المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌السمة الثامنة: تجمع القوى والثقة بالنصر - المنهج الحركي للسيرة النبوية - جـ ٣

[منير الغضبان]

فهرس الكتاب

- ‌تمهيد

- ‌المرحلة الثانية: الجهاد السياسي وانتصار الرسالة

- ‌السمة الأولى: التحدي المعنوي للمشركين

- ‌السمة الثانية: حديث الإفك

- ‌السمة الثالثة: الزواج وأثره في الدعوة

- ‌السمة الرابعة:الصف الداخلي القوي من خلال صلح الحديبية

- ‌السمة الخامسة:الاعتراف الرسمي من الوثنية بدولة الإسلام

- ‌السمة السادسة: حرب المستضعفين

- ‌السمة السابعة:الإعلان العالمي للإسلام: مراسلة الملوك والأمراء

- ‌السمة الثامنة: تجمع القوى والثقة بالنصر

- ‌السمة التاسعة:إنهاء الوجود اليهودي في جزيرة العرب: غزوة خيبر

- ‌السمة العاشرة:قيادات العدو تنضم إلى الإسلام

- ‌السمة الحادية عشرة: الصدام الأول مع الروم - مؤته

- ‌السمة الثانية عشرة: نصر الله والفتح: فتح مكة

- ‌السمة الثالثة عشرة:إنهاء الجيوب الوثنية المتبقية

- ‌السمة الرابعة عشرة:الجزيرة العربية تدخل في الإسلام

- ‌السمة الخامسة عشرة:التحدي الأكبر للروم في غزوة تبوك

- ‌السمة السادسة عشرة:سورة براءة وإنهاء الوجود الوثني

- ‌السمة السابعة عشرة:الحج الأكبر ومائة وثلاثون ألفا من المسلمين

- ‌السمة الثامنة عشرة:إلى الرفيق الأعلى بعد إتمام النعمة

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌السمة الثامنة: تجمع القوى والثقة بالنصر

‌السمة الثامنة: تجمع القوى والثقة بالنصر

وتتضح هذه السمة من خلال التوجيه النبوي لجمع هذه القوى:

وقدم أهل السفينتين من عند النجاشي بعد أن فتحت خيبر فيهم جعفر بن أبي طالب وأبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري، في جماعة من الأشعريين يزيدون على سبعين وذكر ابن سعد عن الواقدي بسنده، إنهم لما سمعوا خبر هجرة رسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، ورجع معهم ثلاثة وثلاثون رجلا وثماني نسوة، فمات منهم رجلان بمكة، وحبس بمكة سبعة نفر، وشهد بدرا منهم أربعة وعشرون رجلا. فلما كان شهر ربيع الأول سنة سبع من الهجرة كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي يدعوه إلى الإسلام مع عمرو بن أمية الضميري، فأسلم، وكتب إليه أيضا أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان - وكانت فيمن هاجر إلى الحبشة - فزوجه إياها. وكتب إليه أيضا أن يبعث بمن بقي عنده من أصحابه ويحملهم. فحملهم في سفينتين مع عمرو بن أمية فأرسوا بساحل بولا وهو الجار، ثم ساروا حتى قدموا المدينة، فوجدوا رسول الله بخيبر فأتوه فقال صلى الله عليه وسلم: ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر ثم ضمه وقبل ما بين عينيه، وهم المسلمون أن يدخلوا جعفرا ومن قدم معه في سهماتهم ففعلوا، وقدم الدوسيون فيهم أبو هريرة والطفيل بن عمرو الدوسي وأصحابهم، ونفر من الأشعريين، فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فيهم أن يشركوهم في الغنيمة فقالوا: نعم يا رسول الله) (1).

لقد مرت الهجرة إلى الحبشة بمراحل ثلاث:

الهجرة الأولى: وكانت في السنة الخامسة. وعدد المهاجرين قليل. وعادوا في السنة السابعة عندما تناهى إلى أسماعهم خبر إسلام أهل مكة، وكان خبرا غير صحيح.

الهجرة الثانية: وبلغ عدد المسلمين فيها ثمانين ما بين رجل وامرأة. وهو تجمع في عدده قريب من تجمع المسلمين في مكة، وكما ذكر ابن سعد إنه قرابة ثلث هذا التجمع قد غادر الحبشة عقب الهجرة، وحضر منهم بضعة وعشرون غزوة بدر.

العودة الأخيرة: وكانت بدعوة رسمية من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طريق النجاشي. ولا شك أن جعفرا رضي الله عنه لا يغيب عن ذهن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدى الحاجة الماسة إليه في المعارك الضارية مع قريش. ومع ذلك لم يستدعه النبي وصحبه مع حرصه عليه الصلاة والسلام أن يكون أقرباؤه هم وقود المعارك، والذادة عن حمى الإسلام.

(1) إمتاع الأسماع ج 1: 325 و326.

ص: 58

ولقد كان لمصرع حمزة رضي الله عنه في أحد أعظم الأثر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عنه: لن أصاب بمثلك أبدا، وقال: ما وقفت موقفا قط أغيظ لي من هذا. وبقي من أقاربه الأدنين علي رضي الله عنه، وعندما برز لعمرو بن عبدود في الخندق يروى أنه قال عليه الصلاة والسلام: رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين، ويؤكد حرص الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يكون أهله معه في المعركة. ما رأيناه في مؤتة إذ أنه في أقل من أشهر كان جعفر على رأس المجاهدين في مؤتة وأحد الأمراء الثلاثة.

وحاجة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المجاهدين من صحبه وأهله المهاجرين كانت حاجة ماسة ومع ذلك لم يستدعهم وتفسير ذلك والله أعلم - يعود إلى حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إبقاء مراكز احتياطية للدعوة يمكن الانتقال إليها لو فقدت المدينة، وكان احتمال تعرض المدينة لهجوم مباغت كاسح قائما في كل لحظة. ومن أجل هذا بقي الأشعريون في اليمن، والدوسيون في دوس ومهاجروا الحبشة في الحبشة، والغفاريون في غفار بقي هؤلاء جميعا قوى احتياطية لمتابعة المعركة فيما لو فقد موقع من هذه المواقع.

ولا شك أن الحبشة هي موقع غير استراتيجي للمواجهة وبين الأبعدين الغرباء لكنها بصفتها مركزا آمنا وملجأ للدعوة هي من خير المواقع لذلك. خاصة وأن النجاشي ملكها قد أسلم سرا وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما بعد صلح الحديبية، فقد اختلف الأمر، وزال الخطر عن المدينة، وأمن الناس، وأتاحت الهدنة للمحيط العربي والعالمي أن يفقه الإسلام في هذه المرحلة استدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم رصيده الاحتياطي. إذ لم يعد بحاجة إليه في اليمن أو الحبشة. بل صار بحاجة ماسة إليه ليشارك في الجبهات الجديدة المفتوحة خارج جزيرة العرب، ومع غير العرب من الروم والفرس.

وهذا درس مهم يحسن أن تقف أمامه الحركة الإسلامية طويلا، وهي تخوض حروبها مع الطغاة أن لا تكون قوتها جميعا في موقع واحد .. فإذا ضرب هذا الموقع انتهت - لا سمح الله - بل لا بد لها أن تبحث عن أكثر من مكان آمن، وأكثر من قاعدة احتياطية. فإذا تغيرت الظروف الصعبة وكشفت المحنة وصارت المواقع كلها آمنة ومراكز للدعوة تستطيع عندئذ أن تنهي بعض المراكز. أو تستقطب القوى حول المركز الرئيسي الذي يرفد كل المراكز الثانوية والتمكن في الأرض هو الذي يتيح المجال لمثل هذه الخطوة.

يقول الشهيد سيد رحمه الله:

ومن ثم كان بحث الرسول صلى الله عليه وسلم عن قاعدة أخرى غير مكة، قاعدة تحمي هذه العقيدة، وتكفل لها الحرية، ويتاح لها أن تخلص من هذا التجميد الذي انتهت إليه في

ص: 59

مكة، حيث تظفر بحرية الدعوة وبحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة

وهذا في تقديري كان هو السبب الأهم والأول للهجرة.

ولقد سبق الاتجاه إلى يثرب، لتكون قاعدة الدولة الجديدة عدة اتجاهات سبقها الاتجاه إلى الحبشة، حيث هاجر إليها كثير من المؤمنين الأوائل، والقول بأنهم هاجروا إليها لمجرد النجاة بأنفسهم لا يستند الى قرائن قوية. فلو كان الأمر كذلك لهاجر إذن أقل الناس جاها وقوة ومنعة من المسلمين غير أن الأمر كان على الضد من هذا، فالموالي المستضعفون الذين كان ينصب عليهم معظم الاضطهاد والتعذيب والفتنة لم يهاجروا إنما هاجر رجال ذوو عصبيات لهم من عصبيتهم في بيئة قبلية، ما يعصمهم من الأذى، ويحميهم من الفتنة، وكان عدد القرشيين يؤلف غالبية المهاجرين منهم جعفر بن أبي طالب وأبوه وفتيان بني هاشم معه هم الذين كانوا يحمون النبي صلى الله عليه وسلم -ومنهم الزبير بن العوام- وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة المخزومي وعثمان بن عفان الأموي .. وغيرهم، وهاجرت نساء كذلك من أشرف بيوتات مكة ما كان الأذى لينالهن أبدا، وربما كان من وراء هذه الهجرة أسباب أخرى كإثارة هزة في أوساط البيوت الكبيرة من قريش وأبناؤها الكرام المكرمون يهاجرون بعقيدتهم، مرارا من الجاهلية تاركين وراءهم كل وشائج القربى، في بيئة قبلية

تهزها هذه الهجرة على هذا النحو هزا عنيفا وبخاصة حين يكون من بين المهاجرين مثل أم حبيبة بنت أبي سفيان زعيم الجاهلية وأكبر المتصدين لحرب العقيدة الجديدة وصاحبها. ولكن مثل هذه الأسباب لا ينفي احتمال أن تكون الهجرة إلى الحبشة أحد الاتجاهات المتكررة في البحث عن قاعدة حرة، أو آمنة على الأقل للدعوة الجديدة، وبخاصة حين نضيف إلى هذا الاستنتاج ما ورد عن إسلام نجاشي الحبشة. ذلك الإسلام الذي لم يمنعه من إشهاره نهائيا إلا ثورة البطارقة عليه كما ورد في روايات صحيحة) (1).

ويؤيد ما ذهب إليه سيد رحمه الله إنه مجرد ظهور القاعدة الأمنة والعاصمة الجديدة غادر حوالي ثلث المهاجرين إلى المدينة وبقيت الأكثرية منهم هناك حفاظا على هذه القاعدة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. إلى أن زال الخطر، وأمن الناس، وقويت شوكة المسلمين بحيث أصبحت مستعصية على الإبادة كما يقول عليه الصلاة والسلام: الآن نغزوهم ولا يغزونا أمكن عندها استدعاء الجالية الإسلامية في الحبشة لتمارس دورها الفعال في الجهاد في العارك القادمة.

وحري بنا أن نقتفي أثر هذا الهدي النبوي، ونتعلم ونحن نواجه هذا المجتمع. أن نرعى هذا الجانب، ولا نضع البيض في سلة واحدة كما يقول المثل فينتهي الوجود الحركي والعياذ بالله.

(1) في ظلال القرآن ج 1 ص 24و25 ط الخامسة.

ص: 60