المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌السمة الرابعة:الصف الداخلي القوي من خلال صلح الحديبية - المنهج الحركي للسيرة النبوية - جـ ٣

[منير الغضبان]

فهرس الكتاب

- ‌تمهيد

- ‌المرحلة الثانية: الجهاد السياسي وانتصار الرسالة

- ‌السمة الأولى: التحدي المعنوي للمشركين

- ‌السمة الثانية: حديث الإفك

- ‌السمة الثالثة: الزواج وأثره في الدعوة

- ‌السمة الرابعة:الصف الداخلي القوي من خلال صلح الحديبية

- ‌السمة الخامسة:الاعتراف الرسمي من الوثنية بدولة الإسلام

- ‌السمة السادسة: حرب المستضعفين

- ‌السمة السابعة:الإعلان العالمي للإسلام: مراسلة الملوك والأمراء

- ‌السمة الثامنة: تجمع القوى والثقة بالنصر

- ‌السمة التاسعة:إنهاء الوجود اليهودي في جزيرة العرب: غزوة خيبر

- ‌السمة العاشرة:قيادات العدو تنضم إلى الإسلام

- ‌السمة الحادية عشرة: الصدام الأول مع الروم - مؤته

- ‌السمة الثانية عشرة: نصر الله والفتح: فتح مكة

- ‌السمة الثالثة عشرة:إنهاء الجيوب الوثنية المتبقية

- ‌السمة الرابعة عشرة:الجزيرة العربية تدخل في الإسلام

- ‌السمة الخامسة عشرة:التحدي الأكبر للروم في غزوة تبوك

- ‌السمة السادسة عشرة:سورة براءة وإنهاء الوجود الوثني

- ‌السمة السابعة عشرة:الحج الأكبر ومائة وثلاثون ألفا من المسلمين

- ‌السمة الثامنة عشرة:إلى الرفيق الأعلى بعد إتمام النعمة

- ‌الخاتمة

الفصل: ‌السمة الرابعة:الصف الداخلي القوي من خلال صلح الحديبية

بين أبناء الأمة جميعا ورفع مستوى المرأة الثيب وزوجات الشهداء إلى المستوى الكريم اللائق بهن أنهن محط أنظار القيادة ولسن من المحرومات اللواتي انصرف النظر عنهن فقط لأنهن ثيبات.

إنها مسؤولية جسيمة يضطلع بها الدعاة وأخص بالذكر القيادات لوضع الزواج في وظيفته الاجتماعية العامة وجعل الكفاءة حقيقة من خلال الدين والخلق لا من خلال الجمال والحسب والبكارة ومن خلال مصلحة الإسلام العليا لا من خلال الرغبة الجنسية المحدودة.

والنظر إلى الزواج على أنه وسيلة هامة من وسائل الدعوة لا على أنه معيق من معيقاتها ولا بد أن تتدرب الأخوات المسلمات كذلك على هذه المعاني ويلجمن أهواءهن وأنانيتهن وغيرتهن وأمام مصلحة الإسلام وعقيدة الإسلام ومصلحة أخواتهن اللاتي لم يكن لهن من ذنب إلا أن فقدن أزواجهن في سبيل الله.

‌السمة الرابعة:

الصف الداخلي القوي من خلال صلح الحديبية

لئن كانت غزوة بني لحيان إرهاصا لابتداء المرحلة الجديدة. فلقد كانت عمرة الحديبية هي التنفيذ العملي البين لقوله عليه الصلاة والسلام (الآن نغزوهم ولا يغزونا) ولكن هذا الغزو لم يكن غزوا عسكريا بحتا. بل كان غزوا سلميا يهدف العمرة إلى البيت الحرام لكن لا يغيب عن ذهن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبعاد هذه العمرة. وأنه قد يلقى مقاومة مسلحة. غير أن التحرك السياسي في الاتجاه الجيديد كان لا بد منه (وقد استنفر الأعراب ومن حوله من أهل البوادي ليخرجوا معه وهو يخشى من قريش الذي صنعوا - أن يعرضوا له بحرب أو يصدوه عن البيت-. فأبطأ عليه كثير من الأعراب. وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب وساق معه الهدي، وأحرم بالعمرة ليأمن الناس على حربه وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرا لهذا البيت ومعظما له .. وكان جابر بن عبد الله يقول كنا أصحاب الحديبية أربع عشرة مائة ..)(1).

ولن نستطيع دراسة صلح الحديبية من كل جوانبه. لكننا سنعالج هذا الجانب في هذه السمة ونرجىء الحديث عن الفتح المبين في السمة التالية.

(1) السيرة لابن إسحاق ج 4: 308 - 309.

ص: 15

أما مظاهر هذا الصف القوي الموحد فقد بدت على الصور التالية:

أولا: إن مجرد استجابة المهاجرين والأنصار للنفير هو دليل حي على مدى الطاعة والالتزام والانضباط في هذا الصف، فبعد أقل من سنة على غزوة الأحزاب كان هذا التحرك بهذا العدد الضئيل ألف وخمسمائة فلا ينسى المسلمون أن الأحزاب غزوهم بعشرة آلاف مقاتل.

فكيف يتحرك هذا الجمع الضئيل من المئات إلى مشارف مكة. ولا شك أن الدافع الإيماني القوي هو الذي حدا بالمسلمين إلى الإستجابة. إذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قص عليهم رؤياه أنه دخل البيت وحلق رأسه وأخذ مفتاح البيت، وعرف مع المعرفين (1)، وإنها لجرأة متناهية أن يغامر المسلمون بألف وخمسمائة رجل يتجهون بهم إلى مكة التي تعلن الحرب عليهم.

ثانيا: وكانت حرب الأعصاب الأولى التي تلقاها هذا الصف المسلم بعسفان حيث لقيه بشر بن سفيان قائلا له: يا رسول الله هذه قريش قد سمعت بمسيرك فخرجوا معهم العوذ المطافيل (2) قد لبسوا جلود النمور وقد نزلوا بذي طوى يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا. وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدموها إلى كراع الغميم. فقال عليه الصلاة والسلام يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة.

فما تظن قريش فو الله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة (3)، (4).

وعندما يسمع جيش هذا الوصف لتحرك قريش بشيبها وشبابها ونسائها وأطفالها لمواجهة محمد صلى الله عليه وسلم لا بد أن يصيبه الذعر ويتخلخل من الرعب وتنتشر به الفوضى وصراع الآراء لكن جيش النبوة الملتزم بقيادته قد تجاوز هذه المرحلة والضعفاء المخذولون المتخاذلون ولو كانوا موجودين في داخل الجيش هم أجبن من أن يرفعوا عقيرتهم بالمخالفة أو يظهروا هلعهم وجبنهم ويدعوا إلى الإستسلام أو الفرار. فأي قوة في الصف تعدل هذه القوة؟

لكن الجانب الآخر من القضية هو الجانب السياسي. فهذه أول مرة يعلن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم رغبته في تجنب الحرب مع قريش ودعوتها إلى المهادنة، وذلك صمن خط

(1) أي وقف في عرفة.

(2)

يريد أنهم خرجوا ومعهم النساء والصبيان.

(3)

السالفة: صفحة العنق وكنى بانفرادها عن الموت.

(4)

السيرة لابن إسحاق ج4: ص 309.

ص: 16

واضح متميز أن يقفوا على الحياد بينه وبين العرب، ولم يكتف عليه الصلاة والسلام بذلك، إنما أوضح أبعاد هذا الموقف بأنه لصالح قريش سواء انتصر محمد عليه الصلاة والسلام أم لم ينتصر. وفي هذا كبح لجماح التهور القرشي من الاستمرار في المعركة. وفتح لآفاق الدعوة أن تخطو الطريق الذي سدته قريش من كل جانب. إنه السلام القائم على مصلحة قريش ذاتها قبل أن يكون مصلحة المسلمين.

إلا أن هذا الكلام يعني من طرف آخر خفي أن وهنا قد حل بالمسلمين فراحوا يبحثون عن الحل السلمي للابتعاد عن المواجهة فكان لا بد من اسماعهم منطق القوة الذي يفهمون فيه.

وهو:

(فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة) إنه المنطق المتوازن الذي لا يريد الحرب للحرب إنما لإظهار هذا الدين وإعلانه وهو جاهز لأن يتفهم وجهة نطر الخصم، غير أن هذا المنطق لا يعني خللا في القوة أو وهنا في الصف ونحن نرى الصف القوي هنا كذلك بعد إعلان النبي صلى الله عليه وسلم عن استعداده لخوض المعركة دون أن يعترض جندي واحد على ذلك، في الوقت الذي خرج الجيش فيه للعمرة لا للقتال.

ثالثا: والتحام الصف الإسلامي مع قيادته يبدو جليا كذلك في أثناء عرض عضلات قريش من قادة وفودها وذلك على أربعة نمانج.

النموذج الأول: وهو بديل بن ورقاء الخزاعي. وهو أقرب ما يكون لمحمد صلى الله عليه وسلم لما بين خزاعة ومحمد من ود. واعتبرت قريش أن هذا الرجل كفيل بأن يثني محمدا عن عزمه على دخول مكة.

فأخبرهم عليه الصلاة والسلام أنه لا يريد حربا. وأنه إنما جاء زائرا لهذا البيت معظما له واسرع بديل ليقول لقريش: إن محمدا لم يأت لقتال وإنما جاء زائرا لهذا البيت. فقالت قريش لهم: وإن كان جاء لا يريد قتالا. فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبدا ولا تحدث بذلك عنا العرب.

النموذج الثاني: مكرز بن حفص حيث حدد عليه الصلاة والسلام طبيعته. قائلا: هذا رجل غادر وقال له مثل ما قال لبديل. وكان الأمر حتى الآن طبيعيا لا يثير حفيظة هذا الجيش القوي.

ص: 17

النموذج الثالث: وقصدت به قريشا أن تعلم محمدا أن قريشا ليست وحدها في المعركة، بل معها القبائل المجاورة لمكة. فالحليس بن علقمة سيد الأحابيش (1). ولم تفت هذه القضية رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال للمسلمين: إن هذا من قوم يتألهون (2) فابعثوا في وجهه الهدي حتى يراه، فلما رأى الهدي. رجع إلى قريش ولم يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إعظاما لما رأى. فقال لهم ذلك. فقالوا له: اجلس فإنما أنت أعرابي لا علم لك.

وغضب الحليس عند ذلك وقال: يا معشر قريش والله ما على هذا حالفاكم، ولا على هذا عاقدناكم، لتخلن بين محمد وما جاء له أو لأنفرن بالأحابيش نفرة رجل واحد، فقالوا له: مه، كف عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.

والدلالة في هذا النموذج صارخة على العبقرية العظيمة للنبوة حين صرف سيد الأحابيش وقد تبنى رأيه بالعمرة دون أن يلقاه، وكاد صف مكة الداخل أن يتفجر وتقع المواجهة بين الأحابيش وقريش لولا أن تداركت قريش الأمر وأصلحته مع الرجل، ومع ذلك فقد أصبح في صف مكة تيار قوي، أعلن عن رأيه بضرورة السماح لمحمد صلى الله عليه وسلم بالاعتمار، وهدد بالسلاح ما لم يتم تنفيذ ذلك، وقد تم هذا الأمر حتى دون لقاء بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيد الأحابيش. بحسن اختيار الأسلوب المناسب الذي يفهم به هذا الرجل، وهو بعث الهدي في وجهه.

النموذج الرابع: وقصدت به قريشا حربا نفسية كذلك لمحمد وأصحابه لتعلمه أن ثقيفا مع قريش حليفة في هذه المواجهة. فبعثت بأذكى وأدهى ما عندها ليفت في أعضاد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وكان تخطيط قريش أن مجرد رؤية عروة بن مسعود زعيم ثقيف يأتي ممثلا لقريش في هذه المفاوضات كفيل بأن يزلزل هذا الصف المتين. فكيف إذا استعمل خبثه ودهاءه. ولننظر إلى هذه الحرب السياسية من المنتصر فيها في نهاية المطاف.

(خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس بين يديه ثم قال:

يا محمد: أجمعت أوشاب (3) الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك (4) لتفضها (5) بهم، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم عنوة أبدا وايم الله، لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا، قال: وأبو بكر الصديق خلف رسول

(1) الأحابيش: قبائل كانت حول مكة وتسكن في جبالها.

(2)

يتألهون: يتعبدون ويعظمون أمر الإله.

(3)

أوشاب الناس: أخلاطهم.

(4)

بيضة الرجل: أهله وقبيلته.

(5)

تفضها: تكسرها.

ص: 18

الله صلى الله عليه وسلم قاعد، فقال: امصص بظر اللات. أنحن ننكشف عنه؟ قال: من هذا يا محمد: قال: هذا ابن أبي قحافة، قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها ولكن هذه بها، قال. ثم جعل يتناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يكلمه. والمغيرة بن شعبة واقف على رأس رسوله الله صلى الله عليه وسلم في الحديد. قال فجعل يقرع يده إذا تناول لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول: أكفف يدك عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن لا تصل إليك. فيقول عروة: ويحك ما أفظك وأغلظك. قال: فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عروة: من هذا يا محمد؟ قال هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة قال: أي غدر، وهل غسلت سوءتك إلا بالأمس

فقام من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد رأى ما يصنع أصحابه لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه وإلا يبصق بصاقا إلا ابتدروه ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه. فرجع إلى قريش فقال يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء فروا رأيكم) (1).

فلقد عاد عروة بن مسعود بعد هذه الجولة داعية لمحمد صلى الله عليه وسلم على غير وعي منه بدل أن يحمس الناس على حربه لقد هزمت قريش وهزم عروة أمام صلابة الصف المسلم الذي أبدى من ضروب الطاعة والانضباط والالتزام ما أذهل عروة وهزمه في أعماقه لقد بالغ المسلمون في إظهار الطاعة أمام العدو الغادر ما لم يفعلوه من قبل، وجيش هذا طبيعته وهذه نفسيته. يجابه به قوى الأرض لا قريش وحدها أو قريش ومعها ثقيف والأحابيش، حتى الهادىء الوديع الحليم أبو بكر ينقلب أمام عدو الله ليثا يزأر، ويتهكم بأسلوب فج من عروة سيد ثقيف وعقله حين أراد أن يفتن الصف بتخويفه من قوة قريش ويضرب القيادة بالقاعدة فيثني عزيمة محمد عن الحرب لتفرق أصحابه عنه فكان لا بد أن يسمع ما يكره بأسلوب ما عهد عن أبي بكر قط رضي الله عنه. وكلام غير عفيف يجعل عروة في جحره لا يتعداه وكان الرد الثاني أعنف وأشد من المغيرة بن شعبة فلئن اعتدت قريش بعروة الثقفي معها فالبطل الثقفي المغيرة هو سيف محمد صلوات الله عليه ولا يفل الحديد إلا الحديد إن عظمة النبوة السياسية التي لا تدانيها عظمة هي في حسن استعمال اللين في محله والعنف في محله .. لقد ارتد كيد قريش في نحرها، وهزمت نفسيا أمام محمد صلوات الله عليه وصحبه وجنده وراحت تعالج أمرها بعد خطبة ابن مسعود فيها من باب المفاوضة لا من باب التهديد والمواجهة وصار الصف المسلم القادم إلى العمرة بألف وخمسمائة أقوى بألف مرة من صف قريش وثقيف والأحابيش الذي تزعزع وهدد بعضه بالسلاح.

إنه درس عظيم للحركة الإسلامية، درس للقيادة التي تتقن فن التعامل مع العدو فتحطم أعصابه، وتهز نفسه من الأعماق وتتعامل مع الخصوم كل حسب طبيعته ونفسيته.

(1) السيرة النبوية ج 3: 327 و328.

ص: 19

ودرس إلى القاعدة كي تفقه معنى الالتزام والانضباط خاصة أمام العدو وعلى أرضه فتكون كلها سهما واحدا ويدا واحدة وقلبا واحدا في مواجهة العدو.

رابعا: وكانت المحاولة الرابعة من قريش في إيجاد ثغرة في الصف المسلم ، من خلال عملية فدائية كلف بها حوالي خمسين من قريش علهم ينالوا بعضا من أصحابه أسرا أو قتلا فيجزع المسلمون ويحاولون إيقاع الرعب فيه. فماذا كانت النتيجة؟!

أخذوا جميعا أسرى بيد المسلمين حيث ظفر بهم محمد بن مسلمة قائد حرس المسلمين. وبلغ قريشا حبس أصحابهم، فجاء جمع منهم ورموا بالنبل والحجارة. فرماهم المسلمون وأسروا منهم اثني عشر فارسا.

وكانت هذه العمليات المرتجلة من قريش صدمة عنيفة أخرى لهم. وكانت مع آراء الوفود كفيلة بأن توقع الوهن في صف العدو.

وترى كم يسر الجنود المسلمون حين يرون بين ظهرانيهم خمسين رجلا واثني عشر فارسا أسرى بيدهم.

خامسا: وكانت محاولا عرض العضلات الأخيرة والتهديد بالسلاح من قريش هي من خلال خيلهم التي كان على رأسها خالد بن الوليد.

ودنا خالد بن الوليد في خيله حتى نظر إلى المسلمين فصف خيله فيما بينهم وبين القبلة.

فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم عباد بن بشر في خيله. فقام بإزائه وصف أصحابه، وحانت صلاة الظهر فأذن بلال وأقام، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه مستقبل القبلة وهم خلفه، يركع بهم ويسجد ثم قاموا فكانوا على ما كانوا عليه من التعبئة. فقال خالد بن الوليد. قد كانوا على غرة. لو كنا حملنا عليهم أصبنا منهم. ولكن تأتي الساعة صلاة هي أحب إليهم من أنفسهم وأبنائهم ، فنزل جبريل عليه السلام بين الظهر والعصر بهذه الآية {وإذا كنت فيهم ..} فحانت العصر فصلوا صلاة الخوف (1).

يقول خالد رضي الله عنه: فعلمت أن الرجل ممنوع.

لقد غزي قائد فرسان قريش في أعماقه، وأيس من النصر. فمن الذي أعلم محمدا بما بيته من غدر؟ لقد عرف خالد بن الوليد أنه أعجز من أن ينال شيئا من محمد. وأضيف هذا الرصيد من الوهن إلى الرصيد السابق فأسقط في يد قريش. وعرفت أن لا جدوى من المواجهة ففكرت في المصالحة.

(1) إمتاع الأسماع للمقريزي ج 1. 380

ص: 20

وها هما الصورتان متقابلتان صورة الصف المسلم الملتحم القوي المصمم على الثبات، وصورة الصف المتناقض في الرأي والمهزوم نفسيا في أعماقه من هؤلاء المئات القلائل.

سادسا: وكانت الصورة المقابلة التي لا بد أن يقوم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أن يبعث بسفير من عنده يسمع مباشرة من قريش وينقل لهم وجهة نظره حتى لا تلتبس الأمور فكان. (وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قريش خراش بن أمية على جمل لرسول الله (س) ليبلغ أشرافهم أنه إنما جاء معتمرا. فعقر الجمل عكرمة بن أبي جهل وأرادوا قتله فمنعه من هناك من قومه فرجع فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه فخاف على نفسه، وأشار بعثمان رضي الله عنه. فبعثه ليخبرهم: إنا لم نأت لقتال أحد، وإنما جئنا زوارا لهذا البيت معظمين لحرمته، ومعنا الهدي ننحره وننصرف فأبوا على عثمان أن يدخل عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورحب به أبان بن سعيد بن العاص وأجاره، وحمله من بلده إلى مكة وهو يقول، أقبل وأدبر ولا تخف أحدا بنو سعيد أعزة الحرم، فبلغ عثمان من بمكة ما جاء فيه، فقالوا جميعا: لا يدخل علينا محمد عنوة أبدا .. وبلغ النبي صلى الله عليه وسلم بعد إقامة عثمان بمكة ثلاثا أنه قتل، وقتل معه عشرة رجال مسلمون قد دخلوا مكة بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليروا أهاليهم .. وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم منازل بني مازن بن النجار، وقد نزلت في ناحية من الحديبية جميعا، فجلس في رحالهم وقد بلغه قتل عثمان رضي الله عنه، ثم قال: إن الله أمرني بالبيعة فأقبل الناس يبايعونه حتى تداكو. فما بقي لهم متاع إلا وطئوه ثم لبسوا السلاح وهو معهم قليل. وقامت أم عمارة إلى عمود كانت تستظل به فأخذته بيدها، وشدت سكينا في وسطها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايع الناس وعمر بن الخطاب رضي الله عنه آخذ بيده فبايعهم على ألا يفروا، وقيل بايعهم على الموت .. فبايعوه إلا الجد بن قيس اختبأ تحت بطن بعير .. وبعثت قريش إلى عبد الله بن أبي بن سلول: إن أحببت أن تدخل فتطوف بالبيت فافعل فقال له ابنه: يا أبت أذكرك الله أن تفضحنا في كل موطن، تطوف ولم يطف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبى حينئذ وقال: لا أطوف حتى يطوف رسول الله فبلغ رسول الله كلامه فسر به) (1).

الحرب بين الفريقين قائمة، وخراش بن أمية الخزاعي يقابل بديل بن ورقاء الخزاعي فخزاعة مسلمهم ومشركهم عليه نصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي مع قريش كذلك. ومن أجل هذا وجد من يمنعه من قومه عندما تعرض للقتل.

وكانت الشخصية الثانية المرشحة للسفارة هي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ولعل ما نزل بخراش من جهة وحقد قريش على عمر رضي الله عنه من جهة ثانية وكون شوكة بني عدي في مكة ضعيفة كل هذه العوامل حدت بعمر رضي الله عنه أن يبسط عذره بين يدي قائده

(1) إمتاع الأسماع للمقريزي ج1: 289 و 290 و 291 (مقتطفات).

ص: 21

لأن سفارته لن تحقق الهدفا المطلوب منها ومن أجل ذلك قال:

يا رسول الله إني أخاف قريشا على نفسي. وليس بمكة من بني عدي بن كعب أحد يمنعني وقد عرفت قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها ولكني أدلك على رجل أعز بها مني عثمان بن عفان. وقبل رأي ابن الخطاب دون تردد. فليس هو محل تهمة أو ظنة. لكن لكل أمر رجاله.

وعثمان للسفارة خير من عمر، مع العلم أن السفارة في الجاهلية كانت عند بني عدي، غير أن مكة اليوم يتقاسم النفوذ فيها بنو مخزوم وبنو أمية، ومن أجل ذلك وجد عثمان رضي الله عنه من يحميه حتى يؤدي رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لعثمان كذلك مهمة سرية أخرى هي الاتصال بالمؤمنين في مكة ودعوتهم إلى الصبر والثبات حتى يأذن الله تعالى بالفتح من عنده. ولما فرغ من تأدية رسالته عرضوا عليه أن يطوف بالبيت. فأبى أن يطوف حتى يطوف رسول الله.

وكان هذا درسا بليغا في الالتزام حتى ولو كان طواف الكعبة الذي يحلم به المسلم منذ سنين خلت، لكنه لم ينفذ أمرا حتى يرجع إلى قيادته فيسألها. وامتنع عن الطواف قبل طواف النبي عليه الصلاة والسلام.

وحين يلتزم الجندي بأمر قائده عند الأعداء رغم الإحراجات الكثيرة من عشيرته. فهذا يعني أن الولاء لن يكون إلا لله ورسوله. لكن هذا الولاء لم يمنع من قبول حماية أبان بن العاص أحد قادة بني أمية، وما أحوجنا إلى أن نفرق بين القضيتين. لأن الأولى لا علاقة لها بطبيعة المهمة، وتتم المهمة بدونها أما الثانية فهي صلب مهمة عثمان رضي الله عنه. فلم يجد حرجا أو إثما بقبول إجارة أبان بن سعيد.

وننتقل إلى المعسكر الإسلامي وقد بلغه إشاعة مقتل عثمان رضي الله عنه. وكان لهذه الإشاعة وقع البارود المتفجر فيه. فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أعز معقل من معاقل الأنصار إلى منازل بني مازن بن النجار، وأخبرهم بأمر البيعة.

(فأقبل الناس عليه حتى تداكوا فما بقى متاع إلا وطئوه، ثم لبسوا السلاح، وهو معهم قليل ..).

يقول ابن إسحاق: (فكانت بيعة الرضوان تحت الشجرة. فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت .. وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبايعنا على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفر).

وإنه لمن أغرب ما روى التاريخ من ولاء والتزام ونصرة. لقد خرج القوم للعمرة، وألحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحملوا السلاح. فرفض ذلك وقال: لست أحمل السلاح إنما خرجت معتمرا. وساهم في هذا الرأي قادة المهاجرين والأنصار. ومع ذلك فها هو يدعوهم إلى المواجهة

ص: 22

والموت فيتزاحمون إلى البيعة حتى لا يبقى متاع إلا وطئوه.

لقد أصبح الصف الإسلامي من القوة والتلاحم بحيث نكاد نقول أن النفاق قد انتهى منه.

وحين نذكر أن المنافقين كانوا بضعة عشر في غزوة الأحزاب، فها نحن لا نجد وجودا لهم في الحديبية.

إن الصورة الواقعية في عالم الأسباب تقول أن لا يستجيب للبيعة على الموت والمواجهة إلا أفراد قلائل. لأن القوم لم يخرجوا للقتال، وقائدهم أكد لهم أن خروجه للعمرة، ولم يعدوا سلاحا لذلك، وما نعلمه عن عالم الأحزاب اليوم في مثل هذه الحالة أن يغتال القائد ويحاكم بتهمة توريط الجيش في الهلاك. أما أن يسارع الجيش كله للبيعة ويتزاحم عليها. فهذا يعني أن النفاق في هذه المرحلة قد ولى كأمس الدابر، وأن ينفرد رجل واحد من هذا الجيش فيختبىء بظل بطن ناقته ولا يبايع، وأن يكون عبد الله بن أبي من بين المبايعين. فهذا يعني أن الجيش الإسلامي قد تجاوز أزمته. وأجهز على عناصر الضعف فيه.

ونذكر مع هذا الالتزام العجيب النسوة الأربع اللاتي شاركن الحملة. فقد شاركن في البيعة كذلك، وكأني بأم عمارة رضي الله عنها، وقد التمع بعينيها بريق أحد بعد أن تسلحت بعمود البيت وشدت السكين على وسطها وجددت بيعتها كما بايعت يوم العقبة. لتكون مع الصف المسلم المقاتل وهؤلاء النسوة القليلات هن اللاتي شددن نظر عروة بن مسعود، وكان مما قاله لقريش:(رأيت نسيبات معه. إن كن ليسلمنه أبدا على حال)(1).

ولم يفكر جندي واحد من هذا الصف القوي أن يعتب على قائده عليه الصلاة والسلام الذي يطلب منه الآن البيعة على الموت، وقد جاء به إلى العمرة ومنعه أن يهيء سلاحه.

ومن قوة هذا الالتزام كذلك أن نجد عبد الله بن أبي الذي جاءه وفد خاص من قريش يدعونه ليدخل مكة ويطوف بالحرم، وكان بإمكان ابن أبي أن يهتبل الفرصة. ويطوف بالكعبة في عز حراب قريش. لكن ظل ابنه عبد الله والموقف الرهيب الذي وقفه منه يوم المريسيع ووضع السيف على عنقه آنذاك عاد فارتسم أمامه. وابنه يذكره بالله فما كان من زعيم النفاق إلا أن رضخ لهذا الجو العام، وأحنى رأسه للعاصفة وقال: لا أطوف حتى يطوف رسول الله.

وهذا درس عظيم للجماعة المسلمة تتعلم منه أصول الانضباط والسمع والطاعة للقيادة.

وكانت البيعة هي محك الرجال فلم يتخلف منهم أحد بل سارع النساء إليها كذلك.

(1) إمتاع الأسماع ج 1: 288 والنسيات: جمع تقليل وتصغير للنسوة.

ص: 23

والنقطة الأخيرة في هذا المجال وهي التي نتوجه بها لقيادة الحركة الإسلامية أن تستوعبها بعد درس القاعدة هي أهمية الجندي المسلم عند قيادته.

لقد قرر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشن حربا على قريش مع من بايعوه على الموت ثأرا لجندي واحد من جنوده هو عثمان بن عفان عندما أشيع أنه قتل.

والجندي الذي يرى هذا الاهتمام من قيادته به، وهذه الكرامة والخطوة له عندها، لا ضير أن يفتدي هذه القيادة بروحه ودمه ووجوده وأعز ما لديه في هذا الوجود. ولا ضير إذن أن تغير القيادة موقفا مصيريا ثأرا لجندي من جنودها بعد أن علمها هذا الدرس رسول الله عليه الصلاة والسلام.

سابعا: ونحن نعرض للصف الداخلي القوي لا بد أن نعرض للصلح نفسه كما تعرضه كتب السير.

(فلما اصطلحوا ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر رضي الله عنه. فقال: يا رسول الله: ألسنا بالمسلمين؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بلى. فقال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال رسول الله: أنا غبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره، ولن يضيعني. فذهب عمر إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال: يا أبا بكر ألسنا بالمسلمين؟ قال: بلى! فال: فلم نعطي الدنية في ديننا؟ فقال: الزم غرزه فإني أشهد أنه رسول الله. وأن الحق ما أمر به، ولن يخالف أمر الله ولن يضيعه الله. ولقي عمر من القضية أمرا كبيرا، وجعل يردد على رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام وهو يقول: أنا رسول الله ولن يضيعني، ويردد ذلك فقال أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: ألا تسمع يا ابن الخطاب رسول الله يقول ما يقول! تعوذ بالله من الشيطان واتهم رأيك! فجعل يتعوذ بالله من الشيطان الرجيم حينا وكان المسلمون يكرهون الصلح، لأنهم خرجوا ولا يشكون في الفتح لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حلق رأسه وأنه دخل البيت فأخذ مفتاح الكعبة وعرف مع المعرفين، فلما رأوا الصلح داخلهم في ذلك أمر عظيم حتى كادوا يهلكون ..

(وبينا الناس قد اصطلحوا والكتاب لم يكتب. أقبل أبو جندل بن سهيل .. وقد أفلت يرسف في القيد متوشح السيف .. ففرح المسلمون به وتلقوه حين هبط من الجبل فسلموا عليه وآووه فرفع سهيل رأسه فإذا بابنه أبي جندل، فقام إليه فضرب وجهه بغصن شوك وأخذ بتلابيبه فصاح أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنوني في ديني؟ فزاد المسلمين ذلك شرا إلى ما بهم وجعلوا يبكون لكلام أبي جندل. فقال حويطب بن عبد العزى لمكرز بن حفص: ما رأيت قوما قط أشد حبا لمن دخل معهم من أصحاب محمد لمحمد وبعضهم لبعض! أما إني أقول لك لا نأخذ من محمد نصفا بعد هذا اليوم حتى يدخلها عنوة! فقال مكرز: وأنا أرى

ص: 24

ذلك وقال سهيل بن عمرو: هذا أول من قاضيتك عليه رده! فقال رسول صلى الله عليه وسلم إنا لم نقض الكتاب بعد فقال سهيل: والله لا أكاتبك على شيء حتى ترده إلي فرده عليه، وكلمه أن يتركه، لأبى سهيل وضرب وجهه بغصن من شوك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم. هبه لي، أو أجره من العذاب. فقال: والله لا أفعل، فقال مكرز وحويطب: يا محمد نحن نجيره لك. فأدخلاه فسطاطا فأجاراه فكف عنه أبوه ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته فقال: يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله جاعل لك ولمن معك فرجا ومخرجا. إنا عقدنا بيننا وبين القوم صلحا وأعطيناهم على ذلك عهدا وإنا لا نغدر وعاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى رسول الله. فقال: يا رسول الله: ألست برسول الله: قال، بلى! قال: ألسنا على الحق؟ قال: بلى! قال: أليس عدونا على الباطل؟ قال: بلى! قال: فلم نعط الدنية في ديننا؟ فقال: إني رسول الله ولن أعصيه، ولن يضيعني. فانطلق إلى أبو بكر رضي الله عنه فقال له مثل ذلك. فأجابه بنحو ما أجاب به رسول الله ثم قال: ودع عنك ما ترى يا عمر فوثب إلى أبي جندل يمشي إلى جنبه وسهيل يدفعه وعمر يقول: اصبر أبا جندل، فإنما هم المشركون، وإنما دم أحدهم دم كلب! وإنما هو رجل، ومعك السيف. (يحرضه على قتل أبيه) وجعل يقول: يا أبا جندل: إن الرجل يقتل أباه في الله! والله لو أدركنا آباءنا لقتلناهم في الله فرجل برجل، فقال له أبو جندل: ما لك لا تقتله أنت؟ قال عمر: نهاني رسول الله عن قتله وقتل غيره، قال أبو جندل: ما أنت أحق بطاعة رسول الله مني! وقال عمر ورجال معه: يا رسول الله: ألم تكن حدثتنا أنك تدخل المسجد الحرام وتأخذ مفتاح الكعبة، وتعرف مع المعرفين؟ وهدينا لم يصل إلى البيت ولا نحن! فقال: قلت لكم في سفركم هذا؟ قال عمر: لا فقال صلى الله عليه وسلم: أما إنكم ستدخلونه، وآخذ مفتاح الكعبة وأحلق رأسي ورؤوسكم ببطن مكة وأعرف مع المعرفين، ثم أقبل على عمر فقال: أنسيتم يوم أحد إذ تصعدون ولا تلوون على أحد وأنا أدعوكم في أخراكم؟ أنسيتم يوم الأحزاب إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار؟ أنسيتم يوم كذا؟ أنسيتم يوم كذا؟ والمسلمون يقولون: صدق الله ورسوله. يا نبي الله ما فكرنا فيما فكرت فيه.

(فلما حضرت الدواة والصحيفة بعد طول الكلام والمراجعة دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أوس بن خولي يكتب، فقال سهيل: لا يكتب إلا ابن عمك علي، أو عثمان بن عفان، فأمر عليا فكتب فقال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل، لا أعرف الرحمن. اكتب ما نكتب: باسمك اللهم فضاق المسلمون بذلك وقالوا: هو الرحمن. والله لا نكتب إلا الرحمن. قال سهيل إذن لا أقاضيه على شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتب باسمك اللهم. هذا ما اصطلح عليه محمد رسول الله فقال سهيل: لو أعلم أنك رسول الله ما خالفتك، واتبعتك، أفترغب عن اسمك واسم أبيك محمد بن عبد الله؟ فضج المسلمون ضجة هي أشد من الأولى حتى ارتفعت الأصوات وقام رجال يقولون: لا نكتب إلا محمد رسول الله! وأخذ أسيد بن حضير وسعد بن عبادة رضي

ص: 25

الله عنهما بيد الكاتب فأمسكاها وقالا: لا تكتب إلا محمد رسول الله، وإلا فالسيف بيننا علام نعط الدنية في ديننا؟ فجعل رسول الله يخفضهم ويومىء إليهم بيده: اسكتوا وجعل حويطب يتعجب مما يصنعون، ويقول لمكرز: ما رأيت قوما أحوط لدينهم من هؤلاء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا محمد بن عبد الله فاكتب

).

(فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكتاب، وانطلق سهيل وأصحابه قال:

قوموا فانحروا واحلقوا وحلوا فلم يجبه أحد إلى ذلك. فرددها ثلاث مرات فلم يفعلوا فدخل على أم سلمة رضي الله عنها وهو شديد الغضب. فاضطجع، فقالت: ما لك يا رسول الله؟ مرارا وهو لا يجيبها. ثم قال: عجبا يا أم سلمة! إني قلت للناس انحروا واحلقوا وحلوا مرارا فلم يجبني أحد من الناس إلى ذلك وهم يسمعون كلامي، وينظرون في وجهي. فقالت: يا رسول الله انطلق أنت إلى هديك فانحره فإنهم سيقتدون بك. فاضطبع بثوبه وخرج فأخذ الحربة ويمم هديه، وأهوى بالحربة إلى البدنة رافعا صوته بسم الله والله أكبر ونحر فتواثب المسلمون إلى الهدي، وازدحموا عليه ينحرونه، حتى كاد بعضهم يقع على بعض وأشرك صلى الله عليه وسلم بين أصحابه في الهدي .. فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نحر البدن دخل قبة له من أدم حمراء فيها الحلاق فحلق رأسه ثم أخرج رأسه من قبته وهو يقول: رحم الله المحلقين. قيل يا رسول الله، والمقصرين! قال: رحم الله المحلقين! ثلاثا ثم قال: والمقصرين) (1).

هذا العرض المسهب يعطينا صورة بينة عن طبيعة هذا الصف العظيم بكل شعابه ومشاعره فنحن أمام وضع جديد كل الجدة، وقد انتقل من النقيض إلى النقيض. وبعد أن ارتفعت موجة المد الشعوري الحماسي إلى أقصاه بالبيعة على الموت، وبعد ذلك التزاحم والتلاحم، نجد الآن صورة معاكسة تتجه إلى المصالحة في شروط تبدو ظاهر الأمر مجحفة بحق المسلمين أيما إجحاف وأضخم هذه الشروط وأثقلها على أعصاب المسلمين هي أن يرجعوا هذا العام عن مكة خاصة وهم على أعتاب مكة وقلوبهم تتلظى شوقا للمسجد الحرام. وها نحن نرى عمر بن الخطاب يفقد أعصابه، ولم يجرؤ أحد على إبداء هذا الانفعال غير عمر بن الحطاب.

إن عمر رضي الله عنه الذي لم تحمل أعصابه في أول لحظة من لحظات إسلامه التخفي في دار الأرقم. واستأذن رسول الله بنفس الصيغة التي يتحدث بها اليوم (ألسنا على الحق؟ أليسوا على الباطل؟ ففيم التخفي إذن)؟ وها هو يقول الآن. فلم نعط الدنية في ديننا. وراح عمر يتنقل بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وأبي عبيدة رضي الله عنهم. والجواب يأتيه أن الوحي قد أمر بذلك.

(1) إمتاع الأسماع للمقريزي ج 1 مقتطفات من الصفحات 292 حتى 296.

ص: 26

والضغط الثاني على أعصاب المسلمين كان من خلال رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل الكعبة وأخذ مفتاحها وعرف مع المعرفين وهم يعلمون أن رؤيا الأنبياء حق.

والضغط الثالث على أعصاب المسلمين كان من خلال بروز أبي جندل على الساحة وهو يصرخ يا معشر المسلمين أأرد إلى المشركين يفتنونني في ديني. وأبوه يضربه بغصن الشوك. والمسلمون عليهم أن لا يحركوا ساكنا أمام هذا التحدي لمشاعرهم أمام نص المعاهدة.

والضغط الرابع على أعصاب المسلمين حين رفض سهل بن عمرو أن يكتب بسم الله الرحمن الرحيم ولم لا تثور الدماء في العروق؟ وتشتعل الحرب الضروس للحفاظ على الرحمن الرحيم؟ ولم كانت هذه الحروب في السنوات التي خلت؟ إلا لإعلان الرحمن الرحيم في الأرض؟

والضغط الخامس على أعصاب المسلمين كان حين كتب اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصحيفة. ورفض سهيل بن عمرو اسم رسول الله، وأعلن عن إلغاء المعاهدة لو ذكر. والضغط السادس على أعصاب المسلمين كان من بنود المعاهدة المجحفة في ظاهر الأمر.

حيث أن عليهم أن يعودوا عن مكة هذا العام. وأنه جاء من أهل مكة مسلما رده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن جاء من المسلمين إلى مكة مشركا لم يرده المشركون.

هذه الضغوط جميعا جعلت المسلمين في حالة نفسية صعبة لا يعلم مداها إلا الله، خاصة وهم يتحولون من المد الشعوري العالي بالبيعة على الموت. ونصر الله المقترب بدخول مكة والذي لا يشكون فيه طالما أن رسول الله قد حدثهم عنه.

حتى أن وفدا منهم كما مر لم يتمالك أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم برؤياه، وكان على رأس هذا الوفد عمر رضي الله عنه الذي لم يفقد أعصابه كما فقدها اليوم، فأجابهم عليه الصلاة والسلام: قلت لكم في سفركم هذا؟ قال: عمر. لا فقال صلى الله عليه وسلم، أما إنكم ستدخلونه. وآخذ مفتاح الكعبة. وأحلق رأسي ورؤوسكم ببطن مكة. وأعرف مع المعرفين.

والدرس الذي نود أن تدركه القاعدة من هذه الأمور جميعا هو أنه ليس بإمكان القيادة دائما أن تعطي المبررات لتصرفاتها وأوامرها. والمطلوب من جنود الدعوة أن تكون ثقتهم بقيادتهم أكبر من ثقتهم بآرائهم وقناعاتهم. وليس بإمكان القيادة أن تفشي أسرار تصرفاتها للمستويات العامة. وحق جنود الدعوة هو إبداء الرأي والمشورة وبذل النصيحة وعليهم من طرف آخر السمع والطاعة فيما يحبون ويكرهون وفي العسر واليسر وفي المنشط والمكره.

وما برز من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم يعطي صورة واضحة عن هذا التصرف فرغم أن عمر رضي الله عنه فقد أعصابه. وأكثر من التساؤل لكنه لم يقم بأي تصرف أو مخالفة تحول دون تنفيذ أوامر

ص: 27

قائده عليه الصلاة والسلام، ولم يكن أصلا يبيح لنفسه أكثر من إبداء الرأي قبل أن يسمع قول النبي عليه الصلاة والسلام.

ولا شك أنه كان متوتر الأعصاب من هذه المعاهدة، وتمنى في قرارة نفسه لو فشل الصلح، وانفض القوم بدونه لكن ما كان له أن يتصرف أي تصرف يحقق هذا لغرض، وحين عرض على أبي جندل أن يقتل أباه وسأله أبو جندل: ما لك لا تقتله أنت؟ قال عمر: نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقتل أحدا. فأجابه أبو جندل: ما أنت أحق بطاعة رسول الله مني.

وكلمته التي كررها مرارا هي التذكير بالبنود المجحفة كما ظهر له من خلال قوله: قلم نعط الدنية في ديننا.

وإذا وقفنا عند تصرف الصحابة أثناء كتابة الصحيفة عند الحديث عن البسملة. والرسالة نلاحظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك لهم إبداء الرأي قبل أن يعلن رأيه فأظهروا احتجاجهم وأعلنوا رفضهم. وأمسكوا بيد الكاتب لكن إشارة واحدة منه صلى الله عليه وسلم كانت كفيلة بالصمت التام والقبول.

ولهذه القضية أثران اثنان:

الأول إشعار قريش قوة المسلمين واندفاعهم واستعدادهم للمواجهة والحراب فليست المعاهدة عن ضعف أو تخاذل من الصف.

الثاني: إشعار العدو كذلك مدى السمع والطاعة في هذا الصف المسلم الذي يتراجع عن رأيه أمام رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قوله.

ولا بد من بروز هذين المعنين أمام العدو ليعرف حقيقة هؤلاء الجنود، وقوة شكيمتهم. فلا تسول له نفسه نقض العهد.

إن السمع والطاعة في المكره والمعسر هو أعظم أثرا منه في حالة المنشط واليسر، والذي يلتزم في المكره والعسر لا شك أنه ملتزم عندما يتجاوب الأمر مع حبه وقناعته واستعداده، وهو المعنى الحقيقي للسمع والطاعة.

والدرس الذي نود أن نتوجه به إلى القيادات الإسلامية والمسؤولين في الحركة هو أن يرحموا أعصاب جنودهم حين لا يسطيعون تفسير الأوامر لهم.

ففي صلح الحديبية. وقائدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الموحى إليه من عند الله عز وجل ومع ذلك لم

ص: 28

تحتمل أعصابهم هذه الضغوط وانتهى الأمر بهم أن توقفوا عن تلبية نداء الرسول عليه الصلاة والسلام لهم بالإحلال.

انفض القوم، ووقعت المعاهدة، وانتهى الأمر، الذي أصبح حقيقة واقعة، فلا دخول للحرم اليوم ولا حرب ولا مواجهة.

ولعلنا نقول أن الموقف الأخير، هو الموقف الوحيد الذي يصدر فيه أمر نبوي ولا ينفذ للتو.

ومن أجل ذلك كان هم النبي صلى الله عليه وسلم عظيما على جنده الذين يهلكون إن خالفوا أمره ورفضوا تنفيذ توجيهاته.

ونؤكد أنه لا يوجد في الأرض قيادة معصومة أو قيادة يوحى إليها وبالتالي فعلى القيادة أن تعذر الصف حين يتلكأ في أمر هو عكس قناعته. أو يتباطأ في تنفيذ قرار يناقض هواه. فإذا كان مجتمع الصحابة الذي هو خير مجتمعات الأرض لم يتمكن من الطاعة التامة بنفس الاندفاع السابق وقائده رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا غرابة أن يظهر مثل هذا التصرف في أي صف مسلم قيادته منه تخطىء وتصيب.

كما نشير كذلك في موطن اسفادة قيادة الحركة الإسلامية من هذا الدرس إلى أهمية القدوة العملية من القيادة.

إن الأمر النظري حين لا تكون القيادة أسرع الناس لتنفيذه لن تستجيب القاعدة له ولقد أدركت أم سلمة رضي الله عنها هذا المعنى حين ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ضرورة الإحلال والحلق منه. واستجاب عليه الصلاة والسلام لاستشارة أم المؤمنين وخرج دون أن يتكلم بشيء فنحر بدنه، وتسارع المسلمون للنحر، وحلق رأسه وتسارع المسلمون للحلق.

فلم يعد لديهم عذر في احتمال تغير الرأي.

إن القيادة التي تريد طاعة جنودها لا بد أن تكون أسرع الناس في تنفيذ ما تأمر به أما إذا كان واقعها يخالف أوامرها فقد تستجيب القواعد مرة أو مرتين لكنها سترفض الأوامر في المرة الثالثة وتتخلى عن قيادتها وتدير لها ظهرها غير عابئة بالأمر. وتكون المسؤولية في مثل هذه الظروف على القيادة نفسها لا على الجنود.

لقد شهدت الحركة الإسلامية في إحدى فصائلها صورة شبيهة بهذه الصورة حين استنفرت جنودها لمواجهة الطاغية. وسارع الشباب من أقصى الأرض ملبين النداء. وإذا بهم يشهدون انصرافا عن المعركة في ظاهر الأمر إلى حلف سياسي مع خصوم تاريخيين لهذه الحركة. وانسحب هذا التراجع الظاهري على الصف الداخلي فزلزل الصف وبقيت الحركة تعاني منه شهورا طوالا

ص: 29

وسنين كذلك ولما تمح آثاره بعد.

والحقيقة أن الانضباط في كف اليد عن المعركة هو أصعب بكثير من التوجيه والدفع للمعركة فنفسية الجندي المسلم هي نفسية شجاعة ترغب في مصارعة العدو وحربه لتحقيق موعود الله. وحين تأتي الأوامر إليه بكف اليد يحس أن الأمر كبت وخنق له فيتذمر وكثيرا ما تفقد الحركة الإسلامية النصر في معاركها حين لا تملك السيطرة على جنودها، وتحدد هي موعد المعركة ويلتزم شبابها بوضع اليد على الزناد فترة طويلة دون إطلاق.

نحن بحاجة أن نعيش هذه السيرة المطهرة جنودا وقيادات ونعرف من خلالها الذي يجب علينا فنؤديه والذي يحق لنا فنطالب به.

وإذا كان تاريخ الدعوة لم يشهد اندفاعا أعظم من الاندفاع نحو بيعة الرضوان. فهو كذلك لم يشهد تلكؤا وتأزما كما شهد يوم صلح الحديبية.

ولم يترك الله تعالى هذا الصف المسلم في قلقه بعد أن أدى امتحانه العسير العسير. واستجاب لأوامر نبيه. بل جاء القرآن بعد ذلك ليهدىء النفوس الثائرة ويشرح أبعاد المعاهدة. ويؤكد للصف المسلم أنها كانت الفتح المبين في تاريخ الدعوة بل كانت بداية عهد جديد فتحت أمامه آفاق وآفاق، وكان نقلة هائلة للدعوة غيرت مجرى التاريخ وبقي الصف القوي الملتزم هو العدة الحقيقية للاستفادة من هذه الظروف.

وندع الحديث عن هذا الصف المسلم القوي للشهيد سيد قطب رحمه الله في الظلال ومن خلال حديثه عن سورة الفتح.

(هذا الدرس كله حديث عن المؤمنين، وحديث مع المؤمنين مع تللك المجموعة الفريدة السعيدة التي بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة. والله حاضر البيعة وشاهدها وموثقها ويده فوق أيديهم فيها. تلك المجموعة التي سمعت الله تعالى يقول عنها لرسوله صلى الله عليه وسلم: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا}، وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها: (أنتم اليوم خير أهل الأرض (1)) حديث عنها من الله سبحانه وتعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وحديث معها من الله سبحانه وتعالى يبشرها بما أعد لها من مغانم كثيرة وفتوح، وما أحاطها من رعاية وعناية في هذه المرحلة. وفيما سيتلوها، وفيما قدر لها من نصر موصول بسنته التي لا ينالها التبديل أبدا.

{لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة

(1) أخرجه البخاري في كتاب المغازي.

ص: 30

عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكميا}.

وإني لأحاول اليوم من وراء ألف وأربعمائة عام أن استثرف تلك اللحظة القدسية التي شهد فيها الوجود كله ذلك التبليغ العلوي الكريم من الله العلي العظيم، إلى رسوله الأمين عن جماعة المؤمنين. أحاول أن أستشرف صفحة الوجود في تلك اللحظة وضميره المكنون وهو يتجاوب جميعه بالقول الإلهي الكريم عن أولئك الرجال القائمين إذ ذاك في بقعة معينة من هذا الوجود وأحاول أن أستشعر شيئا من حال أولئك السعداء الذين يسمعون بذاتهم أنهم هم بأشخاصهم وأعيانهم يقول الله عنهم لقد رضي عنهم ويحدد المكان الذي كانوا فيه والهيئة التي كانوا عليها حين استحقوا هذا الرضا إذ يبايعونك تحت الشجر، يسمعون هذا من نبيهم الصادق المصدوق على لسان ربه العظيم الجليل.

يالله! كيف تلقوا - أولئك السعداء - تلك اللحظة القدسية وذلك التبليغ الإلهي التبليغ الذي يشير إلى كل أحد في ذات نفسه ويقول له: أنت، أنت بذاتك. يبلغك الله لقد رضي عنك وأنت تبايع تحت الشجرة إذ علم ما في نفسك فأنزل السكينة عليك.

إن الواحد منا ليقرأ ويسمع: {الله ولي الذين آمنوا} فيسعد يقول في نفسه: ألست أطمع أن أكون داخلا في هذا العموم؟ ويقرأ ويسمع: {إن الله مع الصابرين} فيطمئن، ويقول في نفسه ألست أرجو أن أكون من هؤلاء الصابرين؟ وأولئك الرجال يسمعون ويبلغون واحدا واحدا أن الله يقصده بعينه وبذاته. لقد رضي عنه إذ علم ما في نفسه ورضي عما في نفسه. يالله! إنه أمر مهول

).

***

ص: 31