الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الغميم ليؤكد ضرورة الالتحام العملي بين قيادة الأمة ورعيتها.
وفكرة أن لا تذهب دماء المسلمين هدرا فكرة إسلامية أصيلة. فتحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني لحيان للثأر لأصحاب الرجيع، وذلك بعد مرور سنتين على اغتيالهم والغدر بهم يعني درسا ثالثا للحركة الإسلامية، أن الثأر من الطغاة فيما يقتفرون من جرائم. هو الذي يردع هؤلاء الطغاة ويسقط الأمر في أيديهم.
إن طبيعة الحرب لا تقبل التضحيات فقط، ولا تقبل الخسارة من جانب واحد فقط. بل لا بد أن يشعر الجندي المسلم بقيمته عند قيادته، وكرامة دمه عند جماعته. فهناك من يثأر له، وهناك من يدافع عنه، أما أن يحس الجندي المسلم أنه مدفوع به للذبح والتضحية، وقيادته في حصن حصين من العدو، فلا يمكن أن يتابع الطريق مهما ارتفع المستوى الإيماني عنده.
وأخيرا فحاجة الحركة الإسلامية إلى الهجوم على العدو بعد المحنة هي خط أصيل في طبيعة المعركة مع العدو كي يستعيد الجيش ثقته بنفسه.
لقد رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلاحق قريشا بعد أحد بثلاثة أيام في حمراء الأسد وها هو يصل إلى مشارف مكة بعد الخندق بأربعة أشعر. كي يبقى الجيش على تحفزه وترقبه واقتناعه بقدرته الحربية وكفاءته القتالية كذلك.
وحري بنا أن نفقه هذه الدروس، ونتعلم من خلالها أسباب أزمة الثقة التي تسود أحيانا الصف المسلم بين قيادته وقاعدته، وحين نهتدي بهداها نجد أن هذه الأزمة تذوب وتتلاشى بمثل هذا الالتحام وهذه التضحيات.
السمة الثانية: حديث الإفك
واخترت هذا العنوان، على طبيعته، لأصل بهذا المصطلح الخاص إلى النص العام الذي لا بد أن يشعر به أبناء الصف المسلم وخطورة أخذهم بالإشاعة دون تثبت وكيف أن الإشاعة كفيلة بتحطيم هذا الصف كله.
إنه وإن تجسد باتهام الصديقة بنت الصديق عائشة رضي الله عنها. لكنه صورة قد تتكرر في كل جيل وتضع النيل من القيادة هدفا رئيسيا لا بد من تحطيمه، وحين تعجز القوة المادية عن النيل من القيادة فليس أمام العدو إلا الحرب المعنوية على هذه القيادة وتحطيمها من خلال هذه الحرب ولذلك لن نتناول حادثة الإفك كحدث تاريخي بتفصيلاته ودروسه. ولكننا سنتناوله من خلال حرب الإشاعة التي يبثها العديو المنبث في الصف ضد القيادة.
وأهم ما في هذا الحدث هو أن مصدر الفرية - على ما يبدو - هم المنافقون تحت راية زعيمهم عبد الله بن أبي، وحين يتحصن الصف من الفرية. وتبقى في صافوف المنافقين فلا خطر منهم ولا هم لكن عندما تنتقل إلى داخل الصف المسلم فتسرى فيه سريان النار في الهشيم عندئذ يبدو خطرهم الكبير.
والنص القرآني حين تحدث عن هذه الحادثة. كان يخاطب الصف المسلم أكثر مما يخاطب صف المنافقين. ويحمل على المؤمنين الصادقين الذين تأثروا بهذه الفرية، واستجابوا للحديث في الظنة دون بينة والنقاط المحددة التي نعرض لها في هذا الحديث المؤتفك هي ما يلي:
أولا: البعد عن مظان التهمة واجب أساسي على الصف المسلم، وعليه أن يعلم - وخاصة القيادة - أنه هدف لأنظار العدو والصديق، فيتجنب ما استطاع البعد عن موطن الريبة.
ثانيا: عدم الأخذ بالإشاعة كما يقول القرآن الكريم:
{لولا جاؤوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأوالئك عند الله هم الكاذبون} (1) وأي خبر غير موثق بالنسبة للفرد المسلم هو مرفوض عنده، وليعلم هذا الأخ أن رواية الإشاعة، وتناقل الخبر غير الموثق تحيله إلى أخ كاذب .. وهذا حكم القرآن في أمثال هؤلاء. هم الكاذبون عند الله، ولو لم يفتر الكذب. لو كان نقله صدقا محصنا عمن سمع منه فهو عند الله تعالى من الكاذبين.
ثالثا: ليبق الميزان الحساس في الحكم على الإشاعة هو الميزان الذاتي. فلا بد من ثقة الأخ بإخوانه ثقته بنفسه، وقد أقر القرآن الكريم هذا الميزان وأثنى عليه وذلك بمناسبة الحديث الذي جرى بين أبي أيوب الأنصاري وزوجة أم أيوب رضي الله عنهما إذ قالت لزوجها:(أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: نعم وذلك الكذب. أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب قالت: لا والله ما كنت لأفعله. فقال: فعائشة والله خير منك)(2) ونتمنى لكل أخ وهو يثير الإشاعة بحق أخيه أو قيادته أن يحسب على أقل تقدير أن أخاه أو مسؤوله ليس أقل حرصا على دينه منه، وليس أقل دينا وورعا منه. ولو نفذ هذا الميزان الذاتي. لانهارت الإشاعة وانهار الإفك من جذوره.
رابعا: أن لا يتدخل الهوى إطلاقا في قضية النقل للإشاعة والمساهمة فيها وصورتان متنافرتان لاتباع الهوى في الإفك، وللتبرؤ منه والصورتان هما لأختين مسلمتين شقيقتين الأولى: هي زينب بنت جحش رضي الله عنها، والثانية: لأختها حمنة
(1) النور الآية (13).
(2)
السيرة لابن هشام ج 3: ص 305.
بنت جحش فقد أورد المقريزي عن زينب هذا الحوار بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم: قالت: (حاشى سمعي وبصري، ما علمت عليها إلا خيرا. والله ما أكلمها وإني لمهاجرتها وما كنت أقول إلا الحق)(1).
وأن تستطيع ضرة أن تكتم هواها فلا تمضي في الإشاعة يدل على المستوى العظيم الذي بلغته هذه المرأة المسلمة والأفق العالي الذي ارتقت عليه. وهذا ما دعا عائشة رضي الله عنها أن تبرىء ساحة زينب من ولوغها في هذه الفرية.
تقول رضي الله عنها، (ما كان أحد يساميني عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا زينب بنت جحش) فقد وضعتها في موقعها الصحيح من طبيعة المنافسة مع عائشة رضي الله عنهما، لكنها مع ذلك لم تجد حرجا من الثناء عليها في هذا الموقف فقالت:
(أما زينب فقد عصمها الله بدينها فلم تقل شيئا).
أما الموقف الثاني، فهو موقف أختها حمنة، التي انطلقت في الإشاعة تنقلها من بيت إلى بيت، ولا شيء يقف في وجهها، وذلك ثأرا لأختها زينب. تقول عائشة رضي الله عنها:
(أما أختها حمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت تضادني لأختها فهلكت).
ولا نتمالك من الإعجاب العظيم بعائشة رضي الله عنها، إذ استطاعت أن تفصل بين الموقفين للأختين الشقيقتين. ولم تحمل زينب شيئا من وزر أختها حمنة. خامسا: موقف المفترى عليه، هو أثقل الأدوار وأضخمها في حديث الإفك.
والمنهج الذي يجب أن يسود في هذا الصدد هو أن لا يقابل الافتراء بافتراء آخر ولا تقابل الإشاعة المؤتفكة بإشاعة أخرى. وأن يتمالك الأخ المفترى عليه فلا يطلق لسانه في أعراض الآخرين ولو اعتدي عليه حتى تتم براءته وتبرئته. هو موقف أصيل ندعو إليه هذا الأخ في هذا المجال. ونلحط موطن القدوة من العناصر الثلاثة الذين نيل من عرضهم في حديث الإفك.
أولهم: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو سيد الأمة والبشرية. وهو الحاكم والقائد، وبيده السلطة، وبإشارة واحدة منه يمكنه أن ينهي حياة الوالغين في عرضه ; ومع ذلك لم يملك في هذا الأمر بعد أن استشار كبار أصحابه إلا أن يخطب في المسلمين قائلا على المنبر بعد أن حمد الله وأثى عليه أيها الناس ما بال رجال يؤذونني في أهل ويقولون عليهم
(1) إمتاع الأسماع المقريزي ج 1: 208.
غير الحق والله ما علمت منهم إلا خيرا. ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت عليه إلا خيرا، وما يدخل بيتا من بيوتي إلا وهو معي)).
وعندما وقعت الأزمة بين الفريقين الأوس والخزرج لم يكن ليملك عليه الصلاة والسلام إلا أن يكون حكما بينهما رغم أن أحد الفريقين يدافع عن الوالغين في عرض عائشة رضي الله عنها والآخر يهاحمهم ومع ذلك، فقد أرضى الفريقين ولم يتحيز لأحدهما لأنه لا يملك البينة ليرد بها على الفريق المتهم، وحتى عندما تجاوز صنوان رضي الله عنه في ثورته لنفسه وضرب حسان بن ثابت على اتهامه لم يسنده رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخلف ويشجعه على تجاوزه قبل صدور البينة مع أنه يبرىء أحب الناس إليه عائشة رضي الله عنها، وقد حضر حسان وصفوان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ولنستمع إلى تلك المحاكمة الهادئة للجنديين المتجاوزين!
(قال صفوان بن المعطل: يا رسول الله آذاني وهجاني فاحتملني الغضب فضربته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان: أحسن يا حسان أتشوهت على قومي أن هداهم الله للإسلام ثم قال: أحسن يا حسان في الذي أصابك قال: هي لك يا رسول الله.
قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن إبراهيم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاه عوضا عنها. . . وأعطاه سيرين أمة قبطية فولدت له عبد الرحمن بن حسان) (1). وهكذا كلفت ضربة صفوان لحسان أرضا وجارية وهبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت بعد عفوه عن صفوان بن المعطل، وكان هذا العطاء لمن ينشد الشعر في اتهام زوجته ويمضي في الإشاعة دون توقف.
وثانيهم: هو أبو بكر رضي الله عنه وزوجه أم رومان وقد نزل بهم من البلاء ما لم ينزل
بمسلم وأقصى ما قالته أم عائشة التي تعرض عرضها للثلم والإهانة:
أي بنية خفضي عليك الشأن. فوالله لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها.
ولم يتمالك أبو بكر رضي الله تعالى عنه أن يقول:
(ما أعلم أهل بيت من العرب دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر. والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية حيث لا نعبد الله، فيقال لنا في الإسلام!!).
وثالثهم: عائشة رضي الله عنها التي لم تنته عن البكاء حتى ظنت أن البكاء سيصدع
كبدها.
(1) السيرة النبوية لابن هشام ج 3. 318و319.