المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌السمة السادسة: حرب المستضعفين - المنهج الحركي للسيرة النبوية - جـ ٣

[منير الغضبان]

فهرس الكتاب

- ‌تمهيد

- ‌المرحلة الثانية: الجهاد السياسي وانتصار الرسالة

- ‌السمة الأولى: التحدي المعنوي للمشركين

- ‌السمة الثانية: حديث الإفك

- ‌السمة الثالثة: الزواج وأثره في الدعوة

- ‌السمة الرابعة:الصف الداخلي القوي من خلال صلح الحديبية

- ‌السمة الخامسة:الاعتراف الرسمي من الوثنية بدولة الإسلام

- ‌السمة السادسة: حرب المستضعفين

- ‌السمة السابعة:الإعلان العالمي للإسلام: مراسلة الملوك والأمراء

- ‌السمة الثامنة: تجمع القوى والثقة بالنصر

- ‌السمة التاسعة:إنهاء الوجود اليهودي في جزيرة العرب: غزوة خيبر

- ‌السمة العاشرة:قيادات العدو تنضم إلى الإسلام

- ‌السمة الحادية عشرة: الصدام الأول مع الروم - مؤته

- ‌السمة الثانية عشرة: نصر الله والفتح: فتح مكة

- ‌السمة الثالثة عشرة:إنهاء الجيوب الوثنية المتبقية

- ‌السمة الرابعة عشرة:الجزيرة العربية تدخل في الإسلام

- ‌السمة الخامسة عشرة:التحدي الأكبر للروم في غزوة تبوك

- ‌السمة السادسة عشرة:سورة براءة وإنهاء الوجود الوثني

- ‌السمة السابعة عشرة:الحج الأكبر ومائة وثلاثون ألفا من المسلمين

- ‌السمة الثامنة عشرة:إلى الرفيق الأعلى بعد إتمام النعمة

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌السمة السادسة: حرب المستضعفين

‌السمة السادسة: حرب المستضعفين

لقد بقي القلق يساور المسلمين على المستضعفين في مكة. ومنظر أبي جندل بن سهيل رضي الله عنه فتت أكبادهم. غير أن قدوم أبي بصير رضي الله عنه قلب الموازين كلها لصالحهم وصالح دولة الإسلام الجديدة. ولنشهد مفهوم العهود الدولية. ومفهوم حرب العصابات من خلال هذه السمة:

(فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه أبو بصير عتبة بن أسيد، وكان ممن حبس بمكة. فلما قدم على رسول الله كتب فيه أزهر بن عبد عوف، والأخنس بن شريق [إلى رسول الله كتابا مع خنيس بن جابر من بني عامر وخرج معه مولى له يقال له كوثر وفي كتابهما ذكر الصلح، وأن يرد عليهم أبا بصير، فقدما بعد أبي بصير بثلاثة أيام فقرأ أبي بن كعب الكتاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه: قد عرفت ما شارطناك عليه وأشهدنا بيننا وبينك من رد من قدم عليك من أصحابنا، فابعث إلينا بصاحبنا. فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بصير أن يرجع معهم ودفعه إليهما، فقال: يا رسول الله: أتردني إلى المشركين يفتنوني في ديني! فقال: يا أبا بصير، إنا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت. ولا يصلح لنا في ديننا الغدر، وإن الله جاعل لك ولمن معك من المسلمين فرجا ومخرجا. فقال: يا رسول الله أتردني إلى المشركين! قال: إنطلق يا أبا بصير فإن الله سيجعل لك مخرجا] (1) فانطلق معهما حتى إذا كان بذي الحليفة جلس إلى جدار وجلس معه صاحباه، فقال أبو بصير: أصارم سيفك هذا يا أخا بني عامر؟ فقال: نعم قال: أريته أنظر إليه؟ قال: انظر إن شئت، قال: فاستله أبو بصير، ثم علا به حق قتله، وخرج المولى سريعا حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم طالعا، قال: إن هذا الرجل قد رأى فزعا، فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويحك ما لك؟ قال: قتل صاحبكم صاحبي فوالله ما برح حتى طبع أبو بصير متوشحا بالسيف حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، وفت ذمتك، وأدى الله عذك أسلمتني بيد القوم وقد امتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي. قال رسولالله صلى الله عليه وسلم ويل أمه محش (2) حرب لو كان معه رجال) (3) [وقدم سلب العامري ورحله وسيفه ليخمسه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: إني إذا خمسته رأوا أني لم أوف لهم بالذي عاهدتهم عليه. ولكن شأنك بسلب صاحبك. ثم قال لكوثر: ترجع به إلى أصحابك؟ فقال: يا محمد ما لي به قوة ولا يدان: فقال صلى الله عليه وسلم

(1) بين المعترضين من إمتاع الأسماع للمقريزي ج 1:303.

(2)

محش حرب: مسعر حرب وموقدها.

(3)

السيرة لابن هشام ج 3: 337 و338.

ص: 40

لأبي بصير: إذهب حيث شئت] (1).

فخرج حتى أتى العيص فنزل منه ناحية على ساحل البحر على طريق عير قريش إلى الشام وعندما خرج لم يكن معه إلا كف تمر فأكله ثلاثة أيام، وأصاب حيتانا قد ألقاها البحر بالساحل فأكلها. وبلغ المسلمين ال>ين حبسوا بمكة خبره فتسللوا إليه. وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه هو الذي كتب إليهم يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بصير: ويل أمه محش حرب لو كان معه رجال وأخبرهم أنه بالساحل فاجتمع عند أبي بصير قريب من سبعين مسلما فكانوا بالعيص. وضيقوا على قريش، فلا يظفروق بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمر عير إلا اقتطعوها ومر بهم ركب يريدون الشام معهم ثمانون بعيرا فأخذوا ذلك وأصاب كل رجل منهم قيمة ثلاثين دينارا، وكانوا قد أمروا عليهم أبا بصير. فكان يصلي بهم، ويقرئهم ويجمعهم، وهم له سامعون مطيعون. فغاظ قريشا صنيع أبي بصير وشق عليهم وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه بأرحامهم إلا أدخل أبا بصير إليه ومن معه: فلا حاجة لنا بهم. فكتب صلى الله عليه وسلم إلى أبي بصير أن يقدم بأصحابه معه فجاءه الكتاب وهو يموت. فجعل يقرأه ومات وهو في يده فدفنوه. وأقبل أصحابه إلى المدينة وهم سبعون ..).

(وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قد أسلمت بمكة، فكانت تخرج إلى بادية أهلها فتقيم أياما بناحية التنعيم ثم ترجع حتى أجمعت على المسير مهاجرة. فخرجت كأنها تريد البادية على عادتها فوجدت رجلا من خزاعة فأعلمته بإسلامها، فأركبها بعيره حتى أقدمها المدينة بعد ثمان ليال. فدخلت على أم سلمة رضي الله عنها وأعلمتها أنها جاءت مهاجرة وتخوفت أن يردها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما دخل على أم سلمة أعلمته فرحب بأم كلثوم وسهل فذكرت له هجرتها وأنها تخاف أن يردها فأنزل الله فيها آية الممتحنة .. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد من جاءه من الرجال ولا يرد من جاءه من النساء. وقدم أخواها من غد قدومها الوليد وعمارة ابنا عقبة بن أبي معيط فقالا: يا محمد ف لنا بشرطنا وما عاهدتنا عليه. فقال: قد نقض ذلك. فانصرنا إلى مكة فأخبروا قريشا فلم يبعثوا أحدا ورضوا بأن تحبس النساء)(2).

إننا نشهد مبادىء حرب العصابات من خلال حادثة ابي بصير رضي الله عنه.

فلا بد لمن يفكر بهذه الحرب أن يكون ذا إرادة قوية وعزيمة فولاذية وتفكير أبي بصير بالهروب من سجن قريش، وتنفيذ ذلك والهجرة إلى المدينة يعني أنه يملك التصميم على المقاومة إنها النفسية الحية التي ترفض الذل وتأبى الهوان، وهذه هي نقطة الانطلاق الأولى في أية مقاومة مسلحة للطغاة في الأرض.

(1) إمتاع الأسماع ج 1. 304.

(2)

إمتاع الأسماع ج 1: 305 و306.

ص: 41

2 -

وكان من الممكن أن ينتهي أبو بصير رضي الله عنه لو اكتفى بنزوحه إلى المدينة وعودته إلى مكة مع صاحبيه اللذين جاءا لاستلامه غير أن هذه الإرادة برزت في الالحاح على قيادته أن لا يعود إلى الذل، وكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم:

إنه لا يحل في ديننا الغدر، فاصبر واحتسب فإن الله جاعل لك فرجا ومخرجا.

وها هو يتلقى مبادىء ثلاثة من قيادة الدعوة:

المبدأ الأول: الوفاء بالعهود والمواثيق ولو مع المشركين المجرمين المعتدين.

المبدأ الثاني: إن مصلحة الجماعة فوق مصلحة الفرد، ولهذا الأمر كان هذا الشرط المجحف.

المبدأ الثالث: الثقة بالله وبموعوده أنه لا بد من فرج ومخرج بعون الله.

ولكنه لم يكن يدري أنه هو صاحب الفرج والمخرج، إذ أعده الله تعالى لذلك.

3 -

ولعل إيحاءات إخوته في المدينة كانت أن لا يدع سبيلا للمقاومة إلا ويسلكها، ومن أجل ذلك بيت في نفسه أمرا وهو القضاء على هذين الصاحبين اللذين جاءا لإعادته إلى ربقة الذل والعبودية، وإعادته إلى قريش يفتنونه في دينه، ونفذ ما عزم عليه في حيلة بارعة توصل بها إلى سيف العامري وقتله به، ولحق بمولاه إلى المدينة.

4 -

وكانت الخطوة الثالثة من التصميم عندما جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا له: وفت ذمتك يا رسول الله، وأدى الله عنك، وقد أسلمتني بيد العدو، وقد امتنعت بديني من أن أفتن، ويعبث بي أو أكذب بالحق.

وكانت هذه القوة الفية من أبي بصير منطلقا للتوجيه إلى الحرب الواسعة من خلال تخطيط محكم ومدد بالرجال بدلا أن تكون مبادرة فردية أو نزوة طارئة.

وحتى تبرؤ الذمة تماما قال عليه الصلاة والسلام لكوثر المولى الذي نجا: ترجع به إلى أصحابك فقال: يا محمد ما لي به قوة ولا يدان فقال صلى الله عليه وسلم لأبي بصير: اذهب حيث شئت.

لا بد من اختيار المكان، واختيار الرجال، والتخطيط لحرب طويلة الأمد، لكن المدينة ليست هي الأرض المناسبة لهذه الحرب. فالمدينة ملتزمة بمواثيق دولية مع مكة. ولا بد من اختيار أرض مناسبة لهذه الحرب والرجال ليسوا من المدينة. الرجال هم من رعايا مكة نفسها والمكان لا بد أن يقض مضجع مكة. فكان ذا المروة بالساحل.

ومن تمام الوفاء بالعهود والمواثيق الدولية من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رفض تخميس سلب العاري لأن هذا يعني الإعتراف بشرعية انتمائه للمدينة وهذا الانتماء غير شرعي. فلا بد من

ص: 42

البحث عن أرض أخرى، ورجال آخرين، ومضى أبو بصير بهذا الخط العام الذي رسمه له رسول الله عليه الصلاة والسلام.

5 -

ومضى رضي الله عنه بكف تمر أكله خلال ثلاثة أيام، والثائر الحقيقي لا بد أن يوطن نفسه على الجوع والعري والفاقة. وأن يتجلد على القسوة والشدة والمحنة. ثم لجأ بعد انتهاء كف التمر إلى حيتان البحر. ورجل الثورة بحاجة إلى أن ينمي الامكانات الذاية للثورة لا أن يكون اعتماده على المعونات الخارجية، لأن هذه المعونات من المحتمل أن تنضب في كل لحظة، أو تنقطع وبالتالي يهلك بذلك.

6 -

لقد كان أبو بصير بحق قائد ثورة، ومبادىء الثورة تبيح المواجهة المباشرة وغير المباشرة.

وما احتال به على العامري لقتله وأخذ سيفه. خط إسلامي أصيل حين يجمع العدو على القضاء على الحركة الإسلامية وذلك بأن تلجأ إلى التعمية والتغرير بالخصم لقتله وأخذ سلاحه.

والثورة الإسلامية حين تنطلق. تستطيع أن تتبع الأساليب المناسبة الناجعة مع أزلام الطغاة وزبانيتهم. لأنهم يعلمون الجريمة التي يساهمون بها.

7 -

والثورة الإسلامية التي شهدنا أبا بصر على رأسها، تعذر الدول المرتبطة بمواثيق ومعاهدات. ولا تحرجها حين تتحرك على أرضها وتتقيد تقيدا تاما بمبادىء هذه الدولة وقوانينها.

لقد رأينا أبا بصير وارتباطه بالإسلام ارتباط عقيدة، وارتباطه برسول الله صلى الله عليه وسلم ارتباط عقيدة وإيمان، ومع ذلك لم يحرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتحرك على أرضه أو طلب المدد منه وقد تعلم هذا الدرس حين رفض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أن يخمس له سلبه.

وما أحوج الثورة الإسلامية إلى أن تدرك هذه المعاني وخاصة عندما لا يكون ارتباطها ارتباط عقيدة مع الدولة التي تتحرك في أرضها.

كما أن على شباب الحركة الإسلامية أن يدركوا الظروف الصعبة التي تمر بها قيادتهم، وتضطر إلى التخلي عن معونتهم ومددهم لمصلحة الدولة ذاتها. فلقد وقع عليه الصلاة والسلام ميثاقا من صلب نصوصه عدم حماية الثوار المسلمين ومددهم وإعادتهم وتسليمهم للدولة العدو لو جاؤوا إليه.

8 -

وكان الرصيد الحقيقي للثورة هم رجال مكة المسلمون المستضعفون الذين انضموا إلى أبي بصير واحدا تلو الآخر حتى بلغ عددهم سبعين رجلا من المجاهدين والدرس الذي تستفيده

ص: 43

الثورة الإسلامية من هذا الحديث هو أن الرصيد الحقيقي للثورة هو من أبناء البلد الثائر. هذا هو الرصيد الحقيقي. ومن أجل ذلك لم ينضم لجيش الثورة رجل واحد من المسلمين في المدينة. لأنه جندي نظامي في دولة رسمية. أما المستضعفون المسلمون في مكة فقد انضموا إلى أبي بصير عن بكرة أبيهم وكانوا هم أصحاب القضية وأبناؤها الأصليين والثورة التي تقوم وتعتمد في رصيدها على الرديف من الدول الأخرى لن يكتب لها النجاح.

9 -

واختيار المكان المناسب للثورة ذو أهمية قصوى في نجاحها فعصب قريش هو التجارة وتجارتها إلى الشام هي المحور الأول. ولم يرتفع الاختناق عنها إلا بعد صلح الحديبية. فإذا بها تقاجأ من جديد بعودة الإرهاب إلى الطريق، والقافلة إثر القافلة يباد رجالها وتمضي أموالها. فالموقع الاستراتيجي المناسب الذي يمكن الثورة من قطع شريان الحياة عن أعدائها هو اللذي يجعل هذا العدو يلين ويرصخ أما إذا لم يشعر العدو أنه مهدد بحياته ووجوده وأمنه فسوف يسحق هذه الثورة ويبيدها عن آخر رجل فيها.

وكل ثورة لا تجد منطلقا تنطلق منه إلى حدود العدو ستنتهي في النهاية إلى لاجئين سياسيين يعيشون على موائد الآخرين. وكل ما من شأنه أن يقصم ظهر العدو ويفل مقاومته هو من حق الثائرين سيان كان أهدافا مدنية أو عسكرية وهدف الثورة هو رفع الظلم والاضطهاد عن المستضعفين. ولن يتراجع الطغاة عن طغيانهم ما لم يصابوا بأرواحهم وحياتهم وأموالهم وأمنهم، عندئذ يسقط في يدهم ويشعرون أنه قد أحيط بهم فيستسلمون.

10 -

وليس هدف الثورة الإرهاب والفتك للإرهاب والفتك، إن هدفها هو رفع الظلم والاضطهاد عن المسحوقين الملاحقين بعقائدهم وفكرهم ومقدساتهم وحين يتحقق الهدف تنتهي الثورة ومن أجل ذلك عندما اسفحل أمر الثوار المسلمين في الساحل. وعرفت مكة أنها على وشك الاختناق، وأن جبهة جديدة فتحت عليها تقض مضجعها وأمنها راحت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تتفاوض معه وترجوه وتسترحمه أن ينهي هذه الثورة ويضم هؤلاء المسلمين إلى جيشه النظامي. فيسري عليهم ما يسري على جيشه بالتزام الهدنة والصلح.

(وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه بأرحامهم إلا أادخل إليه أبا بصير ومن معه. وتحقق هدف الثوة وانضم الثوار إلى دولة الإسلام، وهم سبعون من المجاهدين الذين تزيلوا من صفوف العدو وتميزوا).

ولا بد أن نلاحظ حدود الثورة وطاقتها وإمكاناتها. فلم يكن هدف ثورة أبي بصير. هو

ص: 44

إسقاط نظام مكة والسيطرة عليه بمقدار ما كان هدفه هو ضم قوات المستضعفين إلى قيادتهم في المدينة. وحققت الثورة أهدافها، وقائدها على فراش الموت. وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده أن يقدم بأصحابه معه. فمات قرير العين بتحقيق موعود الله تعالى له بالنصر والشهادة.

لكننا نرى تصرفا آخر قامت به أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أعدى أعداء الله. لا يقل بطولة عن أبي بصير إذا روعيت النسبة بين طاقات الرجال والنساء.

فأم كلثوم رضي الله عنها وقد خالطت بشاشة الإسلام قلبها وهي في بؤرة العداوة للمسلمين، خططت وغافلت أهلها حتى استطاعت أن تجد رجلا من خزاعة فسافرت معه مهاجرة إلى المدينة.

ويبدو فقهها رضي الله عنها في جانبين:

الجانب الأول: في التخطيط للهجرة حتى تخلص من جحيم أهلها ونار عداوتهم للإسلام.

الجانب الثاني: بحسن اختيارها لمن تنتقل معه فهي تعلم من بنود المعاهدة أن خزاعة هم حلفاء محمد صلى الله عليه وسلم بعد الحديبية ومن أجل ذلك انتظرت حتى لقيت الرجل الحليف لمحمد وانطلقت معه.

ويبدو فقهها رضي الله عنها كذلك حين نزلت عند أم سلمة رضي الله عنها، فهي تعلم من بنود المعاهدة أن على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيد من يأتيه مسلما من المدينة. فاختبأت عندها، وكانت الأقدار العجيبة، أن تنزل عند المهاجرة الأولى أم سلمة رضي الله عنها، والتي قامت بالمغامرة نفسها قبل ست سنين أو سبع وفي الطريق نفسه، وحيدة فارة بدينها من مكة إلى زوجها في المدينة. والتقت المهاجرتان في بيت واحد. وفي بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعلم عليه الصلاة والسلام بالأمر فرحب بأم كلثوم. وجاء أمر الله تعالى أن لا تعود إلى مكة.

ونلاحظ من هذه المغامرة الجريئة أمورا تحتاجها الحركة الإسلامية حين تكون في مرحلة الثورة فالأصل أن لا تسافر المرأة إلا مع محرم. وها نحن نجد أم كلثوم رضي الله عنها تسافر مسيرة ثمان ليال بدون محرم لأن محارمها أعداء الله. ولأن وجودها في محضنها الطبيعي بعيدا عن محارمها وتحت ظل دولة الإسلام هو الأصل.

وليس الأخ المسلم فقط هو الذي يؤمن على عرض المرأة المسلمة. بل كذلك الحليف المشرك

ص: 45

ولو رافقها في سفر طويل. لأن هذه الضرورة تقدر بقدرها والحركة الإسلامية وقيادتها لها الولاية على كل امرأة مسلمة تقع في براثن العدو ولو كان هذا العدو أباها أو أخاها أو زوجها لقد قرر الإسلام هذا المبدأ في هذا الظرف، واعتبر رابطة الإسلام فوق رابطة الزوجية وذلك في قوله تعالى:

{يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلوف لهن وآتوهم ما أنفقوا ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذا آتيتموهن أجورهن ولا تمسكوا بعصم الكوافر واسألوا ما أنفقتم وليسألوا ما أنفقوا ذلكم حكم الله. يحكم بينكم والله عليم حكيم، وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون} (1).

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على استعداد أن ينقض الاتفاق كله بأمر الله عز وجل لحماية المرأة المسلمة المهاجرة.

وما أروع هذا المعنى أن تفقهه المرأة المسلمة.

فقيادة الإسلام على إستعداد أن تشن حربا كاملة وتخسر أضخم الامتيازات لحماية إمرأة مسلمة مهاجرة مجاهدة.

ومما كتبه عروة بن الزبير رضي الله عنه للزهري حول هذه الآية. ما يزيد المعنى وضوحا وجلاء قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان صالح قريشا يوم الحديبية على أن يرد إليهم من جاء بغير إذن وليه. فلما هاجر النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى الإسلام أبى الله أن يرددن إلى المشركين إذا هن امتحن بمحنة الإسلام. فعرفوا أنما جئن رغبة في الإسلام وأمر برد صدقاتهن إليهم إن احتبسن عنهم. إن هم ردوا على المسلمين صداق من حبسوا عنهم من نسائهم. ذلكم حكم الله يجكم بينكم والله عليم حكيم. فأمسك رسول الله النساء ورد الرجال وسأل الذي أمره الله به أن يسأل من صدقات نساء من حبسوا منهن. وأن يردوا عليهم مثل الذي يردونه عليهم إن هم فعلوا. ولولا الذي حكم الله به من هذا الحكم لرد رسول الله النساء كما رد الرجال، ولولا الهدنة والعهد الذي كان بينه وبين قريش يوم الحديبية لأمسك النساء ولم يردد لهن صداقا. وكذلك كان يصنع بمن جاءه من المسلمات قبل العهد.

لقد انتهت رابطة الزوجية بين المسلم والكافرة وبين المسلمة والكافر، وأصبحت العلاقة

(1) سورة الممتحنة الآيتان 11،10.

ص: 46

علاقة عقيدة فحسب لكن هذا لا يلغي الحقوق المالية بين الطرفين، ويمكن استيفاؤها بين الدولتين.

وهكذا نلحظ طبيعة الظروف التي تضطر الحركة الإسلامية أحيانا أن تتخلى عن بعض البنود وطبيعة الظروف التي تضطر المرأة المسلمة أحيانا أن تتخلى عن بعض الأحكام الجزئية تلافيا لخطر أكبر مثل قضية السفر مع محرم ومثل قضية الهرب من الزوج الكافر والأولياء الكافرين إلى أرض الإسلام والمسلمين.

***

ص: 47