الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول أهداف سورة «الغاشية»
«1»
سورة «الغاشية» سورة مكّيّة، وآياتها 26 آية نزلت بعد سورة الذاريات، وهي سورة قصيرة الآيات، متناسقة الفواصل، تطوف بالقلب البشري أمام الآخرة وأحوالها، فأصحاب الجحيم يلقون أشدّ ألوان الألم والعذاب، وأهل الجنة يتمتّعون بألوان النعيم، وصنوف التكريم، ثم تعرض أمام الناظرين مشاهد الكون، وآيات الله المبثوثة في خلائقه، المعروضة للجميع.
ثم تذكّر الناس بحساب الآخرة، وسيطرة الله، وحتمية الرجوع إليه في نهاية المطاف، ذلك كله بأسلوب عميق الإيقاع، هادئ، ولكنه نافذ رصين، ولكنه رهيب.
مع آيات السورة
[الآية 1] : الغاشية هي الداهية التي تغشى الناس بشدائدها، وتغمرهم بأهوالها، والمراد منها هنا يوم القيامة، وقد سبق في هذا الجزء وصف القيامة بالطّامة والصّاخّة، وسيأتي وصفها بالقارعة، بما يناسب طبيعة التذكير والتهديد للمعاندين. والاستفهام هنا لتعظيم الأمر وتقريره، أي هل سمعت قصة يوم القيامة وما يقع فيه؟
وعن عمر بن ميمون، قال: مر النبي (ص) على امرأة تقرأ: هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (1) فقام يستمع ويقول: «نعم قد جاءني» .
(1) . انتقي هذا الفصل من كتاب «أهداف كلّ سورة ومقاصدها» ، لعبد الله محمود شحاته، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1979- 1984.
والخطاب مع ذلك عام لكل من يسمع القرآن.
[الآيات 2- 7] : إن وجوه الكفّار في هذا اليوم تكون ذليلة، لما يظهر عليها من الحزن والكآبة، وسوف يلقون تعبا وإرهاقا في النار، بسبب أعمالهم السيّئة، وسيدخلون النار المتأجّجة التي تلتهمهم، وإذا عطشوا من شدة حرّها، وطلبوا ما يطفئ ظمأهم، سقوا مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ: أي من ينبوع شديد الحرارة، وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (29)[الكهف] . وليس لهم طعام في النار إلّا من ضريع، والضريع: شجر ذو شوك لائط بالأرض، فإذا كان رطبا سمّي بالشّبرق، وإذا جني صار اسمه الضريع. ولم تستطع الإبل مذاقه فهو عندئذ سامّ، والأكل منه لون من ألوان العذاب الشديد، يضاف الى ذلك الغسلين والغسّاق، وباقي الألوان التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
[الآيات 8- 11] : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (8) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (10) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (11) . هنا وجوه يبدو عليها النعيم، ويفيض منها الرضى، وجوه تنعم بما تجد، وتشعر بالرضى عن عملها، حينما ترى رضى الله عنها، وهذا النعيم في جنة عالية المقام، مرتفعة على غيرها من الأماكن، لأنّ الجنّة منازل ودرجات بعضها أعلى من بعض، كما أن النّار دركات بعضها أسفل من بعض.
لا يسمع أهل الجنة لغوا ولا باطلا، وإنّما يعيشون في جو من السكون والهدوء، والسلام والاطمئنان، والودّ والرضى، والنجاء والسمر بين الأحبّاء، والتنزّه والارتفاع عن كل كلمة لاغية، لا خير فيها ولا عافية، وهذه وحدها نعيم وسعادة وتوحي الجملة بأن المؤمنين في الأرض حينما ينأوون عن اللغو والباطل، إنّما ينعمون بطرف من حياة الجنة، ويتشبّهون بأهلها.
[الآية 12] : فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (12)، والعين الجارية: الينبوع المتدفّق، والمياه الجارية متعة للنفس وللنظر، وقد افتخر بمثلها فرعون فقال: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (51)[الزخرف] .
[الآية 13] : فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وفيها سرر عالية المكان والمقدار،
ليرى المؤمن وهو عليها ما خوّله الله من النعم.
[الآية 14] : وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) مصفوفة مهيّأة للشرب، لا تحتاج الى طلب ولا إعداد.
[الآية 15] : وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15) .
والنمارق الوسائد والحشايا، قد صفّت بعضها الى بعض، للاتّكاء في ارتياح.
[الآية 16] : وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16) و (الزرابيّ) البسط (أي السّجاجيد)(مبثوثة) أي مبسوطة أو مفرقة هنا وهناك، كما تراه في بيوت أهل النعمة. ذلك كلّه لتصوير النعمة والرفاهية واللذة، وتقريبها لتصوّر الناس في الدنيا، وإلّا فنعيم تلك الدار نعيم لا يشبهه في هذه الدار نعيم، فمتاع الدنيا قليل، ومتاع الآخرة لا شبيه له ولا مثيل، وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ (71)[الزخرف] .
فيها النعيم والرضى فيها السرور بالنجاة، والأنس برضوان الله فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. [الآية 17] : أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
(17)
.
يلفت القرآن الأنظار الى دلائل قدرة الله سبحانه، وبديع صنعته، فلينظر الإنسان إلى الجمال كيف خلقت؟
وليتدبّر كيف وجدت على هذا النحو المناسب لوظيفتها، المحقّق لغاية خلقها، المتناسق مع بيئتها ووظيفتها جميعا. إنّ الناس لم يخلقوها، وهي لم تخلق نفسها، فلا يبقى إلّا أن تكون من إبداع المتفرّد بصنعته، التي تدل عليه وتقطع بوجوده، كما تشي بتدبيره وتقديره.
[الآية 18] : وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) أفلا ينظرون إليها كيف رفعت؟ من ذا رفعها بلا عمد، ونثر فيها النجوم بلا عدد، وجعل فيها هذه البهجة وهذا الجمال؟
[الآية 19] : وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) والجبل ملجأ وملاذ، وأنيس وصاحب، ومشهد يوحي إلى النفس الإنسانية جلالا واستهوالا، حيث يتضاءل الإنسان إلى جواره ويستكين، ويخشع للجلال السّامق الرّزين، «ونصب الجبال إقامتها علما للسّائر، وملجأ من الجائر، وهي في
الأغلب نزهة للناظر» ، وأمان وحفظ لتوازن الأرض، قال تعالى: وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ [الأنبياء/ 31] وقال سبحانه: وَالْجِبالَ أَوْتاداً (7)[النبأ] أي وسيلة لحفظ نظام الأرض من الزلازل والبراكين وغيرها.
[الآية 20] : وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) والأرض مسطوحة أمام النظر، ممهّدة للحياة والسير والعمل، والناس لم يسطحوها كذلك، فقد سطحت قبل أن يكونوا هم، أفلا ينظرون إليها؟ ويتدبّرون ما وراءها، ويسألون من سطحها ومهّدها هكذا للحياة تمهيدا؟
«وقد أيقظ القرآن الحس، ولفت النظر، إلى مشهد كلّي يضم منظر السماء المرفوعة، والأرض المبسوطة، وفي هذا المدى المتطاول تبرز الجبال منصوبة السّنان، لا رأسية ولا ملقاة، وتبرز الجمال منصوبة السّنام: خطّان أفقيان، وخطان رأسيّان، في المشهد الهائل، في المساحة الشاسعة، وهي لوحة متناسقة الأبعاد والاتّجاهات، على طريقة القرآن في عرض المشاهد، وفي التعبير بالتصوير على وجه الإجمال» . والآن بعد الجولة الأولى في عالم الآخرة، والجولة الثانية في مشاهد الكون المعروضة، يخاطب القرآن النبيّ الكريم، بقول الله تعالى:
[الآيات 21- 24] : فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (24) .
فعظهم يا محمّد بآيات القرآن، وذكّرهم بالدعوة إلى الإله الواحد القهّار فالإنسان بفطرته ميسّر للإذعان بقدرة الله جل جلاله وبديع صنعته وإنّما قد تتحكّم الغفلات، فتحتاج النفوس إلى مذكّر يردّها إلى الحقّ والصواب.
إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) أي إنما بعثت للتذكير فحسب، وليس عليك هداهم إن عليك إلا البلاغ، وتبليغ الدعوة وترك الناس أحرارا في اعتقادهم، فلا إكراه في الدين، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) والمسيطر:
المتسلّط، فأنت لا تجبرهم على الايمان. قال تعالى: وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (45)[ق] .
فمن تولّى عن الحق، وكفر بآيات