الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ، وَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُ الْكَفَالَةُ بِالدَّيْنِ عَنِ الْمَيِّتِ الْمُفْلِسِ، لأَِنَّ الدَّيْنَ عِبَارَةٌ عَنِ الْفِعْل وَالْمَيِّتُ عَاجِزٌ عَنِ الْفِعْل، فَكَانَتْ هَذِهِ كَفَالَةً بِدَيْنٍ سَاقِطٍ كَمَا إِذَا كَفَل عَلَى إِنْسَانٍ بِدَيْنٍ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ، وَإِذَا مَاتَ مَلِيئًا فَهُوَ قَادِرٌ بِنَائِبِهِ (1) .
د -
أَثَرُ الْمَلَاءَةِ فِي أَدَاءِ الدَّيْنِ
6 - مَنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ وَكَانَ مَلِيئًا مُقِرًّا بِدَيْنِهِ أَوْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاءُ الدَّيْنِ حِينَ طَلَبِهِ، لِقَوْل النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ (2) ، وَبِالطَّلَبِ يَتَحَقَّقُ الْمَطْل، إِذْ لَا يُقَال: مَطَلَهُ إِلَاّ إِذَا طَالَبَهُ فَدَافَعَهُ (3) .
وَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ أَدَاءَ الدَّيْنِ لِلْقَادِرِ عَلَى الأَْدَاءِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الطَّلَبِ.
جَاءَ فِي حَاشِيَةِ الْجَمْل: يَجِبُ عَلَى الْغَنِيِّ
(1) بدائع الصنائع 6 / 6.
(2)
حديث: " مطل الغني ظلم ". أخرجه البخاري (فتح الباري 4 / 466 ط السلفية) ، ومسلم (3 / 1197 ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3)
بدائع الصنائع 7 / 173، والاختيار 2 / 89، 90، والهداية 3 / 104، وتكملة فتح القدير 7 / 278 نشر دار الفكر، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي 3 / 279، ومنح الجليل 3 / 143، ومغني المحتاج 2 / 157، وكشاف القناع 3 / 418، والمغني 4 / 499 - 501.
أَدَاءُ الدَّيْنِ فَوْرًا إِنْ خَافَ فَوْتَ أَدَائِهِ إِلَى الْمُسْتَحِقِّ إِمَّا بِمَوْتِهِ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ بِذَهَابِ مَالِهِ، أَوْ خَافَ مَوْتَ الْمُسْتَحِقِّ، أَوْ طَالَبَهُ رَبُّ الدَّيْنِ، أَوْ عَلِمَ حَاجَتَهُ إِلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُطَالِبْهُ، ذَكَرَ ذَلِكَ الْبَارِزِيُّ (1) .
7 -
وَإِذَا أَمَرَهُ الْحَاكِمُ بِالأَْدَاءِ فَطَلَبَ إِمْهَالَهُ لِبَيْعِ عُرُوضِهِ لِيُوفِيَ دَيْنَهُ مِنْ ثَمَنِهَا أُمْهِل بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ، لَكِنْ لَا يُؤَجَّل إِلَاّ إِذَا أَعْطَى حَمِيلاً بِالْمَال، وَهَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ (2) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ لِلْمَدِينِ الْقَادِرِ عَلَى الْوَفَاءِ سِلْعَةٌ، فَطَلَبَ مِنْ رَبِّ الْحَقِّ أَنْ يُمْهِلَهُ حَتَّى يَبِيعَهَا وَيُوفِيَهُ الدَّيْنَ مِنْ ثَمَنِهَا أُمْهِل بِقَدْرِ ذَلِكَ، أَيْ بِقَدْرِ مَا يَتَمَكَّنُ مِنْ بَيْعِهَا وَالْوَفَاءِ مِنْ ثَمَنِهَا.
وَكَذَا إِنْ طُولِبَ بِمَسْجِدٍ أَوْ سُوقٍ وَمَالُهُ بِدَارِهِ أَوْ مُودَعٌ أَوْ بِبَلَدٍ آخَرَ فَيُمْهَل بِقَدْرِ مَا يُحْضِرُهُ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ إِنْ أَمْكَنَ الْمَدِينَ أَنْ يَحْتَال لِوَفَاءِ دَيْنِهِ بِاقْتِرَاضِ وَنَحْوِهِ فَيُمْهَل بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَلَا يُحْبَسُ لِعَدَمِ امْتِنَاعِهِ مِنَ الأَْدَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَاّ وُسْعَهَا} (3) .
(1) حاشية الجمل 3 / 388.
(2)
شرح الدردير وحاشية الدسوقي 3 / 279، وجواهر الإكليل 2 / 92.
(3)
سورة البقرة / 286.
وَإِنْ خَافَ رَبُّ الْحَقِّ هَرَبَهُ احْتَاطَ بِمُلَازَمَتِهِ أَوْ بِكَفِيلٍ، وَلَا يَجُوزُ مَنْعُهُ مِنَ الْوَفَاءِ بِحَبْسِهِ، لأَِنَّ الْحَبْسَ عُقُوبَةٌ لَا حَاجَةَ إِلَيْهَا (1) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا: لَوْ مَاطَل الْمَدِينُ حَتَّى شَكَاهُ رَبُّ الْحَقِّ فَمَا غَرِمَهُ فِي شَكْوَاهُ فَعَلَى الْمَدِينِ الْمُمَاطِل إِذَا كَانَ رَبُّ الْحَقِّ قَدْ غَرِمَهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ، لأَِنَّهُ تَسَبَّبَ فِي غُرْمِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ (2) .
8 -
وَإِذَا امْتَنَعَ الْمَدِينُ الْمَلِيءُ مِنْ أَدَاءِ الدَّيْنِ بَعْدَ الطَّلَبِ وَبَعْدَ إِعْطَائِهِ الْمُهْلَةِ لِبَيْعِ عُرُوضِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، أَوْ لَمْ يَأْتِ بِحَمِيلٍ بِالْمَال كَمَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ، فَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْحَاكِمَ يَحْبِسُهُ، لِقَوْل النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: مَطْل الْغَنِيِّ ظُلْمٌ (3) ، فَيُحْبَسُ دَفْعًا لِلظُّلْمِ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ بِوَاسِطَةِ الْحَبْسِ، وَلِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِل عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ (4) . وَالْحَبْسُ عُقُوبَةٌ كَمَا قَال
(1) كشاف القناع 3 / 418 - 420، وشرح منتهى الإرادات 2 / 275.
(2)
كشاف القناع 3 / 419، وشرح منتهى الإرادات 2 / 275.
(3)
حديث: " مطل الغني ظلم ". سبق تخريجه ف 6.
(4)
حديث: " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته ". أخرجه أبو داود (4 / 45 - 46) ، والنسائي (7 / 316 ط المكتبة التجارية) ، وابن ماجه (2 / 811 ط عيسى الحلبي) من حديث الشريد بن سويد رضي الله عنه، وحسن إسناده ابن حجر (فتح الباري 5 / 62 ط السلفية) .
الْكَاسَانِيُّ وابْنُ قُدَامَةَ (1) .
لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا: إِنَّ الْحَبْسَ لَا يَكُونُ إِلَاّ بِطَلَبِ رَبِّ الدَّيْنِ مِنَ الْقَاضِي، فَمَا لَمْ يَطْلُبْ رَبُّ الدَّيْنِ حَبْسَ الْمَدِينِ الْمُمَاطِل لَا يُحْبَسُ لأَِنَّ الدَّيْنَ حَقُّهُ، وَالْحَبْسُ وَسِيلَةٌ إِلَى حَقِّهِ، وَوَسِيلَةُ حَقِّ الإِْنْسَانِ هِيَ حَقُّهُ، وَحَقُّ الْمَرْءِ إِنَّمَا يُطْلَبُ بِطَلَبِهِ، فَلَا بُدَّ مِنَ الطَّلَبِ لِلْحَبْسِ، فَإِذَا طَلَبَ رَبُّ الدَّيْنِ حَبْسَ الْمَدِينِ - وَثَبَتَ عِنْدَ الْقَاضِي سَبَبُ وُجُوبِ الدَّيْنِ وَشَرَائِطُهُ بِالْحُجَّةِ - حَبَسَهُ لِتَحَقُّقِ الظُّلْمِ عِنْدَهُ بِتَأْخِيرِ حَقِّ الدَّيْنِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَالْقَاضِي نُصِبَ لِدَفْعِ الظُّلْمِ فَيَنْدَفِعُ الظُّلْمُ عَنْهُ (2) .
9 -
وَيُشْتَرَطُ لِحَبْسِ الْمَلِيءِ الْمُمَاطِل أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ سِوَى الْوَالِدَيْنِ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ فَلَا يُحْبَسُ الْوَالِدُونَ وَإِنْ عَلَوْا بِدَيْنِ الْمَوْلُودِينَ وَإِنْ سَفَلُوا، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى:{وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} (3)، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} (4) ، وَلَيْسَ مِنَ الْمُصَاحَبَةِ
(1) بدائع الصنائع 7 / 173، ومنح الجليل 3 / 143، وكشاف القناع 3 / 419، والمغني 4 / 501.
(2)
بدائع الصنائع 7 / 173.
(3)
سورة لقمان / 15.
(4)
سورة الإسراء / 23.
بِالْمَعْرُوفِ وَالإِْحْسَانِ حَبْسُهُمَا بِالدَّيْنِ، إِلَاّ أَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ الْوَالِدُ مِنَ الإِْنْفَاقِ عَلَى وَلَدِهِ الَّذِي عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَحْبِسُهُ، لَكِنْ تَعْزِيرًا لَا حَبْسًا بِالدَّيْنِ.
وَأَمَّا الْوَلَدُ فَيُحْبَسُ بِدَيْنِ الْوَالِدِ، لأَِنَّ الْمَانِعَ مِنَ الْحَبْسِ حَقُّ الْوَالِدَيْنِ.
وَكَذَا سَائِرُ الأَْقَارِبِ، يُحْبَسُ الْمَدْيُونُ بِدَيْنِ قَرِيبِهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ.
وَيَسْتَوِي فِي الْحَبْسِ الرَّجُل وَالْمَرْأَةُ، لأَِنَّ الْمُوجِبَ لِلْحَبْسِ لَا يَخْتَلِفُ بِالذُّكُورَةِ وَالأُْنُوثَةِ.
وَيُحْبَسُ وَلِيُّ الصَّغِيرِ إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ لَهُ قَضَاءُ دَيْنِهِ، لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ الظُّلْمُ بِسَبِيلٍ مِنْ قَضَاءِ دَيْنِهِ صَارَ بِالتَّأْخِيرِ ظَالِمًا، فَيُحْبَسُ لِيَقْضِيَ الدَّيْنَ فَيَنْدَفِعَ الظُّلْمُ.
لَكِنْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُحْبَسُ الْجَدُّ بِدَيْنِ وَلَدِ وَلَدِهِ، لأَِنَّ حَقَّهُ دُونَ حَقِّ الأَْبِ (1) .
10 -
وَإِذَا حَبَسَ الْحَاكِمُ الْمَدِينَ وَأَصَرَّ عَلَى الاِمْتِنَاعِ عَنِ الْوَفَاءِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَفْعَلُهُ الْحَاكِمُ بِهِ. قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ عَلَى يَسَارِهِ
(1) بدائع الصنائع 7 / 173، وجواهر الإكليل 2 / 93، ومغني المحتاج 2 / 156.
أَبَّدَ الْحَاكِمُ حَبْسَهُ لِظُلْمِهِ (1) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُضْرَبُ مَعْلُومُ الْمِلَاءِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ فِي الْعَدَدِ بِمَجْلِسِ أَوْ مَجَالِسَ، وَلَوْ أَدَّى إِلَى إِتْلَافِهِ لِظُلْمِهِ بِاللَّدَدِ دُونَ أَنْ يَقْصِدَ الْحَاكِمُ إِتْلَافَهُ، أَمَّا لَوْ ضَرَبَهُ قَاصِدًا إِتْلَافَهُ فَإِنَّهُ يُقْتَصُّ مِنْهُ، قَالُوا: وَلَا يَبِيعُ مَالَهُ (2) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنِ امْتَنَعَ الْمُوسِرُ مِنْ أَدَاءِ الدَّيْنِ أَمَرَهُ الْحَاكِمُ بِهِ، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ الأَْدَاءِ وَكَانَ لَهُ مَالٌ ظَاهِرٌ - وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ - وَفَّى مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الدَّيْنِ بَاعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ مَالَهُ - وَإِنْ كَانَ الْمَال فِي غَيْرِ مَحِل وِلَايَتِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي وَالْقَمُولِيُّ - أَوْ أَكْرَهَهُ عَلَى الْبَيْعِ بِالتَّعْزِيرِ بِحَبْسِ أَوْ غَيْرِهِ، لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ قَال:" إِنَّ الأُْسَيْفِعَ أُسَيْفِعَ جُهَيْنَةَ رَضِيَ مِنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ أَنْ يُقَال: سَبَقَ الْحَاجَّ، إِلَاّ أَنَّهُ قَدْ دَانَ مُعْرِضًا، فَأَصْبَحَ قَدْ رِينَ بِهِ، فَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا بِالْغَدَاةِ نَقْسِمُ مَالَهُ بَيْنَهُمْ "(3) .
وَلَوِ الْتَمَسَ الْغَرِيمُ مِنَ الْحَاكِمِ الْحَجْرَ عَلَى
(1) الاختيار 2 / 90.
(2)
الشرح الكبير وحاشية الدسوقي 3 / 279، وجواهر الإكليل 2 / 92.
(3)
أثر عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: " إن الأسيفع. . . ". أخرجه مالك في الموطأ (2 / 770 - ط الحلبي) .