المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌السمة السابعة عشرة:الحج الأكبر ومائة وثلاثون ألفا من المسلمين - المنهج الحركي للسيرة النبوية - جـ ٣

[منير الغضبان]

فهرس الكتاب

- ‌تمهيد

- ‌المرحلة الثانية: الجهاد السياسي وانتصار الرسالة

- ‌السمة الأولى: التحدي المعنوي للمشركين

- ‌السمة الثانية: حديث الإفك

- ‌السمة الثالثة: الزواج وأثره في الدعوة

- ‌السمة الرابعة:الصف الداخلي القوي من خلال صلح الحديبية

- ‌السمة الخامسة:الاعتراف الرسمي من الوثنية بدولة الإسلام

- ‌السمة السادسة: حرب المستضعفين

- ‌السمة السابعة:الإعلان العالمي للإسلام: مراسلة الملوك والأمراء

- ‌السمة الثامنة: تجمع القوى والثقة بالنصر

- ‌السمة التاسعة:إنهاء الوجود اليهودي في جزيرة العرب: غزوة خيبر

- ‌السمة العاشرة:قيادات العدو تنضم إلى الإسلام

- ‌السمة الحادية عشرة: الصدام الأول مع الروم - مؤته

- ‌السمة الثانية عشرة: نصر الله والفتح: فتح مكة

- ‌السمة الثالثة عشرة:إنهاء الجيوب الوثنية المتبقية

- ‌السمة الرابعة عشرة:الجزيرة العربية تدخل في الإسلام

- ‌السمة الخامسة عشرة:التحدي الأكبر للروم في غزوة تبوك

- ‌السمة السادسة عشرة:سورة براءة وإنهاء الوجود الوثني

- ‌السمة السابعة عشرة:الحج الأكبر ومائة وثلاثون ألفا من المسلمين

- ‌السمة الثامنة عشرة:إلى الرفيق الأعلى بعد إتمام النعمة

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌السمة السابعة عشرة:الحج الأكبر ومائة وثلاثون ألفا من المسلمين

‌السمة السابعة عشرة:

الحج الأكبر ومائة وثلاثون ألفا من المسلمين

قال ابن إسحاق: فلما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو القعدة تجهز للناس، وأمر الناس بالجهاز له، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لخمس ليال بقين من ذي القعدة.

ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على حجه فأرى الناس مناسكهم، وأعلمهم سنن حجهم وخطب الناس خطبته التي بين فيها ما بين فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إسمعوا قولي فإني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدا: أيها الناس إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وكحرمة شهركم هذا. وإنكم ستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلغت فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من ائتمنه عليها وإن كل ربا موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإن كل دم كان في الجاهلية موضوع وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان مسترضعا في بني ليث فقتلته هذيل فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية أما بعد أيها الناس. فإن الشيطان قد يئس من أن يعبد في أرضكم هذه أبدا، ولكنه إن يطع فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم فاحذروه على دينكم.

أيها الناس. إن النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله، ويحرموا ما أحل الله وإن الزمان قد استدار كهيئة يوم خلق الله السموات والأرض وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا. منها أربعة متوالية، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان أما بعد أيها الناس: فإن لكم على نسائكم حقا، ولهن عليكم حقا، لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحد تكرهونه، وعليهن أن لا يأتين بفاحشة مبينة. فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربا غير مبرح فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرا فإنهن عندكم عوان لا يملكن لأنفسهن شيئا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمات الله فاعتلوا أيها الناس قولي فإني قد بلغت.

وقد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدا، أمرا بينا، كتاب الله وسنة نبيه.

أيها الناس: اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرىء إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه نلا تظلمن أنفسكم، اللهم هل بلغت؟

ص: 198

فذكر لي أن الناس قالوا: اللهم نعم: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اشهد.

قال ابن إسحاق وحدثني عبد الله بن نجيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وقف بعرفة قال: هذا الموقف للجبل الذي هو عليه وكل عرفة موقف. وقال حين وقف على قزح صبيحة المزدلفة هذا الموقف وكل المزدلفة موقف ثم لما نحر بالمنحر بمنى قال: هذا المنحر، وكل منى منحر، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحج وقد أراهم مناسكهم وأعلمهم ما فرض الله عليهم من حجهم من الموقف ورمي الجمار وطواف البيت وما أحل لهم من حجهم وما حرم عليهم فكانت حجة البلاغ، وحجة الوداع وذلك أن رسول الله لم يحح بعدها.

ارتبط مع حجة الوداع نزول قول الله عز وجل: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمني ورضيت لكم الإسلام دينا فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} .

وفي صدد الحديث عن المنهج الحركي نقف على عتبة النهاية لهذه الخطوات التي ابتدأت بقول الله عز وجل: {اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم} .

ابتدأ الإسلام بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة في جبل غار حراء وهو شاخص ببصره بين الأرض والسماء وجبريل يقول له أنت رسول الله وأنا جبريل وها هي تنتهي بجوار غار حراء، وعند الصخرات من جبل عرفه، وحوله مائة وثلاثون ألفا من المسلمين يمثلون جزيرة العرب قاطبة، ومن هذا الموقع وفي هذا الموقف يعلن عليه الصلاة والسلام، إتمام المهمة، وتبليغ الرسالة وإكمال الدين على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} ، لقد ابتدأت القاعدة الصلبة قبل ثلاث وعشرين عاما بشخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتهت بهذه المجموعات الضخمة التي تمثل الأرض العربية آنذاك.

وأمام هذا الحشد الضخم من الأمة، كان الخط الأول خذوا عني مناسككم وبذلك تتجه الأمة لترى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته يؤدي المناسك فيقتدي الناس جميعا به، ويرونه وهو على الراحلة بحيث يتم بهذه العملية إلغاء كل المناسك الوثنية التي كانت موجودة في أرض الحرم والحج هو أعظم تجمع بشري في ذلك الوقت فلا بد من إيضاح المعالم الكبرى للدعوة، والتي يتم عليها التقاء البشر جميعا لما لها من أهمية خالصة وحيث تقف الناس جميعا بعرفه. أعلن المبادىء الكبرى على الناس جميعا وهي:

ص: 199

أولا: حرمة الأموال والدماء والأعراض.

وهذا يمثل الخط الفاصل بين الإسلام ونظم الأرض فالشيوعية اليوم تجعل الأموال والأعراض والدماء في حكم المشاع كما أن الرأسمالية تبيح الأعراض وتنتهك الأموال وتسفك الدماء والميزان الحقيقي للوجود الإسلامي في الأرض هو الحفاظ على حرمة الدماء والأموال والأعراض.

ثانيا: حرمة الربا وهو الهرم الذي يرتفع الظلم فيه حتى يسحق الفقراء في الأرض.

ثالثا: العدل وهو سمة الإسلام الأولى في هذا الوجود وبه قامت السموات والأرض ومن أجل ذلك فأول ربا يوضع هو ربا العباس بن عبد المطلب عم محمد صلى الله عليه وسلم.

رابعا: حقن الدماء، وذلك حيث يتحول الحكم الإسلامي إلى القصاص، والانتقال من مفهوم الثأر إلى مفهوم القصاص. هو انتقال من العشيرة إلى الدولة، ومستوى العدل نفسه في الربا هو هو نفسه في الدماء (وإن أول دم أضعه هو دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب) والأمة التي تصان أرواحها ودماؤها هي أمة متقدمة جدا في مضمار الحضارة والمدنية وأن يكون الأمن مستتبا هو الذي يحقق السعادة للأمة.

خامسا: إلغاء الوثنية فلن تعود الوثنية للأرض العربية أو تعود الأصنام والأوثان إليها بعد أن جاء الحق وزهق الباطل لكن الشيطان سيتدخل في صرف الناس عن الاستقامة على دين الله.

سادسا: حرمة التلاعب بدين الله فقد انتهى دور الشيطان في أرض الإسلام أن يعيد إليها الوثنية من جديد لكنه قد يدخل في دين الله ما ليس فيه حين يشرع الناس ما لم يأذن به الله إنها الحاكمية لله تعالى وليست للبشر فالنسيء نموذخ من هذه النماذج وهو تأخير الأشهر الحرم والتلاعب فيها يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله.

وهذه هي القضية التي يقوم عليها الصراع بين الإسلام والجاهلية إن الحكم إلا لله قضى ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم.

سابعا: حق الرجل على المرأة ومن خلاله يتبلور النظام الاجتماعي في الإسلام فالمرأة تبع للرجل، والقوامة للرجل على المرأة والمفهوم الإسلامي للأسرة هو أن تكون المرأة وقفا على الرجل ولا تأتي بالفاحشة البينة، وعند الفاحشة فللرجل قسر المرأة وقصرها عليه ولو في الضرب غير المبرح والهجر في المضجع والموعظة الحسنة.

ثامنا: حق المرأة على الرجل وهي حين حبست نفسها عليه فعليه رزقها وكسوتها بالمعروف

ص: 200

وعليه أن يحسن المعاملة فهن أمانة الله عند الرجال، وبكلمات الله استحلت فروجهن فاستوصوا بالنساء خيرا.

تاسعا: ودستور الأمة ينطلق من المصدرين الأساسيين ومناط التشريع عليهما كتاب الله تعالى وسنة رسوله ولا ضلال لمن تمسك بهما.

عاشرا: والرابطة العليا في الأمة هي رابطة العقيدة ورابطة الإسلام، فالأخوة من خلالها، تعلمن أن كل مسلم أخ للمسلم، وأن المسلمين إخوة فلا يحل لامرىء من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفسه.

وحيث تم تبليغ هذه المبادىء العشر وقد أعلنت في اجتماع يضم مائة وثلاثين ألفا لا بد لهؤلاء أن يحملوا الأمانة إلى الأرض كلها، وإلى الأجيال فيما بعد. ومن أجل هذا كان الخطاب على الملأ اللهم هل بلغت فتجيب جماهير الأمة اللهم نعم فيرفع يديه لرب السماء قائلا: اللهم أشهد.

ص: 201