الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهذا القسم لا يختلف حكمه ولا يلتبس تأويله، فكل أحد يدرك معنى التوحيد من قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ محمد: 19، وأنه لا شريك له فى الهيئة، وإن لم يعلم أن «لا» موضوعة فى اللغة للنفى، و «إلا» للإثبات، وأن مقتضى هذه الكلمة الحصر.
3-
ما لا يعلمه إلا الله تعالى، وهو ما يجرى مجرى الغيوب، نحو الآى المتضمنة قيام الساعة ونزول الغيث، وما فى الأرحام، وتفسير الروح.
وكل متشابه فى القرآن لا مساغ للاجتهاد فى تفسيره، ولا طريق إلى ذلك إلا بالتوقيف من أحد ثلاثة أوجه:
(أ) نص من التنزيل.
(ب) بيان من النبى صلى الله عليه وسلم.
(ج) إجماع الأمة على تأويله.
4-
ما يرجع إلى اجتهاد العلماء، وهو الذى يغلب عليه إطلاق التأويل، وهو صرف اللفظ إلى ما يؤول إليه، فالمفسر ناقل، والمؤول مستنبط.
فكل لفظ احتمل معنيين فأكثر لم يجز لغير العلماء الاجتهاد فيه، وعلى العلماء اعتماد الشواهد والدلائل، وليس لهم أن يعتمدوا مجرد رأيهم فيه.
(35) التقديم والتأخير:
وهو تقديم ما رتبته التأخير، كالمفعول، وتأخير ما رتبته التقديم كالفاعل، نقل كل واحد منهما عن رتبته وحقه، وله أسباب، منها:
1-
أن يكون فى التأخير إخلال ببيان المعنى، ومنه قوله تعالى: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ غافر: 28، فإنه لو أخر مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ فلا يفهم أنه منهم.
2-
أن يكون فى التأخير إخلال بالتناسب، فيقدم لمشاكلة الكلام ولرعاية الفاصلة، كقوله تعالى: وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ فصلت:
27، بتقديم (إياه) على تَعْبُدُونَ لمشاكلة رءوس الآى.
3-
لعظمه والاهتمام به، كقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ: البقرة:
43، فبدأ بالصلاة لأنها أهم.
5-
أن يكون الخاطر ملتفتا إليه والهمة معقودة به، كقوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الأنعام: 100، بتقديم المجرور على المفعول الأول، لأن الإنكار متوجه إلى الجعل لله لا إلى مطلق الجعل.
6-
أن يكون التقديم لإرادة النبكيت والتعجب من حال المذكور، كتقديم المفعول الثانى على الأول فى قوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ الأنعام: 100، والأصل «الجن شركاء» وقدم لأن المقصود التوبيخ، وتقديم (الشركاء) أبلغ فى حصوله.
7-
الاختصاص، وذلك بتقديم المفعول والخبر والظرف والجار والمجرور، كقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ فاتحة الكتاب: 5، أى نختصك بالعبادة، فلا نعبد غيرك.
وهو إما:
(أ) أن يقدم والمعنى عليه.
(ب) أن يقدم وهو فى المعنى مؤخر.
(ج) ما قدم فى آية وأخرى فى أخرى.
(أ) ما قدم والمعنى عليه:
ومقتضياته كثيرة، منها:
1-
السبق، وهو أقسام:
(1)
السبق بالزمان والإيجاد، كقوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ آل عمران: 68، والمراد: الذين اتبعوه فى زمن.
(ب) سبق إنزال، كقوله تعالى: الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ الأعراف: 157.
(ج) سبق وجوب، كقوله تعالى: ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا الحج: 77.
(د) سبق تنزيه، كقوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ البقرة: 280، فبدأ بالرسول قبل المؤمنين، ثم بدأ بالإيمان بالله، لأنه قد يحصل بدليل العقل، والعقل سابق فى الوجود على الشرع.
2-
بالذات، كقوله تعالى: سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ الكهف: 22 وكذلك جميع الأعداد، كل مرتبة هى متقدمة على ما فوقها بالذات.
3-
بالعلة والسببية، كقوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ الفاتحة: 5، قدمت العبادة لأنها سبب حصول الإعانة.
4-
بالمرتبة، كقوله تعالى: غَفُورٌ رَحِيمٌ البقرة: 173، فإن المغفرة سلامة والرحمة غنيمة، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة.
5-
بالداعية، كتقدم الأمر بغض الأبصار على حفظ الفروج، كقوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ النور: 30، لأن البصر داعية إلى الفرج، بقوله صلى الله عليه وسلم:«العينان تزنيان والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» .
6-
التعظيم، كقوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ النساء: 69.
7-
الشرف، كقوله تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ الأحزاب: 35، لشرف الذكورة. والشرف أنواع: شرف الحرية، شرف الفعل، شرف الإيمان، شرف العلم، شرف الحياة، شرف المعلوم، شرف الإدراك، شرف المحازاة، شرف العموم، شرف الإباحة، الشرف بالفضيلة، وكل هذا له شواهده من القرآن الكريم.
8-
الغلبة والكثرة، كقوله تعالى: فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ فاطر: 32، قدم الظالم لكثرته، ثم المقتصد، ثم السابق.
9-
سبق ما يقتضى تقديمه، وهو دلالة السياق، كقوله تعالى: وَلَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ النحل: 6، لما كان إسراحها وهى خماص،
وإراحتها وهى بطان، قدم الإراحة، لأن الجمال بها حينئذ أفخر.
10-
مراعاة اشتقاق اللفظ، كقوله تعالى: لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ المدثر: 37.
11-
الحث عليه خيفة من التهاون به، كتقديم تنفيذ الوصية على وفاء الدين، كقوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ النساء: 11، فإن وفاء الدين سابق على الوصية، لكن قدم الوصية لأنهم كانوا يتساهلون بتأخيرها بخلاف الدين.
12-
لتحقق ما بعده واستغنائه هو عنه فى تصوره، كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مريم: 96.
13-
الاهتمام عند المخاطب، كقوله تعالى: فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها النساء: 86.
14-
للتنبيه على أنه مطلق لا مقيد، كقوله تعالى: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ الأنعام: 100، على القول بأن الله فى موضع المفعول الثانى ل «جعل» وشركاء، مفعول أول. ويكون «الجن» فى كلام ثان مقدر، كأنه قيل: فمن جعلوا شركاء؟
قيل: الجن. وهذا يقتضى وقوع الإنكار على جعلهم «لله شركاء» على الإطلاق، فيدخل بشركة غير الجن، ولو أخر فقيل: وجعلوا الجن شركاء لله، وكان الجن مفعولا أولا وشركاء ثانيا، فتكون الشركة مقيدة غير مطلقة، لأنه جرى على الجن، فيكون الإنكار توجه لجهل المشاركة للجن خاصة، وليس كذلك.
15-
للتنبيه على أن السبب مرتب، كقوله تعالى: يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ التوبة: 35، قدم الجباه ثم الجنوب، لأن مانع الصدقة كان يصرف وجهه أولا عن السائل. ثم ينوء بحانبه، ثم يتولى بظهره.
16-
التنقل، وهو أنواع:
(أ) إما من الأقرب إلى الأبعد، كقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ آل عمران: 5، لقصد الترقى.
(ب) وإما من الأبعد إلى الأقرب، كقوله تعالى: إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ الجاثية: 3.
(ح) وإما من الأعلى، كقوله تعالى: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ آل عمران: 18.
(د) وإما من الأدنى، كقوله تعالى: وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً الكهف: 49.
17-
الترقى، كقوله تعالى: أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها الأعراف: 195، فإنه سبحانه بدأ منها بالأدنى لغرض الترقى، لأن منفعة الرابع أهم من منفعة الثالث، فهو أشرف منه، ومنفعة الثالث أعم من منفعة الثانى، ومنفعة الثانى أعم من منفعة الأول، فهو أشرف منه.
18-
مراعاة الإفراد، فإن المفرد سابق على الجمع، كقوله تعالى: الْمالُ وَالْبَنُونَ الكهف: 46.
19-
التحذير منه والتنفير منه، كقوله تعالى: الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً النور: 3، قرن الزنى بالشرك وقدمه.
20-
التخويف منه، كقوله تعالى: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ هود: 105.
21-
التعجب من شأنه، كقوله تعالى: وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ: الأنبياء: 79، قدم الجبال على الطير، لأن تسخيرها له وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة، وأدخل فى الإعجاز، لأنها جماد والطير حيوان ناطق.
22-
كونه أدل على القدرة، كقوله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلى أَرْبَعٍ النور: 45.
23-
قصد الترتيب، كما فى آية الوضوء، فان إدخال المسح بين الغسلين،
وقطع النظير عن النظير، مع مراعاة ذلك فى لسانهم، دليل على قصد الترتيب.
24-
خفة اللفظة، كتقديم الإنس على الجن، فالإنس أخف، لمكان النون والسين المهموسة.
25-
رعاية الفواصل، كتأخير الغفور فى قوله تعالى: لَعَفُوٌّ غَفُورٌ الحج: 60.
(ب) أن يقدم وهو فى المعنى مؤخر.
فمنه:
1-
ما يدل على ذلك الإعراب، كتقديم المفعول على الفاعل في نحو قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ فاطر: 28.
2-
ما يدل على المعنى، كقوله تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها البقرة:
72، فهذا أول القصة، وإن كانت مؤخرة فى التلاوة.
(ج) ما قدم فى آية وأخر فى أخرى.
فمن ذلك: قوله تعالى فى فاتحة الفاتحة: الْحَمْدُ لِلَّهِ وفى خاتمة الجاثية فَلِلَّهِ الْحَمْدُ الجاثية: 36.
ومن أنواعه:
1-
أن يقدم اللفظ فى الآية ويتأخر فيها، لقصد أن يقع البداءة والختم به للاعتناء بشأنه، كقوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ آل عمران: 106.
2-
أن يقع التقديم فى موضع والتأخير فى آخر، واللفظ واحد والقصة واحدة للتفتن فى الفصاحة وإخراج الكلام على عدة أسباب، كما فى قوله تعالى:
وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ البقرة: 58، وقوله تعالى: وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً الأعراف: 161.