المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌القسم الثالث: الهدايا المباح بذلها للموظف، وقبوله لها: - الهدايا للموظفين - أحكامها وكيفية التصرف فيها

[عبد الرحيم الهاشم]

فهرس الكتاب

- ‌أصل هذا الكتاب

- ‌إهداء

- ‌مقدمة

- ‌الفصل الأولالهدية، والرشوة، والفرق بينهما

- ‌الفرع الأول: الهدية

- ‌المبحث الأول: التعريف بالهدية

- ‌المبحث الثاني: بذل الهدية وقبولها والمكافأة عليها

- ‌الفرع الثاني: الرشوة

- ‌المبحث الأول: التعريف بالرشوة

- ‌المبحث الثاني: أضرار الرشوة

- ‌المبحث الثالث: بذل الرشوة وقبولها

- ‌الفرع الثالث: الفرق بين الهدية والرشوة

- ‌الفصل الثانيالهدية إلى الموظف، وإلى جهة عمله

- ‌الفرع الأول: التعريف بالموظف

- ‌الفرع الثاني: حكم الهدية إلى الموظف

- ‌القسم الأول: الهدايا المحرم بذلها للموظف وقبوله لها:

- ‌القسم الثاني: الهدايا المنهي الموظف عن قبولها، وقد يباح بذلها له:

- ‌القسم الثالث: الهدايا المباح بذلها للموظف، وقبوله لها:

- ‌الفرع الثالث: حكم الهدية إلى جهة عمل الموظف

- ‌القسم الأول: جهة عمل ليست للدولة، ولا ارتباط لها بعمل الدولة

- ‌القسم الثاني: جهة عمل للدولة، أو لها ارتباط بعمل متعلق بالدولة

- ‌الفصل الثالثالتصرف في الهدايا للموظفين

- ‌الفرع الأولتصرف الموظف في الهدايا المباح بذلها له، وقبوله لها

- ‌الفرع الثانيتصرف الموظف في الهدايا المحرم بذلها له، وقبوله لها

- ‌الفرع الثالثالتصرف في الهدايا المباح بذلها للموظف والمنهي هو عن قبولها

- ‌الخاتمة

- ‌النتيجة الأولى:

- ‌النتيجة الثانية:

- ‌النتيجة الثالثة:

- ‌النتيجة الرابعة:

- ‌فهرس المصادر والمراجع

- ‌القرآن الكريم وعلوم

- ‌الحديث الشريف وعلومه

- ‌الفقه وقواعده

- ‌الحنفية:

- ‌المالكية:

- ‌الشافعية:

- ‌الحنابلة:

- ‌الفقه العام:

- ‌اللغة العربية وعلومها

- ‌السير والتاريخ

- ‌الإدارة

- ‌المراسيم الملكية السعودية

- ‌المشافهات

الفصل: ‌القسم الثالث: الهدايا المباح بذلها للموظف، وقبوله لها:

‌القسم الثالث: الهدايا المباح بذلها للموظف، وقبوله لها:

الأفضل للموظف عدم قبوله هذه الهدايا لا سيما في بلدة وظيفته ومن أهلها؛ وذلك بعدًا عن التهمة لدينه وعرضه (1)؛:

قال ابن حبيب (2): «لم يختلف العلماء في كراهتها إلى السلطان والقضاة والعمال وجباة الأموال» (3).

وهذه الهدايا، ست عشرة هدية:

الهدية الأولى: الهدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم

تجوز الهدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي من خصوصياته (4)؛:

قال الماوردي: «فإن قيل: قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الهدايا من المسلمين وغيرهم من ملوك الأقطار وقال: «لو أهدي إلي ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت» (5) قيل عنه ثلاثة أجوبة:

(1) الحاوي الكبير 16/ 281 ونهاية المحتاج 8/ 244.

(2)

أبو مروان عبد الملك بن حبيب الأندلسي المالكي، له عدة مؤلفات في الحديث والفقه والأدب، ت239هـ تقريب التهذيب 2/ 518 والأعلام 4/ 157.

(3)

الذخيرة 10/ 80 وفتاوى السبكي 1/ 215.

(4)

الذخيرة 10/ 81، 82 والدر المختار 5/ 372.

(5)

البخاري: 5178.

ص: 58

أحدها: أن الله تعالى قد ميزه عن الخلق؛ فقال سبحانه: {النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [الأحزاب: 6]

والثاني: إنه صلى الله عليه وسلم كان يكافئ على الهدايا

والثالث: إنه صلى الله عليه وسلم بعيد عن الميل، منزه عن الظنة، ظاهر العصمة، فامتنع أن يقاس بغيره» (1).

وقال القرافي: «إن عظم منصبه صلى الله عليه وسلم أوجب الفرق

المنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الداعي، جزمًا، والأمر فينا بالعكس، إنما ندعى؛ لتكون المنة علينا، وذلك هوان بنا، وعز به صلى الله عليه وسلم فحصل الفرق» (2).

وقال ابن عبد البر: «وليس النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك كغيره؛ لأنه مخصوص بما أفاء الله عليه من غير قتال من أموال الكفار

يكون له دون سائر الناس، ومن بعده من الأئمة حكمه في ذلك خلاف حكمه، لا يكون له خاصة دون سائر المسلمين بإجماع من العلماء؛ لأنها فيء لمن سمى الله في آيات الفيء» (3).

(1) الحاوي الكبير 16/ 282، وفيه (طاهر العصمة) بالطاء، ولعل الصواب (ظاهر) بالظاء. كما أثبته.

(2)

الذخيرة 10/ 82.

(3)

الاستذكار 14/ 199، 200.

ص: 59

وقال محمد بن الحسن: «إذا بعث ملك العدو إلى أمير الجند بهدية، فلا بأس أن يقبلها، ويصير فيئًا للمسلمين

؛ لأنه ما أهدي إليه بعينه بل لمنعته، ومنعته للمسلمين، فكان هذا بمنزلة المال المصاب بقوة المسلمين، وهذا بخلاف ما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الهدية؛ فإن قوته ومنعته لم تكن بالمسلمين على ما قال الله تعالى:{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67]. فلهذا كانت الهدية له خاصة» (1).

الهدية الثانية: الهدية للسلطان ممن لم يهد له قبل توليته، ولا يريد منه وظيفة في الدولة، ولا مجازاته على جميل قام به للمهدي.

تباح هذه الهدية؛ لأنها لجاه السلطنة. لكن وإن كافأ السلطان عليها، صارت له (2) أما إن لم يكافئ عليها، فهل يردها أو يقبلها لبيت المال؟ سيأتي في كيفية التصرف في الهدية.

الهدية الثالثة: هدية أهل الحرب للسلطان:

يباح للسلطان قبول هذه الهدية؛ لأنه يحل له استباحة

(1) شرح كتاب السير الكبير 4/ 1237، 1238.

(2)

الحاوي الكبير 16/ 284.

ص: 60

أموالهم. لكن لمن تكون؟ يختلف باختلاف القصد منها، وهو لا يخلو من ثلاثة أمور:

الأمر الأول: أن تكون الهدية لمودة سابقة بين السلطان وبين المهدي، وليست لكونه سلطانًا، فالهدية تكون للسلطان.

الأمر الثاني: أن تكون لأجل سلطانه، فالهدية لبيت المال؛ لأن سلطانه بالمسلمين فكانوا أحق بها.

الأمر الثالث: أن تكون الهدية لحاجة، فإن كان السلطان يقدر عليها بغير سلطانه فهو أحق بها، وإلا فالبيت مال المسلمين؛ لأن سلطانه بهم، فكانوا أحق بها (1).

الهدية الرابعة: هدية الأعداء المحاربين لأمير جيش محاربيهم أو لأحد عسكره.

تباح هذه الهدية لمن أهديت إليه؛ لأنه يباح في حالة الحرب أن يستولي على أموال الأعداء المحاربين. لكن إن أهديت لأمير الجند، فهي غنيمة لسائر الجند أو فيئًا للمسلمين؛ لأن قوة هذا الأمير بهم وليس بنفسه (2).

(1) المصدر نفسه 16/ 282.

(2)

شرح كتاب السير الكبير 4/ 1237 والمغني 14/ 58 والقواعد ص348.

ص: 61

وإن أهديت لأحد الجند، فهي له؛ لأن الهدية لمثله لا تكون على وجه الخوف منه أو طلب الرفق به. وإن كانت لذلك، فقوة الجندي بنفسه لا بغيره، فكانت الهدية له (1).

الهدية الخامسة: الهدية للموظف ممن لا حاجة له عند الموظف تتعلق بوظيفته، ولم يقصد بها استمالة قلبه، وكان يهدي له قبل توليته الوظيفة؛ لقرابة ونحوها، ولم تزد الهدية بعد الوظيفة فوق المعتاد إلا بزيادة مال المهدي:

تباح هذه الهدية؛ لانتفاء الاتهام فيها بالرشوة، ولعدم المجازات بها على عمل (2) ولما روي أن زيد بن ثابت رضي الله عنه كان يهدي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه لبنًا فيقبله، حتى اقترض زيد مالاً من بيت المال، وأهدى اللبن، فرده عمر، فقال زيد: لم رددته؟ فقال: لأنك اقترضت من بيت المال مالاً، فقال زيد: لا حاجة لي في مال يقطع الوصلة بيني وبينك، فرد المال، وأهدى

(1) شرح كتاب السير الكبير 4/ 1238.

(2)

فتح القدير 7/ 272 والدر المختار ورد المختار 5/ 374، 375 والذخيرة 10/ 80 ونهاية المحتاج 8/ 242، 243 ومغني المحتاج 4/ 292 والمغني 14/ 58، 59.

ص: 62

اللبن، فقبله (1).

فعمر رضي الله عنه رد اللبن على زيد رضي الله عنه حين كان لزيد حاجة عنده، مع أن زيدًا كان قبل ذلك يهديه إليه، ولم ينكر زيد على عمر رده لهديته، ولم يرد عمر هدية زيد بعد إرجاعه المال، فدل على جواز هذه الهدية.

وعند المالكية وجه: يكره قبول هذه الهدية (2) وعند الشافعية وجه: لا يحل للموظف قبول هذه الهدية (3).

وذلك خشية أن تحدث للمهدي حاجة ينسب بها الموظف إلى الممايلة للمهدي (4).

ويمكن الرد على هذا الوجه، بما استدل به للقول الأول، وما سيأتي في دليل القول بإباحة الهدية السادسة.

(1) الحاوي الكبير 16/ 283، ولم أعثر عليه فيما اطلعت عليه من كتب الآثار.

(2)

الذخيرة 10/ 80.

(3)

الحاوي الكبير 16/ 286.

(4)

الذخيرة 10/ 80 والحاوي الكبير 16/ 286.

ص: 63

الهدية السادسة: الهدية للموظف ممن لا يُقبل له حكمه لو كان قاضيًا كولده، أو من ذي رحمه المحرم كأخيه، ولم يكن يهدي للموظف قبل توليته الوظيفة، ولا حاجة له عند الموظف.

تباح هذه الهدية؛ لعدم دخول الظنة بها؛ للشدة الداخلة والمنافية بين الموظف والمهدي؛ لجمع الرحم من الحرمة في ميل قلبه أكثر من حرمة الهدية (1).

الهدية السابعة: الهدية للموظف من صاحب الهدية السادسة، لكن له حاجة عند الموظف تتعلق بوظيفته.

اختلف الفقهاء في قبول الموظف هذه الهدية، على قولين:

القول الأول: لا يباح للموظف قبولها، وإليه ذهب الحنفية في قول (2).

واستدلوا: هذه هدية تلحق التهمة؛ بطلب المهدي ميل الموظف إليه في حاجته المتعلقة بوظيفته (3).

(1) الهداية وفتح القدير 7/ 271 وبدائع الصنائع 7/ 9 والذخيرة 10/ 80 ومغني المحتاج 4/ 392.

(2)

فتح القدير 7/ 271، 272 وبدائع الصنائع 7/ 9.

(3)

بدائع الصنائع 7/ 9.

ص: 64

القول الثاني: يباح للموظف قبول هذه الهدية، وإليه ذهب الحنفية في قول (1) والمالكية (2) والشافعية (3).

واستدلوا: هذه الهدية لا تدخل بها الظنة على الموظف؛ للشدة الداخلة والمنافية بينه وبين المهدي؛ لجمع الرحم من الحرمة في ميل القلب أكثر من حرمة الهدية، فهي لصلة الرحم بينهما (4).

الترجيح: الراجح، القول الأول عدم إباحة هذه الهدية للموظف؛ وذلك لقوة دليله. ولما تقدم في هدايا القسم الثاني من كلام الغزالي في الأولى منها، والشوكاني في الرابعة، ولأن هذه الهدية لو كانت لصلة الرحم، لقدمت قبل الوظيفة، وقبل أن تكون حاجة عنده، وجمع الرحم من الحرمة أكثر من الهدية، هذا صحيح لو سلمت الذمم من الميل بغير الحق لمن أحسن إليها. نعم لو كان هذا القريب لا يهدي للموظف قبل توليته؛ لكونه فقيرًا، ثم استغنى بعد ذلك فأهدى، لأبيحت هديته كما

(1) الهداية وفتح القدير 7/ 271، 272.

(2)

الذخيرة 10/ 80.

(3)

مغني المحتاج 4/ 392.

(4)

رد المحتار 5/ 374 الذخيرة 10/ 80 ومغني المحتاج 4/ 392.

ص: 65

تقدم (1).

الهدية الثامنة: الهدية المأذون بها للموظف من ولي الأمر:

إذا أذن ولي الأمر للموظف بقبول الهدية، فإنه يباح له أخذها (2).

ويدل على هذا، دليلان:

الدليل الأول: عن معاذ رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن فقال: «أتدري لم بعثت إليك؟ لا تصيبن شيئًا بغير إذني؛ فإنه غلول» (3).

فالهدية للموظف تكون غلولاً إن كان بغير إذن الإمام، أما إن كانت بإذنه فليست غلولاً، بل مباحة.

الدليل الثاني: عن معاذ رضي الله عنه: أنه قدم من اليمن فرأى عمر رضي الله عنه عنده غلمانًا قال: ما هؤلاء؟ قال: أصبتهم في وجهي

(1) في الهدية الثانية من هدايا القسم الثاني.

(2)

فتح الباري 13/ 167.

(3)

الترمذي وقال: (حديث حسن غريب): 1336 وسكت عنه ابن حجر في فتح الباري 13/ 167.

ص: 66

هذا. قال عمر: من أي وجه؟ قال: أهدوا إلي، وأكرمت بهم. فقال عمر: أذكرتهم لأبي بكر؟ فقال معاذ: ما ذكري لأبي بكر. ونام معاذ فرأى كأنه على شفير النار، وعمر آخذ بحجزته من ورائه؛ أن يقع في النار ففزع معاذ، فذكره لأبي بكر رضي الله عنه فسوغه له أبو بكر. فقال عمر: هذا حين حل وطاب (1).

فعمر رضي الله عنه أنكر على معاذ رضي الله عنه عدم إخباره أبا بكر رضي الله عنه بهداياه التي جاءته أثناء عمله في اليمن، وأبو بكر سوغها لمعاذ حين أخبره بها، فدل على جواز الهدية للعامل بإذن الإمام.

ويدخل في هذه الهدية: الهدايا التي يقدمها للموظف أصحاب الحاجات على سبيل إكرامه، وأذن له فيها رئيسه في العمل، وكان رئيسه مأذونًا له بذلك ممن ولاه هذه الرئاسة، أو أعطاه صلاحية بما يراه من مصلحة العمل، ورأى هذا الرئيس أن من مصلحة العمل الإذن للموظف بأخذ هذه الهدية؛ مكافأة له على جهوده في خدمة العمل، وأمانته واحترامه لأنظمة العمل وللمراجعين. والله تعالى أعلم.

(1) فتاوى السبكي 1/ 213، 214 وعزاه إلى مسند أحمد، ولم أعثر عليه في وإنما في الطبقات الكبرى 3/ 588.

ص: 67

الهدية التاسعة: الهدية للموظف من الأعلى منه في وظيفته

هذه الهدية يباح بذلها من الأعلى من الموظف كرئيسه والسلطان، ويباح للموظف قبولها، لكن بشرطين: أن تكون معتادة لمثل الموظف، وأن لا يتغير قبل الموظف عن التصميم عن الحق (1).

وذلك؛ لانتفاء التهمة بالرشوة؛ حيث إن مراعاة الموظف للأعلى منه في وظيفته أو للسلطان، لا تكون بهديتهم إليه، بل بالمركز والقوة المستمدة من نفوذ مراكزهم (2).

وبه يتبين جواز الهدايا التي تقدمها الدوائر الحكومية والمؤسسات لبعض موظفيها.

تنبيه: الهدايا للموظفين ممن أعلى منهم مقابل تغيير تاريخ صلاحية المنتجات ونحوها.

الهدايا للموظفين ممن أعلى منهم، إنما تباح إذا لم تكن مقابل عمل محرم، فإن كان في مقابله، لم يحل بذلها ولا قبولها. وبه يتضح تحريم الهدايا المقدمة للموظفين من مسئوليهم في

(1) نهاية المحتاج 8/ 243.

(2)

رد المحتار 5/ 374 وجريمة الرشوة في الشريعة ص76.

ص: 68

المحلات التجارية والمؤسسات الخاصة ونحوها؛ مقابل قيامهم بتغيير تاريخ صلاحية المنتجات، أو تغيير أسماء شركات التصنيع، أو بترويج أدوية، أو طلب تحاليل ونحوها لا يحتاج إليها المرضى بل قد تضرهم، فهذه الأعمال محرمة، والهدايا عليها من الرشوة المحرمة؛ لأنها مقابل عمل محرم، ومن قبيل التعاون على الإثم والعدوان. والله تعالى أعلم.

الهدية العاشرة: الهدية للموظف بعد تركه الوظيفة

إذا ترك الموظف وظيفته، لانتهاء فترتها، أو استقالته منها، ثم قدمت له هدايا من إدارة عمله أو غيرها، أفرادًا كانوا أو جهات. فإنه يباح بذلها وقبولها (1)؛ وذلك لحديث ابن اللتبية رضي الله عنه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«فهلا جلس في بيت أبيه وأمه، فينظر أيهدى له» (2).

ووجه: أن الموظف إذا ترك العمل، يكون قد جلس في بيت أبيه وأمه، فإذا أهدي إليه حينئذ؛ جازت؛ لانتفاء الريبة بالرشوة (3).

(1) إحياء علوم الدين 2/ 154.

(2)

صحيح، وتقدم.

(3)

إحياء علوم الدين 2/ 154 وينظر: رد المحتار 5/ 374 وفتح الباري 5/ 221 و 13/ 167.

ص: 69

وعلى هذا: تباح الهدايا التي تقدم لبعض الموظفين عند تقاعدهم، ولو كانت من المراجعين لهم في عملهم. والله تعالى أعلم.

الهدية الحادية عشرة: الهدية على وجه إكرام العلم والصلاح، المقدمة للمفتي والواعظ وإمام المسجد والمعلم الذي لا علاقة له باختبار الطالب ودرجاته

هذه الهدية يباح بذلها وقبولها (1)؛ لانتفاء الريبة بالرشوة؛ بانتفاء ما يدعو إليها؛ لأن الحامل للإهداء إلى هؤلاء معنى خاص فيهم، هو إكرام العلم أو الصلاح الذي اتصفوا به، ولأن هؤلاء لا يرجى منهم جاه ولا عون على خصم (2) ولا يطلب منهم الحكم بإبطال حق، أو إحقاق باطل؛ لعدم أهلية الإلزام فيهم؛ فليس لهم أمر في الحكم في خصومة، أو سلطة في تنفيذ حكم، أو قهر وتسلط على من دونهم، أو في تقدير المقدرات

(1) رد المحتار 5/ 373 ومغني المحتاج 4/ 393 وكشاف القناع 6/ 301، 317 وينظر: شرح كتاب السير الكبير 4/ 1239 وشرح النووي على صحيح مسلم 12/ 219 ومواهب الجليل 6/ 121 وجريمة الرشوة في الشريعة الإسلامية ص74، 75.

(2)

الشرح الكبير 4/ 140.

ص: 70

من زكاة وأرش جناية (1).

فإن كانت الهدية للمفتي ونحوه ليست على وجه الإكرام، وإنما لجاه الوظيفة، أو لحثهم على القيام بعملهم، أو لتحقيق شيء منهي عنه، حالاً أو مستقبلاً، فإنها تدخل في الهدايا المنهي عنها، فإن علم المهدي إليه بهذا القصد، لم يجز له قبولها (2).

تنبيه: الهدية للمفتي والواعظ والمعلم في المسجد الموظفين من قبل ولي الأمر أو غيره

من وظفته الدولة أو غيرها من المفتين والواعظين والمعلمين الذين ليس لهم علاقة بدرجات الطلاب ونجاحهم كالمدرسين في الحرمين الشريفين ونحوهما من المساجد، لا يشملهم النهي عن الهدايا في حديث:«من استعملناه» (3)؛ لأن العلماء أطلقوا إباحة الإهداء إلى هؤلاء، دون تقييده بمن لم توظفه الدولة (4) ولأن العلة في منع الإهداء للموظف؛ ذات الوظيفة، وخشية التهمة بالرشوة، وهؤلاء يهدي إليهم ليس لذلك كما تقدم في

(1) رد المحتار 5/ 373 ومغني المحتاج 4/ 393.

(2)

رد المحتار 5/ 373 ومواهب الجليل 6/ 121 وإعلام الموقعين 4/ 232.

(3)

جزء من حديث صحيح تقدم تخريجه.

(4)

ينظر: رد المحتار 5/ 373 ومغني المحتاج 4/ 393.

ص: 71

الدليل للهدية الحادية عشرة. والله تعالى أعلم.

فإن عملوا أن هذه الهدايا إنما هي لإكرامهم؛ إجلالاً للعلم والصلاح، فالأفضل لهم قبولها (1)؛ لأن باذلها يتقرب بها إلى الله تعالى، وفي قبولها تعاون على البر والتقوى. أما إن علموا أنها ليست لذلك وإنما مقابل ما يحصل منهم من عمل، فالأفضل لهم عدم قبولها؛ وذلك لتكون أعمالهم خالصة لوجه الله تعالى، ولدفع الريبة عن أعراضهم وكسبهم. والله تعالى أعلم.

الهدية الثانية عشرة: ضيافة الموظف المسافر المجتاز في بلد وظيفته، ممن لا حاجة له عند الموظف تتعلق بوظيفته، أو كان الموظف قد أنهى حاجة مضيفه.

هذه الضيافة: يجوز بذلها، وقبولها (2).

ويمكن الاستدلال لهذه: الضيوف يستوون في هذه الضيافة، فليس فيها مجازاة للموظف على حاجة للمضيف قضاها بجهة وظيفته، ولانتفاء الاتهام بالرشوة؛ لكون هذه الضيافة إما لعدم الحاجة في وظيفة العامل، أو بعد إنهائها.

(1) حاشية رد المحتار 5/ 373 ونهاية المحتاج 8/ 243، 244 ومغني المحتاج 4/ 393.

(2)

الحاوي الكبير 16/ 287.

ص: 72

الهدية الثالثة عشرة: نزول الموظف المسافر ضيفًا في غير بلده

يباح للموظف قبول هذه الضيافة إن كان عابر سبيل في هذه البلدة، ويكره إن كان مقيمًا فيها (1).

ويمكن الاستدلال لهذا: إباحتها إن كان الموظف عابرًا؛ بانتفاء التهمة بالرشوة؛ لأنه صار في حق الضيافة كسائر المسلمين العابرين، فلا منة فيها، ولا سبيل بها للتهمة بالرشوة؛ من وجود الحاجة أو بلد الوظيفة.

أما كراهيتها للمقيم؛ فلعدم الأحقية له في الضيافة حينئذ، ولخشية حدوث حاجة للمضيف تتعلق بالوظيفة.

الهدية الرابعة عشرة: الهدية للموظف من غير أهل بلد الوظيفة، ويرسلها المهدي إلى بلد الوظيفة، وليس للمهدي حاجة عند الموظف تتعلق بالوظيفة.

للشافعية ي قبول الموظف هذه الهدية وجهان:

أوجههما: الحرمة (2).

ويمكن الاستدلال لها: أنه يخشى أن تحدث حاجة

(1) المصدر نفسه.

(2)

نهاية المحتاج 8/ 243.

ص: 73

للمهدي، فتكون هذه الهدية من الرشوة.

الوجه الثاني: يجوز قبولها، والأولى عدم قبولها (1).

وهذا هو الأرجح؛ لأن الأصل في الهدية الإباحة، وليست هذه من الهدايا الممنوع منها الموظف؛ خشية التهمة بالرشوة، أو المجازاة على عمل واجب. والله تعالى أعلم.

الهدية الخامسة عشرة: الهدية للموظف في غير بلد الوظيفة، من أهل بلده أو غيرهم.

هذه الهدية: يباح للموظف قبولها ما لم يشعر أنها مقدمة لحاجة في وظيفته (2).

وذلك؛ لدخولها في عموم إباحة الهدية، وعدم ما يمنعها.

لكن تنزهه عنها، أولى (3)؛ خشية أن تكون لأجل الوظيفة، وهي مما لا يجوز التكسب بها.

أما إن شعر أنها قدمت لحاجة في وظيفته، فيحرم عليه قبولها؛ كما تقدم.

(1) ينظر: فتح القدير 7/ 271.

(2)

الحاوي الكبير 16/ 286 ونهاية المحتاج 8/ 243.

(3)

الحاوي الكبير 16/ 286، 287.

ص: 74

الهدية السادسة عشرة: الهدية للموظف من زميله في عمله الذي تعرف عليه فيه، أو مُراجع في العمل صارت بينهما صداقة؛ لكثرة مراجعته.

تحصل أحيانًا ألفة بين موظف وزميله في العمل، أو بينه وبين مراجع له، وذلك لحسن التعامل المباح بينهما، فيبذل الزميل أو المراجع هدية لهذا الموظف؛ تحببًا وتوددًا إليه وإكرامًا له، لا بقصد الوظيفة، وليس للمهدي عند الموظف حاجة تتعلق بالوظيفة.

وهذه الهدية: أرجو أن يكون بذلها وقبولها مباحين (1).

وذلك؛ لعدم التهمة فيها بالرشوة، ولأن هذا الموظف لو ترك وظيفته، لن تذهب صداقته مع هذين الصديقين، ولأن حسن تعامل الموظف، خُلقٌ له - ومن لوازمه الأمانة في العمل - وكسبه الهدية كان بخلقه لا بالوظيفة، ولو كان بالوظيفة لأهدي لغيره من الموظفين الذين لا يحسنون التعامل مع الآخرين ولا إحداث الصداقة معهم. والله تعالى أعلم.

(1) ينظر: إحياء علوم الدين 2/ 153.

ص: 75