المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌السمة الثالثة عشرة:إنهاء الجيوب الوثنية المتبقية - المنهج الحركي للسيرة النبوية - جـ ٣

[منير الغضبان]

فهرس الكتاب

- ‌تمهيد

- ‌المرحلة الثانية: الجهاد السياسي وانتصار الرسالة

- ‌السمة الأولى: التحدي المعنوي للمشركين

- ‌السمة الثانية: حديث الإفك

- ‌السمة الثالثة: الزواج وأثره في الدعوة

- ‌السمة الرابعة:الصف الداخلي القوي من خلال صلح الحديبية

- ‌السمة الخامسة:الاعتراف الرسمي من الوثنية بدولة الإسلام

- ‌السمة السادسة: حرب المستضعفين

- ‌السمة السابعة:الإعلان العالمي للإسلام: مراسلة الملوك والأمراء

- ‌السمة الثامنة: تجمع القوى والثقة بالنصر

- ‌السمة التاسعة:إنهاء الوجود اليهودي في جزيرة العرب: غزوة خيبر

- ‌السمة العاشرة:قيادات العدو تنضم إلى الإسلام

- ‌السمة الحادية عشرة: الصدام الأول مع الروم - مؤته

- ‌السمة الثانية عشرة: نصر الله والفتح: فتح مكة

- ‌السمة الثالثة عشرة:إنهاء الجيوب الوثنية المتبقية

- ‌السمة الرابعة عشرة:الجزيرة العربية تدخل في الإسلام

- ‌السمة الخامسة عشرة:التحدي الأكبر للروم في غزوة تبوك

- ‌السمة السادسة عشرة:سورة براءة وإنهاء الوجود الوثني

- ‌السمة السابعة عشرة:الحج الأكبر ومائة وثلاثون ألفا من المسلمين

- ‌السمة الثامنة عشرة:إلى الرفيق الأعلى بعد إتمام النعمة

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌السمة الثالثة عشرة:إنهاء الجيوب الوثنية المتبقية

‌السمة الثالثة عشرة:

إنهاء الجيوب الوثنية المتبقية

أ - هدم الأصنام العربية

وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يوما يحدد معالم الإسلام ويرشد الناس إلى الهدى والتقى، وخلال هذه الأيام أمر أبا أسيد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم. وبث سراياه للدعوة إلى الإسلام، ولكسر الأوثان التي كانت حول مكة، فكسرت كلها ونادى مناديه بمكة: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره.

السرايا والبعوث.: ولما اطمأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الفتح بعث خالد بن الوليد إلى العزى لخمس ليال بقين من شهر رمضان (سنة 8 هـ) ليهدمها. وكانت بنخلة، وكانت لقريش وجميع بني كنانة. وهي أعظم أصنامهم. وكان سدنتها بني شيبان. فخرج إليها خالد في ثلاثين فارسا حتى انتهى إليها فهدمها، ولما رجع سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيت شيئا؟ قال: لا. قال: فإنك لم تهدمها، فارجع إليها فاهدمها. فرجع خالد متغيظا قد جرد سيفه، فخرجت إليه امرأة عريانه سوداء ناشرة الرأس، فجعل السادن يصيح بها. فضربها خالد فجزلها اثنتين ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: نعم، تلك العزى. وقد أيست أن تعبد في بلادكم أبدا.

2 -

ثم بعث عمرو بن العاص في نفس الشهر إلى سواع ليهدمه، وهو صنم لهذيل برهاط على ثلاث أميال من مكة، فلما انتهى إليه عمرو قال له السادن: ما تريد؟ قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهدمه؛ قال: لا تقدر على ذلك، قال: لم؟ قال: تمن. قال: حتى الآن أنت على الباطل؟ ويحك. فهل يسمع أو يبصر؟ ثم دنا فكسره، وأمر أصحابه فهدموا بيت خزانته فلم يجدوا فيه شيئا ثم قال للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت لله.

3 -

وفي نفس الشهر بعث سعد بن زيد الأشهلي في عشرين فارسا إلى مناة وكانت بالمشلل عند قديد للأوس والخزرج وغسان وغيرهم. فلما انتهى سعد إليها قال له سادنها: ما تريد؟ قال: هدم مناة. قال: أنت وذاك، فأقبل إليها سعد، وخرجت امرأة عريانة سوداء ثائرة الرأس، تدعو بالويل، وتضرب صدرها. فقال لها السادن: مناة دونك بعض عصاتك. فضربها سعد فقتلها، وأقبل إلى الصنم فهدمه وكسره. ولم يجدوا في خزانته شيئا) (1).

(1) الرحيق المختوم للمباركفوري ص 461.

ص: 147

4 -

ولما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى (بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني جذيمة داعيا ولم يبعثه مقاتلا ومعه قبائل من العرب. فوطئوا بني جذيمة. فلما رآه القوم أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح، فإن الناس قد اسلموا. فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك: فكتفوا، ثم عرضهم على السيف. فقتل من قتل منهم. فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يديه إلى السماء، ثم قال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد .. ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضوان الله عليه فقال: يا علي أخرج إلى هؤلاء القوم، فانظر في أمرهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك. فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال؛ حتى إنه ليدي ميلغة (1) الكلب، حتى إذا لم يبق شيء من دم أو مال إلا وداه، بقيت معه بقية من المال، فقال لهم علي رضوان الله عليه حين فرغ منهم: هل بقي لكم بقية من دم أو مال لم يود لكم؟ قالوا: لا. قال: فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال احتياطا لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما يعلم ولا تعلمون. ففعل ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر: فقال أصبت وأحسنت ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة قائما شاهرا يديه حتى إنه ليرى ما تحت منكبيه، يقول: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ثلاث مرات. وقد قال بعض من يعذر خالدا إنه قال: ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن حذافة السهمي وقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم عن الإسلام.

قال ابن إسحاق: وقد كان جحدم قال لهم حين وضعوا السلاح ورأى ما يصنع خالد ببني جذيمة: يا بني جذيمة ضاع الضرب، قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه. قد كان بين خالد وبين عبد الرحمن بن عوف فيما بلغني كلام في ذلك. فقال له عبد الرحمن بن عوف: عملت بأمر الجاهلية في الإسلام. فقال: إنما ثأرت بأبيك، فقال له عبد الرحمن بن عوف: كذبت، قد قتلت قاتل أبي. ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة، حتى كان بينهما شر. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: مهلا يا خالد دع أصحابي، فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم انفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي أو روحته) (2).

5 -

هدم اللات: فلما فرغوا من أمرهم، وتوجهوا إلى بلادهم راجعين، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة، في هدم الطاغية، فخرجا مع القوم، حتى إذا قدموا الطائف أراد المغيرة بن شعبة أن يقدم أبا سفيان، فأبى ذلك أبو سفيان عليه وقال: أدخل أنت على قومك وأقام أبو سفيان بماله بذي الهدم فلما دخل المغيرة بن شعبة

(1) مبلغة الكلب: شيء يحفر من خشب ويجعل ليلغ فيه الكلب.

(2)

السيرة لابن إسحاق ج 4 ص 541.

ص: 148

علاها يضربها بالمعول، وقام قومه دونه -بنو معتب- خشية أن يرمي أو يصاب كما أصيب عروة، وخرج نساء ثقيف حسرا يبكين عليها ويقلن:

لتبكين دفاع

أسلمها الرضاع

لم يحسنوا المصاع (1)

ويقول أبو سفيان والمغيرة يضربها بالفأس: واها لك (2).

كانت الخطوة الأولى بعد هدم الأصنام بالكعبة هو أن تلاحق الأصنام في الأرض العربية كلها وكان هبل الصنم الأعظم بمكة قد تحطم على يدي الرسول صلى الله عليه وسلم.

{أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى} (3).

ولقد ارتبطت قدسية البيت الحرام ارتباطا وثيقا بقدسية الأصنام. ولم يكن العربي بعد الله تعالى يحلف بصنم إلا باللات والعزى.

وإن كان تأخر اللات بالهدم عن العزى ومناة كان مرتبطا بكسر شوكة ثقيف. غير أن العزى كانت أول المقدسات العربية تحطيما بعد أصنام الكعبة. وتلتها مناة بعد ذلك.

وكانت الخطة النبوية أن يقوم قائدا الفرسان في مكة بهذه المهمة، خالد وعمرو أما خالد فكانت مهمته إلى العزى، بينما كانت مهمة عمرو بن العاص إلى سواع.

وخالد وعمرو للملمات والمهمات الخاطفة الفدائية. ومن أجل ذلك لم يكن معهما إلا بضعة وعشرين فارسا من فرسان المسلمين، ونجحت المهمتان نجاحا عظيما رغم المظاهرة العنيفة من العزى ومناة التي تظهرمن تلك المرأة العارية السوداء الناشرة شعرها، وكان لتحطيم الصنم، ومقتل المرأة وتهدم بيت السدانة أثر ضخم في اضمحلال قدسية هذه الأصنام. وكانت الآثار

(1) المصاع: المضاربة بالسيوف.

(2)

السيرة لابن هشام ج 4 ص 431.

(3)

سورة النجم: 19 - 22.

ص: 149

الإعلامية لهذه الأحداث. أن اجتثت جذور الوثنية وزلزلت أركانها من القواعد.

لكننا نلحظ أن مناة كانت من نصيب سعد بن زيد الأشهلي رضي الله عنه ولم تكن من نصيب خالد وعمرو وسبب ذلك أن مناة هي المقدسة عند الأوس والخزرج. فلا بد أن يهدمها واحد من الأوس والخزرج كما كانت العزى من مقدسات قريش فكان هدمها على يد خالد، ولا يبعد أن تكون سواع مقدسة عند قوم عمرو أو أقاربه، ومن أجل هذا كلف بهذه المهمة، أو لعلها من المقدسات عند قريش كذلك.

وهو تخطيط نبوي واضح، أن يحطم الصنم ممن كانوا يولونه القداسة والعبادة أكثر من غيرهم، وهكذا نلحظ أن الذي هدم اللات فيما بعد - صنم ثقيف - هو المغيرة بن شعبة الثقفي. وترافق هذا الهدم مع التوجيهات النبوية العامة في مكة وحولها.

(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره).

وليس هذا أمرا سهلا في الحقيقة فهذه الخطوة من حيث الضخامة والخطورة تقارب فتح مكة وتحطيم تلك الآلهة المدعاة. ثم تحطيم تلك الأصنام التي تملأ البيوت العربية. تعني هذه الأمور ثورة كاملة على الجاهلية وإزالة معالمها ومحو مقدساتها من النفوس قبل البيوت وقبل أماكن العبادة وقد استطاع الإسلام حقا في هذه الخطوات أن يهزم الجالهية في أقل عدد من الخسائر في الأموال والأرواح، والتي كان بالإمكان أن ترافقها المذابح الجماعية في الأرض العربية.

ولا بد هنا من المقارنة بين خطين كبيرين في العمل الإسلامي في هذه المرحلة.

هذان الخطان هما: تحطيم الأصنام، وتحطيم الأشخاص.

فبمقدار ما حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحفاظ على الأشخاص، مهما كانت مستويات محاربتهم للإسلام، ومستويات عقائدهم الوثنية. حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على تحطيم كل أثر من آثار الوثنية. حتى ولو كان الصنم الصغير التافة في البيت.

ولم نجد في هذه القضية إطلاقا مراعاة للنفوس التي قد تثور أو تحقد أو تغضب أو ترتد حين تحطم مقدساتها وتكسر.

وما أحوج الدعاة إلى التفريق بين الخطين حتى في مرحلة القمة، مرحلة الفتح الأكبر

ص: 150

والنصر المبين إننا في لحظة الانفعلات العاطفية والخط الدعوي الإعلامي كثيرا ما نستعمل هذه المقولة والأشخاص الطغاة الذين يحكمون بغير شريعة الله أصنام يجب أن تحطم.

والطغاة حين يصرون على الكفر لا بد أن يسقطوا أو يحطموا. هذا لا شك فيه، ولكن عظمة الإسلام هو في الاغتيال النفسي لهؤلاء الطغاة وإعادة تركيبهم من جديد على ضوء الإسلام فتكون معادلة البناء سهلة في هذا المجال ونحن حين نغزو قلوب عظماء الرجال. ونحتلها بهذا الإسلام العظيم، نكون قد قطعنا شوطا كبيرا في مجال الدعوة من خلال البنيان القبلي والعشائري الذي يجعل للقبيلة الدور الضخم في شرائح الجهاد الإسلامي.

فخالد بن الوليد الذي حطم العزى كان في مرحلة من المراحل من طواغيت مكة. وكان صنما يجب أن يحطم على حد مقولتنا الإعلامية العاطفية لكن عظمة الإسلام أن جعلت منه الأداة التي حطمت العزى في الأرض العربية وقل هذا القول بالنسبة لعمرو بن العاص رضي الله عنه الذي كان أحد طواغيت مكة الكبار. وتم على يديه هدم سواع. وكان من الممكن أن يكون هدف تحطيمه معركة طاحنة. وقل مثل ذلك بالنسبة لأبي سفيان رضى الله عنه الذي كان أكبر الطواغيت في مكة. فلقد كان هدفا بحد ذاته. ولطالما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من يغتاله، وشاءت إرادة الله تعالى أن لا ينجح مشروع اغتياله. وبالتالي يدخل ضمن مخطط الهدى النبوي، فيكون الأداة بعد أشهر فقط في هدم اللات مع المغيرة بن شعبة.

إنها نقلة ضخمة في عالم العظام أن تسير بهم برفق وبعبقرية من الجاهلية إلى الإسلام وتحولهم من هدف للتحطيم إلى أداة تحطم بها معالم الكفر. وبالتالي تفقه الحركة الإسلامية الفرق بين الخطين المذكورين. وبمقدار ما تراعى أعماق النفس الإنسانية. وتستلم مفتاحها وتوجد الهزة الشعورية التي تنقلها إلى حظيرة الإسلام. بمقدار ما ترمي وراء ظهرك هذه المشاعر جميعا عند بناء العقيدة وتهديم معالم الكفر، وعدم إعطاء أي وزن لغضب النفوس من جراء تحطيم معالم الجاهلية وكان أقصى حد من التساهل في هذا المجال هو أن يعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم القوم من هدم أصنامهم بيدهم، دون أن يكون تأجيل الهدم موضع مساومة، وأنت قادر على ذلك.

لكن هذا لا يمنع أبدا من القول: إن هذا المبدأ لم يكن هو المبدأ السائد في كل المراحل ونستطيع أن نلاحظ الموقف من الأصنام إنه قد مر بمراحل متعددة:

أولى هذه المراحل: يوم نهى الإسلام عن سب هذه الأصنام. وكان هذا في مرحلة البناء الأولى في مرحلة تأسيس الدعوة.

ص: 151

{ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} (1).

وهذه المرحلة لا ترتبط بزمن وهي بالنسبة للحركة الإسلامية تمتد طالما أن الحركة الإسلامية غير قادرة على مواجهة الكفر بشيء يوم تسب الله تعالى ولا تستطيع أن تحول دون ذلك.

والثانية في مرحلة تأسيس الدولة: ويختلف الأمر هنا من داخل الدولة إلى خارجها. فداخل حدود الدولة الأصل أن تزول معالم الوثنية منها. أما إذا اشترك في سلطانها أكثر من جهة فيمكن أن تبقى هذه الأصنام دون أن يشارك المسلمون في تقديسها. فمناة مثلا لم يهدم قبل فتح مكة. وكانت تشترك في تقديسه الأوس والخزرج وغسان، وإذا كان الأوس والخزرج قد انتهى تقديسها عندهم بعد الإسلام. لكن اشتراك غسان في تقديسها، وغسان ذات شوكة ضخة، ومرتبطة مع الروم بتحالفات مصيرية. أجلت عملية الهدم الى فتح مكة.

والثالثة في مرحلة تمكين الدولة. ويختلف الأمر في مرحلة التمكين بين حق المشاركة وحق السيادة فحق المشاركة الذي قام من خلال معاهدة الحديبية والذي حدد تنفيذه بعد عام كامل وذلك حيث تختلط معالم الوحدانية بمعالم الشرك. وحيث يقدر المسلمون أن يمارسوا شعائر الإسلام دون أن يشاركوا في شعائر الشرك. كما هو الأمر في عمرة القضاء. وطاف المسلمون حول البيت الحرام. دون أن يحق لهم التدخل في آلهة المشركين.

ونلاحظ المرحلية حتى في مجال المشاركة إذ تبدأ كما قلت بعد عام من المعاهدة وأما عند حق السيادة فالأصل إلغاء الوجود الوثني كله. مهما كانت النفوس ضعيفة وذلك الموقف الذي نشهده الآن بعد فتح مكة.

ويحضرني من خلال الواقع العملي، قضية الإذاعة التي عانت منها بعض فصائل الحركة الإسلامية المسلحة إذ كانت المصلحة تقتضي فتح صوت إسلامي في هذه الإذاعة يرافقها أصوات غير إسلامية تمثل التيار القومي. وكانت المرحلة الأولى لهذه الإذاعة أن استلمت ركنا محددا بزمن محدد تبث منه فكرها الإسلامي دون أن يكون لها علاقة بما تبثه الإذاعة القائمة أما عندما وجدت الحركة الإسلامية نفسها مضطرة للاشتراك مع حلفائها بهذا الصوت الإذاعي، تحت راية واحدة فكان لابد لها أن تحافظ على تميزها في بثها المنتشر في الإذاعة كاملة من حيث يظهر التميز في نشيدها الذي يمثل فكرها، ولا بد من خطوة ثانية تقتضي، الإشراف على البث كله طالما أنه يبرز تحت

(1) الأنعام 108.

ص: 152

راية واحدة حتى لا يخاف الإسلام في الحدود الممكنة. والدعاة بحاجة إلى فقه هذا التدرج مرحلة عقب مرحلة محكومة بالقوة التي تملكها الحركة الإسلامية والقدرة على الانتقال إلى الموقع الأفضل مع القوة الأفضل. ونرجىء المرحلة الأخيرة لما بعد سورة براءة.

وفي الحديث عن سرية خالد رضي الله عنه إلى بني جذيمة تبرز معان جديدة متعددة. فمن هذه المعاني أن خالدا رضي الله عنه قد نجح أعظم نجاح بصفته قائدا حربيا في مؤتة وفتح مكة، وهدم العزى. نجده فشل فشلا ذريعا بصفته داعية إلى الله تعالى. وطغى الجانب الحربي على الجانب الدعوي عنده، وكانت تجربة قاسية له ولا شك ولما يمر على إسلامه سنة كاملة وبالتحديد خلال الأشهر الثمانية الأولى من إسلامه.

لقد كانت بوادر هذا الإندفاع ظاهرة في فتح مكة حيث قاتل المشركين. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عن القتال، وحوسب على ذلك فقال:(جاءني فلان فأمرني أن أقتل من قدرت عليه. فأرسل إليه ألم آمرك؟ قال: أردت أمرا وأراد الله أمرا فكان أمر الله فوق أمرك وما استطعت إلا الذي كان)(1). وفي رواية أنه أقسم ما قاتل حتى قوتل.

وقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم عذره.

لكن الخطيئة في بني جذيمة كانت ضخعة. وذات أثر سيء جدا في الصف العربي الذي ينظر إلى المسلمين على أنهم القدوة العليا في الأرض، وعلى اختلاف الروايات. فلا نجد رسول الله صلى الله عليه وسلم هنا يغفر لخالد، بل يرفع يديه إلى السماء متجها إلى القبلة ويقول: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد. (قالها ثلاثا).

وصورة الأمر حين ينتشر يعني أن لا عهد للمسلمين مع خصومهم، وأنه ليس أمام هؤلاء الخصوم إلا المقاومة أو الإسلام. ورسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خالدا داعيا ولم يعثه مقاتلا ودون الخوض في التعليلات التي سبقت واختلاف الروايات فيها. فمما لا شك فيه أن مقتل الكثير من بني جذيمة يخالف التوجيه النبوي مخالفة تامة، واحتال أن تكون هذه النفوس السبعون أو أكثر قد قتلت ظلما بعد الإسلام هو احتمال قوي كما تذكر بعض الروايات الصحيحة والذي يزيد في المسؤولية أن هناك من احتج احتجاجا شديدا على قتلهم. وأهم من احتج على ذلك عبد الله بن عمر، وسالم مولى أبي حذيفة، وعبد الرحمن بن عوف، حتى كاد يكون بينهم شر. وإن كانت بعض الروايات تشير إلى أن عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه هو الذي أمر خالدا بذلك. وكان ألم رسول الله صلى الله عليه وسلم ألما عظيما من هذه النتيجة. وحاول أن يستدرك الأمر بعلي رضي الله عنه الذي لحق ببني

(1) البداية والنهاية ج 4 ص297.

ص: 153

جذيمة فأوقف القتل، ودفع دية جميع القتلى بلا استثناء، وعوض عن جميع الخسائر الماديه حتى ميلغة الكلب.

ومن هذه المعاني، الدرس القاسي الذي لقنه رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد، حين أعلن براءته مما عمله على مستوى الملأ، هذا بالنسبة له. لكن حرص عليه الصلاة والسلام على الحفاط على ما تبقى من الدماء درس آخر علني في تسفيه سلوك خالد وتخطئته على الملأ من بني جذيمة.

ومن طرف ثالث. وضع خالد رضي الله عنه ضمن حدوده حين يتجاوز على أمثال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه وهو من السابقين الأولين من المهاجرين.

إن هذه النفسية العظيمة التى كانت تجد الأمجاد أمامها مجدا بعد مجد. لا بد لها حين تخطىء من أن تكفكف عن خطئها. وتطامن من كبريائها، فتبقى هذه التجاوزات محاطة بسياج الإسلام يردها عندما تريد الجموح لقد كانت كلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد، أقسى من أي درس تلقاه في حياته. درس في التربية، يتلقاه القائد العظيم، ليتعلم أصول الدعوة وطريقها. وذلك حين قال له عليه الصلاة والسلام: دع عنك أصحابي. فلو أنفقت ملء أحد ذهبا ما بلغت مد أحدهم ولا نصيفه. وفي رواية: ما أدركت غدوة رجل من أصحابي أو روحته.

كان لا بد لهذه المعاني أن تطرق ذهن القائد العظيم وهو يتلقى دروس التربية في مدرسة النبوة. فذكر الغدوة والروحة لا بد من الإشارة إليه، وكل علاقة خالد بالجهاد لم تبلغ بعد ثلاث معارك خلال ثمانية أشهر فكيف يغيب عن ذهنه جهاد عشرين عاما أو تزيد في صحيفة عبد الرحمن رضي الله عنه هذا من جهة، ومن جهة ثانية. فلذكر جبل أحد معنى ذو مذاق خاص، لا يدرك مذاقة المر مثل خالد بن الوليد رضي الله عنه. فهو بطل أحد، وهو الذي حارب رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المعركة في الوقت الذي كان عبد الرحمن بن عوف واحد من خمسة يذودون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وناله أكثر من عشرين جراحة. فكيف يستويان؟

وفي الوقت الذي كان خالد رضي الله عنه يحمل على كتفيه وسام مؤتة وهو من أعلى الأوسمة العسكرية على الإطلاق. لكن هذا لا يعفيه من المسؤولية، ولا يبيح له قتل كثير من المسلمين دون تثبت. فكان هذا الدرس من أعظم الدروس التربوية التي تلقاها خالد في حياته رضي الله عنه. فقه منه أن الحرب ليست للحرب. كما هي الحال في تاريخه العسكري لعشرين عاما خلت، وفقه منه أنه داعية قبل أن يكون قائد حرب ممتاز، وفهم منه أن استلامه الموقع الأول في القيادة لا يعني أن هذا يعطيه حق التعالي على الآخرين، أو أنه غدا خيرا منهم. بل لا يحق له أن يقارن نفسه مع الجيل الأول من المجاهدين ومع الرعيل الأول منهم.

ومن المعاني التي تبرز من خلال هذه السرية حركية الرسول صلى الله عليه وسلم العجيبة التي جعلته يتدارك

ص: 154

الأمر قبل فوات الأوان. وحين تقارن هذه الحركية مع الحركية القائمة للجماعة الإسلامية يكاد يصيبنا الذهول والألم للبون الكبير بين الحركتين. مع توفر وسائل المواصلات اليوم. وفي العمق النفسي الذي سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم واختياره عليا بالذات بصفته الممثل الشخصي له فهو أخوه وابن عمه كي يطمئن الناس إلى الموقف الصحيح الذي عالج الخطأ. بهذه الحكمة حتى ليدي مبلغة الكلب، ويوزع الباقي على بني جذيمة لتثلح صدور الناس.

من جديد، وتمسح هذه اليد الحانية تلك المجزرة الضخمة. ولا أدل على التعبير عنها مما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه إذ قال:

(رأيت كأني لقمت لقمة من حيس (1) فالتذذت طعمها، فاعترض في حلقي منها شيء حين ابتلعتها فأدخل علي يده فنزعه. فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله هذه سرية من سراياك تبعثها. فأتيك منها بعض ما تحب، ويكون في بعضها اعتراض فتبعث عليا فيسهله) (2). ولعل الشيء الأخطر الذي أنقذه علي رضي الله عنه هو سمعة المسلمين، وذلك حين يتناقل الناس النبأ أن المسلمين يغدرون، وإنهم سيذبحون كل من يعاديهم حتى لو دخل في الإسلام. فانتشار هذه القالة دون أن ينتشر معها ذلك التصحيح المباشر الذي يلف الخطأ ويزيل آثاره سوف يقف سدا ذريعا بين الناس وبين الإسلام.

وهذا الدرس يعني أن كرامة الحركة فوق كرامة الأشخاص، وسمعة الدعوة فوق سمعة الأشخاص وأن يشرح خطأ خالد علنا. على ما فيه من قساوة على خالد. هو أمر من مصلحة هذه الدعوة التي لا يجوز لها أن تفرط في ذرة من سمعتها على الإطلاق.

ومن أجل إرضاء النفوس يبذل المال كله، ولو تجاوز حدود الصلاحيات المتاحة ضمن الهدف العام الذي تتحرك القيادة من أجله وهو تطبيب النفوس، وإعادة الثقة فيها من جديد.

ومن المعاني السابقة المذكورة إلى المعنى الأخير الخطير. هذا المعنى، هو قيمة الداعية المجاهد. وقبل أن نمضي بعيدا في هذا المعنى نقف مع هذه اللمحات والخطرات في واقع الحركة الإسلامية من خلال بعض الأمثلة التي توضح الفرق بين هذا الواقع وبين الأفق الوضيء الذي تدعونا السيرة النبوية إليه.

1 -

ذات مرة وقع أخ من صفوف الحركة الإسلامية أسيرا بيد حليف هذه الحركة. ولخطأ أو إهمال أو غدر تم تسليم هذا الأخ إلى يد العدو. فأدت هذه القضية في صف هذه الحركة إلى توتر لم

(1) حيس: أن يخلط السمن والتمر والإقط فيؤكل.

(2)

السيرة لابن هشام ج 4 ص 429.

ص: 155

يحصر الأمر ضمن الخطيئة. بل زعزع ثقة الجنود بكل القيادة. وأشار بعض المغرضين فيها بأصابع الإتهام إلى خط الجماعة كله، ووصمها البعض بالغباء والتواطؤ. ولا شك أن الحاقدين تكنوا من إثارة هذا الجو وتعبئة النفوس في هذا المسار. لأن هذا التسليم عرض العديد من الشباب للخطر.

2 -

ألقى أخ مسؤول ذات مرة كلمة حماسية في الإذاعة المخصصة للحركة الإسلامية، فثار الشباب المتحمس ضده في اليوم الثاني. واتهمه بأنه يريد أن يذبح أسرى هذه الحركة الموجودين في صفوف العدو، وراح الحماس يلعب دوره حتى اتهمه بمسؤوليته عن قتل ستة آلاف شهيد نتيجة تلك الكلمة المذاعة، علما بأن الشهداء سقطوا قبل هذه الكلمة. وأضحت المطالبة بإقصائه ومحاكمته وقتله.

3 -

حدث في الإذاعة التي تشترك بها الحركة الإسلامية أن أخطأ بعض الإخوة وأدخل مقطوعة موسيقية ضمن برنامج إسلامي، فقامت القواعد ولم تقعد. متهة القيادة بالإنحراف عن الإسلام، وبأن هذه القيادة غدت أداة في يد العدو. تهادن في دين الله، وتستحل الحرام، وتعلن القواعد فقدان ثقتها النهائية بالقيادة لأن بعض أفرادها مسؤول عن مراقبة البرامج مع عدد من الإخوة وقبل هذا الحرام.

ذكرت هذه النماذج الثلاثة، ولا أقول إن القواعد جميعها تسلك هذا السبيل. إنما يوجد بعض الشباب الذين يثيرون هذه الاتهامات وتجد أذنا صاغية لهذا البهتان، وتضخيم الخطأ، وتحويله إلى انحراف كامل بالحركة.

وهذه النماذج الثلاثة أضعها بين يدي حادثة بني جذيمة، وكيف أعمل خالد رضي الله عنه السيف بالأسرى بعد أن أمنهم أو بعد إعلان إسلامهم رغم المعارضة العنيفة لهذا التصرف من كبار المهاجرين. ورأينا خطورة هذه القضية التي اقتضت إعلان البراءة مما فعله خالد رضي الله عنه أمام الصحابة جميعا، ثم كف يده عن القتل بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ودية من تمت إبادتهم.

خطأ أودى بأرواح سبعين أو أكثر من بني جذيمة وقضوا خطأ بعد إسلامهم. وماذا جرى بخالد بعد هذا الدرس النبوي القاسي؟؟

لقد بقي خالد رضي الله عنه في مركزه وبعد أقل من عشرين يوما،. خاض غزوة حنين، وهو بموقفه نفسه قائد خيالة المسلمين. كما يقول المقريزي: وبقيت سليم كما هي في مقدمة الخيل وعليهم خالد بن الوليد (1).

(1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 405.

ص: 156

فالخطأ الذي أخطأه ابن الوليد رضي الله عنه، لم يحرقه، ولم يقض عليه، ولم يعزله، ولم ينل من كفاءته وطاقته. إنما أعلن خطؤه، وسمع التأنيب الضروري، وتلقى الدرس التربوي المناسب وتابع مهمته في موقعه نفسه في القيادة دون أن يشهر به، أو يستغنى عنه، بل نهى المسلمين بعد الخطأ ذاك من الاسترسال في النقد. وطلب منهم الكف عن الحديث في هذا الأمر وقال:(لا تسبوا خالدا فإنه سيف من سيوف الله. سله الله على المشركين)(1).

ونخلص من هذا الدرس الأخر إلى أن خطأ الأخ سواء كان في القيادة أو في القاعدة. لا بد أن يعالج المعالجة المناسة، ويحاسب على خطئه لكن هذا لا يقتضي إسقاطه أو عزله، أو التخلي عنه والتخلي عن طاقاته وإمكاناته ومواهبه. والجماعة الحكيمة هي التي تحافظ لا على قيادتها فحسب بل على أصغر جندي من جنودها، والفرق كبير جدا جدا بين محاسبة المخطىء في الحدود اللازمة وبين الإجهاز عليه، وما يوم بني جذيمة بسر.

ب - غزوة حنين

الرسول صلى الله عليه وسلم يغادر مكة إلى حنين: وفي يوم السبت السادس من شهر شوال سنة 8 هـ، غادر رسول الله مكة، وكان في إثني عشر ألفا من المسلمين عشرة آلاف ممن كانوا خرجوا معه لفتح مكة، وألفان من أهل مكة، وأكثرهم حديثوا عهد بالإسلام، واستعار من صفوان بن أمية مائة درع بأداتها، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد. ولما كان عشية جاء فارس فقال: إني طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم ونعمهم وشائهم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله. وتطوع للحراسة تلك الليلة أنس بن أبي مرثد الغنوي.

وفي طريقهم إلى حنين رأوا سدرة عظيمة خضراء يقال لها ذات أنواط. كما لهم ذات أنواط فقال: الله أكبر، قلتم -والذي نفسي بيده- كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون. إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم. وقد كان بعضهم قال: نظرا إلى كثرة الجيش: لن نغلب اليوم. وكان قد شق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الجيش الإسلامي يباغت الرماة والمهاجرين: إنتمى الجيش الإسلامي إلى حنين ليلة الثلاثاء لعشر خلون من شوال، وكان مالك بن عوف قد سبقهم فأدخل جيشه بالليل في ذلك الوادي، وفرق كمناءه في الطرق والمداخل. والشعاب والأخباء والمضايق. وأصدر إليهم أمره بأن يرشقوا المسلمين أول ما طلعوا، ويشدوا شدة رجل واحد.

(1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 400.

ص: 157

وبالسحر عبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشه، وعقد الألوية والرايات، وفرقها على الناس؛ وفي عملية الصبح استقبل المسلمون وادي حنين. وشرعوا ينحدرون فيه، وهم لا يدرون بوجود كمناء العدو في مضايق هذا الوادي. فبينا هم ينحطون إذا تمطر عليهم النبال، وإذا كتائب العدو قد شدت عليهم شدة رجل واحد. فانشمر المسلمون راجعين، لا يلوي أحد على أحد، وكانت هزيمة منكرة .. وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم جهة اليمين وهو يقول: هلموا إلي أيها الناس، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله، ولم يبق معه في موقفه إلا عدد قليل من المهاجرين وأهل بيته وحينئذ ظهرت شجاعة النبي صلى الله عليه وسلم التي لا نظير لها فقد طفق يركز بغلته قبل الكفار وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب.

بيد أن أبا سفيان بن الحارث كان آخذا بلجام بغلته والعباس بركابه يكفانها أن لا تسرع ثم نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستنصر ربه قائلا: اللهم أنزل نصرك.

رجوع المسلمين واحتدام المعركة: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه العباس وكان جهير الصوت أن ينادي الصحابة قال العباس: فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها. فقالوا: يا لبيك يا لبيك. ويذهب الرجل ليثني بعيره فلا يقدر عليه فيأخذ عليه درعه. فيقذفها في عنقه. ويأخذ سيفه وترسه، ويقتحم عن بعيره، ويخلي سبيله، فيؤم الصوت حتى إذا اجتمع إليه مائة استقبلوا الناس واقتتلوا.

وصرفت الدعوة إلى الأنصار، يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة في بني الحارث بن الخزرج، وتلاحقت كتائب المسلمين واحدة تلو الأخرى كما كانوا تركوا الموقعة. وتجالد الفريقان مجالدة شديدة، ونظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ساحة القتال، وقد استحر واحتدم، فقال: الآن حمي الوطيس. ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم قبضة من تراب الأرض، فرمى بها في وجوه القوم: وقال: شاهت الوجوه. فما خلق الله إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا من تلك القبضة فلم يزل حدهم كليلا، وأمرهم مدبرا.

انكسار حدة العدو، وهزيمته الساحقة: وما هي إلا ساعات قلائل - بعد رمي القبضة -حتى انهزم العدو هزيمة منكرة وقتل من ثقيف وحدهم نحو السبعين، وحاز المسلمون ما كان على العدو من مال وسلاح وظعن. وهذا هو التطور الذي أشار إليه سبحانه وتعالى في قوله:{ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفررا وذلك جزاء الكافرين} .

حركة المطاردة: ولما انهزم العدو صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى نخلة،

ص: 158

وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى أوطاس طائفة من المطاردين يقودهم أبو عامر الأشعري، فناوش الفريقان القتال قليلا، ثم انهزم جيش المشركين، وفي هذه المناوئة قتل القائد أبو عامر الأشعري. وطاردت طائفة أخرى من فرسان المسلمين فلول المشركين الذين سلكوا نخلة. فأدركت دريد بن الصمة فقتله ربيعة بن رفيع. وأما معظم فلول المشركين الذين لجؤوا إلى الطائف فتوجه إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه بعد أن جمع الغنائم.

الغنائم: وكانت الغنائم: السبي ثلاثة آلاف رأس، والإبل أربعة وعشرون ألفا والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجمعها ثم حبسها بالجعرانة، وجعل عليها مسعود بن عمرو الغفاري، ولم يقسمها حتى فرغ من غزوة الطائف. وكانت في السبي الشيماء بنت الحارث السعدية، أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة فلما جيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفت نفسها فعرفها بعلامة فأكرمها، وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، ثم من عليها، وردها إلى قومها.

غزوة الطائف: وهذه الغزوة في الحقيقة امتداد لغزوة حنين، وذلك أن معظم فلول هوازن وثقيف دخلوا الطائف مع القائد العام - مالك بن عوف النصري - وتحصنوا بها، فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد فراغه من حنين وجمع الغنائم بالجعرانة في نفس الشهر. شوال سنة 8 هـ وقدم خالد بن الوليد على مقدمته طليعة من ألف رجل، ثم سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف فمر في طريقه على النخلة اليمانية، ثم قرن المنازل، ثم على لية، وكان هناك حصن لمالك بن عوف فأمر بهدمه ثم واصل سيره حتى انتهى إلى الطائف. فنزل قريبا من حصنه، وعسكر هناك، وفرض الحصار على أهل الحصن ودام الحصار مدة غير قليلة ففي رواية أنس عند مسلم أن مدة حصارهم كانت أربعين يوما، وعند أهل السير خلاف في ذلك فقيل عشرين يوما، وقيل بضعة عشر، وقيل ثمانية عشر، وقيل خمسة عشر. ووقعت في هذه المدة مراماة ومقاذفات. فالمسلمون أول ما فرضوا الحصار رماهم أهل الحصن رميا شديدا كأنه رجل جراد حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، وقتل منهم اثنا عشر رجلا واضطروا إلى الارتفاع عن معسكرهم إلى مسجد الطائف اليوم، فعسكروا هناك.

ونصب النبى صلى الله عليه وسلم المنجنيق على أهل الطائف، وقذف به القذائف، حتى وقعت شرخة في جدار الحصن. فدخل نفر من المسلمين تحت دبابة، ودخلوا بها إلى الجدار ليخرقوه. فأرسل عليهم العدو سكك الحديد المحماة فخرجوا من تحتها، فرموهم بالنبل، وقتلوا منهم رجالا.

وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كجزء من سياسة الحرب لإلجاء العدو إلى الاستسلام - أمر بقطع الأعناب وتحريقها، فقطعها المسلمون قطعا ذريعا، فسألته ثقيف أن يدعها لله والرحم. فتركها لله والرحم. ونادى مناديه صلى الله عليه وسلم: أيما عبد نزل من الحصن، وخرج إلينا فهو حر، فخرج إليهم ثلاثة

ص: 159

وعشرون رجلا فيهم أبو بكر - تسور حصن الطائف وتدلى منه ببكرة مستديرة يستقي عليها. فكناه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكة، فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه. فشق ذلك على أهل الحصن مشقة شديدة، ولما طال الحصار واستعصى الحصن، وأصيب المسلمون بما أصيبوا من رشق النبال، وبسلك الحديد المحماة - وكان أهل الحصن قد أعدو فيه ما يكفيهم لحصار سنة - استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم نوفل بن معاوية الدولي فقال: هم ثعلب في حجر-إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يغيرك، وحينئذ عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على رفع الحصار والرحيل، فأمر عمر بن الخطاب فأذن في الناس: إنا قافلون غدا إن شاء الله، فثقل عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتحه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أغدوا على القتال، فغدوا فأصابهم جراح فقال: إنا قافلون غدا إن شاء الله، فسروا بذلك وأذعنوا، فجعلوا يرحلون .. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، ولما ارتحلوا واستقلوا قال: قالوا: آيبون تائبون، لربنا حامدون.

وقيل يا رسول الله ادع على ثقيف، فقال: اللهم اهد ثقيفا وئت بهم.

وفد ثقيف: كانت وفادتهم في رمضان سنة 9 بعد مرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك، وأسلمت ثقيف.

وفد هوازن: وبعد توزيع الغنائم أقبل وفد هوازن مسلما وهم أربعة عشر رجلا.

لم يكن يكفي سقوط معقل الوثنية - مكة لانتهاء المقاومة المسلحة، فالقبائل المجاورة من هوازن وثقيف لا تزال مركز قوة ضخم، وتشكل خطرا على الوجود الإسلامي كله. ومن أجل هذا كانت خطة النبي صلى الله عليه وسلم تتجه إلى إنهاء كل الجيوب الوثنية المتبقية، وهي ذات قوة ضارية فعالة.

وحيث أن التربية جزء أساسي من حياة الفرد المسلم والجماعة المسلمة، وحيث أن هذا التجمع الجديد الذي وصل تعداده إلى اثني عشر ألف مقاتل، لم تتح له فرصة التميص المناسبة، ولم تصهره المحنة بعد، إذ تم دخول مكة دون قتال يذكر. فهذا يعني أن هذا الجيش الذي يزيد في أكثر من نصفه من حديثي عن عهد بالاسلام. فكانت المحنة سبرا لهذه النفوس.

لقد أثر هذا الحشد الضخم على أعصاب المسلمين، ورأوا هذه الأعداد الهائلة، فيقول قائلهم: لن نغلب اليوم أو يقول عليه الصلاة والسلام: لن يغلب اثنا عشر ألف عن قلة. فالأمر في النتيجة واحد. هو أن التجمع الذي لا تصهره التربية، يصعب عليه أن ينتصر، وهذا ما نزل بالمسلمين يوم حنين.

{لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين} (1).

(1) سورة التوبة: 25.

ص: 160

وفي لحظة من لحظات الضعف البشري بالاعتماد على الأسباب المادية والثقة بها، يأتي التأديب الرباني لينال الجماعة المسلمة كلها وهذا التأديب يتناسب مع طبيعة الخطأ الذي تخطئه هذه المجموعة.

ومن خلال المحنة والإبتلاء. يتم انصهار هذا التجمع ليتحول إلى جماعة.

وكان الابتلاء الرباي في هذه المعركة ذي محورين.

المحور الأول في الضراء، حيث كانت هزيمة حنين الأولى، وعدم نجاح حصار الطائف.

المحور الثاني في السراء، وذلك من خلال غنائم حنين.

فلقد أعد المسلمون من الأسباب المادية ما يفوق الإعداد في أية معركة. وكان قوام الجيش إثني عشر ألفا. وكانت الأسلحة متوفرة كذلك، ومن أحدث أنواع الأسلحة. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غنمها من اليهود في خيبر. فقد كان عند المسلمين المنجنيق والدبابة ولأول مرة في تاريخ حروبهم كانوا يمتلكون ذلك. واستعار رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة درع من صفوان بن أمية.

هذا من حيث الإعداد المادي، الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ الجيوش الإسلامية لكن هذا التجمع الإسلامي لا يزال في صفوفه الكثير ممن دخل في الإسلام وهو في قمة النصر. ورأى أن المسير في الاتجاه الإسلامي يعني نصرا مستمرا وغنائم ضخمة. فكان لا بد من هزة حنين.

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم استطلاعه الجيد قبل المعركة. وشاءت إرادة الله تعالى أن لا يرى ذلك الاستطلاع كمائن العدو المنبثة في جميع شعاب الجبل. وكانت المعركة.

وحين يقرأ المسلم أحداث هذه المعركة يذهله الخبر. فالهجوم المباغت من هوازن أفقد الجيش المسلم كله توازنه، حتى القاعدة الصلبة. فقدت توازنها، ولاذت بالفرار من هول المفاجأة. ولم يسبق لهذه القاعدة الصلبة أن اهتزت هذا الاهتزاز في تاريخها كله إلا يوم أحد.

ومع هول المفاجأة، فر الجيش الإسلامي كله، ولم يثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بضعة عشر رجلا وكانوا فريقين:

الفريق الأول: أقرباؤه الأدنين. العباس بن عبد المطلب، والفضل بن العباس وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.

ص: 161

وهذه نماذج جديدة على الساحة ورغم دخولها الجديد في الإسلام، لكنها لم تتراجع خطوة واحدة بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الفريق الثاني: وهم الخميرة الأولى للدعوة. أبو بكر، عمر، عثمان، علي، أبو دجانة.

كما برز فريق ثالث من الشباب هما: أيمن بن عبيد الخزرجي، وأسامة بن زيد رضي الله عنهما.

وبرز فريق رابع من النساء هن: أم سليم بنت ملحان، هي يومئذ حامل بولدها عبد الله بن أبي طلحة، وأم عمارة بنت كعب، وأم سليط وأم الحارث.

ولا يبعد أن يكون هناك قتال ضار في مكان آخر. غير أن هذه المجموعة الفدائية بقيت حول رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وحين يكون الصف المسلم فيه من يفكر بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني أن التربية لم تشمله كله بعد. ويحدثنا أحد المغامرين شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، عن هذه اللحظات من الأزمة فيقول:(لما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم غزا مكة فظفر بها وخرج إلى هوازن. قلت: أخرج لعلي أدرك ثأري. وذكرت قتل أبي يوم أحد وعمي. فلما انهزم أصحابه جئته عن يمينه، فإذا العباس قائم عليه درع بيضاء كالفضة، فقلت، عمه! لن يخذله! ثم جئته عن يساره، فإذا بأبي سفيان بن الحارث فقلت: ابن عمه لن يخذله. فجئته من خلفه، فلم يبق إلا أن أسوره (1) بالسيف إذ رفع لي فيما بيني وبينه شواظ من النار كأنه برق، وخفت أن يمحشني (2)، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى فالتفت إلي وقال: يا شيب! أدن مني! فوضع يده على صدري وقال: اللهم اذهب عنه الشيطان. فرفعت رأسي إليه وهو أحب إلي من سمعي وبصري وقلبي ثم قال:

يا شيب قاتل الكفار! فتقدمت بين يديه أحب والله أقيه بنفسي كل شيء. فلما انهزت هوازن ودخلت عليه، فقال: الحمد لله الذي أراد بك خيرا مما أردت ثم حدثني بما هممت به (3).

وهذه الظاهرة التي حالت دون شيبة وقتله للنبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة عامة. فلم تر هوازن أن الجيش الإسلامي قد فر ولم يبق منه إلا بضعة عشر. لقد جاء المدد الإلهي مباشرة. ونزلت الملائكة

(1) تسور الحائط: علاه يريد أنه لم يبق شيء إلا أن ارتفع إليه فأعلوه فآخذه بالسيف.

(2)

محشته النار: أحرقت جلده حتى يبدو العظم.

(3)

إمتاع الأسماع: ج 1 ص 411.

ص: 162

بعمائمها الحمر تسد الأفق بين الأرض والسماء.

{ثم أنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها} .

وكانت المرحلة الثانية من المعركة هي النداء الخالد للعصبة المؤمنة: يا أصحاب سورة البقرة. كان النداء إلى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. فبدأت الأفراد تفد إلى ساحة المعركة. حتى بلغت المائة، ويقال إن المائة الصابرة يومئذ ثلاثة وثلاثون من المهاجرين وسبعة وستون من الأنصار.

ثم خصص رسول الله صلى الله عليه وسلم في المرحلة الثالثة: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة (فنادى العباس بذلك وكان رجلا صيتا فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها يقولون: يا لبيك يا لبيك: فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كالمتطاول في ركابيه، فنظر إلى قتالهم وقال: الآن حمي الوطيس، ثم أخذ بيده من الحصا، فرماهم بها وهو يقول: شاهت الوجوه ثم لا ينصرون. ثم قال: انهزموا ورب الكعبة. فما زال أمرهم مدبرا وانهزموا) (1).

وكانت هذه المراحل المتلاحفة بسرعة. تحدد مراحل المعركة. وتثبت الإيمان في قلوب ضعاف الإيمان. فلو استثنينا تلك القاعدة الصلبة التي تبلغ الألفين من المسلمين، لرأينا أن العمود الفقري من الجيش وهو من حديثي العهد بالإسلام كان لا بد أن يرى هذه المعجزة الإلهية بأم عينه، ويرى نصر الله تعالى لنبيه، ويرى ثبات هذا النبي وحده وبضعة عشر نفرا وهو يقول:

أنا النبي لا كذب

أنا ابن عبد المطلب

ولقد كان هذا التحدي مثلجا لصدور العصبة الصغيرة حرولهم، فحوالي ثلثهم من بني عبد المطلب الذين ثبتوا معه، وكانوا بالأمس يحاربونه ويهجونه ويقاومونه.

ولا بد أن يطرق هذا المعنى، أذهان الشباب المسلم ويتسع بأفقه بعيدا. ويعترف بقوة رابطة النسب إلى جوار رابطة العقيدة. حين يرى أبا سفيان بن الحارث وأخاه ربيعة والعباس وابنه. وعلي بن أبي طالب. وهذا يعني الاستفادة من روابط النسب وغيرها إلى جوار رابطة العقيدة وتحت ظلها ورايتها، وأكدت هذه المعركة كذلك، أن الصف المسلم سيبقى في محن متتابعة حتى يتم انصهاره وتلاحمه، وأن النصر بيد الله تعالى يؤتيه من يشاء وأن الإعجاب النفسي بالقوة والطاقة قمين بالمحنة القاسية لتعديل هذه النظرة وتغييرها حتى يتطامن ذلك الإعجاب ويخضع صاحبه لله رب العالمين.

وكانت المحنة الثانية العنيفة التي واجهها الجيش المسلم هي حصار الطائف الذي استمر

(1) إمتاع الأسماع ج 1 ص407.

ص: 163

أربعين يوما على ما تقوله روايات الإمام مسلم عن أنس رضي الله عنه. واستمرار هذا الحصار لثقيف التي لا تقل عزة ومنعة عن قريش. كان درسا جديدا لهذا الجيش كذلك، لأن نصر حنين يغري، فلم يكن بد لهم أن يتحملوا مسؤولية الحصار الطويل ويجربوا الالتزام والانضباط، هذا من جهة، ومن جهة ثانية لا بد أن يشعروا أن النصر ليس دائما حليف المسلمين، فلئن لم يتأخر نصر حنين ساعات. فنصر الطائف لم يتم إلا بعد شهور، ولأول مرة في تاريخ الجيش الإسلامي كذلك يتم انسحابه دون تحقيق هدفه، وعظم ذلك على القاعدة الصلبة المؤمنة. حين تلقوا أوامر الانسحاب. فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتال في اليوم الثاني. فخرجوا مشمرين نشيطين. غير أن سكك الحديد المحماة، والسهام ومطر النبل عليهم، أدت إلى أن أثخنتهم الجراح. وحين جاء الأمر في اليوم الثاني فسروا له وبشوا به. وضحك القائد العظيم عليه الصلاة والسلام.

ولا بد أن تكون التجربة من القيادة حية حين ترى تلكؤا في تنفيذ أوامرها وتعالج هذه النفوس الصعبة من خلال التجربة الحية، حين تزداد قناعة الجنود بقيادتهم.

إن عملية بناء الجماعة ورص الصف هي من أشق العمليات. وقد تواجه القيادة أحيانا بخلل حتى في الصفوة المختارة، والقاعدة الصلبة، سواء في الجزع والهلع من المواقف أو بالصورة المعاكسة في التبرم من التريث والصبر. والأمر الذي لا يلامس شغاف القلب لا يمكن أن يثمر ثمرته. ولو أدى الحرص على الإقناع فيه الخسائر في الأموال والأرواح بقدر.

لكن كيف انتهت هذه الجيوب الوثنية الضخمة: هوزان وثقيف.

إذ أن هوازن قد أمعنت في الهرب وطوردت من المسلمين، لكنها لم تدخل حظيرة الإسلام، وثقيف تمنعت وتأبت، وانصرف المسلمون عنها وفكوا الحصار دون شروط.

بقي دور الجهاد السياسي، واستغلال كل الظروف لتفتيت الحقد النفسي. كي تفيء هذه النفوس إلى الإسلام.

يقول ابن إسحاق: ثم أن وفد هوازن بالجعرانة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أسلموا فقال: يا رسول الله، إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا من الله عليك. قال: وقام رجل من هوازن، لم أحد بني سعد بن بكر يقال له زهير يكنى أبا صرد فقال: يا رسول الله إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا (1) للحارث بن أبي شمر، أو للنعمان بن المنذر ثم نزل منا بمثل الذي نزلت به رجونا عطفه وعائدته علينا، وأنت خير المكفولين.

(1) ملحنا: أرضعنا.

ص: 164

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ فقالوا: يا رسول الله، خيرتنا بين أموالنا وأحسابنا، بل ترد إلينا نساءنا وأبناءنا فهو أحب إلينا فقال: لهم: أما ماكان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم؛ وإذا ما أنا صليت الظهر بالناس فقوموا وقولوا: إنا نتشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا فسأعطيكم عند ذلك، وأسأل لكم، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر قاموا فتكلموا بالذي أمرهم به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم، فقال: المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت الأنصار: وما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا. فقاك بنو سليم، ما كان لنا فهو لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال يقول عباس بن مرداس: لبني سليم: وهنتموني.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما من تمسك منكم بحقه من هذا السبي. فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبي أصيبه. فردوا إلى الناس أبنائهم ونساءهم (1).

وفي رواية (فقال الناس. قد طبنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنا لا نعرف من رضي منكم ممن لم يرض. فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم. فردوا عليهم نساءهم وأبناءهم لم يتخلف منهم أحد غير عيينة بن حصن. فإنه أبى أن يرد عجوزا صارت في يديه منهم، ثم ردها بعد ذلك وكسا رسول الله صلى الله عليه وسلم السبي قبطية قبطية)(2).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوفد هوازن وسألهم عن مالك بن عوف ما فعل؟ فقالوا: هو بالطائف مع ثقيف. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبروا مالكا أنه إن أتاني مسلما رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل. فأتي مالك بذلك فخرج إليه من الطائف وقد كان مالك خاف ثقيفا على نفسه أن يعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له ما قال فيحبسوه. فأمر براحلته فهيئت له. وأمر بفرس له، فأتي به إلى الطائف، فخرج ليلا فجلس على فرسه فركضه حتى أتى راحلته حيث أمر بها أن تحبس. فركبها فلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم فأدركه بالجعرانة فرد عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل، وأسلم فحسن إسلامه. فقال مالك بن عوف حين أسلم:

ما إن رأيت ولا سمعت بمثله

في الناس كلهم بمثل محمد

أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى

ومتى تشأ يخبرك عما في غد

وإذا الكتيبة عردت أنيابها

بالسمهري وضرب كل مهند

فكأنه ليث على أشباله

وسط الهباءة خادر في مرصد

فاستعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم على من أسلم من قومه: وتلك القبائل: ثمالة وسلمة وفهم،

(1) السيرة لابن هشام ج 4: 490.

(2)

الرحيق المخنوم للمباركفوري ص 475.

ص: 165

فكان يقاتل بهم ثقيفا، لا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه، حتى ضيق عليهم فقال أبو محجن:

هابت الأعداء جانبنا

ثم تغزونا بني سلمة

وأتانا مالك بهم

ناقضا للعهد والحرمة

وأتونا في منازلنا

ولقد كنا أولي نقمة (1).

لقد انهزت هوازن في المعركة وحقق رسول الله صلى الله عليه وسلم نصرا ساحقا عليهم حتى ساق نعمهم ونساءهم وأبناءهم سبايا في المعركة. وفر قائدهم إلى ثقيف. لكن ماذا استفاد الإسلام من هذه المعركة. إذا كان الحقد والكراهية والكفر هو الذي يسود في صفوف هوازن؟ إن النصر العسكري يهم القائد العسكري فقط، ويهم أصحاب المناصب والمراكز والمتصارعين على السلطة. أما الحركة الإسلامية، فالنصر بالنسبة لها هو في دخول كتائب جديدة في الإسلام. وفتح مغاليق هذه النفوس لتجد الرحمة والملاذ والأمن في ظل الإسلام. ومن أجل هذا، فما يركز عليه الداعية المسلم، في السيرة المطهرة هو ما وراء المعارك، وما وراء النصر العسكري. لأن هذا التفكير يعني أن فصائل جديدة تنضم إلى الإسلام كل يوم، لا ترتدعنه وتثور عليه وهذا هو وفد هوازن، أربعة عشر رجلا من قادتهم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلمين. وكان بالإمكان أن ينضم إلى الصف الإسلامي هذا الوفد فقط. لأن الأوان قد فات وتم توزيع السبايا على المسلمين، وهو حق مكتسب لهم. فكيف يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم. إنه القائد الفذ الذي لم تشهد البشرية مثيلا له ولن تشهد. إنه يفكر في أن ينتزع هذه السبايا من إثني عشر ألف مقاتل. ومثل هذا الأمر من خلال النص الشرعي. قد يدفع الجيش كله إلى الثورة عليه. ولو صمت الجيش لصمت على مضض وكتم على ألم وتوتر. فكيف استطاع عليه الصلاة والسلام أن يستعيد هذه السبايا من الجيش. والجيش هانىء راض يتسابق على التخلي عنهن؟

إنها عظمة النبوة ولا شك، وهي بالتالي درس لكل قيادة في الأرض أن تحقق أهدافها من خلال استخراج كل ما في النفس الإنسانية من خير ونبل، ولو كان قابعا في أعمق أعماق هؤلاء الناس وأن يتمكن الرسول صلى الله عليه وسلم من استعادة السبايا من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، من أصحاب الكتيبة الخضراء من الذين أعادوا بثباتهم النصر من جديد للجيش المسلم، من الذين استحقوا بجدارة هذه السبايا. أن يسترد هذه السبايا من المسلمين الجدد الذين مر على إسلامهم سنة ونيف، ولا يزالون يتحركون من خلال الرغبة الجامحة في الغنيمة. هذا هو عظمة المعاملة النبوية في فقه هذه النفوس، ولم يهدد عليه الصلاة والسلام بسلطة، ولم يلوح بعصا إنما كانت الخطوة الأولى من خلال الأريحية. والثقة وحصر ثقته بأهله بني عبد المطلب. وبذلك خط منطلقا لتيار كبير في الجيش أن يحذو حذوه. وكان لهذا الخط حدود، ما أمكن له أن يستوعب

(1) السيرة لابن هشام ج 4: 488 و 491.

ص: 166

الجيش كله فلجأ عليه الصلاة والسلام إلى الخط الثاني. خط الترغيب بالعوض عن هذه السبايا. وتمكن عليه الصلاة والسلام بهذا الخط أن يستوعب بقية الجيش حتى العجوز الشمطاء التي كانت من نصيب عيينة بن حصن وألح في الاحتفاظ بها. وترك لزعيم وفد هوازن أن يهز عيينة بن حصن بقوله له: خذها عنك، فوالله ما فوها ببارد ولا ثديها بناهد؛ ولا بطنها بوالد، ولا زوجها بواجد، ولا درها بماكد (1). فردها بست فرائض، وعلى النهج نفسه أمكن جلب قائد هوازن الذي استعصى في ثقيف فأرسل إليه يدعوه إلى الإسلام وسيعطيه أهله وماله ومائة من الإبل، وكان هذا العرض السخي كفيلا بأن يستجيب مالك للإسلام. وليست استجابة سلبية فقط بحيث يركن إلى ماله وإبله وأهله: بل استجابة فاعلة إيحابية ارتضى أن يغزو ثقيفا. الذين كان بحمايتهم وكانوا معه في المعركة ضد محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهكذا دخلت هوازن في الإسلام، وبالتركيز على قرابة الرحم والنسب كما قال أبو صرد: إنما في الحظائر عماتك وخالاتك فامنن عليهم، ومن خلال رابطة النسب نفسها استطاع عليه الصلاة والسلام أن يستثير النخوة العربية، والعزة القبلية، فيوظفها في خدمة الإسلام.

ألا ما أحوج الحركة الإسلامية اليوم إلى هذه المعاني، أن تخطط لتدخل الأمة كلها في حظيرة الإسلام، وحين تقارن بين طريقين نجد البون شاسعا جدا بينهما:

الطريق الأول: الذي ينطلق فقط من خلال حرفية النظام، وحرفية القرار، فيستعبده النظام والقرار ولو أدى إلى كسر النفوس، وذبح القلوب، وتغير الثقة وتخلخل الصف.

الطريق الثاني الذي ينطلق إلى جوار القرار، من دوافع النفس، وخلجات القلب، وطبيعة الفطرة البشرية، ونوازع النسب فتسخر هذه جميعا لخدمة الهدف الأبعد من القرار. وهو حفظ مال الأمة أو حفظ شبابها أو حفظ صفها.

ولقد رأينا الحركة الإسلامية في إحدى فصائلها. تتخذ قرارا ماليا ذات يوم تحجب به شيئا من الراتب عن الإخوة الذين شاركوا معها في جهادها وضحوا بأرواحهم ودمائهم لتدفعهم إلى العمل وكسب المعيشة .. فكان الدرس قاسيا للفريقين القيادة والقاعدة.

فقساوة الدرس للقيادة أنها كسرت نفوس إخوانها بهذا القرار. فانصرفوا عنها والألم يذبح قلوبهم وماذا تربح القيادة إذا خسرت ثقة قواعدها بها وهم عدتها في الحرب والجهاد والمواجهة وقساوة الدرس للقاعدة أنها اهتزت عند أول أزمة، فنقص شيء بسيط من المال. دفعهم إلى العنف والاحتجاج واتهام القيادة فكيف لو كان الأمر بالتخلي عن ثمار المعركة كلها، وأعز ما فيها من ثمار.

(1) السيرة لابن هشام ج 4: 490.

ص: 167

وعلى النهج نفسه كانت معالجة قادة مكة بعد نصر حنين وتوزيع الغنائم عليهم. ونكتفي بعرضها فهي في غنى عن أي تعليق:

(وانتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس خلون من ذي القعدة والسبي والغنائم بها محبوسة وقد اتخذ السبي حظائر يستظلون بها من الشمس، وكانوا ستة آلاف، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير والغنم أربعين ألفا وقيل أكثر، فأمر بسر بن سفيان الخزاعي يقدم مكة فيشتري للسبي ثيابا يكسوهم، وكساهم كلهم، واستأنى رسول الله بالسبي، فلما رجع إلى الجعرانة بدأ بالأموال فقسمها. فأعطى المؤلفة قلوبهم أول الناس، وكان مما غنم أربعة آلاف أوقية فضة، فجاء أبو سفيان بن حرب والفضة بين يديه، فقال: يا رسول الله أصبحت أكثر قريش مالا: فتبسم عليه الصلاة والسلام، فقال أبو سفيان: أعطني من هذا يا رسول الله: قال يا بلال زن لأبي سفيان أربعين أوقية وأعطوه مائة من الإبل، قال: ابني يزيد: قال: زنوا ليزيد أربعين أوقية وأعطوه مائة من الإبل. قال: ابني معاوية يا رسول الله: قال: زن له يا بلال أربعين أوقية وأعطوه مائة من الإبل. قال أبو سفيان: إنك لكريم فداك أبي وأمي: والله لقد حاربتك فنعم المحارب كنت، ثم سالمتك فنعم المسالم أنت، جزاك الله خيرا. وسأل حكيم بن حزام يومئذ مائة من الإبل فأعطاه ثم سأل مائة فأعطاه، ثم سأل مائة فأعطاه، ثم قال: يا حكيم بن حزام إن هذا المال خضرة حلوة. فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من السفلى وابدأ بمن تعول. فأخذ حكيم المائة الأولى ثم ترك ما عداها.

وأعطى النضير بن الحارث -أخا النضر بن الحارث- مائة من الإبل، وأعطى أسيد بن جارية حليف بني زهرة مائة من الإبل وأعطى العلاء بن جار خمسين بعيرا، وأعطى الحارث بن هشام مائة من الإبل وصفوان بن أمية مائة بعير. وفي صحيح مسلم عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى صفوان بن أمية ثلاثمائة من الإبل، ويقال إنه طاف مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتصفح الغنائم إذ مر بشعب مما أفاء الله عليه فيه غنم وإبل ورعاؤها مملوءا. فأعجب صفوان، وجعل ينظر إليه فقال: أعجبك يا أبا وهب هذا الشعب. قال: نعم. قال هو لك وما فيه: فقال: أشهد ما طابت نفس أحد قط إلا نبي وأشهد أنك رسول الله.

وأعطى قيس بن عدي مائة من الإبل، وأعطى عيينة بن حصن الفزاري مائة من الإبل، وأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى العباس بن مرداس السلمي دون المائة فعاتب النبي صلى الله عليه وسلم في شعر قاله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقطعوا عني لسانه. فأعطوه مائة (1)).

(1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 422 - 425.

ص: 168

لكن التعامل مع القاعدة الصلبة يختلف كثيرا عن التعامل مع صفوة الصف المسلم، الذي ينطلق من الثقة العميقة بقائده. غير أن هذه القاعدة لا بد من تذكيرها دائما بهذا الأصل، وإلا فقد تقلق حين تغيب عنها هذه المعاني، وقد تطفوا على السطح أحيانا بعض المعاني المادية وكأن تقويم المرء المسلم من خلالها، فلا بد من اليقظة المستمرة والتربية المستمرة للمحافظة على الأفق العالي لهذه الجماعة:

(قال سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة. وتركت جعيل بن سراقة الضمري. فقال: أما والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلها مثل عيينة والأقرع. ولكني أتألفهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه)(1) وكانت هذه عند جعيل رضي الله عنه تعدل مال الأرض كله.

كان هذا على المستوى الفردي. وكان هذا على المستوى الجماعي.

(ولما أعطى رسول الله ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت منهم القالة حتى قال قائلهم: لقد لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله إن هذا للحي من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء. قال: فأين أنت من ذاك يا سعد قال: يا رسول الله ما أنا إلا من قومي. قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة. قال: فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة. قال: فجاء رجال المهاجرين فدخلوا فتركهم، وجاء آخرون فردهم فلما اجتمعوا له أتاه سعد فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار. فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: يا معشر الأنصار ما قالة بلغتني عنكم، موجدة (2) وجدتموها علي في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم: قالوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل. ثم قال: ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ورسوله المن والفضل: قال صلى الله عليه وسلم: أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلا فآسيناك. أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة (3) من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم: ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء

(1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 425.

(2)

الموجدة: العتاب.

(3)

اللعاعة: بقلة خضراء ناعمة شبه بها زهرة الدنيا ونعيمها.

ص: 169

والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم. فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا، ثم انصرف رسول الله وتفرقوا (1).

لقد كلف إنهاء جيوب الوثنية في الأرض العربية أن وضع المال كله أداة لتطييب النفوس وترقيقها وتحبيبها للإسلام. وهذه هي وظيفة المال أن يكون أداة لطاعة الله.

والعدالة في التوزيع هي أصل في المال. وتربية النفوس على أن لا تستعبد لهذا المال أصل آخر، ومن أجل هذا أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم توزيع هذا الفيء، بعد أن أصدر أوامره بمنع أخذ أي شيء منه حتى الخياط والمخيط. وضبط النفوس ظاهرا على الأقل - والنفسية العربية التي ترى المال بين يديها من الدراهم والدنانير والإبل والشياه. ثم تتمالك دون أن تلتهمه. شيء يختلف مع طبيعة هذه النفسية. وكان هذا هو الدرس الأول.

(ثم ثار بعض الأعراب، وهم يلحون على رسول الله صلى الله عليه وسلم بقسمة الغنائم حتى خطفوا رداءه فقال: ردوا علي ردائي أيها الناس، فوالله أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا، ثم قام إلى جنب بعير، فأخذ وبرة من سنامه فجعلها بين أصبعيه، ثم رفعها ثم قال: أيها الناس والله مالي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم)(2) وكان هذا هو الدرس الثاني.

(وجاء رجل من الأنصار بكبة من خيوط شعر فقال: يا رسول الله أخذت هذه الكبة أعمل بها برذعة بعير لي دبر؟ فقال: أما نصيبي منها فهو لك. قال: أما إذا بلغت هذا فلا حاجة لي بها، ثم طرحها من يده.)(3) وكان هذا هو الدرس الثالث.

ثم كان التوزيع الآنف الذكر على المؤلفة قلوبهم على أوسع مظانه، وكان هذا هو الدرس الرابع.

(وجاء رجل من بني تميم يقال له ذو الخويصرة، فوقف عليه وهو يعطي الناس، فقال: يا محمد قد رأيت ما صنعت هذا اليوم. فقال رسول الله: أجل فكيف رأيت؟ قال: لم أرك عدلت، قال: فغضب النبي. ثم قال: ويحك: إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله. ألا أقتله؟ قال: لا. دعه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية (4) وكان هذا هو الدرس الخامس.

(1) السيرة لابن هشام ج 4 ص 498 - 499

(2)

السيرة لابن هشام ج 4 ص 492.

(3)

المصدر نفسه ج 4 ص 492.

(4)

المصدر نفسه ص 496.

ص: 170

ثم كان أعظم الدروس على الإطلاق هو هذا اللقاء مع الأنصار.

ولا معنى لأن يكسب رسول الله صلى الله عليه وسلم زعماء تلك القبائل وزعماء قريش مقابل فقدان الثقة من صفه الأول من المهاجرين والأنصار. وعندما توضح الالتباس وعرف هذا الصف موقعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. أن يكون المحيا محياهم والممات مماتهم، وأن يذهب الناس بالشياه والبعير ويذهب الأنصار برسول الله عليه الصلاة والسلام. فهو قرة عيونهم وهم قرة عينه، ومن أجل هذا مسحت هذه الموجدة وذابت والسعادة تغمرهم بهذه الغنيمة.

وفي هذا الأمر دروس غنية للصف المسلم اليوم قاعدة وقيادة يحسن أن نستوعبها فنستفيد منها.

أولا: التفريق بين المال العام والمال الخاص. وحرمة التصرف في المال العام قبل توزيعه، مهما كان حجمه. ولو كان كبة الشعر والخيط والمخيط والتساهل في التصرف فيه يقود إلى النار:

(فإن الغلول يكون على أهله عارا ونارا وشنارا يوم القيامة)(1).

ثانيا: تقدير التوزيع وعدالته عائد لقيادة الجماعة وأميرها. فهو آمر الصرف فيها، وهو يقدر كمية التوزيع وأهميته. ومصلحة الدعوة تحكمه، ونصوص الشريعة تحكمه.

ثالثا: والأصل أن يكون المال في الدعاية إلى الإسلام ولو على حساب الدعاة. وفي كسب القلوب النافرة ورد النفوس الجامحة.

رابعا: والصف المسلم القوي قد يحرم من هذا التوزيع كله. وذلك في ذات الله والأصل أن يكون الإيثار خلقه. فلا يقيم المرء من خلال ما يأخذ من راتب. بل تقييم من خلال التقوى والعمل الصالح.

خامسا: أن تبقى القيادة على صلة بقواعدها فتلاحق الشبهات التي تثور في نفوسها، وتوضح خط السير العام لجنودها، وتقضي على قالة السوء في صفوفها. وإلا خسرت هذه القاعدة.

سادسا: وأن يضع الجندي نفسه موضع قائده، ويصدر أحكامه على قيادته هو أمر خطير وذلك من خلال التمسك بحرفية النص الذي يقوده إلى الخروج من الإسلام من حيث يريد الإسلام، والذي يقوده إلى الصف غير المسلم من حيث حرصه عليه.

سابعا: وطبيعة هؤلاء الشباب من حيث صلاحهم وتقواهم لا يرقى إليها الشك،

(1) السيرة لابن هشام ج 4: 492.

ص: 171

(تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم). لكنهم يضعون أنفسهم موضع القاضي، وموضع المفتي، وموضع إصدار الأحكام. وهذه الظاهرة المرضية. لا بد من التفريق بينها وبين ظاهرة النصيحة والاستفسار والسؤال.

فسعد رضي الله عنه والأنصار رضي الله عنهم عتبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأوا أنهم محرومون من هذا المال، لكن بقي الأمر خلال السؤال والاستفسار لا من باب الإقرار بينما وجدنا ذا الخويصرة تدفعه جرأته أن يتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في عدله.

ثامنا: ولا بد من التفريق بين موقف الجندي من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموقف الجندي من أمير جماعته. فالشك في عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر بواح. أما الشك في عدالة القائد فلا يدخل في هذا الإطار. إنما يدخل في إطار الخطأ التنظيمي الذي يفسد صف الجماعة ويفتت تماسكها.

تاسعا: ويبقى الجندي المجاهد أعظم في ميزان الله وميزان قيادته من كل قوى الأرض الأخرى وزعاماتها وقياداتها. طالما أنها تنطلق من مصلحتها لا من دينها. ويبقى جعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض مثل عيينة والأقرع، وكلاهما قد دخل في الإسلام حديثا. ونالا من الإكرام ما لا يوصف.

عاشرا: وبقيت ثقيف دون أن تنهار معاقلها بالقوة والمواجهة، لتنهار بعد ذلك من خلال حرب العصابات التي شنها عليها مالك بن عوف رئيس هوازن، ومن خلال الحرب النفسية التي زلزلت كيانها فأقنعتها ألا جدوى من المقاومة.

***

ص: 172