن وقودها في حالة الخطر هو كل شباب الإسلام.
وحافظ ثابت بن أقرم الأنصاري بعد عبد الله بن رواحة الأنصاري على الراية حتى دفعها في صدر خالد بن الوليد.
وإذا كانت الغرابة عندنا أن ينضم جعفر رضي الله عنه وهو من أوائل من أسلم إلى جيش مؤتة بعد سنة من عودته. لكن الأغرب أن يكون خالد بن الوليد في هذا الجيش ولما يمض ثلاثة أشهر على انضمامه للصف الإشلامي بعد حرب عشرين عاما ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلقد أسلم في صفر ثمان للهجرة. وتحرك للحديبية في جمادي الأولى سنة ثمان للهجرة كذلك، أي أنه أمضى في مدرسة النبوة فقط شهر ربيع الأول وربيع الثاني وبقايا صفر وجمادى. هذه هي كل حياته في الصف الإسلامي، ولو كان في الحركة الإسلامية اليوم لما حق له أن يوجه أسرة بله يقود معركة.
لقد مضى خالد رضي الله عنه بعزيمة الرجال يريد أن يطوي تلك الصفحة السوداء من حياته ليكتب صفحة جديدة من نور تغسل تلك الصورة القاتمة عن ماضيه في الصد عن سبيل الله، ومن أجل ذلك فما أن لاحت بوارق التعبئة لمؤته حتى كان من أوائل المنضمين لهذا الجيش. ونفسه تتوق إلى تلك اللحظة التي يشهر فيها سيفه في سبييل الله.
ولكنه قدر الله تعالى الذي ادخر هؤلاء الرجال لهذه الأزمات
…
لم يكن يدري ابن الوليد أنه سيكون في موقع الاختبار ومنذ اللحظات الأولى، في موضع لقيادة العليا في الجيش، والغريب أن الذي اختاره لذلك هو أنصاري بدري ورضي المسلمون بذلك. وكانت مفاجأة مذهلة لخالد، هكذا وبكل هذه البساطة يغدو قائدا لجيش محمد عليه الصلاة والسلام، ويسلمه القيادة واللواء الأنصاري البدري ثابت بن أقرم، بل لم يدع المسلمون له لحظة اعتذار، فهو بطل المرحلة، والجيش الآن على أتون المذبحة الرهيبة بين يدي الروم لقد دفع إليه اللواء. والمسلمون معدون للفناء بسيوف الروم.
وظهرت معادن الرجال. وبطولات الرجال، وعبقريات الرجال.
ويا لعظمة هذا الدين.
خالد الذي هم قبل عام ونصف أن ينقض على محمد صلى الله عليه وسلم في صلاة العصر في الحديبية لينهي هذا الصابىء وجنده- على حد زعمه- يطلب منه الآن وبعد أقل من ثلاثة أشهر من إسلامه أن ينقذ جيش محمد صلوات الله وسلامه عليه من المذبحة المحتمة مذبحة الروم.
وخالد الذي انقض فعلا على محمد صلى الله عليه وسلم قبل خمس سنوات من الخلف وحطم النصر المؤزر الذي حققه المسلمون يطلب منه اليوم أن يعيد الكرة، فينقذ الجيش المنهزم المعروض للذبح من الفناء. مع فارق واحد هو إن جيشه الذي استعاد النصر فيه في أحد كان أربعة أضعاف جيش محمد صلى الله عليه وسلم بينما يطلب منه الآن أن يستعيد النصر بجيش قوامه ثلاثة آلاف مقاتل على جيش قوامه مئتي ألف أي يطلب منه أن يستعيد النصر على جيش يبلغ سبعون ضعفا من جيشه على التقريب ومع ذلك، فقد تحقق النصر، وفتح الله تعالى على يديه.
إن روايات السيرة تذكر إنه نجا بالجيش وفر فيه، لكن أصح الروايات، والتي سقنا ثلاث روايات منها في البخاري فقط، تؤكد أن فتح الله تعالى قد تم على يديه، وأن الروم قد هزموا هزيمة منكرة، بعد أن استعمل حيلته الحربية البارعة في فت عضد الروم بتغير مواقع جيشه.
ويجمع ابن كثير رحمه الله بين روايات السيرة التي تؤكد خروج أطفال المدينة لملاقاة الجيش بالحجارة لأنهم فروا من المعركة وبين روايات البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بانتصار المسلمين في أن فصيلة من هذا الجيش وفيها عبد الله بن عمر رضي الله عنه قد فرت بعد أن أطبق الموت عليها ونجت بأنفسها إلى المدينة، أما أكثرية الجيش فقد بقيت في أرض المعركة تذود عن حمى الإسلام، واستحق خالد رضي الله تعالى عنه في هذه المعركة أرفع وسام في الجيش الإسلامي، وأعلى رتبة ولم ينل هذا الوسام أحد بعده ولا أحد قبله، أعلنه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر. فقال:
(وأخذ الراية سيف من سيوف الله سله الله تعالى على المشركين، جعل الله النصر على يديه) إنها لقفزة هائلة في الميدان العسكري من جندي عادي مغمور إلى قائد فذ يقلده رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الوسام، ومضى معه حتى لقي به العرب والفرس والروم، فقال له قائد جيش الروم في اليرموك: هل أنزل الله سيفا من السماء فأعطاكه. فلا تسله على قوم إلا هزمتهم؟ ولم ينزل الله تعالى سيفا من السماء. بل أنيت هذا السيف من صلب الوليد بن المغيرة الذي هجاه الله تعالى في كتابه، ونقله بعد عشرين عاما من قلعة الشرك إلى قلعة الإيمان. فإذا معادن الرجال تبرز صارمة صارخة كما يقول عليه الصلاة والسلام: الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) (1).
(1) رواه البخاري في باب المناقب، ومسلم كذلك.
وتبدو أهية هذه السمة في هذه المرحلة في أنها كانت توطئة للفتح الأعظم في مكة، وكانت كذلك تهيئة للقبائل العربية أن تنضم للإسلام. ولا شك أن ارتفاع معنويات المسلمين قد بلغ الذروة بعد غزوة مؤتة. حيث حدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الفتح الذي تم على يد خالد رضي الله عنه على المنبر، وقبل وصول الجيش الإسلامي من مؤتة. وعاشت المدينة أفراح النصر وآلام
الضحايا في لحظة واحدة. وكان أطفال المدينة من اليقظة والوعي ما يضاهئون به يقظة ووعي أبطال الأرض، فمع الحيصة الأولى كانوا يقذفون الفصيل المنهزم بالحجارة ويقولون: أنتم الفرار في سبيل الله، ولم يخفف من وطأة هذا الهجوم إلا قول الرسول صلى الله عليه وسلم لهم: بل أنتم الكرارون إن شاء الله، ومع ذلك فقد عاشوا جوا من الهم والقلق. رغم عذر رسول الله صلى الله عليه وسلم. بينما خرج الأطفال أنفسهم يشتدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يستقبلون الجيش المنتصر وعلى رأسه سيف الله المسلول خالد بن الوليد.
والحركة الإسلامية اليوم بحاجة إلى أن تتدبر هذه المعاني العظيمة في هذه المعركة. وتبحث عن أفذاذ الرجال الذين يعدل الواحد منهم الألف بل المائة ألف. والذين غمروا أو حالت الظروف دون بروزهم وظهورهم، وقد يكون بين خصومها الأقوياء من يدخره الله تعالى ليكتب نصره على يديه فما ندري؟ إذ ما الذي يمنع من أن تتكرر تجربة أفلاذ كبد مكة مرة ثانية. ولعل في رجالها وشبابها المنتثرين في أراضي الغربة في أوربة وأمريكا من هو مؤهل لمثل هذه المواقع، وما أحوج الدعوة إلى أمثال جعفر الطيار، وسيف الله ابن الوليد.
لقد قال الله تعالى للمؤمنين الغاضبين الحانقين يوم صلح الحديبية:
{ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ..} (1). وتحقق موعود الله بالثورة الإسلامية التي قادها أبو بصير رضي الله عنه، وأنقذ الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات، وشاء قدر الله تعالى أن تتأجل المعركة كذلك رغم هم وغم المسلمين ثم كان الوعد الآخر.
{.. ليدخل الله في رحمته من يشاء} (2).
وأدخل الله في رحمته بعد الحديبية هذه النماذج خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة {لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما} (3).
إنها الأقدار .. ولعل أقدار الحركة الإسلامية في هذا الجيل حين يبطىء النصر. وتدلهم المحنة، ويفدح الخطب. أن تكون إرهاصات لأن يدخل الله في رحمته من يشاء. فيكون منعطفا في تاريخ الأمة والحركة، وينقذ الله تعالى الرجال المؤمنين والنساء المؤمنات. من براثن الكفر وأيدي
(1) و (2) و (3) الآية 25 من سورة الفتح.
الطغاة فيشاركون في معركة الحق الأبلج .. ويكونون الوقود الأساسي لمعارك الإسلام وهم عشرات الألوف.
وفي أعقاب مؤتة وعلى خطاها كانت غزوة ذات السلاسل، وكان بطلها فلذة كبد مكة الثاني عمرو بن العاص (وقد ذكرها الحافظ البيهقي ها هنا قبل غزوة الفتح فساق من طريق موسى بن عقبة وعروة بن الزبير قالا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل من مشارف الشام في بلى وعبد الله ومن يليهم من قضاعة. قال عروة بن الزبير وبنو بلى أخوال العاص بن وائل، فلما صار إلى هناك خاف من كثرة عدوه فبعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستمده فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرين الأولين فانتدب أبو بكر وعمر في جماعة من سراة المهاجرين رضي الله عنهم أجمعين، وأمر عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عبيدة بن الجراح. قال موسى بن عقبة، فلما قدموا على عمرو قال: أنا أميركم وأنا أرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم استمده بكم. فقال المهاجرون، بل أنت أمير أصحابك وأبو عبيدة أمير المهاجرين. فقال عمرو: إنما أنتم مدد أمددته. فلما رأى ذلك أبو عبيدة، وكان رجلا حسن الخلق لين الشكيمة - قال: تعلم يا عمرو أن آخر ما عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: إذا قدمت إلى صاحبك فتطاوعا. إنك إن عصيتني لأطيعنك فسلم أبو عبيدة الإمارة لعمرو بن العاص.
قال الواقدي: حدثني ربيعة بن عثمان عن يزيد بن رومان أن أبا عبيدة لما آب إلى عمرو بن العاص فصاروا خمسمائة فساروا الليل والنهار حتى وطىء بلاد بلى ودوخها. وكلما انتهى إلى موضع بلغه أنه قد كان بهذا الموضع جمع فلما سمعوا بك تفرقوا حتى انتهى إلى أقصى بلاد بلى وعذرة وبلقين. ولقي في آخر ذلك جمعا ليس بالكثير فاقتتلوا ساعة، وتراموا بالنبل ساعة، وحمل المسلمون عليهم فهزموا، وأعجزوا هربا في البلاد وتفرقوا ودوخ عمرو ما هناك وأقام أياما لا يسمع لهم بجمع ولا مكان صاروا فيه. وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاة والنعم فكانوا ينحرون ويذبحون. ولم يكن في ذلك أكثر من ذلك. ولم تكن غنائم تقسم.
وقال أبو داود عن .. عمرو بن العاص قال: احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي الصبح فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عمرو وصليت بأصحابك وأنت جنب؟ قال: فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت إني سمعت الله يقول: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} (1) فضحك نبي الله ولم يقل شيئا.
وقال الحافظ البيهقي عن أبي عثمان النهدي سمعت عمرو بن العاص يقول: بعثني رسول
(1) النساء (29).
الله صلى الله عليه وسلم على جيش ذات السلاسل وفي القوم أبو بكر وعمر، فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على أبي بكر وعمر إلا لمنزلة لي عنده، قال فأتيته حتى قعدت بين يديه قلت: يا رسول الله! من أحب الناس إليك، قال: عائشة. قلت: إني لست أسألك عن أهلك قال: فأبوها، قلت: ثم من قال: عمر، قلت: ثم من؟ حتى عدد رهطا. قال. قلت في نفسي لا أعود أسأل عن هذا.
وقد خرجاه في الصحيحين، وفي رواية: فسكت مخافة أن يجعلني آخرهم (1).
فقد كانت ذات السلاسل على غرار مؤتة وللهدف نفسه. ونجد هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يختار عمرو مباشرة ليعجم عوده في الخط الإسلامي، وبطبيعة عمرو الحذرة الداهية طلب المد حيطة لما بلغه من كثرة العدو، وكان مددا من خيار أهل الأرض فمعظمهم من المهاجرين الأولين وأمر عليهم أبو عبيدة وفيهم أبو بكر وعمر.
إنها ليست معركة، أو ساحة تدريب، إنها مدرسة تربوية فذة يشهد فيها عمرو بن العاص ابن الثلاثة أشهر في حضن الإسلام. كيف يمد بخيرة أهل الأرض أبي بكر وعمر، ويشمخ أنفه أن يكون أميرا على الذين أمضوا قرابة عشرين عاما في حضن الدعوة، ولا يرضى أن يكون تبعا لأبي عبيدة وعظمة أبي عبيدة وسماحته ووصية رسول الله صلى الله عليه وسلم له أن لا يختلفا دفعته للقول: لئن عصيتني لأطيعنك، وسلم إمرة الجيش لعمرو بن العاص الذي كان قبل فترة وجيزة يخطط لضرب عنق رسول محمد صلى الله عليه وسلم في الحبشة.
ومن حيث الحرب فلقد أبدى إمكانات فائقة ونفذ الهدف المرسوم كله ووطىء أرض قضاعة إذ كان مهيأ لذلك فأمه أو أخواله من بلى من قضاعة.
إن أحداث المعركة وتحقيق أهدافها العسكرية لا يعنينا كثيرا بمقدار ما يعنينا بناء هذا الصف المسلم.
هذا الصف الذي دخله من جديد أفواج ضخمة بالألوف وفيهم من الشخصيات النابهة أمثال خالد وعمرو. إنه مجتمع يبنى بسرعة فائقة. ويعد لحرب طاحنة فيما بعد فلا بد أن ينصهر هذا المجتمع الجديد، وتتمكن القاعدة الصلبة الأولى أن تضم هذه العناصر الجديدة، وتتكيف معها وتكيفها مع الإسلام، لا بد أن يقوم الرعيل الأول بالتجارب الرائدة الفذة، بالإيثار المطلوب، بالتضحية المناسبة بالبعد عن مراكز الشهرة ليتيح للطاقات الجديدة أن تأخذ مداها وحجمها وتبرز مكنون مواهبها.
واستطاعت هذه القاعدة الصلبة التي لم تكن تتجاوز ثلاثة ألاف أن تفتح صدرها لثلاثة
(1) البداية والنهاية لابن كثير ج 4 ص275،276.
أضعافها خلال هذين العامين، وسرعة هائلة امتصت هذه الطاقات دون أن يقع الصراع، أو يقع التصادم، أو تبرز الأنانيات، والصراع على السلطة فيكون أبو بكر وعمر وأبو عبيدة رضي الله عنهم جنودا تحت إمرة عمرو بن العاص.
نكتب هذا الكلام وتقف الذاكرة عند واقع الحركة الإسلامية المعاصرة لتنهج هذا النهج وإني لأتصور بعض قادة الكفر وقد هداه الله تعالى للإسلام. كيف تكون نظرة الشباب المسلم الحادة له، وتبالغ في الصفاء والنقاء والحديث عنه لدرجة تتهم فيها قيادة الحركة بممالأة الأعداء والانطلاق في تيار الاحتواء. وأتصور كذلك هذه العواطف الصادقة، وقد شهدت مثل حادثة الصلاة التي صلاها عمرو رضي الله عنه. حتى ليصلي بعد التيمم، ويظهر أن الأمر لم يكن واضحا للقاعدة الإيمانية بجواز التيمم على الجنابة، ومن أجل هذا كان الأمر مستغربا، ووصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسأله: أصليت بالناس وأنت جنب؟
ومن ظاهر جواب عمرو رضي الله عنه أنه اجتهد دون الاستناد على حكم ثابت بجواز التيمم عن الجنابة ولذلك ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم اعتماده على قول اله عز وجل {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} وضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا.
لقد أقر عمرا على اجتهاده وليس ضحكه إلا دعابة له وموافقة على سلوكه.
أقول لو جرت مثل هذه الحادثة في الصف المسلم اليوم، وأقدم قائد حديث العهد بالإسلام على هذا الأمر فصلى بالناس وهو جنب لاتهمت قيادة الجماعة بالكفر البواح ولخرج أكثر الصف على هذه القيادة.
فالحركة الإسلامية اليوم تعاني أزمة ثقة ضخمة بقياداتها والأصل أنها تضعها موضع الشبهة والظنة والتهمة، في صلاتها مع خصومها.
وما أحوج شباب الحركة الإسلامية الذين هم وقود معاركها، أن يفتحوا صدرهم لمثل هذه الحادثة من السيرة، ويروا أكبر أعداء الإسلام، قد صار بعد ثلاثة أشهر من إسلامه أميرا على المهاجرين الأولين وفيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وأمثالهم، ثم يصلي بالناس على جنابته بعد التيمم ويقتدي به الهاجرون الأولون.
إن هذه التجربة الرائدة في تاريخ الأمم ما كانت لتنجح في إضافة ثلاثة أضعافها ونيف خلال سنتين وتأخذ هذه الأعداد موقفها الحقيقي في الصف وتقدم كل طاقاتها في سبيل الله، لو لم تكن القاعدة الصلبة الأولى على المستوى المطلوب من الانضباط والالتزام والطاعة والصبر والإيثار والتفاني في سبيل الله وغياب الذات.
ونحن لا ننفي إطلاقا بل نقول إن الدور الأضخم والأكبر الذي ساعد هذه القاعدة على تمثل هذه العناصر الجديدة هو شخص القائد الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم الموحى إليه من الله تعالى، ومن أجل ذلك لا يقف الجندي المسلم ليفكر لحظة في مناقشة الأمر طالما أنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه يفكر في كيفية التنفيذ وسرعته في التو واللحظة.
فأبو عبيدة رضي الله عنه لم يقف ليوازن كثيرا نتائج تنازله عن الإمرة لعمرو، واحتمالات أخطائه الكثيرة وهو الجديد على الإسلام، بل كانت وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم منارا هاديا له:(لا تختلفا، تطاوعا). فاستجاب على التو وقال. لئن عصيتني لأطيعنك.
وتبدو أهمية التربية لهؤلاء القادة الكبار الذين انضموا للصف الإسلامي من جديد من خلال العرض الأخير الذي عرضه لنا عمرو رضي الله عنه، إذ حدثنا صراحة أن إمرته على أبي بكر وعمر وأمثالهم جعلت لديه غرورا بأنه أفضل من هؤلاء جميعا. أو على الأقل أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، ولكي يؤكد هذا المعنى. يأتي ليسأل نبي الله عليه الصلاة والسلام عن أحب الناس إليه. وكان يتوقع الجواب أن يكون هو ذلك الإنسان فإذا به يفاجأ بأن أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عائشة زوجه هو جنديه الذي كان تحت إمرته أبو بكر وجنديه الذي كان تحت إمرته عمر، وجنديه الذي كان تحت إمرته أبو عبيدة، وعدد رهطا من الصحب، واستحيا عمرو من ذكر هؤلاء الرهط حتى توقف عن الاستفسار خشية أن يكون آخرهم، وكان لا بد أن يتلقى عمرو في مدرسة النبوة هذا الدرس الشديد حتى يفرق بين المهمة المحددة والموقع الأصيل، يفرق بين التكليف والإكرام وبين الثقة بالمجاهدين الأولين الذين أمضوا حياتهم وأفنوا عمرهم في سبيل الله.
واكتفى بهذه الإجابات لتجعله ضمن المدى الذي حدد له، ورضي الله عنهم أجمعين.
فلم يغضب ولم تتحرك الجاهلية في كيانه، بل أصبح لاحقا بهذا الرعيل، فيقدم لنا ذاته بخطأ تصوره وعظمة إكباره للشيخين أبي بكر وعمر، وإخوانهما من المهاجرين الأولين.
وليستفد الشباب المسلم من هذا الدرس كذلك، وليضعوا ذاتهم خلفهم وليتقبلوا تقويم قيادتهم لهم في المهمات والملمات دون أن يضعوا أنفسهم فوق ما يستحقون ودون أن يحملوا على قيادتهم حين لا تستجيب لأهوائهم كما يشتهون.
ونعرض أخيرا هذه الجوانب الجزئية كلها لتنضم في إطار هذه السمة التي لاحظنا خطوطها العريضة في مواجهة الروم، وفي بناء الصف الداخلي المتلاحم المذهل، وأن هذه التوطئة قد كانت إيذانا بالتوجه نحو مكة لتحقيق الفتح الأكبر، وكان جنود المرحلة الأولى كأنما كلف كل واحد منهم بالعديد من إخوانه يثقفه فقها ويربيه سلوكا. وينصحه قدوة ويبنيه مسلما مخلصا
خالصا من براثن الجاهلية لتتسع القاعدة الصلبة المتجهة إلى مكة إلى عشرة آلاف مقاتل.
والحركة التي تعجز عن استيعاب عناصرها الجديدة، سوف تنفصم وتتشرذم إلى جماعات عدة.
وحركتنا الإسلامية التي تعاني من هذا الداء العضال، يحسن أن تفقه هذا الدرس وتخطط للاستيعاب الحقيقي للطاقات الجديدة الفتية. قبل أن تأكلها هذه الطاقات وتقضي عليها. بدل أن تكون البنيان المرصوص الجديد.
***