الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السمة الخامسة:
الاعتراف الرسمي من الوثنية بدولة الإسلام
شهدنا في السمة الماضية الصف القوي. وها نحن نشهد الآن عظمة القيادة النبوية من خلال صلح الحديبية.
(
…
فلما جاء سهيل بن عمرو، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سهل أمرهم! فقال سهيل يا محمد إن هذا الذي كان - من حبس أصحابك وما كان من قتال من قاتلك - لم يكن من رأي ذوي رأينا بل كنا له كارهين حين بلغنا ولم نعلم به، وكان من سفهائتا. فابعث إلينا بأصحابنا الذين أسرت أول مرة، والذين أسرت آخر مرة. قال: إني غير مرسلهم حتى ترسلوا أصحابي. قال: أنصفتنا. فبعث سهيل ومن معه إلى قريش فبعثوا بمن كان عندهم، وهم عثمان وعشرة من المهاجرين وأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابهم الذين أسروا وكان صلى الله عليه وسلم يبايع الناس تحت شجرة خضراء، وقد نادى عمر رضي الله عنه، إن روح القدس قد نزل على الرسول وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله فبايعوا. فلما رأى سهيل بن عمرو ومن معه ورأت عيون قريش سرعة الناس إلى البيعة وتشميرهم إلى الحرب اشتد رعبهم وخوفهم وأسرعوا إلى القضية ولما جاء عثمان رضي الله عنه بايع تحت الشجرة وقد كان قبل ذلك حين بايع الناس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن عثمان ذهب في حاجة الله وحاجة رسوله. فأنا أبايع له. فضرب بيمينه شماله ..
(ورجع سهيل وحويطب ومكرز فأخبروا قريشا بما رأوا من سرعة المسلمين إلى التنعيم فأشار أهل الرأي بالصلح على أن يرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعود من قابل (1) فيقيم ثلاثا فلما أجمعوا على ذلك أعادوا سهيلا وصاحبيه ليقرر هذا. فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال: أراد القوم الصلح وكلم رسول الله فأطالا الكلام وتراجعا، وارتفعت الأصوات. وكان صلى الله عليه وسلم يومئذ جالسا متربعا وعباد بن بشر وسلمة بن أسلم مقنعان بالحديد قائمان على رأسه فلما رفع سهيل صوته. قالا: اخفض من صوتك عند رسول الله! وسهيل بارك على ركبتيه رافع صوته والمسلمون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس ..).
(
…
فلما حضرت الدواة والصحيفة - بعد طول الكلام والمراجعة - دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أوس بن خولي يكتب، فقال سهيل لا يكتب إلا ابن عمك علي أو عثمان بن عفان فأمر عليا فكتب فقال: اكتب
…
).
(1) قابل: العام القادم.
(باسمك اللهم، هذا ما اصطلح عليه محمد بن عبد الله وسهيل بن عمرو اصطلحا على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه لا إسلال (1) ولا إغلال (2)، وان بيننا عيبة (3) مكفوفة، وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد وعقده فعل. وأنه من أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدها فعل. وأنه من أتى محمدا منهم بغير إذن وليه رده محمد إليه، وأنه من أتى قريشا من أصحاب محمد لم يردوه. وأن محمدا يرجع عنا عامه هذا بأصحابه، ويدخل علينا من قابل في أصحابه فيقيم بها ثلاثا لا يدخل علينا بسلاح إلا سلاح المسافر، السيوف في للقرب).
شهد أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان، وأبو عبيدة بن الجراح، ومحمد بن مسلمة، وحويطب بن عبد العزى، ومكرز بن حفص وكتب علي صدر الكتاب.
قال سهيل: يكون عندي، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل عندي ثم كتب له نسخة وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم الكتاب الأول، وأخذ سهيل نسخته. ووثب من هناك من خزاعة فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده ونحن على من وراءنا من قومنا. ووثب بنو بكر فقالوا: ندخل مع قريش في عهدها وعقدها، ونحن على من وراءنا من قومنا ..
(ثم أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرحيل، فلما ارتحلوا مطروا ما شاؤوا وهم صائفون (4) فنزل ونزلوا معه فشربوا من ماء السماء. وقام صلى الله عليه وسلم فخطبهم فجاء ثلاثة نفر فجلس اثنان وذهب واحد معرضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم خبر الثلاثة قالوا: بلى يا رسول الله قال: أما واحد فاستحيا فاسنحيا الله منه، وأما الآخر فتاب فتاب الله عليه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فلم يجبه. ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، فقال: ثكلتك أمك يا عمر! بدرت رسول الله ثلاثا، كل ذلك لا يجيبك! وحرك بعيره حتى تقدم الناس، وخشي أن يكون نزل فيه قرآن فأخذه ما قرب وما بعد لمراجعته بالحديبية، وكراهته القضية. وبينما هو يسير مهموما متقدما على الناس، إذا منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي: يا عمر بن الخطاب! فوقع في نفسه ما الله به أعلم ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم. فرد عليه السلام وهو مسرور ثم قال: أنزلت علي سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس. فإذا هو يقرأ: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ..} فأنزل الله في ذلك سورة الفتح فركض الناس وهم يقولون: أنزل على رسول الله! حتى توافوا عنده وهو يقرؤها ويقال: لما نزل بها جبريل قال:
(1) الاسلال: السرقة الخفية والرشوة ويقال هو الغارة الظاهرة بسل السيوف.
(2)
الأغلال: الخيانة.
(3)
العيبة المكفوفة: كناية عن الصلح المعقود على الوفاء.
(4)
صائفون: أقاموا بالمكان صيفا أو مروا به.
(نهنئك يا رسول الله! فلما هنأه جبريل هنأه المسلمون
…
) (1).
لقد كان اتجاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصالحة منذ اللحظة التي بركت فيها ناقته فقال الناس: خلأت (2) القصواء، خلأت القصواء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال: والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها).
والظاهر من الوحي نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلح مع العدو. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستشر كما تشير النصوص أحدا في هذا الأمر، واكتفى بإعلان هذا لاتجاه بعد بروك الناقة وفي ذلك إشارة دقيقة: حبسها حابس الفيل عن مكة. وهذا يعني أن احتمال الرجوع عن مكة وارد.
ومع وصول سهيل بن عمرو الذي تفاءل به عليه الصلاة والسلام قائلا: سهل أمرهم.
وانتهاء المفاوضات الأولى بتبادل الأسرى بين الفريقين. لكن وصول هذا الوفد والبيعة على أشدها كان المهماز الأخير في اتجاه قريش إلى الصلح، وكان هدفها الأول: ألا تتحطم سمعتها العسكرية، وتمرغ كرامتها بالتراب نتيجة دخول الرسول صلى الله عليه وسلم مكة عنوة، أما بقية البنود فقابلة للأخذ والرد.
وبين رغبتين جامحتين: رغبة لقريش أن لا يدخل عليهم مكة هذا العام أبدا. ورغبة المسلمين أن يدخلوا مكة ويطوفوا بالبيت الحرام، ورجوعهم هو هزيمة عسكرية لهم.
بين هاتين الرغبتين الجامحتين كان النبي صلى الله عليه وسلم يوازن بآفاق أبعد وآماد أرحب. وهل من هزيمة أوعظم من قبول قريش المصالحة وبعثه وفد بذلك. قريش قبل عام واحد تحاصر المسلمين مع من جيشت من العرب. وتأتيهم من فوقهم ومن أسفل منهم وهي اليوم تبعث وفدا للمصالحة مع المسلمين على مشارف مكة.
إنه نصر ساحق ولا شك والنصر الآخر هو أن تقف مكة على الحياد وتقف الحرب في جزيرة العرب وتفتح أبواب الجزيرة أمام المد الإسلامي. إنه نصر ساحق ولا شك.
وأن يعود المسلمون في العام القادم ويدخلوا مكة باعتراف رسمي وحماية رسمية دون أن يتعرض لهم أحد بسوء. إنه نصر ماحق ولا شك.
(1) مقتطفات من إمتاع الأسماع للمقريزي ج 1 من الصفحات 291و292 و297 و298 و301 و302.
(2)
خلأت: بركت.
وأن تفتح قريش صفحة جديدة مع المسلمين وتعترف بكيانهم ودولتهم، ويسود الأمن والود بين الفريقين. ويفتح باب الحوار الجديد مع قادة مكة من موقع القوة. إنه نصر ساحق ولا شك.
هذا من جهة، ومن جهة ثانية: ماذا يعني إصرار المسلمين على دخول مكة عنوة.
إن أول معانيه، أن يكون الحقد والثأر هو الذي يطبع نفوس أهل مكة جميعا. وهذا يسد إلى فترة غير قليلة باب الدخول في الإسلام أو التفكير به.
وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغيب عن قلبه أبدا رغبته في إسلام أهل مكة. وهذه خسارة فادحة. وأن تقع معركة غير متكافئة يسقط فيها مئات الشهداء من المسلمين لدخول مكة. وهم قرة عينه وخيرة جنده، فهذه خسارة فادحة ثانية.
وأمام هذه التوازنات جميعا وبتسديد الوحي. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماض في خطته، لا يراوده فيها أدنى شك نلحظ ذلك من خلال إجابته الواضحة الصارمة لعمر بن الخطاب:(أنا عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره، ولن يضيعني). والملاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفصح عما في نفسه إلا مضطرا وذلك أمام إلحاح المسلمين على دخول مكة. فأعاد لهم شريط الأحداث، لينتقلوا منه ومعه إلى النصر الجديد القادم.
(أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب، إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر، أنسيتم يوم كذا، أنسيتم يوم كذا؟ والمسلمون يقولون: صدق الله ورسوله، يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه، ولأنت أعلم بالله وبأمره منا).
وعودة إلى نصوص المعاهدة، نلحظ من خلالها أول اعتراف رسمي من قريش بدولة الإسلام. إنه اعتراف بالدولة وليس اعترافا بالرسالة ومن أجل هذا ناقشوا كثيرا بـ (الرحمن الرحيم) وبـ (رسول الله) ولكنا الخطوة الأولى على الطريق وإيقاف الحرب عشر سنين تهيء لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين مجالا رحبا للانطلاق بالإسلام إلى العرب كل العرب دون مقاومة أومواجهة من أحد. فقد كانت العرب تنتظر مصير الحرب بين الفريقين. واقفة على الحياد ولا يجرؤ أي تجمع عربي على الانضمام لأحد الفريقين خوفا من غلبة الفريق الآخر، وإن كانت بعض القبائل العربية ظاهرت قريشا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن تلك المظاهرة كانت منطلقة من الثقة المطلقة بقوة قريش. أما بعد الأحزاب، وبعد فشل الهعجوم الضخم، إنتهت التحالفات العربية في المنطقة ضد الإسلام، وأيس الناس من إمكانية القضاء على الإسلام ورسول الإسلام.
3 -
وأهم بند من بنود المعاهدة إنتهاء عنصر الخوف في الأرض العربية فمن أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدعا دخل فيه لقد فتحت آفاق الدعوة على مصراعيها دون وجل أو خوف من أحد، وهذا ما كان يريده رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ بداية الحملة.
(إنا لم نأت إلى قتال أحد، إنما جئنا لنطوف بهذا البيت فمن صدنا عنه قاتلناه وقريش قوم قد أضرت بهم الحرب ونهكتهم، فإن شاؤوا ماددتهم مدة يأمنون فيها، ويخلون فيما بيننا وبين الناس -والناس أكثر منهم - فإن ظهر أمري على الناس كانوا بين أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، أو يقاتلوا وقد جموا والله لأجهدن على أمري هذا إلى ان تنفرد سالفتي، أو ينفذ الله أمره)(1).
4 -
والبندان الأخيران اللذان أثارا حفيظة المسلمين يجد الناظر لهما لأول وهلة أنهما مجحفان بحق المسلمين. لكن النظرة الأبعد. تؤكد أنها لمصلحة المسلمين. وأول هذين البندين:
((وأنه من أتى محمدا منهم بغير إذن وليه رده محمد إليه)).
ولا شك أن هذا البند فيه -في ظاهر الأمر- تخل عن المستضعفين المؤمنين في مكة غير أن ما ذكره القرآن حولهم يؤكد أن تأجيل المعركة مع قريش وتأخيرها هو لصالح هؤلاء المستضعفين في مكة.
{ولولا رجال مؤمون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما
…
} (2).
لأن الحرب لو اندلعت لتعرض المستضعفون في مكة للإبادة بينما قامت هذه المعاهدة بتحقيق نصر معنوي لهم أهم ما فيه العهد مع دولتهم بالموادعة.
ومع أن الإجحاف الجزئي من خلال هذا النص قد أثر قليلا على أعصاب المسلمين لكنه ما لبث أن تعدل بعد أقل من شهرين. وذلك بعد خروج أبي بصير ومن معه من المسلمين إلى ذي المروة بالساحل.
وثاني هذين البندين: (وأنه من أتى قريشا من أصحاب محمد لم يردوه)
ورسول الله صلى الله عليه وسلم مطمئن إلى المؤمنين عنده وكما قال لصحبه:
(ومن جاءهم منا فلا رده الله).
(1) إمتاع الأسماع ج 1 ص 286.
(2)
الآية 25:الفتح.
إذ ماذا يجدى وجود عملاء لقريش في الصف المسلم أو منافقين يكيدون للإسلام؟
5 -
ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة في ظاهره فشل لحملة الحديبية وفي حقيقته اعتراف رسمي بحق المسلمين بدخول مكة في العام القادم.
وكم الفرق بين نصر جزئي لن يصل له المسلمون دون مئات الشهداء والقتل من الفريقين.
وبين دخول رسمي لمكة من المسلمين بإقرار المشركين.
وليس بعد قول الله تعالى قول. فلقد سمى الحديبية - جل شأنه - فتحا مبينا. فقال عز من قائل:
واقتضت هذه الآيات، تهنئة أهل السماء على لسان جبريل عليه السلام، وتهنئة أهل الأرض وعلى رأسهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقد استدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين المسلمين جميعا. ليتلو عليه آيات الله، ويسكب الطمأنينة والسكينة والأمن في قلبه.
{هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليا حكيما) (2).
يقول أبو بكر رضي الله عنه:
(ما كان فتح أعظم في الإسلام من فتح الحديبية. ولكن الناس يومئذ قصر رأيهم عما كان بين محمد وربه. والعباد يعجلون، والله لا يعجل كعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد.
لقد نظرت إلى سهيل بن عمرو في حجة الودع قائما عند المنحر يقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنه. ورسول الله ينحرها بيده! ودعا الحلاق فحلق رأسه فأنظر إلى سهيل يلقط من شعره صلى الله عليه وسلم وأراه يصعه على عينيه! وأذكر إباءه أن يقر يوم الحديبية بأن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم! وإباءه أن يكتب أن محمدا رسول الله! فحمدت الله الذي هداه للإسلام. فصلوات الله وبركاته على نبي الرحمة الذي هدانا به. وأنقذنا به من الهلكة) (3).
والحركة الإسلامية اليوم بحاجة إلى أن تراجع رصيدها على ضوء هذه السمة وأن لا تشغلها
(1) سورة الفتح الآيات 1 - 3.
(2)
الآية 4 من سورة الفتح.
(3)
إمتاع الأسماع ص 296.
النزوات والانفعالات الجزئية عن الخطة العامة التي تجعل الهدف العام يضحى من أجله بالمنفعة القريبة العاجلة.
إن الانتقال بالدعوة إلى المجال السياسي بحيث تثبت وجودها فيه. بجانب الجهد العسكري الذي تبذله هو الذي يمكن لهذه الدعوة في الأرض. وإن الدعوة حين تسد في وجهها السبل، وتوضع في عجلاتها العصي، وينزل الاضطهاد بها من كل صوب، لا تجد أمامها محيصا من اللجوء إلى القوة حتى تضرب جذورها في الأرض. لكن هذه القوة هي الوسيلة الناجعة للعودة إلى الحوار الفكري والمجال السياسي مع الخصوم. وتستطيع أن تحقق بترانق ذينك الجانبين معظم أهدافها. أما التخل عن واحد منهما فهو خلل كبير تصاب به الدعوة.
لقد رأينا الحركات الإسلامية حين تعتمد على الحرية الديمقراطية دون سند لها من قوة. ولو وصلت إلى بعض المواقع، لكنها سرعان ما تخسرها لأن الباطل لا يرضى لها الغلبة وهو قادر على إزاحتها. وتجارب الحركة الإسلامية من خلال منح وزارة أو إعطاء قطاع من القطاعات حرية محدودة سرعان ما ينهار ذلك العطاء، وتجتث تلك الثمرات. كما أن اعتماد القوة وحدها ونسيان هدف الدعوة الرئيسي واعتماد التحرك السياسي. سرعان ما يفصم بينها وبين الناس ويوسع الهوة التي لا تردم بعد ذلك.
أما أن يكون الجانب الجهادي بجوار التحرك السياسي. وكلاهما يخدمان دعوة الإسلام هو الطريق الطبيعي لتحقيق نصر الله.
يقول الزهري رحمه الله عن فتح الحديبية:
(فما فتح في الإسلام فتح كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وآمن الناس بعضهم بعضا والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر)(1).
قال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة في قول جابر بن عبد الله ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين بعشرة آلاف.
ومن الآلاف العشرة يوم الأحزاب، إلى الألاف العشرة يوم فتح مكة يظهر حقيقة هذا الفتح المبين.
ولا شك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استثمر هذا الفتح أعظم استثمار.
(1) السيرة لابن هشام 4 ص 336 و 337.
والمؤمنون المجاهدون بحاجة إلى أن يستثمروا المواقع التي يربحونها أعظم استثمار.
وها نحن نشهد في السمات التالية آثار هذا الاعتراف ونتائج هذا الفتح بحيث قلب الموازين كلها لصالح الإسلام والمسلمين.
{لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخل المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا) (1).
(1) سورة الفتح الآية 37.