الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
السمة السابعة:
الإعلان العالمي للإسلام: مراسلة الملوك والأمراء
في أواخر السنة السادسة حين رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحديبية كتب إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام.
ولما أراد أن يكتب إلى هؤلاء الملوك قيل له: إنهم لا يقبلون إلا وعليه خاتم، فاتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من فضة، نقشه: محمد رسول الله، وكان هذا النقش ثلاثة أسطر: محمد سطر، رسول سطر، والله سطر، هكذا، محمد رسول الله.
واختار من أصحابه رسلا لهم معرفة وخبرة، وأرسلهم إلى الملوك وقد جزم العلامة المنصور فوري أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل هؤلاء الرسل غرة المحرم سنة سبع من الهجرة قبل الخروج إلى خيبر بأيام. وفيما يلي نصوص هذه الكتب وبعض ما تمخضت عنه.
1 -
الكتاب إلى النجاشي ملك الحبشة:
وهذا النجاشي اسمه أصحمة بن الأبجر، كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم مع عمرو بن أمية الضمري في آخر سنة ست أو في المحرم سنة سبع من الهجرة وقد ذكر الطبري نص الكتاب ولكن النظر الدقيق في ذلك النص، يفيد أنه ليس بنص الكتاب الذي كتبه صلى الله عليه وسلم بعد الحديبية، بل لعله نص كتاب بعثه مع جعفر حين خرج هو وأصحابه مهاجرين إلى الحبشة في العهد المكي، فقد ورد في آخر الكتاب ذكر هؤلاء المهاجرين بهذا اللفظ (وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفرا ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاءك فأقرهم ودع التجبر).
وروى البيهقي عن ابن إسحاق نص كتاب كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي وهو هذا: هذا كتاب من محمد النبي إلى النجاشي الأصحم عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الإسلام، فإني أنا رسوله أسلم تسلم، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون، فإن أبيت فإن عليك إثم النصارى من قومك.
ولما بلغ عمرو بن أمية الضمري كتاب النيي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي أخذه النجاشي، ووضعه على عينه، ونزل عن سريره على الأرض، وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب، وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وهاك نصه:
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة سلام عليك يا نبي الله ورحمة الله وركاته الله الذي لا إله إلا هو أما بعد:
فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت تفروقا، إنه كما قلت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا وقد قرينا ابن عمك، وأصحابك فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد طلب من النجاشي أن يرسل جعفرا ومن معه من مهاجري الحبشة، فأرسلهم في سفينتين مع عمرو بن أمية الضمري، فقدم بهم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر، توفي النجاشي هذا في رجب سنة تسع من الهجرة بعد تبوك ونعاه النبي صلى الله عليه وسلم يوم وفاته وصلى عليه صلاة الغائب، ولما مات وتخلف على عرشه ملك آخركب إليه النبي صلى الله عليه وسلم كتابا آخر ولا ندري هل أسلم أم لا؟
2 -
الكتاب إلى المقوقس ملك مصر:
وكتب النبي إلى جريح بن متى الملقب بالمقوقس ملك مصر والاسكندرية: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم أهل القبط {يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} .
واختار لحمل هذا الكتاب حاطب بن أبي بلتعة، فلما دخل حاطب على المقوقس قال له: إنه كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر غيرك بك.
فقال المقوقس: إن لنا دينا لن ندعه لما هو خير منه.
فقال حاطب: ندعوك إلى دين الإسلام الكافي به الله فقط ما سواه، إن هذا النبي دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعبسى إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الانجيل، فكل نبي أدرك قوما فهم أمته فالحق عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدركه هذا النبي
ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكنا نأمرك به.
فقال المقوقس: إني قد نظرت في أمر هذا النبي، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب ووجدته معه آية النبوة بإخراج الخبء والإخبار بالنجوى وسأنظر.
وأخذ كتاب النبي صلى الله عليه وسلم، فجعله في حق من عاج، وختم عليه ودفع به إلى جارية له، ثم دعا كاتبا له يكتب بالعربية، فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(بسم الله الرحمن الرحيم) لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه وقد علمت أن نبيا بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين، لهما مكان في القبط عظيم، وبكسوة، وأهديت إليك بغلة لتركبها، والسلام عليك.
ولم يزد على هذا ولم يسلم، والجاريتان مارية، وسيرين، والبغلة دلدل بقيت إلى زمن معاوية، واتخذ النبي صلى الله عليه وسلم مارية سرية له، وهي التي ولدت له إبراهيم، وأما سيرين فأعطاها لحسان بن ثابت الأنصاري.
3 -
الكتاب إلى كسرى ملك فارس:
وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى ملك فارس:
بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله وأدعوك بدعاية الله فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك.
واختار لحمل هذا الكتاب عبد الله بن حذافة السهمي، فدفعه السهمي إلى عظيم البحرين، ولا ندري هل بعث عظيم البحرين رجلا من رجالاته، أم بعث عبد الله السهمي، وأيا ما كان فلما قرىء الكتاب على كسرى مزقه، وقال في غطرسة: عبد حقير من رعيتي يكتب اسمه قبلي. ولما بلغ ذلك رسول الله قال: مزق الله ملكه، وقد كان كما قال. فقد كتب كسرى إلى باذان عامله على اليمن: إبعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين، فليأتياني به فاختار باذان رجلين ممن عنده وبعثهما بكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن ينصرف معه إلى كسرى. فلما قدما المدينة، وقابلا النبي صلى الله عليه وسلم قال أحدهما: إن شاهنشاه (ملك الملوك) كسرى قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك وبعثي إليك لتنطلق معي وقال قولا تهديديا فأمرهما النبي صلى الله عليه وسلم أن يلاقياه غدا.
وفي ذلك الوقت كانت قد قامت ثورة كبيرة ضد كسرى من داخل بيته بعد أن لاقت جتوده هزيمة منكرة أمام جنود قيصر، فقد قام شيرويه بن كسرى على أبيه فقتله وأخذ الملك لنفسه، وكان ذلك في ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الأولى سنة سبع وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من الوحي. فلما غدا عليه أخبرهما بذلك. فقالا: هل تدري ما تقول؟ إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر أفنكتب هذا عنك. ونخبره الملك. قال: نعم اخبراه ذلك عني، وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ كسرى وينتهي إلى منتهى الخف والحافر، وقولا له: إن أسلمت أعطيتك ما تحت يدك، وملكتك على قومك من الأبناء فخرجا من عنده حتى قدما على باذان فأخبراه الخبر.
وبعد قليل جاء كتاب بقتل شيرويه لأبيه وقال له شيرويه في كتابه: انطر الرجل الذي كان كتب فيه أبي إليك فلا تهجه حتى يأتيك أمري.
وكان ذلك سببا في إسلام باذان ومن معه من أهل فارس باليمن.
4 -
الكتاب إلى قيصر ملك الروم:
وروى البخاري ضمن حديث طويل نص الكتاب الذي كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملك الروم هرقل وهو هذا:
(بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أسلم تسلم، أسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإنما عليك اثم الأريسيين (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون).
واختار لحمل الكتاب دحية بن خليفة الكلبي، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر، وقد روى البخاري عن ابن عباس أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام، في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش. فأتوه وهم بإيلياء. فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعاهم ودعا ترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبا لهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفان فقلت أنا أقربهم نسبا، فقال، أدنوه مني، وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: إني سائل هذا عن هذا الرجل، فإن كذبني فكذبوه فوالله لولا الحياء من أن يأثروا على كذبا لكذبت عنه.
ثم قال: أول ما سألني عنه أنه قال: كيف نسبه فيكم؟ فقلت: هو فينا دو نسب. قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا. قال: فأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل صعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه. قلت
:لا قال: فهل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال: قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها-قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة - قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه. قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة. فقال للترجان: قل له:
سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تبعث في نسب من قومها. وسألتك هل قال أحد منكم قبله. فذكرت أن لا. قلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجد يأتسي بقول قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه من ملك. فذكرت أن لا فقلت: لو كان من آبائه من ملك قلت: رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب فذكرت أن لا فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر؟ فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا تغدر وسألتك بماذا يأمر؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللغط، وأمر بنا فأخرجنا، قال: فقلت لأصحابه حين أخرجنا لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملوك بني الأصفر. فما زلت موقنا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام.
5 -
الكتاب إلى المنذر بن ساوى:
وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى حاكم البحرين كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام وبعث إليه العلاء بن الحضرمي بذلك الكتاب، فكتب المنذر إلى رسول الله (): أما بعد يا رسول الله فإني قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحب الإسلام وأعجبه، ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي مجوس ويهود، فأحدث إلي في ذلك أمرك. فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد فإني أذكرك الله عز وجل فإنه من ينصح لنفسه وإنه من يطيع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد
نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرا، وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب، فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلم نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية).
6 -
الكتاب إلى هوذة بن علي صاحب اليمامة:
وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هوذة بن علي صاحب اليمامة:
(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي، سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، واجعل لك ما تحت يديك).
واختار لحمل هذا الكتاب سليط بن عمرو العامري، فلما قدم سليط على هوذة بهذا الكتاب مختوما أنزله وحياه وقرأ عليه الكتاب فرد عليه ردا دون رد وكتب إلى النبى صلى الله عليه وسلم: ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، والعرب تهاب مكاني، فاجعل لي بعض الأمر أتبعك، وأجاز سليطا بجائزة وكساه أثوابا من نسج هجر، فقدم بذلك كله على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم كتابه فقال: لو سألني قطعة من الأرض ما فعلت، باد، وباد ما في يديه، فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفتح جاءه جبريل عليه السلام بأن هوذة مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما إن اليمامة سيخرج بها كذاب يتنبىء يقتل بعدي، فقال قائل: يا رسول الله من يقتله؟ فقال: أنت وأصحابك، فكان ذلك:
7 -
الكتاب إلى الحارث بن أبي شمر الغساني صاحب دمشق:
كتب إليه النبي صلى الله عليه وسلم: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر، سلام على من اتبع الهدى، وآمن به وصدق وإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك).
واختار لحمل هذا الكتاب شجاع بن وهب من بني أسد بن خزيمة، ولما أبلغه الكتاب قال:
من ينزع ملكي مني؟ أنا سائر إليه، ولم يسلم.
8 -
الكتاب إلى ملك عمان:
وكتب النبي صلى الله عليه وسلم كتابا إلى ملك عمان جيفر وأخيه عبدا بني الجلندي، ونصه:(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله إلى جيفر وعبدا بني الجلندي سلام على من اتبع الهدى، أما بعد. فإني أدعوكما بدعاية الإسلام أسلما تسلما، فإني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زائل، وخيل تحل بساحتكم وتظهر نبوتي على ملككما).
واختار لحمل هذا الكتاب عمرو بن العاص (1) رضي الله عنه. قال عمرو: فخرجت حتى انتهيت إلى عمان، فلما قدمتها عمدت إلى عبد، وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقا - فقلت: إني رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليك وإلى أخيك، فقال: أخي المقدم علي بالسن والملك، وأنا أوصلك إليه حتى يقرأ كتابك ثم قال: وما تدعو إليه؟ قلت: أدعو إلى الله وحده لا شريك له وتخلع ما عبد من دونه، وتشهد أن محمدا عبده ورسوله. قال: يا عمرو إنك ابن سيد قومك فكيف صنع أبوك؟ فإن لنا فيه قدوة قلت: مات ولم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، ووددت أنه كان أسلم وصدق به، وقد كنت أنا على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام، قال: فمتى تبعته؟ قلت: قريبا. فسألني أين كان إسلامك؟ قلت: عند النجاشي، وأخبرته أن النجاشي قد أسلم، قال: وكيف صنع قومه بملكه؟ فقلت: أقروه واتبعوه. قال: والأساقفة والرهبان تبعوه؟ قلت: نعم. قال: انظر يا عمرو ما تقول، إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من الكذب. قلت: ما كذبت وما نستحله في ديننا، ثم قال، ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي، قلت: بل. قال: فبأي شيء علمت ذلك؟ قلت: كان النجاشي يخرج له خرجا، فلما أسلم وصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم قال: لا والله لو سألني درهما واحدا ما أعطيته فبلغ هرقل قوله فقال له النياق أخوه: أتدع عبدك لا يخرج لك خرجا ويدين بدين غيرك دينا محدثا؟ قال هرقل: رجل رغب في دين، فاختاره لنفسه، ما أصنع به؟ والله لولا الضن بملكي لصنعت كما صنع قال: أنظر ما تقول يا عمرو؟ قلت: والله صدقتك. قال عبد: فأخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه؟ قلت: يأمر بطاعة الله عز وجل وينهى عن معصيته ويأمر بالبر وصلة الرحم. وينهى عن الظلم والعدوان، وعن الزنا، وعن الخمر وعن عبادة الحجر والوثن والصليب. قال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه. لو كان أخى يتابعني عليه لركبنا حتى نؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ونصدق به، ولكن أخي أضن بملكه من أن يدعه ذنبا. قلت: إن أسلم ملكه رسول الله على قومه. فأخذ الصدقة من غنيهم فيردها على فقيرهم، قال: إن هذا لخلق حسن وما الصدقة؟ فأخبرته بما فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصدقات في الأموال حتى انتهيت إلى الإبل. قال: يا عمرو وتؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى الشجر وترد المياه؟ فقلت: نعم. فقال: والله ما أرى قومي في بعد دارهم وكثرة عددهم يطيعون لهذا، قال: فمكثت ببابه أياما وهو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبري، ثم إنه دعاني يوما فدخلت عليه. فأخذ أعوانه بضبعي فقال دعوه، فأرسلت فذهبت لأجلس، فأبوا أن يدعوني أجلس. فنظرت إليه فقال: تكلم بحاجتك، فدفعت إليه الكتاب مختوما، ففض خاتمه وقرأ حتى انتهى إلى آخره، ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قرآنه، إلا أني رأيت أخاه أرق منه، قال: ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟ فقلت: تبعوه، إما راغب في الدين وإما مقهور بالسيف. قال: ومن معه؟ قلت: الناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره وعرفوا بعقولهم من هدى الله إياهم أنهم كانوا في ضلال، فما أعلم أحدا بقي غيرك في هذه
(1) لا شك أن هذا الكتاب كان متأخرا، لأن عمرو رضي الله عنه أسلم قبيل الفتح.
الخرجة، وأنت إن لم تسلم اليوم وتبعته تواطئك الخيل وتبيد خضراءك. فأسلم تسلم ويستعملك على قومك، ولا تدخل عليك الخيل والرجال قال: دعني يومي هذا، وارجع إلي غدا.
فرجعت إلى أخيه فقال: يا عمرو إني لأرجو أن يسلم إن لم يضن بملكه حتى إذا كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لي، فانصرفت إلى أخيه، فأخبرته أني لم أصل إليه فأوصلني إليه، فقال: إني فكرت فيما دعوتني إليه فإذا أنا أضعف العرب إن ملكت رجلا ما في يدي وهو لا تبلغ خيله ها هنا، وإن بلغت خيله لقيت قتالا ليس كقتال من لاقى، قلت: أنا خارج غدا، فلما أيقن بمخرجي خلا به أخوه فقال: ما نحن فيما ظهر عليه، وكل من أرسل إليه قد أجابه، فأصبح فأرسل إلي فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعا، وصدقا النبي صلى الله عليه وسلم وخليا بينه وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم وكان لي عونا على من خالفني.
وسياق هذه القصة تدل على أن إرسال الكتاب إليهما تأخر كثيرا عن كتب بقية الملوك والأغلب أنه كان بعد الفتح.
وبهذه الكتب كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أبلغ دعوته إلى أكثر ملوك الأرض فمنهم من آمن به، ومنهم من كفر ولكن شغل فكرة هؤلاء الكافرين وعرف لديهم باسمه ودينه ..
إن الرسائل المذكورة تفصح عن نفسها ولا تحتاج إلى تعليق .. فهذه الحركة العالية نقلت الإسلام من المحيط المحلي إلى المحيط العالمي. وهزت عروش ملوك، وأدخلت ملوكا في الإسلام، ووجهت بعض الملوك إلى الحرب، وما كان هذا الأمر ليتم قبل صلح الحديبية. حيث أصبحت الدولة الإسلامية هي الدولة الأقوى في جزيرة العرب بلا منازع. وإنهاء الحرب الطاحنة كان إيذانا بالتفرغ إلى الدعوة وتبليغها للناس كافة، والإشارة التي لا بد منها في هذا الصدد هي أن رأيا قد يرد بخطورة هذه الرسائل على الدولة الإسلامية الفتية، التي توجه الأنظار نحوها، وخصوصا إلى كسرى وقيصر. وقد جرى ذلك في تخوم الشام ولدى كسرى الفرس الذي مزق الرسالة واستدعى محمدا. حيا أو ميتا. وهل بإمكان المدينة أن تواجه دول الأرض؟
ولا بد من إيضاح هذه النقطة بأن تبليغ الدعوة في الوقت المناسب وحي رباني والله تعالى هو الذي يتكفل بحماية دينه. فحين كانت المدينة عاجزة عن مواجهة دولة الفرس الكبرى هيأ الله تعالى لحماية نبيه ودعوته انقلابا عاليا على كسرى. أدى هذا الانقلاب لمقتل الحاكم الطاغية وتراجع ابنه عن موقف أبيه من محمد صلى الله عليه وسلم كما يقول نص الكتاب (انظر الرجل الذي كتب فيه أبي إليك فلا تهجه حتى يأتيك أمري). وكان من طرف آخر فتحا جديدا بإسلام باذان عامل الفرس على اليمن ودخول أهل اليمن في الإسلام.
وقد اشترك في هذا الخطر على الدولة الإسلامية الحارث بن أبي شمر الغساني الذي هدد
بغزو المدينة، ومن أجل ذلك كانت الاستعدادات العسكرية مرافقة للتحرك السياسي فكانت سرية مؤتة والصدام مع الروم فلا بد من تحمل تبعات الرسالة وكان تحرك سرية مؤتة ثأرا للرسول الذي قتل على يدي شرحبيل بن عمرو الغساني.
بينما اشترك في موقف المراوغة والمهادنة قيصر الروم ومقوقس مصر، والذي حال بينهما وبين الإسلام هو خوفهما على ملكهما وجزعهما من الرعية أن تثور عليهم، ولعل ما نقله أبو سفيان رضي الله عنه عن لقاء قيصر يعطي صورة واضحة وصادقة عن تصديق قيصر لرسول الله وكيف نخرت الرهبان بعد ذلك وهددوه لو أسلم بحربه.
ودخل الإسلام نجاشي الحبشة وحاكم البحرين وملك عمان.
وراوغ صاحب اليمامة وأراد أن يشترك في الغنيمة والرسالة فأهلكه الله تعالى بعد ذلك.
ولعل من أهم آثار الكتب غزو أبي سفيان من داخله وقد ساقه قدر الله إلى بلاط قيصر ليسمع رأيه بمحمد صلوات الله وسلامه عليه وقرع أذنه قول قيصر: (فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه).
والأشد من هذا على أبي سفيان قول قيصر (فإن كان ما تقوله حقا فسيملك موضع قدمي هاتين) وأبو سفيان يدري أنه قال الحق كل الحق رغم أنفه. وكان يحسب أن تهوينه من شأن محمد وأتباعه سوف يدفع قيصر للاستهانة بخصمه. لكنه يفاجأ بأن هذا التهوين زاد قناعة قيصر بنبوة محمد. وكان الغزو الداخلي لأبي سفيان حيث اعترف بذلك قائلا: (لقد أمر أمر ابن أبي كبشة أن تخافه ملوك بني الأصفر. فما زلت موقنا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام). إن التحرك السياسي الذي تقوم به الحركة الإسلامية يجب أن يهدف أول ما يهدف إلى تبليغ دعوة الله إلى حكام الأرض وملوكهم. ولو كلفت هذه الدعوة الحركة الإسلامية عنتا وحرجا إن من الخيانة لدعوة الله وشريعته أن تبارك الحركة الإسلامية أنظمة الكفر أو توحي إليهم أن أنظمتهم هي الإسلام بعينه، وأن شريعة الله تبارك طغيانهم وظلمهم وحكمهم بغير ما أنزل الله. وهذه الرسائل التي بين أيدينا تعلمنا طريقة الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة لا بالسباب والتحدي. ولا بد أن نوضح الخط الفاصل بين قضيتين:
القضية الأولى: أسلوب التعامل مع الحاكمين، وحسن اختيار الكلمة المناسبة، والضرب على الأوتار النفسية لهم، والاستفادة من الواقع العملي.
القضية الثانية: خلط الحق بالباطل. ومداهنتهم على كفرهم، ومباركة طغيانهم وطمس
معالم الإسلام. والتزلف لهؤلاء الحكام بجعل الإسلام وشريعة الله أداة لتقرير ظلمهم، وعدم القدرة على التفريق بين هاتين النقطتين. يمزق الصف المسلم، ويفجره.
فلقد رأينا هذه الرسائل تخاطب الملوك بألقابهم. ولكنها لا تقدمهم أبدا على رسول الله وهذه القضية البسيطة هي التي فجرت غيظ كسرى (عبد حقير من رعيتي يكتب اسمه قبلي) فلم يكن حرجا أن نجد في نص الكتاب: عظيم فارس وعظيم القبط، والنجاشي، وعظيم الروم ونلاحظ كذلك في قضية الدعوة أن فكرة الوحدانية والرساله لا بد من أن تكون واضحة جلية لا لبس فيها ولا غموض حتى إذا أدى الأمر إلى التحديد حتى لا تطمس معانيها فلا بد من ذلك. حيث يكون الأمر جليا في رفض عبادة الأوثان لمن يعبد الأوثان. ورفض عبادة الصليب لمن يعبد الصليب.
غير أن هذا الإيضاح الجلي للشهادتين. كان يرافقه كثيرا الحديث عن المبادىء الإسلامية الخلقية من الصدق والعفاف والصلة وغير هذه الأمور التي يلتقي عليها الناس. ونلاحظ كذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يضرب على الأوتار النفسية التي يخشاها الحاكمون، فكانت رسله تطمئن هؤلاء الحاكمين على ملكهم، وأنه سيحفظ لهم إذا دخلوا في الإسلام، حتى أولئك الذين عادوا الإسلام وحاربوه، لم يكن الغيظ أو الحقد لغير هذه السياسة بل كان إكرامهم هو الأساس بعد دخولهم بالإسلام أو حتى بعد انقطاعهم عن حربه.
لقد كانت هذه الرسائل منعطفا كبيرا وخطيرا في تاريخ الإسلام. وسمة عظيمة من سماته. حيث ربطت المسلمين بالعالم كله، بين تأييد أو بيعة أو مواجهة وكانت ثمرة عظيمة من ثمار الفتح المبين الذي حدثنا الله تعالى عنه والانتقال من الحرب الضروس على الأرض المحلية إلى تجاوب ملوك الأرض مع الإسلام هو نقلة واسعة بعيدة المدى هائلة الآفاق. وجاءت في وقتها المناسب بعد أن أعلنت قريش هدنتها لعشر سنين لتتيح لدولة الإسلام أن تأخذ أبعادها وجذورها في الأرض كالكلمة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء.
***