الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الأول أهداف سورة «الشمس»
«1»
سورة «الشمس» سورة مكّيّة، آياتها 15 آية، نزلت بعد سورة «القدر» .
وهي سورة قصيرة ذات قافية واحدة، وإيقاع موسيقي واحد، تتضمّن عدة لمسات وجدانية تنبثق من مشاهد الكون وظواهره التي تبدأ بها السورة، والتي تظهر كأنها إطار للحقيقة الكبيرة التي تتضمنها السورة، حقيقة النفس البشرية واستعدادها الفطري، ودور الإنسان في شأن نفسه، وتبعته في مصيرها. هذه الحقيقة التي يربطها سياق السورة بحقائق الكون، ومشاهده الثابتة.
ولا يلزمها تقواها: كما جاء في الفقرة الأولى من السورة: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (9) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (10) .
مع آيات السورة
[الآيات 1- 6] :
المفردات: ضحاها: ضحى الشمس ضوؤها.
تلاها: جاء بعدها.
جلّاها: أظهرها.
يغشاها: يغطّيها ويحجب نورها.
طحاها: وطأها وجعلها فراشا.
دسّاها: التدسية النقص والإخفاء.
(1) . انتقي هذا الفصل من كتاب «أهداف كلّ سورة ومقاصدها» ، لعبد الله محمود شحاته، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، 1979- 1984.
لله تعالى كتابان: كتاب مقروء، وهو القرآن الكريم، وكتاب مفتوح، وهذا هو الكون العظيم، ومشاهد الكون تأسر القلوب، وتبهج النفس، وتوقظ الحس، وتنبّه المشاعر.
[الآية 1] : أقسم الله بالشمس، وبنورها الساطع في وقت الضحى، وهو الوقت الذي يظهر فيه ضوء النهار، ويتجلّى نور الشمس، ويعمّ الدفء في الشتاء، والضياء في الصيف، قبل حر الظهيرة وقيظها.
[الآية 2] : وأقسم الله بالقمر إذا جاء بعد الشمس، بنوره اللطيف الهادئ الذي يغمر الكون بالضياء والأنس والجمال.
[الآية 3] : وأقسم بالنهار إذا أظهر الشمس، وأتمّ وضوحها، وللنهار في حياة الإنسان آثار جليلة، ففيه السعي والحركة والنشاط. [الآية 4] : وأقسم الله بالليل إذا غشي الكون، فغطى ظلامه الكائنات، وحجب نور الشمس وأخفاه.
[الآية 5] : وأقسم الله بالسماء ومن قدّر خلقها، وأحكم صنعها على النحو الذي نشاهده.
[الآية 6] : وأقسم الله بالأرض، والذي بسطها ومهّدها للسّكنى.
لقد جمع القسم بين ضياء الشمس ونور القمر، وضوء النهار وظلام الليل، وارتفاع السماء وبسط الأرض، وتلحظ في هذا القسم المقابلة بين النور والظلام، بين السماء والأرض، مما يلفت النظر إلى بديع صنع الله، وجليل وحيه وإعجاز كتابه.
[الآيات 7- 10] : وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (7) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها (9) وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (10) .
خلق الله الإنسان مزودا باستعدادات متساوية للخير والشر والهدى والضلال، فهو قادر على توجيه نفسه إلى الخير وإلى الشر.
لقد خلق الله الإنسان بيده ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وزوّده
بالعقل والإرادة، والحرية والاختيار.
وقد بين الله للإنسان طريق الهدى وطريق الضلال، وأودع في النفس البشرية أصول المعرفة، والتمييز بين الحق والباطل، فمن حمل نفسه على الاستقامة، وصانها عن الشر، فقد رزق الفلاح والسداد. ومن أهمل نفسه واتّبع شهواته، وأرخى العنان لنزواته، فقد خاب، لأنه هوى بنفسه من سموّ الطاعة إلى حضيض المعصية.
[الآيات 11- 15] : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها (12) فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وَسُقْياها (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (14) .
ثمود: قوم من العرب البائدة، بعث الله إليهم نبيّا اسمه صالح عليه السلام.
بطغواها: بطغيانها.
انبعث: قام بعقر الناقة.
أشقاها: أشقى رجل في قوم ثمود، وهو قدار بن سالف.
سقياها: شرابها الذي اختصّها به في يومها.
فعقروها: فذبحوها، والعاقر واحد، ونسب إليهم جميعهم لرضاهم به. دمدم عليهم: أطبق عليهم بالعذاب.
سوّاها: فسوّى القبيلة في العقوبة، فلم يفلت منها أحد.
عقباها: عاقبة الدمدمة وتبعتها.
ذكرت قصة ثمود في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، وقد ذكر هنا طغيانها وعتوّها على أمر الله، وقد أعطى الله نبيهم صالحا الناقة آية مبصرة، فكانت تشرب وحدها من الماء في يوم، وتحلب لهم لبنا يكفيهم جميعا في ذلك اليوم، ثم يشربون من الماء في اليوم التالي. وقد حذرهم رسول الله صالح من الإساءة إلى الناقة، ولكنّهم خالفوا أمره، وذهب شقي منهم فعقر الناقة، ولمّا سكتوا عنه صاروا كأنّهم قد اشتركوا معه، لأنهم أهملوا التناصح، ولم يأخذوا على يد الظالم فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها (14) فأطبق عليهم العذاب، وسوى الله القبيلة بالأرض، أي دمر مساكنها على ساكنيها.
وَلا يَخافُ عُقْباها (15) أي أن الله أهلك القبيلة دون أن يخشى عاقبة ما فعل، لأنه عادل لا يخاف عاقبة ما فعل، قويّ لا يخاف أن يناله مكروه من أحد، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.