الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الذي يشربون وهم على الأرائك ينظرون، وهي صفحة ناعمة وضيئة.
[الآيات 18- 28] .
والمقطع الرابع يصف ما كان الأبرار يلقونه من استهزاء الفجار، وسخريتهم، وسوء أدبهم في دار الغرور ثم يقابل ذلك بما لقيه المؤمنون من التكريم، وما لقيه المجرمون من عذاب الجحيم في يوم الدين. [الآيات 29- 36] .
من أسباب نزول السورة
كان تطفيف الكيل منتشرا في مكّة والمدينة، وهو يعبّر عن جشع التّجار وطمعهم، ورغبتهم في بخس حق المشتري.
روي أنه كان بالمدينة رجل يقال له أبو جهينة، له كيلان أحدهما كبير والثاني صغير، فكان إذا أراد أن يشتري من أصحاب الزروع والحبوب والثمار، اشترى بالكيل الكبير وإذا باع للناس كال للمشتري بالكيل الصغير. هذا الرجل وأمثاله ممّن امتلأت نفوسهم بالطمع، واستولى عليهم الجشع والنهم، هم المقصودون بهذا الوعيد الشديد، وهم الذين توعّدهم النبي (ص)، وتهدّدهم بقوله:«خمس بخمس، قيل يا رسول الله وما خمس بخمس؟ قال: ما نقض قوم العهد إلّا سلّط الله عليهم عدوّا وما حكموا بغير ما أنزل الله إلّا فشا فيهم الفقر وما ظهرت الفاحشة في قوم يتعامل بها علانية، إلّا فشا الطاعون والأوجاع التي لم تكن فيمن قبلهم ولا طفّف قوم المكيال والميزان إلّا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور الحكام وما منع قوم الزكاة إلّا حبس عنهم المطر» .
مع آيات السورة
[الآية 1] : هلاك وعذاب عظيم لهؤلاء الذين يبخسون الكيل والميزان والتطفيف، لغة، التقليل، فالمطفّف هو المقلّل حق صاحبه بنقصانه، لأنّه لا يكاد يسرق في المكيال، والميزان، إلّا الشيء اليسير الطفيف.
[الآية 2] : إذا كان لهم عند الناس حقّ في شيء يكال أو يوزن، وأرادوا أخذه منهم لا يأخذونه إلّا تامّا كاملا.
[الآية 3] : وإذا كان للناس حقّ عندهم في مكيل أو موزون، أعطوهم ذلك الحق مع النقص والخسارة.
ويلحق بالمطفّفين كل عامل لا يؤدّي
عمله، وإنما يحرص على الأجر كاملا، ويلحق بهم من يتسلّم العمل كاملا، ويبخس حقّ العامل أو ينقص أجره، وكذلك كل من يقصر في أداء واجبه. وعن ابن عباس «الكيل أمانة، والوزن أمانة، والصلاة أمانة، والزكاة أمانة، فمن وفى وفى له، ومن طفّف فقد علمتم ما قاله الله في المطفّفين» .
[الآيتان 4- 6] : ألا يخطر ببال هؤلاء أنّ هناك يوما للبعث، تظهر فيه هذه الأعمال التي يخفونها على الناس، وأنهم سيبعثون في هذا اليوم الشديد الأهوال، الذي يقوم فيه الناس من قبورهم ليعرضوا على ربّ العالمين الذي خلقهم، ويعلم سرّهم وعلانيتهم.
[الآيات 7- 9] : إن للشر سجلّا دونت فيه أعمال الفجّار، وهو كتاب مسطور بيّن الكتابة. وهذا السّجلّ يشتمل عليه السجل الكبير المسمّى بسجّين كما تقول إن كتاب حساب قرية كذا في السّجلّ الفلانيّ المشتمل على حسابها، وحساب غيرها من القرى.
والفجّار هم المتجاوزون للحدّ في المعصية والإثم ولكلّ فاجر من هؤلاء الفجّار صحيفة وهذه الصحائف في السّجلّ العظيم المسمّى سجّين، وهو عظيم الشأن وهو كِتابٌ مَرْقُومٌ (9) أي قد أثبتت فيه العلامات الدالة على الأعمال.
[الآيات 10- 13] : هلاك وعذاب عظيم لهؤلاء المكذّبين، الذين يكذّبون الرسول (ص) ، ولا يؤمنون بيوم الحساب والجزاء، الذي أخبرهم به عن ربّ العلمين.
وما يكذّب بهذا اليوم، إلّا من اعتدى على الحقّ، وعمي عن الإنصاف، واعتاد ارتكاب الآثام، والإعراض عن الحق والهدى، ولذلك إذا تليت عليه آيات القرآن، أو أخبار البعث والجزاء أنكرها، وقال هذه أباطيل السابقين.
[الآية 14] : كَلَّا ليس كما يقولون بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (14) أي غطّى على قلوبهم ما كانوا يكسبونه من الإثم والمعصية والقلب الذي يتعوّد المعصية ينطمس ويظلم، ويرين عليه غطاء كثيف، يفقده الحساسية شيئا فشيئا، حتى يتبلّد ويموت.
روى التّرمذيّ «1» ، والنسائي، وابن ماجة: «أنّ العبد إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع، واستغفر، وتاب، صقل قلبه وإن عاد زيد فيها، حتّى تعلو، فهو الران، الذي قال الله تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (14) .
وقال الحسن البصري: هو الذنب على الذنب يعمي القلب فيموت.
ثم يذكر السياق شيئا عن مصيرهم يوم القيامة، بقوله تعالى:
[الآيات 15- 17] : كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17) .
فهم في يوم القيامة مطرودون من رحمة الله، محرومون من رؤيته في الآخرة، ثم إنّهم يصلون عذاب جهنّم، مع التأنيب والتقريع على تكذيبهم الحق، وإنكارهم البعث والجزاء فيقال لهم: هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17) . [الآيات 18- 21] : إن كتاب الأبرار محفوظ في سجلّ ممتاز في أعلى مكان في الجنّة، وما أعلمك ما هذا المكان، فهو أمر فوق العلم والإدراك، كتاب مسطور فيه أعمالهم، وهو موضع مشاهدة المقرّبين من الملائكة، ومتعتهم بما فيه من كرائم الأفعال والصفات.
[الآيات 22- 28] : إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) إنّ الأبرار المتّقين الذين يؤمنون بالله، ويعملون أنواع البر من القربات والطاعات، هؤلاء ينعمون بنعيم الجنة، وهم على الأسرّة في الحجال «2» ينظرون إلى ما أعدّ لهم من النعيم وترى على وجوههم آثار النعمة وبهجتها، يسقون خمرا مختومة بالمسك، وهي لا تسكر كخمر الدنيا وفي ذلك النعيم فليتسابق المتسابقون، وليرغب الراغبون بالمبادرة الى طاعة ربهم، باتّباع أوامره واجتناب نواهيه.
وهذا الشراب المعدّ لهم ممزوج بشراب آخر ينصبّ عليهم من عين
(1) . قال التّرمذي حسن صحيح، وللحديث روايات أخرى بألفاظ قريبة في المعنى
(2)
. الحجال: جمع حجلة والحجلة ستر يضرب في جوف البيت.
عالية، يشرب منها المقربون إلى رضوان ربهم. وقد سئل ابن عبّاس عن هذا فقال: هذا ممّا قال الله تعالى:
فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (17)[السجدة] .
[الآيات 29- 33] : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) : كانوا يضحكون منهم استهزاء بهم وسخرية منهم، إمّا لفقرهم ورثاثة حالهم، وإمّا لضعفهم عن ردّ الذي، وإمّا لترفّعهم عن سفاهة السفهاء فكلّ هذا ممّا يثير ضحك الذين أجرموا، وهم يتّخذون المؤمنين مادّة لسخريتهم، أو فكاهتهم المرذولة.
وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ
(30)
يغمز بعضهم لبعض بعينه، أو يشير بيده، أو يأتي بحركة متعارف عليها بينهم للسخرية من المؤمنين، وإذا انقلب هؤلاء الضالّون إلى أهلهم، ورجعوا إلى بيوتهم، رجعوا إليها فكهين ملتذّين بحكاية ما يعيبون به أهل الايمان، إذ يرمونهم بالسّخافة وقلّة العقل، وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (32) أي وإذا رأوا المؤمنين نسبوهم الى الضلال لأنهم نبذوا العقائد الفاسدة، وتركوا عبادة الأصنام. ولم يرسل الله، سبحانه، الكفّار رقباء على المؤمنين، ولا كلّفهم بمحاسبتهم على أفعالهم، فما لهم وهذا الوصف، وهذا التقرير.
روي أن عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، جاء في نفر من المسلمين، فرآه بعض هؤلاء الكفّار، فسخروا منه وممّن معه، وضحكوا منهم، وتغامزوا بهم، ثمّ رجعوا إلى جماعتهم من أهل الشرك، فحدّثوهم بما صنعوا به، وبأصحابه.
والآيات ترسم مشهدا لسخرية
(1) . تفسير المراغي للأستاذ أحمد مصطفى المراغي، ط 3، مصطفى البابي الحلبي، 30/ 82.