الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأخرج الرشوة، فهي: بشرط عوض محرم من إبطال حق، أو إحقاق باطل.
وأخرج الغلول، وهو: الخيانة في المال: ومنها الهدية للعامل المنهي عنها (1).
المبحث الثاني: بذل الهدية وقبولها والمكافأة عليها
الهدية مندوب إلى بذلها؛ فقد أمر بها الشارع الحكيم وحث عليها (2) وإن كانت قليلة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها، ولو فرسن شاة» (3).
وجاء في فضل الهدية نصوص كثيرة، منها: عن أبي هريرة
(1) ينظر: إحياء علوم الدين 2/ 152 - 154 وفتاوى السبكي 1/ 214 وفتح الباري 5/ 197، 210 والمغني 8/ 250 والنهاية في غريب الحديث 3/ 380.
(2)
المغني 8/ 240.
(3)
البخاري: 2566. والفرسن - بكسر الفاء وفتح السين -: عُظيم قليل اللحم، وهو للبعير: موضع الحافر. ويطلق على الشاة، مجازًا، وجمعه فراسن. المصباح المنير ص468 وفتح الباري 5/ 198.
رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تهادوا تحابوا» (1).
ودل الإجماع على استحبابها (2).
ولما يترتب عليها من الآثار والمعاني الاجتماعية الحسنة؛ فهي تئول إلى التوسعة على الآخذ، ونفي الشح عن نفس الباذل (3) وهي وسيلة للإكرام والإجلال كالهدية للوالد والعالم، وللتلطف والتودد كالهدية للزوج والقريب والصديق والجار، وللمكافأة على فعل معروف أو دفع ضر ممن لا يجبان عليه بعمل في ولاية لسلطان ونحوه (4).
وكل هذه الأمور حث عليها الإسلام، ومن مقاصده العظام، وطرقه القويمة في تأليف المجتمع الذي امتن الله سبحانه عليه بالألفة؛ في قوله تعالى: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ
(1) البخاري في الأدب المفرد: 594، وقال ابن حجر: إسناده صحيح. التلخيص الحبير 3/ 1047.
(2)
مغني المحتاج 2/ 396.
(3)
كشاف القناع 4/ 299.
(4)
ينظر: إحياء علوم الدين 2/ 153 والتعيين وأثره في العقود المالية ص399، 401، 415 وجريمة الرشوة في الشريعة الإسلامية ص68 - 75.
بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 63].
والهدية وسيلة للتآلف؛ لأنها تجلب المحبة بين المتهادين، وتؤلف بينهم إذا تنافروا (1) والمحبة بين المسلمين وعدم تنافرهم، طريقان لأمنهم وسعادتهم في الدنيا، وفوزهم بالجنة في الآخرة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم» (2) فإذا كانت الهدية بالسلام تفعل هذا، وهي مجرد كلام، فكذا الهدية بالمال تفعل مثله أو أكثر!
وقبول الهدية فيه إدخال للسرور على باذلها؛:
* قال الخطابي: «قبول النبي صلى الله عليه وسلم الهدية، نوع من الكرم، وباب من حسن الخلق؛ يتألف به القلوب
…
وكان أكل الهدية شعارًا له صلى الله عليه وسلم وأمارة من أماراته، ووصف صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة: بأنه يقبل الهدية» (3).
(1) ينظر: تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية ص/55 - 99.
(2)
مسلم: 54.
(3)
معالم السنن 3/ 168.
فيستحب قبولها؛ ويكره ردها؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: «لا تردوا الهدية» (1).
وتمتلك ويباح التصرف فيها؛ قال الله تعالى: {وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4].
ففي الآية دلالة على إباحة قبول الهدية؛ لأن الله تعالى أمر الزوج بأكل ما طابت به نفس امرأته مما أعطته من مهرها، ووصفه بأنه هنيئًا مريئًا (2) وهو منها لزوجها هدية. وهذان: الأمر والوصف، من أقوى الأدلة على إباحة قبول الهدية.
ويكره قبول الهدية إذا ترتب عليها ما يناقض القصد الذي شرعت له؛ لأن المقاصد في العقود معتبرة (3).
ويجب ردها إن علم أنها بذلت بغير طيب نفس؛ لما روى أنس رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا
(1) مسند أحمد بن حنبل: 8383. وصححه الألباني. إرواء الغليل 6/ 59.
(2)
ينظر: تحقيق القضية في الفرق بين الرشوة والهدية ص55 - 99.
(3)
ينظر: فتح الباري 5/ 203، 221 والنية وأثرها في الأحكام الشرعية 2/ 262 والقواعد ص348.
بطيب نفسه» (1) أو كانت مما لا يحل للمهدي أخذه (2).
ويباح ردها إن كان باذلها منانًا؛ دفعًا للمنة.
وتستحب المكافأة على الهدية (3) ولو بأقل منها؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية، ويثيب عليها» (4) وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أهدى إليكم فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتى ترون أن قد كافأتموه» (5).
والأفضل أن تكون المكافأة على الهدية بأعلى منها وإلا فبمثلها (6)؛ وصدق الله العظيم: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [النساء: 86].
(1) مسند أحمد بن حنبل: 20971 والدارقطني 3/ 26. وصححه الألباني إرواء الغليل 5/ 279.
(2)
فتح الباري 5/ 221 والفتاوى الكبرى الفقهية 4/ 310 ومنار السبيل إلى شرح الدليل 2/ 25.
(3)
ينظر: معالم السنن 3/ 168 وذكر قولاً: بوجوب المكافأة.
(4)
البخاري: 2585.
(5)
الحاكم 1/ 412 وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي.
(6)
ينظر: فتح الباري 5/ 210.