المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌السمة الثالثة: الزواج وأثره في الدعوة - المنهج الحركي للسيرة النبوية - جـ ٣

[منير الغضبان]

فهرس الكتاب

- ‌تمهيد

- ‌المرحلة الثانية: الجهاد السياسي وانتصار الرسالة

- ‌السمة الأولى: التحدي المعنوي للمشركين

- ‌السمة الثانية: حديث الإفك

- ‌السمة الثالثة: الزواج وأثره في الدعوة

- ‌السمة الرابعة:الصف الداخلي القوي من خلال صلح الحديبية

- ‌السمة الخامسة:الاعتراف الرسمي من الوثنية بدولة الإسلام

- ‌السمة السادسة: حرب المستضعفين

- ‌السمة السابعة:الإعلان العالمي للإسلام: مراسلة الملوك والأمراء

- ‌السمة الثامنة: تجمع القوى والثقة بالنصر

- ‌السمة التاسعة:إنهاء الوجود اليهودي في جزيرة العرب: غزوة خيبر

- ‌السمة العاشرة:قيادات العدو تنضم إلى الإسلام

- ‌السمة الحادية عشرة: الصدام الأول مع الروم - مؤته

- ‌السمة الثانية عشرة: نصر الله والفتح: فتح مكة

- ‌السمة الثالثة عشرة:إنهاء الجيوب الوثنية المتبقية

- ‌السمة الرابعة عشرة:الجزيرة العربية تدخل في الإسلام

- ‌السمة الخامسة عشرة:التحدي الأكبر للروم في غزوة تبوك

- ‌السمة السادسة عشرة:سورة براءة وإنهاء الوجود الوثني

- ‌السمة السابعة عشرة:الحج الأكبر ومائة وثلاثون ألفا من المسلمين

- ‌السمة الثامنة عشرة:إلى الرفيق الأعلى بعد إتمام النعمة

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌السمة الثالثة: الزواج وأثره في الدعوة

وحين ووجهت بالأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألها عن الحديث فقالت:

(إني والله قد علمت أنكم سمعتم بهذا الحديث، فوقع في أنفسكم فصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر يعلم الله أني منه بريئة لتصدقنني. وإني والله ما أجد لي مثلا إلا أبا يوسف إذ يقول: فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون).

إنها مواقف لا يحمل التاريخ لها مثيلا من أطهر أهل الأرض يوصمون بشرفهم وعرضهم.

ومع ذلك فلم يخرج أحد منهم عن طورره، ولا أطلق لسانه في عرض أحد، وضبط كل واحد منهم أعصابه، وأما الذي خرج عن طوره فهو صفوان بن المعطل رضي الله عنه، وضرب حسان بالسيف وكاد الأمر أن يستفحل لولا أن عالجه رسول الله عليه الصلاة والسلام.

إنه أدب الإسلام العظيم مع الذين يرددون الإشاعة ويسيرون في الإفك قبل أن تعرف أنها إفك أوإشاعة.

سادسا: والموقف الأخير الذي نستخلصه من حديث الإفك هو عقوبة المفترين اللاغطين المثيرين للفتنة. فلا يكفي أن تثبت براءة المتهم، ولا يكفي أن تدفع القيادة عنها قالة السوء وانتهى الأمر.

بل لا بد في الصف المسلم من العقوبة الصارمة مع من يثير الإشاعة ويسعى في نشرها بعد التثبت منها. وما تعانيه الحركة الإسلامية اليوم هو إهمال ملاحقة مثير الإشاعة وناقل الإفك، وبذلك لا تنتهي الجماعة من فتنة إلا وتقع في أخرى. ويكفي أن نعلم أن حكم الإسلام كان في هؤلاء الثلاثة الذين ساروا في الإفك، مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش، أن أقيم عليهم حد القذف ثمانين جلدة، وإن كانت بعض الروايات تشير إلى أن هذا الحد طبق فيما بعد ولم ينفذ عليهم لأنهم خاضوا في التهمة قبل نزول الحدود.

والحديث عن هذه السمة يأتي في هذه المرحلة لأن تاريخ الدعوة لم يشهد مثيلا لها من قبل وفي الصف المسلم بالذات وطبيعة المرحلة إذن هي أن الإشاعة تسري حين يضعف البناء الداخلي ويستجيب لها. لكن عندما تنشغل الأمة بالجهاد والمواجهة. فقلما تستطيع الإشاعة أن تفعل فعلها

في النفوس.

‌السمة الثالثة: الزواج وأثره في الدعوة

في هذه المرحلة تم زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم من خمس نساء هن:

زينب بنت جحش، أم حبيبة بنت أبي سفيان، جويرية بنت الحارث، صفية بنت حيي، ميمونة بنت الحارث، رضي الله عنهن جميعا.

ص: 11

وحين نقارن بين زواج هذه المرحلة وسابقتها، نلاحظ فرقا واضحا في الاتجاه يحدد ملامح المرحلة نفسها ونستطيع القول إن سمة الزواج في المرحلة السابقة ينصب على بناء وتمتين الصف الداخلي، بينما تظهر سمة الزواج في هذه المرحلة من خلال العمل على كسب الصف الخارجي وجعله معبرا لنشر الدعوة في الأرض العربية. ولنقف لحظات سريعة عند كل واحدة منهن:

أم حبيبة، رملة بنت أبي سفيان، وقد عقد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في أرض الحبشة وأكرم غربتها في سبيل الله بعد ردة زوجها عبيد الله بن جحش، وكونها ابنة زعيم قريش ذات دلالة ضخمة على تقريب القلوب وتأليفها من هذا القائد الكبير. ولقد رأينا أثر هذا الزواج قريب فتح مكة حيث جاء أبو سفيان ونزل ضيفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي بيت ابنته ولا يزال على شركه، وموقفه من الدعوة. ولا نشك أن موقف ابنته منه من خلال فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ورغم أنه جرحه في أعماقه. لكن كان له أكبر الأثر الخفي في أن يعيد النظر في مواقفه وعدائه للدعوة. وأن يفقه من خلاله عظمة هذا الدين وعظمة رجاله ونسائه.

لقد طوت فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي سفيان فقال لها:

(يا بنية أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني؟ قالت: بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأنت رجل نجس على شركك، فقال: والله لقد أصابك بعدي شر)(1).

وللتعرف على أثر هذا الزواج في نفس أبي سفيان نلاحظ أنه بعد إسلامه يعرض ابنته الثانية على رسول الله صلى الله عليه وسلم للزواج منها، فيعتذر رسول الله أنه لا يحل له ذلك.

زينب بنت جحش، وهي زوجة مولاه زيد، رضي الله عنه وقد هاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الزواج هيبة عظيمة تحدث عنها القرآن بقوله جل وعلا:(.. وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ..)(2) لكن الأمر الرباني جاءه بذلك ليحطم العادة المستأصلة في المجتمع عادة التبني من خلال الواقع العملي بعد القرار النظري ولتعلم الدنيا ذلك كما يقول القرآن الكريم.

{لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ..} (3)

وإن كان هذا الزواج يحتمل صفة البناء الداخلي فهو يحمل كذلك صفة البناء الخارجي إذ أن زينب رضي الله عنها هي أول امرأة غير قرشية يتزوجها عليه الصلاة والسلام فهي من بني أسد وإن كانت ابنة عمته.

(1) الرحيق المختوم ص 445.

(2)

و (3) الآية 37 من سورة الأحزاب.

ص: 12

جويرية بنت الحارث: وهي ابنة سيد بني المصطلق، وكان زواجها سببا في فداء أهلها وقبيلتها من الأسر، ثم سببا في إسلام قومها، ونستمع إلى أثر هذا الزواج عند ابن إسحاق رحمه الله: قال

وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوج جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار فقال الناس: أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرسلوا ما بأيديهم.

قالت: (أي عائشة: فلقد اعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق ، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها)(1).

صفية بنت حيي: وهي ابنة حيي بن أخطب أكبر أعداء الإسلام وقد قتل في بني قريظة لكن الزواج من صفية فيما بعد كان له آفاق أبعد وأعمق. إذ أنه ربط أهل الكتاب برابطة المصاهرة وعندما كانت عائشة رضي الله عنها تعير صفية بأنها من سلالة يهود كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب ويقاطعها ويقول لصفية قولي لها أن أبي موسى وعمي هارون.

وهذا العمل الاجتماعي الضخم يعني كثيرا في مفهوم الدعوة. ويعني أن التعايش بين المسلمين وبين أهل الكتاب قائم. ولو أدى إلى نكاح نسائهم. فالمرأة حين تعيش الإسلام سوف يصفو قلبها بعد وتدخل في الإسلام كما يتآلف قلب طائفتها في هذا المجتمع.

وعلى غرار هذا المستوى كان زواج رسول الله من مارية القبطية والتي ربط زواجها بأمة كاملة إذ قال:

(استوصوا بالقبط خيرا فإن لي فيهم نسبا وصهرا).

وقد أثرت هذه الدعوة فيما بعد وحدت بأهل مصر أن يدخلوا في دين الله أفواجا حين رأوا حسن معاملة المسلمين لهم تنفيذا لوصية رسول الله عليه الصلاة والسلام. وكان من حكمة الله تعالى في هذا الأمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرزق ولدا بعد خديخة إلا من مارية رضي الله عنها. وكان ولده إبراهيم قد استأثر بحب النبي صلى الله عليه وسلم. أكبر استئثار ولم يتمالك عليه الصلاة والسلام من القول بعد وفاته:

(إن العين لتدمع وإن القلب ليخشع، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزنون).

وتدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب. وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون).

(1) السيرة لابن هشام ج 3: 307 و 308.

ص: 13

ميمونة بنت الحارث الهلالية: وهي التي وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم. وقد حرص عليه الصلاة والسلام أن يستثمر هذا الزواج في تقريب قلوب قريش بعد عمرة القضاء إذ قال لهم عندما جاؤوا لإيذانه بالخروج من مكة:

(وما عليكم لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، وصنعت طعاما؟ فقالا: لا حاجة لنا في طعامك أخرج عنا: ننشدك الله والعهد الذي بيننا وبينك إلا خرجت من أرضنا)(1).

وهذه السمة ذات دلالة واضحة على الاتجاه العام في تأليف قلوب الخصوم وتقريبهم للإسلام وأن الجهاد السياسي قد يكون من وسائله الناجعة الزواج والمصاهرة من الخصوم.

وما أحوج شباب الإسلام إلى هذا الفقه السياسي والأفق الواسع في فهم طبيعة هذا الدين إن الشباب المسلم كثيرا ما يتحمس في قضية التميز والمفاصلة. حتى يتحجر على نفسه، وينغلق على ذاته، ويجعل سدا منيعا على أفراده، فلا يدخل في الصف الإسلامي أحد ولا يحرص على دخولهم في الأصل، وتسيطر عليه فكرة الحرب والكراهة لأعداء الله، وفكرة الإذلال والإهانة لهم، وينسى أنه داعية قبل كل شيء وأن هدفه الأخير كذلك أن يدخل الناس في دين الله أفواجا وبالتالي فلا بد أن يدرك الداعية أن هداية هؤلاء الخصوم ودخولهم في الإسلام هو الهدف الأول، وليس ذبحهم والقضاء عليهم، وأن تآلف كبار الخصوم وربح قلوبهم هو ربح لقلوب أتباعهم جميعا ونتمنى أن يفرق الأخ بين أساليب التأليف والتحبيب بالإسلام وبين أساليب المداهنة في دين الله والتنازل عن الإسلام في سبيل ذلك.

وشيء آخر ما أحوج دعاة الإسلام إليه. فالزواج نفسه قد مسخ عن مفهومه الأول واقترب في الواقع العملي وفي صفوف شباب الإسلام من الزواج الكهنوتي النصراني، حيث أن التعدد قد أصبح نشازا في الصف الإسلامي، وأصبح غريبا غربة اقتراف المنكر. وقادة الدعوة هم المثل المقتدى به في هذه الدعوة فلا بد أن يكونوا نماذج حية في تطبيق هذا الفهم النبوي في جعل الزواج والتعدد وسيلة من وسائل بناء الدعوة وتقريب القلوب والالتحام مع الخصوم والأصدقاء وما رأيناه من إقدام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الزواج من زينب وتحطيم عادة التبني من خلال الزواج بمطلقة متبناه وما تحمله من مواجهة المجتمع الجاهلي الذي يحرم هذا الزواج حتى يزيل الحرج عمليا عن المؤمنين في الإقدام على هذا الزواج هو دفع للدعاة الكبار أن يتأسوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وينقلوا قضية الزواج من مفهومها المحدود حيث البحث عن الجمال والبكر والسن الصغير للارتقاء بها إلى الأفق الواسع الذي يشيع المودة والرحمة

(1) إمتاع الأسماع للمقريزي ج 1: 340.

ص: 14