الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السمة الرابعة عشرة:
الجزيرة العربية تدخل في الإسلام
حين نتحدث عن السمات نلحظ أنها حلقات من سلسلة. كل حلقة تقود إلى التي تليها.
وتحدد لنا طبيعة التدرج في السير خطوة عقب خطوة. فلا يمكن أن يقبل الناس على الدخول في دين الله أفواجا، والإسلام ضعيف محارب مضطهد. ممنوع من إعلان صوته وشرح فكرته وعقيدته.
وتأتي هذه السمة في موقعها من المنظومة الإسلامية فحين استسلمت قريش العدو الأكبر للإسلام وصار الرسول صلى الله عليه وسلم سيد الجزيرة العربية. وتحطمت قوى المعارضة المسلحة. كان من الطبيعي أن تفد القبائل العربية الضخمة لتحاور أو تناقش أو تسلم. أو تفرض شروطها حسب تصورها عن طبيعة قوتها. ونشهد في هذه السمة الحدود الدقيقة، فيما يحوز التساهل فيه، ومراعاة طبيعة النفوس فيه، وما لا يدخل ضمن إطار المساومة. فنعلم حدود التميز والمفاصلة، وحدود التساهل والمعاملة. وذلك من خلال عرض لمراكز القوى العربية. بعد قريش.
ثقيف، تميم، عامر، بنو حنيفة، طيء، كندة، ملوك حمير؛ بنو الحارث بن كعب، بنو عبد النبي.
أولا: وفد ثقيف:
لقد كانت العرب ترى في ثقيف وقريش. أهم مواقع القوى فيها. وذكر القرآن الكريم هذا المعنى عن القريتين، وهو ينقل مقولتهم {وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} (1).
وشاءت إرادة الله تعالى أن ينتهي عظيم قريش الوليد بن المغيرة كافرا مشركا بينما كان عظيم ثقيف شهيدا وفي قومه بالذات، وهو عروة بن مسعود الثقفي رضي الله عنه.
وكان من حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف عنهم اتبع أثره عروة بن مسعود الثقفي حتى أدركه قبل أن يصل المدينة. فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يتحدث قومه: إنهم قاتلوك، فقال عروة: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبكارهم، وكان فيهم محببا مطاعا. فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء ألا يخالفوه لمنزلته فيهم. فلما أشرف لهم على علية له؛ وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه رموه بالنبل من كل وجه. فأصابه سهم فقتله - فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله تعالى بها
(1) سورة الزخرف: 31.
وشهادة ساقها الله إلي فليس في إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معهم. فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه: إن مثله في قومه لكمثل صاحب يسن في قومه.
وعظيما القريتين. مرا بموقف متشابه. فالوليد بن المغيرة عرف في قرارة قلبه أن ما يقوله محمد ما هو بكلام الإنس وما هو بكلام الجن. لكنه خاف على موقعه. فقال إن هذا إلا سحر يؤثر. فكانت عاقبته النار. بينما تخلى عروة عن موقعه، وأعلن إسلامه على قومه وهو يعلم أنه أحب إليهم من أبكارهم وبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهادة (إنهم قاتلوك) فما توانى ولا تراجع، ورموه بالسهام حتى سقط شهيدا في سبيل الله فكان أول داعية في قومه إلى الله ورسوله كما كان صاحب يسن في قومه.
وها هو عمرو بن أمية يأتي إلى زعيم ثقيف الثاني عبد يا ليل بن عمرو فيقول له: إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت، قد أسلمت العرب كلها، وليست لك بحربهم طاقة. فانظروا في أمركم فعند ذلك ائتمرت ثقيف بينها وقال بعضهم لبعض أفلا ترون أنه لا يأمن لكم سرب ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع. فأتمروا بينهم وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا فكلموا عبد يا ليل بن عمرو .. وأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف، وثلاثة من بني مالك فيكونوا ستة (1). وعبد يا ليل. هو الذي قال قبل ترابة اثني عشر عاما لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا أمرط ثياب الكعبة إن كان الله قد أرسلك هو نفسه اليوم يمضي إلى المدينة وافدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعلن إسلام قومه، وفي الوقت الذي كان المسلمون يدعون على ثقيف ويطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك كان يقول:(اللهم اهد ثقيفا وائت بهم). ولم يغير رسول الله نهجه مع ثقيف سواء وهم يطاردونه بالحجارة، أو يحاصرهم في حصونهم فلقد كانت هدايتهم عزيزة عليه جدا (عسى الله أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله).
ولتمكن هذا المعني في نفس النبي صلى الله عليه وسلم ومعرفة المسلمين به كان أبو بكر والمغيرة بن شعبة يتسابقان لنقل هذه البشرى لرسول الله صلوات الله عليه.
وجاء الوفد ومعه عزة الجاهلية. وتركه النبي صلى الله عليه وسلم في الجو الإسلامي والبيئة الإسلامية يتعرف على مبادىء الدعوة ومفاهيم الإسلام. وكانت نفسية الوفد منطلقة من صورة معاهدة صلح أكثر من صورة استسلام لله عز وجل؛ ومن أجل ذلك قدموا شروطا خمسة. أن (يأذن لهم بالزنا وشرب الخمور، وأكل الربا، ويترك لهم طاغيتهم اللات ثلاث سنين على الأقل ويعفيهم
(1) السيرة لابن هشام ج 2 ص 540.
من الصلاة (1) ورفضت الشروط كلها. بلا استثناء لأن الأمر ليس أمر ملك دنيوي، بل هو أمر الله تعالى وشريعته. ولا يمكن أن يكون القوم مسلمين، ويحلوا حراما، أو يبيحوا ترك فريضة. والإسلام هو الاستسلام الكامل لله تعالى في كل شيء يحل حلاله ويحرم حرامه وحين رأت ثقيف أن لا مناص من ذلك - طلبت طلبا واحدا تمت تلبيته وهو أن يعفيهم عليه الصلاة والسلام من هدم آلهتهم بأيديهم. فقبل ذلك منهم عليه الصلاة والسلام، وبعث المغيرة بن شعبة الثقفي فهدمها بعد ذلك ورجع الوفد إلى قومه فكتمهم الحقيقة وخوفهم بالحرب والقتال، وأظهر الحزن والكآبة وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سألهم الإسلام وترك الزنا والربا والخمر وغيرهم وإلا يقاتلهم. فأخذت ثقيفا نخوة الجاهلية، فمكثوا يومين أو ثلاثة يريدون القتال، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب، وقالوا للوفد: ارجعوا إليه فأعطوه ما سأل وأبدى الوفد حينئذ حقيقة الأمر، وأظهروا ما صالحوا عليه وأسلمت ثقيف (2).
وبذلك انهارت أمنع الحصون العربية ودخلت في الإسلام؛ وتوضح الأمر أن لا مساومة على دين الله ولو كانت المساومة تأجيل هدم اللات شهرا واحدا فقط وهذا في موقع القوة بينما قبل الرسول صلى الله عليه وسلم محو (رسول الله) و (الرحمن الرحيم) يوم الحديبية.
وتجلى الفرق بين الدخول في الإسلام ودولة الإسلام؛ وبين التفاوص من موقع المساواة في القوة بل يتضح الفرق أكثر يوم رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ثلاثة عشر عاما يطلب فقط حمايته من ثقيف ليدعو إلى الله عز وجل دون أن يتدخل في دينها ومقدساتها وأي شأن من شؤونها وبين الوضع اليوم والمسلمون قد تمكنوا من الأرض؛ وتزلزلت ثقيف رعبا من حروبهم.
والحركة الإسلامية المبصرة، تعرف الفرق بين المرحلتين، وتنطلق حسب الظروف التي تملكها لتمكن لنفسها ولدين الله. وتتعلم كذلك ما يمكن قبوله من الشروط وهي في موقع القوة؛ وما لا يمكن قبوله وهي في الموقع نفسه حين وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفض شرطا يحل حراما أو يحرم حلالا بينما لا يجد حرجا من إعفائهم من كسر أصنامهم بأيديهم.
ثانيا - وفد تميم:
أما وفد تميم. ففد جاء يباهي بشعره وبيانه فأجابه بالأسلوب نفسه فرد على الشعر بالشعر حيث أفحم شاعر تميم من حسان ورد على الخطبة بالخطبة حيث أفحم تميم من ثابت بن قيس وانتهى الأمر عندهم أن (قال الأقرع بن حابس: وأبي إن هذا الرجل لمؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا؛ ولأصواتهم أحلى من أصواتنا. فلما فرغ
(1) و (2) الرحيق المختوم ص 504.
القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحسن جوائزهم) (1).
وهذا الأسلوب من الدعوة والطراز الجديد فيها يدعونا إلى أن نعطي الإعلام الإسلامي حقه وأن نتأكد أن معركة الإسلام ليست معركة عسكرية فحسب. بل هي معركة سياسية، ومعركة إعلامية يمكن حين نبرز فيها أن نحول الخصوم إلى أصدقاء، أو محايدين، وننشر فكرنا وعقيدتنا ومبادئنا من هذا المنبر، ونقطع كثيرا من الأشواط التي لا نتصور أن تقطع إلا من خلال القوة مع الإشارة كذلك أن القوة التي ينطلق منها الإعلام، هي التي تفتح القلوب له لكن القلوب تبقى مسدودة أمام منطق الضعفاء.
ثالثا - وفد عامر:
وجاء وفد عامر ليعرض عضلاته ويفرض شروطه:
(فقدم عامر بن الطفيل عدو الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد الغدر به وقد قال له قومه: يا عامر إن الناس قد أسلموا فأسلم. قال: والله لقد كنت آليت أن لا أنتهي حتى تتبع العرب عقيبي، أفأنا أتبع عقيب هذا الفتى من قريش: ثم قال لأربد (2): إذا قدمنا على الرجل فإني سأشغل عنك وجهه فإذا فعلت ذلك فاعله بالسيف. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عامر بن الطفيل: يا محمد: خالني (3). قال: لا والله حتى تؤمن بالله وحده. قال يا محمد خالني، وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به، فجعل أربد لا يحير شيئا. قال: فلما رأى عامر ما يصنع أربد. قال: يا محمد خالني، قال: لا حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له. فلما أبى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا. فلما ولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اكفني عامر بن الطفيل
…
وخرجوا راجعين إلى بلادهم (4).
وفي صحيح البخاري: أن عامرا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أخيرك بين خصال ثلاث: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء (5).
حتى إذا كانوا ببعض الطريق، بعث الله على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه. فقتله الله في بيت امرأة من بني سلول. فجعل يقول: أغدة كغدة البكر (6)، في بيت امرأة من بني سلول.
لا يغيب عن البال أن غزوة الأحزاب كان نصف جيشها من غطفان التي بلغت قرابة خمسة
(1) السيرة لابن هشام ج 4 ص 567.
(2)
أربد: أحد زعماء بني عامر.
(3)
خالني اتخذني خليلا وصاحبا.
(4)
السيرة لابن هشام: ج 4 ص 568.
(5)
البخاري.
(6)
غدة البكر: داء يصيب البعير فيموت عنه وهو شبيه بالذبحة التي تصيب الإنسان.
آلاف مقاتل وهم الذين عرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلث ثمار المدينة مقابل انسحابهم من حربه في الخندق، ومن أجل ذلك كان عامر ينطلق ويتكلم من منطق القوة. وجاء يطالب بالوراثة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أو اقتسام السلطة بين الإسلام والجاهلية، فرفض عليه الصلاة والسلام ذلك كله ولم يقبل منه إلا الإسلام، وكان لتهديده بقوته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم اكفني عامر بن الطفيل فقضي عليه قبل أن يصل إلى قومه.
والفهم الحركي لهذا الوفد يعطينا صورة جديدة من الصور المرفوضة في المساومات، وهي قضية الوراثة أو المشاركة بين الكفر والإسلام في الحكم، وقد رفضت هذه الصورة منذ المرحلة المكية حين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو القبائل إلى الإسلام.
فالجانب السياسي له حدود محددة. وهذه الحدود لا يمكن أن يكون الإسلام فيها موضع مساومة أو موضع مفاوضة، لا يجتمع الإسلام والجاهلية في حكم واحد. أو موقع واحد.
رابعا: وفد بني حنيفة:
ولم تكن بنو حنيفة أقل سطوة وقوة من تميم وغطفان. فلقد كانت تحكم ريف اليمامة. وجاء وفدهم ومعه مسيلمة بن حبيب الذي جاء يراوغ ويداور لعله يصل إلى شيء فكان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم له وفي يده عسيب من سعف النخل: لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتكه ..
(ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاؤوه بما أعطاه. فلما انتهوا إلى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ وتكذب له وقال إني أشركت في الأمر معه)(1).
وكان ثمامة بن أثال أصدق دينا وأثبت أصلا وأندى مروءة من مسيلمة الذي أسره رسول الله صلى الله عليه وسلم (ويأتيه رسول الله فيقول له: أسلم يا ثمامة، فيقول: إيها يا محمد إن تقتل تقتل ذا دم وإن ترد الفداء فسل ما شئت. فمكث ما شاء الله أن يمكث ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: أطلقوا ثمامة. فلما أطلقوه خرج حتى أتى البقيع. فتطهر فأحسن طهوره ثم أقبل فبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام .. ثم خرج معتمرا فلما قدم مكة، قالوا: أصبوت يا ثمام؟ فقال: لا. ولكني اتبعت خير دين، دين محمد ولا والله لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا فكتبوا إلى رسول الله: إنك تأمر بصلة الرحم وإنك قد قطعت أرحامنا، وقد قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع. فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه أن يخلي بينهم وبين الحمل)(2) وبقيت اليمامة بزعامة مسلمة تتهيأ للوثوب.
ولعل هذه القيادات القبلية. لم تكن تدرك حقيقة الإسلام، إنما كانت تتصور الأمر هزيمة
(1) السيرة لابن هشام ج 4 ص 576.
(2)
السيرة لابن هشام ج 4 ص 639.
أمام سلطان حاكم. ولم يفكر الرسول صلى الله عليه وسلم باللين مع هذه القيادات بصورة من الصور حين تريد أن تجعل لرأيها وزنا مع الله ورسوله.
خامسا: وفد طيء:
وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد طيء، فيهم زيد الخيل وهو سيدهم، فلما انتهوا إليه كلموه، وعرض عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام، فأسلموا وحسن إسلامهم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حدثني من لا أتهم من رجال طيء: ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه، إلا زيد الخيل. فإنه لم يبلغ كل ما كان فيه، ثم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد الخير.
وأما عدي بن حاتم فكان يقول: ما من رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به مني، أما أنا فكنت امرءا شريفا وكنت نصرانيا، وكنت أسير في قومي بالمرباع (1). فكنت في نفسي على دين، وكنت ملكا في قومي، لما كان يصنع بي. فلما سمعت برسول الله صلى الله عليه وسلم كرهته فقلت لغلام كان لي عربي، وكان راعيا لإبلي: لا أبا لك اعدد لي من إبلي جمالا ذللا سمانا.
فاحتبسها قريبا مني، فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطىء هذه البلاد فآذني. ففعل، ثم إنه أتاني ذات غداة فقال: يا عدي: ما كنت صانعا إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن، فإني قد رأيت رايات فسألت عنها. فقالوا: هذه جيوش محمد. فقلت: فقرب إلي أجمالي، فقربها.
فاحتملت بأهلي وولدي، ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصارى بالشام. فسلكت الجوشية (2). وتخالفني خيلي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتصيب ابنة حاتم فيمن أصابت. فقدم بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبايا من طيء. وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشام المسجد. كانت السبايا يحسسن فيها، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقامت إليه وكانت امرأة جزلة فقالت: يا رسول الله هلك الوالد، وغاب الرافد، فامنن علي من الله عليك. قال: ومن وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم. قال: الفار من الله ورسوله؟ قالت: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركني، حتى إذا كان من الغد مر بي. فقلت له مثل ذلك، وقال لي مثل ما قال بالأمس. قالت: حتى إذا كان بعد الغد مر بي وقد يئست منه. فأشار إلي رجل من خلفه أن قومي فكلميه؛ قال: فقمت إليه فقلت: يا رسول الله هلك الوالد، وغاب الوافد، فامنن علي من الله عليك فقال صلى الله عليه وسلم: قد فعلت. فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم اذنيني فسألت عن الرجل الذي أشار إلي أن أكلمه فقيل: علي بن أبي طالب. وأقمت حتى قدم ركب من بلى أو قضاعة، قال:
(1) المرباع: آخذ الربع من الغنائم.
(2)
الجوشية: جبل قرب نجد.
وإنما أريد أن آتي أخي بالشام. قالت: فجئت رسول الله فقلت: يا رسول الله قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ. قالت: فكساني رسول الله وأعطاني نفقة. فخرجت معهم حتى قدمت الشام قال عدي: فوالله إني لقاعد في أهلي، إذا نظرت إلى ظعينة يصوب إلي تؤمنا، قال: فقلت: ابنة حاتم قال: فإذا هي هي فلما وقفت علي انسحلت. تقول: القاطع الظالم، احتملت بأهلك وولدك، وتركت بقية والدك عورتك. قلت: أي أخية. لا تقولي إلا خيرا .. فوالله مالي من عذر لقد صنعت ما ذكرت ثم نزلت فأقامت عندي، فقلت لها: وكانت امرأة حازمة: - ما ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعا، فإن يكن الرجل نبيا فللسابق إليه فضله. وإن يكن ملكا فلن تذل في عز اليمن وأنت أنت. قال: قلت والله إن هذا الرأي.
قال: فخرجت حتى أقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت عليه، وهو في مسجده فسلمت عليه فقال: من الرجل؟ فقلت: عدي بن حاتم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم. فانطلق بي إلى بيته، فوالله إنه لعامد بي إليه، إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، فاستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها؛ قال: قلت في نفسي، والله ما هذا بملك، قال: ثم مضى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا دخل بي بيته، تناول وسادة من أدم محشوة ليفا فقذفها إلي، فقال: اجلس على هذه، قال، قلت بل أنت فاجلس عليها فقال: بل أنت فجلست عليها، وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض. قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال: إيه يا عدي بن حاتم ألم تكن ركوسيا (1)؟ قال: قلت: بلى، قال: أولم تكن تسير في قومك بالمرباع؟ قال: قلت: بلى. قال: فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك، قال: قلت: أجل والله. وقال: وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل ثم قال: لعلك يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم، فوالله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت، لا تخاف ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت عليهم: قال: فأسلمت.
وكان عدي يقول: قد مضت اثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونن، قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، وقد رأيت المرآة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف حتى تحج هذا البيت وايم الله لتكونن الثالثة ليفيضن المال حتى لا يوجد من يأخذه (2).
طيء تمتد في بادية الشام والعراق والحجاز وحاتم الطائي من أشهر العرب في الجاهلية
(1) ركوسيا: وهو قوم لهم دين بين دين النصارى والصابئين.
(2)
السيرة لابن هشام ج 4 ص 577 - 580.
بالكرم وبه يضرب المثل. إذ يقول الشاعر:
إقدام عمر في سماحة حاتم
…
في حلم أحنف في ذكاء إياس.
ومكارم الأخلاق لها وزن في هذه القبيلة فقد أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم سراح سفانة بنت حاتم لأن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، وزيد الخيل فبما سمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه من ثناء كان أقل مما فيه، وأطلق عليه زيد الخير، وحصافة سفانة. وذكاء عدي وعمق فكره في التفريق بين الملك والنبوة، حيث أدرك الفرق من خلال وقوفه للمرأة العجوز، ومجلسه التواضع في بيته، وعلمه بمظالم عدي أقنعته بنبوة محمد عليه الصلاة والسلام.
وأدرك الرسول صلى الله عليه وسلم أبعاد عدي بن حاتم الذي لجأ إلى ملوك غسان، وأنه ينتمي إلى النصرانية التي تقودها مملكة الروم. فكان لابد من غزو هذه الأبعاد، والإحاطة بهذه الأعماق حيث أبرزها على السطح وهي الخوف من الفقر والضعف وقلة العدد. وحيث أن عديا قد تجاوز مرحلة التشكيك في النبوة. كان هذا الحديث عن أفق المستقبل الوضيء ضروريا له ليقوده إلى الحق فتلين قناته، ويذلل جماحه.
ولا شك أن النماذج البشرية تختلف فلا بد من الحديث مع كل نموذج بما يناسبه. والحديث المشهور الذي رواه الترمذي عن عدي في لقائه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على نصرانيته. وفي عنقه صليب ذهبي كبير. ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم} قال: يا رسول الله ما عبدناهم. قال: ألم يحلوا لهم الحرام، ويحرموا لهم الحلال قال: بلى قال: فتلك عبادتهم إياهم.
ويدرك عدي بن حاتم أعماق هذا المعنى، فهو على الركوسية وهو يأخذ ربع الغنائم من قومه وهذا لا يحل له. ومع ذلك يفعله. وهو بهذه النقلة الجديدة ينتقل من دين البشر إلى دين الله عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومن أجل ذلك كان إيمانه عميقا متغلغلا في كل ذرة من ذرات كيانه. وبقي على نهج الإسلام دون تعلثم أو تردد حتى لقي وجه ربه، وشهد كتائب الإيمان تفتح الأرض، ومدائن كسرى تهوي بين قدمي المسلمين، وشرفه الله تعالى بأن كان أحد القادة الذين حاصروا القصر الأبيض. وشهد بأم عينه الظعينة تمضي من القادسية إلى البيت الحرام لا تخشى إلا الله.
إن عظمة النبي صلى الله عليه وسلم كانت في كشف المخبوء من الخلل في دينه، من حيث الفكر، وكاث في تقديم القدوة بين يديه في الصورة البديلة، في مواصفات النبوة التي تعيش آلام الناس وحياتهم.
ومن هنا تدرك الجماعة المسلمة دورها الكبير في التعامل مع خصومها، بحيث تسبر أغوار
نفوسهم وحقيقة فكرهم، وزيف عقائدهم، وهي لا تنجح حين تداهنهم في هذا الباطل، وتتدسس إليهم في هذا الباطل، إنها حين تفعل ذلك يدرك خصوم الدعوة أن هذه الجماعة فكر بشري قاصر مثل فكرهم. وإن إصرار دعاة الباطل على باطلهم، لا يقتضي من الدعاة تقريظه، أو السكوت عليه فلا بد في الحوار الفكري من الوضوح التام الذي لا يقبل التلجلج والتردد.
ومن المأساة حقا على سبيل المثال، أن نجد بعض دعاة الإسلام بحجة الدعوة إلى الله بالحسنى يزينون للنصارى باطلهم، ويقولون لهم، كلنا مؤمنون بالله. والنصراني الذي يعيش هذا التناقض في نفسه. سوف يستخف بهذا الداعية الذي يربت على كتفه ويبارك باطله، ويعلم أن لا مبرر لهذا الداعية أن تكون له السيادة في الأرض طالما أنه مثله في الباطل.
ومن جهة ثانية: تبقى عملية القدوة العملية في التعامل والخلق والسلوك؛ ويبقى شرف الخصومة والحفاظ على العهد والصدق في الرضا والغضب. هو مدار الدعوة الحقيقي، ومحوره فإذا تزلزل المحور، تمزقت الصورة وتبعثرت في تقييم الخصوم لهذه الدعوة.
وحين نربح أولئك الخصوم، من خلال القدوة العملية، والوضوح الفكري. نستطيع أن نتكلم معهم من منطق القوة والاعتزاز بهذا الدين والثقة بأن المستقبل لهذا الدين. وحين نربط هذه القضايا معا بالقضية المادية المكافئة. نستطيع أن نتحرك بهذه المحاور جميعا نحو الهدف الأول، هدف: إسقاط الخصم في خضم هذه العقيدة. وفي لب هذا الدين. لا بإسقاطه وتصفيته، وتكوين تجمع يثأر له من بعده.
وحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يتلوا آية براءة بين يدي حاتم ويوضح له من خلال هذه الآية أنه ليس على دين كما كان يحسب عدي وتصور وبذلك تنقطع المبررات التي تدفع الخصم للتمسك بمبادئه.
ونقول في هذا الصدد إن هذا الخط من الوضح الفكري والقدوة العملية ليس مرتبطا بمرحلة معينة فقد رأينا. والمسلمون في أشد حالات الضعف في الحبشة. ونراه اليوم والمسلمون أسياد الجزيرة العربية. لكن الذي يحكم هذا الخط، هو أن لا يتحول هذا الموقف إلى السباب والشتيمة. والغضب للنفس، فإن القيد الأكبر لهذا الحوار والجدل؛ هو أن يكون بالتي هي أحسن. أي بالصورة التي لا يوجد أحسن منها على الإطلاق
…
وجدال التي هي أحسن هو الذي يثمر خصما منفعلا مع عقيدة الإسلام. أو معترفا بعظمة التعامل فيه.
سادسا: وفود الجنوب:
وكانت هذه الوفود ترد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معلنة ولاءها ودخولها في الإسلام، وذلك من خلال الدعوة إلى الله تعالى. ودون توجيه جيوش إليها. وذلك بعد أن رأت سقوط مقاومة قريش
وثقيف وغطفان وتميم وطيء قلب جزيرة العرب، ودخولها في الإسلام ونعرض لهذه الوفود بحيث نرى نماذج الدعوة إلى الله من خلالها.
أ - فهذا ضمام بن ثعلبة الذي يمثل صدق الأعراب وصفاءهم وقوة شكيمتهم (
…
فأقبل حتى وقف على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه. فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا ابن عبد المطلب. قال: أمحمد؟ قال: نعم: قال: يا ابن عبد المطلب الله سائلك ومغلظ عليك بالمسألة فلا تجدن في نفسك. قال: لا أجد في نفسي، فسل عما بدا لك. قال: انشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك صلى الله عليه وسلم آلله بعثك إلينا رسولا؟ قال: اللهم نعم، قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هوكائن بعدك، آلله أمرك أن تأمرنا أن نعبده وحده لا نشرك به شيئا. وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون معه؟ قال: اللهم نعم، قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك وإله من هو كائن بعدك، آلله أمرك أن نصلي هذه الصلوات الخمس؟ قال: اللهم نعم قال: ثم جعل يذكر فرائض الإسلام فريضة فريضة الزكاة والصيام والحج وشرائع الإسلام كلها، ينشده عند كل فريضة منها كما ينشده في التي قبلها. حتى إذا فرغ قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله. وسأؤدي هذه الفرائض واجتنب ما نهيتني عنه، ثم انصرف إلى بعيره راجعا قال. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة. قال فأتى بعيره فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أول ما تكلم به أن قال: بئست اللات والعزى. قالوا: مه يا ضمام! إتق البرص، إتق الجذم، اتق الجنون! قال: ويلكم! إنهما والله لا يضران ولا ينفعان، إن الله قد بعث رسولا، وأنزل عليكم كتابا استنقذكم به مما كنتم فيه، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ررسوله. وقد جئتكم من عنده بما أمركم به، وما نهاكم عنه. قال: فوالله ما أمسى من ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلما. قال: يقول عبد الله بن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة (1)).
إنه ليدور في خلدي ذلك الإنسان الذي عاش في صحرائه. ضمام بن ثعلبة. منسجما مع نفسه في إبله وأهله. وله السيادة في قومه. جاء إليه من حدثه عن محمد رسول الله. فسر في قلبه سرورا عظيما. وعزم على أن يمضي بنفسه ليلقى هذا الرسول من عند رب العالين، وسوف يناشده الله أن يصدقه، ومضى بهذا التصميم إليه، ونفسه تتوق طيلة الطريق إلى ذلك اللقاء الذي يتعرف به على هذا المرسل من عند الله رب السماء والأرض. ووصل، واعتذر سلفا عن الأغلاظ في المسألة. وصمم على أن يناشده ربه عن كل شيء. حتى إذا تأكد من صحة كلام هذا المبعوث من عند الله تعالى، أخذ الأوامر المرسلة، والنواهي المجتنبة، ومضى إلى قومه وقد انتهى
(1) السيرة لابن هشام 573 - 575.
إلى اليقين النهائي في نفسه، وأمام هذا الإيمان العجيب، دخل قومه كلهم في الإسلام، ولم يكلف دخول هذه القبيلة كلها أكثر من كلمات:(اللهم نعم) من رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما كلف دخول قريش في الإسلام حرب عشرين عاما أو تزيد.
وهكذا تضم الحركة الإسلامية إلى رصيدها هذه الصورة الجديدة من الدعوة التي لا تعدو أكثر من إجابة واحدة على أسئلة محددة. وتدخل إلى قلوب هذه النماذج. بهذا الوضوح والصراحة.
قد نجد الشباب الإسلامي يقرأ المجلدات من الفكر الإسلامي ولكنه يعجز عن الوصول إلى عامة الناس وسوادهم، فهو لا يعرف اللغة التي يفهمون بها. قد يتحدث معهم عن الفلسفة الإسلامية ونظام الحكم، ونظام القضاء والايديرلوجية لكن دون جدوى فهو في واد، وجماهير الأمة في واد آخر، وقد لا يكلف التفاهم مع هذه الجماهير أكثر من وليمة أو كلمة ثناء أو أريحية في خدمة. أو تبسيط دون أي تعقيد، وهذا ما رأيناه في هذا الموقف الذي لم يكلف نبي الله تعالى أكثر من قوله (اللهم نعم) ثم أععطى الدرس لأصحابه: إن صدق ذو العقيصتين دخل الجنة.
ب - وعلى نهج ضمام كان مقدم الجارود في وفد عبد القيس. (فلما عرض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام ودعاه إليه ورغبه فيه فقال: يا محمد إني كنت على دين، وإني تارك ديني لدينك. أفتضمن لي ديني، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم أنا ضامن أن قد هداك الله إلى ما هو خير منه، قال: فأسلم وأسلم أصحابه، ثم سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحملان فقال: والله ما عندي ما أحملكم عليه قال: يا رسول الله فإن بيننا وبين بلادنا ضوال من الناس. أفنتبلغ عليها إلى بلادنا؟ قال: لا إياك وإياها فإنما تلك حرق النار. فخرج من عنده الجارود راجعا إلى قومه، وكان حسن الإسلام صلبا على دينه، حتى هلك وقد أدرك الردة. فلما رجع من قومه من كان أسلم منهم إلى دينهم الأول قام الجارود فتكلم شهادة الحق، ودعا إلى الإسلام فقال: أيها الناس إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله وأكفر من لم يشهد (1)).
فقد اكتفى الجارود حين ترك دينه بضمانة رسول الله صلى الله عليه وسلم له دينه السابق، ومثل القاعدة الصلبة في البحرين. حيث سبقه حاكمها المنذر بن ساوى العبدي إلى الإسلام وعلى رأس هؤلاء العلاء بن الحضرمي موفد رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم وكان الجارود والعلاء هما اللذان وقفا مع المؤمنين في وجه المرتدين الذين قادهم الغرور بن المفذر بن النعمان بن المنذر. وتبقى القاعدة الصلبة هي الحصن الحصين للدعوة وقت الأزمات.
(1) السيرة لابن هشام ج 4 - 575.
ج - ومن قبائل الجنوب مراد وزبيد ومذحج يقدم فروة بن مسيك المرادي على رسول الله صلى الله عليه وسلم مفارقا لملوك كندة، ومباعدا لهم إلى رسول الله صلوات الله عليه (فلما انتهى إلى رسول الله قال له: يا فروة هل ساءك ما أصاب يومك يوم الردم. فقال: يا رسول الله من ذا يصيب قومه مثل ما أصاب قومي يوم الردم لا يسوءه ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيرا واستعمله النبي صلى الله عليه وسلم على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم).
فالمعارك بين مراد وهمدان هي التي دفعت فروة بن مسيك لمفارقة قومه إلى المدينة، ومن أجل هذا قال له عليه الصلاة والسلام:(أما إن ذلك لم يزد قومك في الإسلام إلا خيرا) إذ دفعه ليكون من السابقين للإسلام.
ونلحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرص على إبقاء قادة القبائل في مواقعهم من زعامة قبيلتهم بينما يبعث معهم أحد صحابته ليفقه القوم بالإسلام، وبذلك تبقى النفوس على عهدها دون أن تحس بإهانة أو تحطيم، ويبقى كيان القبيلة وزعامتها ضمن إطار الإسلام. وهذا خط نبوي واضح يحسن أن تعيه الحركة الإسلامية في الاستفادة من الزعامات بحيث لا تشعر أن الإسلام خطر عليها إن هي انضوت تحت لوائه لكن دون أن يتخذ الإسلام مطية لظلمها وتعسفها.
د - وقد أدى دخول مراد في الإسلام إلى أن تنافسها همدان. فيتحرك وفدها إلى المدينة فيلتقوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من تبوك بكل ثقلها شعراء وأمراء (فقام مالك بن نمط بين يديه فقال: يا رسول الله نصية (1) من همدان من كل حاضر وباد، أتوك على قلص (2) نواج (3) متصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم في الله لومة لائم، من مخلاف خارف ويام وشاكر أهل السواد (4) والقود (5)، أجابوا دعوة الرسول وفارقوا الإلهات (6) الأنصاب (7) عهدهم لا ينقض ما أقامت لعلع، وما جرى اليعفور (8) بصلع (9). فكتب لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا كتاب من رسول الله محمد، مخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحقاف (10) الرمل مع وافدها ذي المشعار مالك بن نمط ومن أسلم من قومه على أن لهم فراعها ووهاطها ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة يأكلون علافها (11) ويرعون عافيها (12) لهم بذلك عهد الله وذمام رسوله، وشاهدهم المهاجرون والأنصار فقال في ذلك مالك
(1) النصية: خيار القوم.
(2)
قلص: الإبل الفتية.
(3)
نواج: مسرعة.
(4)
السود: الابل.
(5)
القود: الخيل.
(6)
الإلهات، جمع آلهة.
(7)
الأنصاب: حجارة يذبحون لها.
(8)
اليعفور: ولد الظبية.
(9)
صلع: اسم موضع.
(10)
الحقاف: جمع حقف وهو الرمل المستدير.
(11)
علافها: ثمر الطلح.
(12)
عافيها نباتها الكثير.
بن نمط.
فما حملت من ناقة فوق رأسها
…
أشد على أعدائه من محمد
وأعطى إذا ما طالب العرف جاءه
…
وأمضى بحد المشرفي المهند
هـ - وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب ملوك حمير مقدمه من تبوك ورسوله إليه بإسلامهم، الحارث بن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال، والنعمان قيل (1) ذي رعين ومعافر وهمدان! وبعث إليه زرعة ذو يزن مالك بن مرة الرهاوي بإسلامهم، ومفارقتهم الشرك وأهله.
و- ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر أو جمادى الأولى سنة عشر، إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا فإن استجابوا فاقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم، فخرج خالد حتى قدم عليهم فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام، ويقولون أيها الناس أسلموا تسلموا فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام فيهم خالد يعلمهم الإسلام، وكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبذلك كان أمره صلى الله عليه وسلم إن هم أسلموا ولم يقاتلوا.
فأقبل خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبل معه وفد بني الحارث بن كعب. فلما وقفوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلموا عليه وقالوا: نشهد أنك رسول الله، وأنه لا إله إلا الله. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنتم الذين إذا زجروا استقدموا فسكتوا، فلم يراجعه منهم أحد ثم أعادها الثانية، فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الثالثة فلم يراجعه منهم أحد، ثم أعادها الرابعة فقال يزيد بن عبد المدان: نعم يا رسول الله نحن الذين إذا زجروا استقدموا، قالها أربع مرار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أن خالدا لم يكتب إلي أنكم أسلمتم ولم تقاتلوا لألفيت رؤوسكم تحت أقدامكم، فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك ولا حمدنا خالدا، قال: فمن حمدتم؟ قالوا: حمدنا الله عز وجل الذي هدانا بك يا رسول الله، قال صدقتم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بم كنتم تغلبون من قاتلكم في الجاهلية؟ قالوا: لم نكن نغلب أحدا، قال: بلى قد كنتم تغلبون من قاتلكم، قالوا: كنا نغلب من قاتلنا يا رسول الله أنا كنا نجتمع رلا نتفرق، ولا نبدأ أحدا بظلم. قال: صدقتم، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني الحارث بن كعب قيس بن الحصين فرجع وفد بني الحارث إلى قومهم في بقية من شوال أو في صدر ذي القعدة فلم يمكثوا بعد أن رجعوا إلى قومهم إلا أربعة أشهر، حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورحم وبارك ورضي وأنعم.
لقد تحرك جنوب الجزيرة العربية كلها، نجران وهمدان ومراد وزبيد ومذحج، بقلوب مفتوحة للإسلام، ونفوس متعطشة إليه، بينما دخل وسط الجزيرة العربية هربا من السيف. فكان
(1) السيرة لابن هشام ج 4 ص 592 - 594.
محضن الردة فيما بعد. وبقي الشمال العربي مستعصيا فلم تتحرك وفوده إلى المدينة، أما ملوك العرب في الجنوب حمير وكندة فقد جاؤوا مستسلمين لله عز وجل منيبين إليه كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أرق قلوبا وأرق أفئدة.
غير أن بني الحارث بن كعب كانت طريقة دعوتهم مختلفة فقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالدا إليهم، لأنهم مشهورون بقوة شكيمتهم وشدة بأسهم، وخالد بن الوليد قد طغت شهرته في الأرض العربية من حيث كفاءته القيادية فلا بد أن يشعر القوم بالقوة المرهوبة الجانب، ومن طرف آخر فالفشل الدعوي الذي لقيه خالد رضي الله عنه في بني جذيمة. كان لا بد أن يغسله في موقف دعوي آخر فكانت الفرصة المتاحة الجديدة في بني الحارث بن كعب. كان لا بد له أن يضبط أعصابه ويتحلى بالصبر الطويل على الخلق البشري، والتعنت البشري وهذا أشق عليه ألف مرة من الصبر في المعارك وتحمل ضراوتها، وأن يتعود هذا السيف الذي سله الله على المشركين، أن يغمد أمام سيل الدعوة المنطلق فترة من الفترات هو أمر ضروري فعظمة الالتزام أن يكون هذا السيف تحت إمرة الله ورسوله وأن تجرب مشاق الدعوة ووعورتها وأثرها الضخم في النفس الإنسانية.
ونجح ابن الوليد أيما نجاح في هذه الدورة التدريبية على الدعوة، وهيأ الله تعالى له في مدخر أجر أن يكون إسلام بني الحارث بن كعب على يديه، وبذلك أصبح الجنوب العربي إسلاميا خالصا لله وحده.