الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باب
النفخ في الصور
وقال تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا} .
وقال تعالى: {يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا} .
وقال تعالى: {وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} .
وقال تعالى: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ} .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: " (الناقور) : الصور".
ذكره البخاري في صحيحه. ورواه: ابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه. وهكذا قال: مجاهد، والشعبي، وزيد بن أسلم، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي، وابن زيد.
وقال تعالى: {يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ} .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "الراجفة: النفخة الأولى، والرادفة:
النفخة الثانية".
ذكره البخاري في "صحيحه". ورواه: ابن جرير. وابن أبي حاتم، وابن المنذر. وهكذا قال: مجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك، وغير واحد.
قال ابن جرير في قوله تعالى: {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ} : "لعله اسم للنفخة في الصور".
وقال البغوي في قوله: {فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ} : "يعني: صيحة القيامة، سميت بذلك لأنها تصخ الأسماع؛ أي: تبالغ في إسماعها حتى تكاد تصمها". انتهى.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي.
قال الجوهري: " (الليت) ؛ بالكسر: صفحة العنق، وهما ليتان". وقال ابن منظور في "لسان العرب": "وفي الحديث: «ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا» ؛ أي: أمال صفحة عنقه". انتهى.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في طائفة من أصحابه، فقال: «إن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض؛ خلق الصور، فأعطاه إسرافيل؛ فهو واضعه على فيه، شاخصا ببصره إلى العرش، ينتظر متى يؤمر". قلت: يا رسول الله! وما الصور؟ قال: "قرن". قلت: كيف هو؟ قال: "عظيم، والذي بعثني بالحق؛ إن عظم دارة فيه كعرض السماوات والأرض؛ ينفخ فيه ثلاث نفخات: النفخة الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين؛ يأمر الله تعالى إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول: انفخ! فينفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيمدها ويطيلها ولا يفتر، وهي التي يقول الله:{وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ}
…
(الحديث بطوله، وفيه:) ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، فيصعق أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله» .
رواه: ابن جرير، وأبو يعلى، والطبراني، والبيهقي، وغيرهم.
وهو معروف بحديث الصور، وسيأتي الكلام فيه بعد ذكر كلام أبي عبية
فيه إن شاء الله تعالى.
وعن أبي هريرة أيضا رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن طرف صاحب الصور مذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه كأن عينيه كوكبان دريان» .
رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه":"على شرط مسلم ".
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ} ؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ؟! ". فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف نقول؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» .
رواه: الإمام أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني. قال ابن كثير:"هو حديث جيد". وقال الهيثمي: "فيه عطية العوفي، وهو ضعيف، وفيه توثيق لين".
قلت: قد حسن الترمذي حديثه كما سيأتي.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث عطية عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ} ؛ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى بسمعه متى يؤمر؟! ". قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف نقول يا رسول الله؟ قال: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا» .
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنعم وصاحب الصور قد التقم القرن وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر أن»
رواه ابن حبان في "صحيحه" من حيدث الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد. ورواه: الإمام أحمد، والترمذي؛ من حديث عطية العوفي عن أبي سعيد. وقال الترمذي:"هذا حديث حسن". قال: "وقد روي من غير وجه هذا الحديث عن عطية عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه". وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من حديث أبي صالح عن أبي سعيد، ولكن في إسناده أبو يحيى التيمي؛ قال الذهبي:"واهٍ".
وعن زيد بن أرقم رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وأصغى السمع متى يؤمر؟! ". قال: فسمع ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشق عليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل» .
رواه: الإمام أحمد، والطبراني. قال الهيثمي:"رجاله وثقوا على ضعف فيهم".
وعن أبي مرية عن النبي صلى الله عليه وسلم (أو عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قال: «النفاخان في السماء الثانية، رأس أحدهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب (أو قال: رأس أحدهما بالمغرب ورجلاه بالمشرق) ، ينتظران متى يؤمران ينفخان في الصور فينفخان» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "رواه أحمد على شك: فإن كان عن أبي مرية؛ فهو مرسل، ورجاله ثقات، وإن كان عن عبد الله بن عمرو؛ فهو متصل مسند، ورجاله ثقات". وقال المنذري: "رواه أحمد بإسناد جيد هكذا على الشك في إرساله أو اتصاله".
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ملكان موكلان بالصور ينتظران متى يؤمران فينفخان» .
رواه: ابن ماجه، والبزار، والحاكم، وفي إسناد ابن ماجه حجاج بن أرطاة وعطية العوفي، وكلاهما ضعيف، وفي إسناد البزار والحاكم خارجة بن مصعب الخراساني، وهو ضعيف".
رواه الطبراني في "الأوسط". قال المنذري والهيثمي: "إسناده حسن".
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ قال: "يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، والصور قرن، فلا يبقى خلق في السماوات والأرض إلا مات؛ إلا من شاء ربك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من بني آدم أحد إلا في الأرض منه شيء". قال: "فيرسل الله ماء من تحت العرش كمني الرجال، فتنبت لحمانهم وجثمانهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى"، ثم قرأ عبد الله:{وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} .
قال: "ثم يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فتنطلق كل نفس إلى
جسدها، حتى تدخل فيه، ثم يقومون، فيحيون حياة رجل واحد قياما لرب العالمين......" الحديث.
رواه: الطبراني، والحاكم في "مستدركه"، وقال:"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما؛ قال: «قال أعرابي: يا رسول الله! ما الصور؟ قال: "قرن ينفخ فيه» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم. وقال الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقد رواه ابن حبان في "صحيحه"، فقال:"عن عبد الله "، ولم يقل:" ابن عمرو ".
وعن مجاهد: أنه قال: "الصور كهيئة البوق".
ذكره البخاري في "صحيحه". ورواه عبد بن حميد بإسناده عن مجاهد: أنه قال: "الصور شيء كهيئة البوق".
وعن أوس بن أبي أوس رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة؛ فيه خلق آدم، وفيه قبض، وفيه نفخة الصور، وفيه الصعقة؛ فأكثروا علي من الصلاة فيه؛ فإن صلاتكم معروضة علي". قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟! فقال: "إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والدارمي، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وهذا لفظه، وقال:"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
فصل
وقد أنكر أبو عبية النفخ في الصور، فقال في تعليقه على "النهاية" لابن كثير في (ص243) ما نصه:
"القرن والصور والناقور معناها واحد، وهو البوق، والنفخ في الصور كناية عن إعلان البعث إلى الحياة الثانية، وليس ثمة نقر ولا نفخ، وإنما أريد من ذكر الصور والناقور تمثيل المعنى وتقريبه إلى الأذهان حتى يستقر فيها ولا يغيب عنها؛ لأن إعلان الناس بالحرب يكون عادة بالبوق، ولكون الحروب مملوءة بالأهوال، ولكون يوم القيامة مملوءا بأشد الشدائد وأثقلها؛ ناسب أن تصور الدعوة إلى البعث بالدعوة إلى الحرب، وهذا رأي فريق من علماء المسلمين".
وقال أبو عبية أيضا في (ص244) تعليقا على أحاديث النفخ في الصور: "هذه الكلمات ليس عليها رواء النبوة ولا نورها، ولهذا؛ فهي مردودة".
والجواب أن يقال: قد تظاهرت النصوص من الكتاب والسنة على إثبات النفخ في الصور، وقد تقدم ذكرها في هذا الباب، ومنها النص في سورة النمل على نفخة الفزع، والنص في سورة الزمر على نفخة الصعق ونفخة القيام من القبور، والنص في سورة المدثر على النقر في الناقور، ونص النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الذي رواه مسلم وغيره على نفخة الصعق ونفخة القيام من القبور، وهذا مما يجب الإيمان به، ومن أنكر شيئا من ذلك أو شك فيه؛ فليس بمؤمن.
وقد ذكر الفقهاء في (باب المرتد) أن من جحد آية من كتاب الله تعالى؛ فهو مرتد.
وقال القرطبي: "والقرآن الذي جمعه عثمان رضي الله عنه بموافقة
الصحابة له لو أنكر بعضه منكر؛ كان كافرا، حكمه حكم المرتد؛ يستتاب، فإن تاب، وإلا؛ ضربت عنقه". انتهى.
وقال القاضي عياض في كتابه "الشفاء": "اعلم أن من استخف بالقرآن أو المصحف أو بشيء منه أو سبهما أو جحده أو حرفا أو آية أو كذب به أو بشيء مما صرح به فيه من حكم أو خبر أو أثبت ما نفاه أو نفى ما أثبته على علم منه بذلك أو شك في شيء من ذلك؛ فهو كافر عند أهل العلم بإجماع، قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} ". انتهى.
ولا يخفى على من له أدنى علم ومعرفة أن أبا عبية داخل في حكم الإجماع الذي ذكره القاضي عياض؛ لأنه قد صرح بنفي ما أثبته الله تعالى في كتابه من النقر في الناقور والنفخ في الصور، فينبغي له أن يبادر إلى الخروج من المأزق الذي أدخل نفسه فيه.
وأما قوله: "وهذا رأي فريق من علماء المسلمين".
فجوابه أن يقال: حاشا وكلا؛ فلا يظن بأحد من علماء المسلمين أن يقول بهذا القول الباطل المعارض لنصوص القرآن والسنة، ومن قال بهذا القول الباطل؛ فليس من علماء المسلمين، وإنما هو من علماء أهل الزيغ والضلال، ومن أتباع الفريق الذين قال الله تعالى فيهم:{أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} .
وأما قوله في أحاديث النفخ في الصور: "إن هذه الكلمات ليس عليها رواء النبوة ولا نورها، ولهذا؛ فهي مردودة".
فحوابه أن يقال: إن أحاديث النفخ في الصور أكثرها صحيح، ورواء النبوة ونورها ظاهر عليها كما لا يخفى على من نور الله قلبه بنور العلم والإيمان،
وقليل منها في أسانيدها ضعف، وهي تتقوى بالأحاديث الصحيحة، وكلها توافقها نصوص القرآن على إثبات النفخ في الصور، وفيها مع نصوص القرآن أبلغ رد على من نفى النفخ في الصور؛ كأبي عبية ومن نحا نحوه في معارضة النصوص وردها بغير حجة.
فصل
وقد قدح أبو عبية في حديث الصور الطويل الذي تقدم ذكر جملة من أوله.
فقال في (ص252) من "النهاية" لابن كثير ما نصه: "هذا الحديث بطوله وتفصيله وأسلوبه بعيد أن يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبخاصة أنه تضمن مقاطع من القول أسقطناها؛ لبعدها عن أدب الدين وخلق الرسول عليه السلام، وليس يشفع له ولا يغري بقبوله كثرة رواته ولا تعدد طرقه".
وقال في (ص253) : "على رغم ثبوت أسانيد مفرقاته (يعني: حديث الصور) ؛ فإن بعض هذه المفرقات تنفي نفسها عن أن تكون صحيحة النسبة إلى لسان رسول الله عليه أفضل الصلوات.
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: من تأمل كلام أبي عبية على "النهاية"؛ عرف أنه من أبعد الناس عن معرفة الأحاديث، وأنه إنما يعلق عليها بما يوافق عقله ورأيه، ومن كان هكذا، وكان كلامه في الأحاديث بغير علم؛ فكلامه مردود عليه، ولا يلتفت إلى شيء منه.
يوضح ذلك الوجه الثاني: وهو أن أبا عبية قد تصرف في حديث الصور، فحذف جملة منه، زاعما أنها بعيدة عن أدب الدين وخلق الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد
أخطأ خطأ كبيرا في تصرفه في الحديث وحذفه منه ما لا يوافق عقله ورأيه، والجملة التي حذفها وقال عنها ما قال هي قوله في الحديث مخبرا عن الحوراء وزوجها:"لا يأتيها من مرة إلا وجدها عذراء؛ ما يفتر ذكره، ولا تشتكي قبلها؛ إلا أنه لا مني ولا منية"، وليس في هذه الجملة ما يخالف أدب الدين وخلق الرسول صلى الله عليه وسلم كما قد توهم ذلك من قل نصيبه من العلم النافع.
وقد قال الله تعالى: {فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} .
قال ابن جرير: "يقول: لم يمسهن إنس قبل هؤلاء الذي وصف جل ثناؤه صفتهم، وهم الذين قال فيهم: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} ، ولا جان؛ يقال منه: ما طمث هذا البعير حبل قط؛ أي: ما مسه حبل. وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من الكوفيين يقول: الطمث هو النكاح بالتدمية، ويقول: الطمث هو الدم، ويقول: طمثها: إذا دماها بالنكاح، وإنما عنى في هذا الموضع أنه لم يجامعهن إنس قبلهم ولا جان. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل". ثم روى عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} ؛ يقول: "لم يدمهن إنس ولا جان"، وعن عكرمة؛ قال:"الطمث: هو الجماع". وعن ابن زيد؛ قال: "لم يمسهن شيء إنس ولا غيره".
وعن مجاهد؛ قال: "لم يمسهن". انتهى.
وقال السيوطي في "الدر المنثور": "أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن سعيد بن جبير: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ} ؛ قال: "لم يطأهن". وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عكرمة: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ} ؛ قال: "لم يجامعهن".
وقال البغوي: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ} : لم يجامعهن، ولم يفترعهن، وأصله من الدم؛ قيل للحائض: طامث؛ كأنه قال: لم يدمهن بالجماع". انتهى.
وقال الراغب الأصفهاني: " (الطمث) : دم الحيض والافتضاض والطامث: الحائض، وطمث المرأة إذا افتضها، قال: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ} ، ومنه استعير: ما طمث هذه الروضة أحد قبلنا؛ أي: ما افتضها، وما طمث الناقة جمل". انتهى.
وقال ابن الأثير في "النهاية": "يقال: طمثت المرأة تطمث طمثا إذا حاضت فهي طامث، وطمثت إذا دميت بالافتضاض، والطمث الدم والنكاح". انتهى.
وهذه الآية من سورة الرحمن توافق الجملة التي حذفها أبو عبية من حديث الصور، وفيها أبلغ رد عليه.
وقال الله تعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ} .
قال ابن كثير في "تفسيره": "قال عبد الله بن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وسعيد بن المسيب وعكرمة والحسن وقتادة والأعمش وسليمان التيمي والأوزاعي في قوله تبارك وتعالى: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} ؛ قالوا: شغلهم افتضاض الأبكار". انتهى.
وقال ابن جرير في "تفسيره": "حدثنا يعقوب عن حفص بن حميد عن شمر بن عطية عن شقيق بن سلمة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} ؛ قال: شغلهم افتضاض العذارة. إسناده حسن".
وقال أيضا: "حدثنا ابن عبد الأعلى؛ قال: حدثنا المعتمر عن أبيه عن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} ؛ قال: افتضاض الأبكار. إسناده صحيح".
وقال أيضا: "حدثنا عبيد بن أسباط بن محمد؛ قال: حدثنا أبي عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} ؛ قال: افتضاض الأبكار. إسناده جيد".
وقال أيضا: "حدثنا الحسين بن علي الصدائي؛ قال: حدثنا أبو النضر عن الأشجعي عن وائل بن داود عن سعيد بن المسيب في قوله: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} ؛ قال: في افتضاض العذارى. إسناده جيد".
وقال السيوطي في "الدر المنثور": "أخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما: {فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} ؛ قال: في افتضاض الأبكار. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وعبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" وابن جرير وابن المنذر عن ابن مسعود رضي الله عنه في قوله: {إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ} ؛ قال: شغلهم افتضاض العذارى. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وقتادة مثله. وأخرج عبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد" عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: إن المؤمن كلما أراد زوجة؛ وجدها عذراء. وأخرج البزار والطبراني في "الصغير" وأبو الشيخ في "العظمة" عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم؛ عادوا أبكارا» . قال الهيثمي في "مجمع الزوائد": فيه معلى بن عبد الرحمن الواسطي وهو كذاب".
قلت: وسيأتي حديث أبي هريرة الذي رواه ابن حبان في "صحيحه"، وهو يشهد لهذا الحديث ويقويه.
وهذه الآية من سورة يس مع تفسير ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما وغيرهما من أكابر السلف توافق الجملة التي حذفها أبو عبية من حديث
الصور، وفيها مع أقوال المفسرين أبلغ رد عليه.
وقد جاء ذكر جماع أهل الجنة لنسائهم في عدة أحاديث.
منها حديث أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع". قيل: يا رسول الله! أويطيق ذلك؟ قال: "يعطى قوة مائة» .
رواه: أبو داود الطيالسي، والترمذي من طريقه، وابن حبان في "صحيحه"، وقال الترمذي:"هذا حديث صحيح غريب". قال: "وفي الباب عن زيد بن أرقم ". وترجم عليه الترمذي بقوله: "باب ما جاء في صفة جماع أهل الجنة".
ومنها حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه؛ قال «جاء رجل من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا أبا القاسم! تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون؟ قال: "نعم؛ والذي نفسي بيده؛ إن الرجل ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع» .
رواه: الإمام أحمد، والدارمي، والبزار، والطبراني. قال الهيثمي:"ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح؛ غير ثمامة بن عقبة، وهو ثقة".
ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: «قيل: يا رسول الله! هل نصل (وفي رواية: هل نفضي إلى نسائنا) ؟ فقال: " والذي نفسي بيده؛ إن الرجل ليفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء» .
رواه الطبراني. قال الحافظ الضياء المقدسي: "وهذا عندي على شرط الصحيح"، نقله عنه الحافظ ابن كثير في "النهاية".
ومنها حيدث ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: «قيل: يا رسول الله!»
رواه: أبو يعلى. قال الهيثمي: "وفيه زيد بن أبي الحواري، وقد وثق على ضعف، وبقية رجاله ثقات".
ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم: هل يمس أهل الجنة أزواجهم؟ قال: "نعم؛ بذكر لا يمل، وفرج لا يحفى، وشهوة لا تنقطع» .
رواه البزار.
وفي رواية عنده وعند الطبراني في "الأوسط" و"الصغير"؛ قال: «قيل: يا رسول الله! أنفضي إلى نسائنا في الجنة؟ فقال: "إي والذي نفسي بيده؛ إن الرجل ليفضي في اليوم الواحد إلى مائة عذراء» .
قال الهيثمي: "ورجال هذه الرواية الثانية رجال الصحيح؛ غير محمد بن ثواب، وهو ثقة، وفي الرواية الأولى عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، وهو ضعيف بغير كذب، وبقية رجالها ثقات".
ومنها حديث أبي هريرة أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنه قيل له: أنطأ في الجنة؟ قال: "نعم؛ والذي نفسي بيده؛ دحما دحما، فإذا قام عنها؛ رجعت مطهرة بكرا» .
رواه ابن حبان في "صحيحه".
ومنها حديث أبي أمامة رضي الله عنه؛ قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أيجامع أهل الجنة؟ قال: "نعم؛ دحما دحما، ولكن لا مني ولا منية» .
رواه الطبراني.
وفي رواية: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيتناكح أهل الجنة؟ قال: "نعم؛ بذكر لا يمل، وشهوة لا تنقطع؛ دحما دحما» .
وفي رواية: «هل ينكح أهل الجنة؟ قال: "نعم، ويأكلون ويشربون» .
قال الهيثمي: "رواها كلها الطبراني بأسانيد، ورجال بعضها وثقوا على ضعف في بعضهم".
قوله: (دحما) : قال ابن الأثير: "هو النكاح والوطء بدفع وإزعاج". انتهى.
ومنها حديث أبي رزين لقيط بن عامر العقيلي رضي الله عنه؛ قال: «قلت: يا رسول الله! علام نطلع من الجنة؟ قال: "على أنهار من عسل مصفى، وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وماء غير آسن، وفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون، وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة". قال: قلت: يا رسول الله! أولنا فيها أزواج أو منهن مصلحات؟ قال: "الصالحات للصالحين، تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا، ويلذونكم؛ غير أن لا توالد» .
رواه: عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد المسند" وفي كتاب "السنة"، والطبراني، والحاكم، وغيرهم.
وهذه الأحاديث توافق الجملة التي حذفها أبو عبية من حديث الصور، وفيها أبلغ رد عليه.
الوجه الثالث: أنه ليس في رواة حديث الصور كذاب ولا وضاع ولا من أجمع العلماء على ضعفه، وحيث لم يكن في رواته أحد من هؤلاء؛ فمن أكبر الخطأ قول أبي عبية فيه: إنه بعيد أن يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم!
الوجه الرابع: أن جماعة من أكابر المحدثين رووا هذا الحديث كما سيأتي ذكره في كلام ابن كثير، ولم يقل أحد منهم: إنه بعيد أن يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان فيه ما يقتضي الرد لردوه.
الوجه الخامس: أن أكثر ما قيل في هذا الحديث أنه غريب جدا، وأن في بعض ألفاظه نكارة، وأن في إسناده من تكلم فيه، وهذا لا يقتضي رده بالكلية، ولا أن يقال فيه: إنه بعيد أن يصدر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
الوجه السادس: قال الحافظ ابن كثير بعد أن ساق حديث الصور في "تفسيره" من رواية الطبراني: "هذا حديث مشهور، وهو غريب جدا، ولبعضه شواهد في الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة".
وساقة أيضا في "النهاية" من رواية أبي يعلى الموصلي، ثم قال:"هذا حديث مشهور، رواه جماعة من الأئمة في كتبهم؛ كابن جرير في "تفسيره"، والطبراني في "المطولات"، وغيرها، والحافظ البيهقي في "كتاب البعث والنشور"، والحافظ أبى موسى المديني في "المطولات" أيضا من طرق متعددة عن إسماعيل بن رافع قاص أهل المدينة، وقد تكلم فيه بسببه، وفي بعض سياقاته نكارة واختلاف".
قال: " وإسماعيل بن رافع المدني ليس من الوضاعين، وكأنه جمع هذا الحديث من طرق وأماكن متفرقة، فجمعه وساقه سياقة واحدة، فكان يقص به على أهل المدينة، وقد حضره جماعة من أعيان الناس في عصره، ورواه عنه جماعة من الكبار؛ كأبي عاصم النبيل، والوليد بن مسلم، ومكي بن إبراهيم، ومحمد بن شعيب بن شابور، وعبدة بن سليمان، وغيرهم".
قال: "وقال شيخنا الحافظ المزي: وقد رواه عن إسماعيل بن رافع الوليد بن سليمان، وله عليه مصنف بين شواهده من الأحاديث الصحيحة. وقال
الحافظ أبو موسى المديني بعد إيراده له بتمامه: وهذا الحديث وإن كان فيه نكارة وفي إسناده من تكلم فيه؛ فعامة ما فيه يروى مفرقا من أسانيد ثابتة". انتهى. باختصار.
وأما قوله: "وعلى رغم ثبوت أسانيد مفرقاته (يعني: حديث الصور) ؛ فإن بعض هذه المفرقات تنفي نفسها عن أن تكون صحيحة النسبة إلى لسان رسول الله عليه أفضل الصلوات".
فجوابه أن يقال: لا يخفى ما في كلام أبي عبية من المكابرة والجراءة على رد الأحاديث الثابتة التي تشهد لحديث الصور وتقويه، وفي مكابرته وجراءته على ردها دليل على استهانته بالأحاديث الثابتة وقلة مبالاته بها، ومن كان هكذا؛ فهو على شفا هلكة.
ويقال أيضا: كل حديث ثبت إسناده؛ فنسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحيحة، ويجب على كل مسلم قبوله: لقول الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ، ولا يجوز رده؛ لقول الله تعالى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} .
قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "كل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم إسناد جيد؛ أقررنا به، وإذا لم نقر بما جاء به الرسول ودفعناه ورددناه؛ رددنا على الله أمره، قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} ".
وقال الموفق أبو محمد المقدسي في كتابه "لمعة الاعتقاد": "ويجب الإيمان بكل ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وصح به النقل عنه فيما شهدناه أو غاب عنا؛ نعلم أنه حق وصدق، وسواء في ذلك ما عقلناه وجهلناه ولم نطلع على حقيقة معناه؛ مثل حديث الإسراء والمعراج، ومن ذلك أشراط الساعة؛ مثل:
خروج الدجال ونزول عيسى ابن مريم عليه السلام، فيقتله، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها
…
وأشباه ذلك مما صح به النقل". انتهى.
فصل
وقد اختلفت أقوال العصريين في قيام الساعة؛ فبعضهم صرح بإنكار النفخ في الصور؛ كما تقدم عن أبي عبية، وهذا القول كفر لا شك فيه؛ لما فيه من تكذيب ما أخبر الله به في آيات كثيرة من كتابه، وتكذيب ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
وقد تقدم ذكر النصوص من القرآن والسنة على أن قيام الساعة إنما يكون بالنفخ في الصور وهي حجة على كل مبطل.
فصل
وسلك محمد عبده ومن وافقه مسلكا في قيام الساعة، فزعم أن قيامها يكون بتصادم كوكبين في حال سيرهما.
قال في تفسيره لسورة الانشقاق: "وانشقاق السماء مثل انفطارها، وهو فساد تركيبها واختلال نظامها عندما يريد الله خراب هذا العالم الذي نحن فيه، وهو يكون بحادثة من الحوادث التي قد ينجر إليها سير العالم؛ كأن يمر كوكب في سيره بالقرب من آخر فيتجاذبا فيتصادما، فيضطرب نظام الشمس بأسره، ويحدث من ذلك غمام، وأي غمام، يظهر في مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع، فتكون السماء قد تشققت بالغمام واختل نظامها حال ظهوره" انتهى كلامه.
والجواب أن يقال: هذا من القول في كتاب الله بغير علم، ومن تفسير القرآن بالرأي الفاسد، وهو من جنس ما تقدم عن أبي عبية؛ لأنه يتضمن إنكار النفخ في الصور.
وقد قال الشيخ محمد بن يوسف الكافي التونسي في كتابه "المسائل الكافية في بيان وجوب صدق خبر رب البرية) في الرد على محمد عبده: "واستفدنا من كلامه أن هلاك هذا الكون وانفطار السماء وانشقاقها وظهور الغمام يكون بتصادم كوكبين في حال سيرهما وغير ذلك من المعاني المخترعة التي لم يسبق إليها أحد من المسلمين غيره؛ فهو لا يؤمن بما آمن به المؤمنون من أن اختلال العالم وهلاكه يكون بنفخ إسرافيل في الصور الذي أخبر الله به في كتابه العزيز وأخبر به أيضا رسول الله صلى الله عليه وسلم في صحيح الأحاديث واجتمعت الأمة على ذلك؛ فهو من المعلوم من الدين بالضرورة؛ فمنكره يكفر". انتهى.
فصل
وسلك أحمد بن محمد بن الصديق الغماري في كتابه "مطابقة الاختراعات العصرية لما أخبر به سيد البرية" مسلكا آخر في قيام الساعة، فزعم أن قيامها يكون بسبب القنابل الذرية والهيدروجينية.
قال في كتابه المذكور: "ومن تلك القنابل التي تلقيها الطائرات للعذاب ما ظهر حديثا من القنابل الذرية والهيدروجينية القوية المفعول، ولها آية تخصها من بين أنواع القنابل الأخرى، وقال تعالى في أشراط الساعة:{حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ} ؛ فإن أهل الدنيا - وهم الكفار -، وإن ظنوا بما تيسر لهم من المخترعات أنهم قادرون عليها إصلاحا وعمارة وتزيينا وهدما وتخريبا؛ لم يقو عندهم هذا الظن حتى حصل عندهم القطع أو كاد بأنهم
قادرون عليها إلا بعد حصولهم على القنابل الذرية والطاقة الذرية كما هو معلوم، وبهذا يعلم أن الساعة قريبة جدا، وأن ظهور أشراطها الكبرى كالمهدي وعيسى عليهما السلام منتظر من يوم لآخر.
وقد يكون المراد من قوله: {أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا} : أنه سيسلط أصحاب هذه القنابل بعضهم على بعض، فيتحاربون بها، ويكون ذلك سببا في خراب الدنيا، وجعلها حصيدا كما قال الله تعالى، وكما يصفه الواصفون لمفعول هذه القنابل التي يبدون منها تخوفهم العظيم على الدنيا بأسرها، ولكن لا تقع هذه الحروب المؤدية إلى ما قال الله تعالى إلا بعد خروج المهدي، ونزول عيسى لقتل الدجال، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة.... وغير ذلك مما صحت به الأخبار، ومما هو واقع لا محالة". انتهى كلامه.
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أن يقال: إن كلامه على الآية من سورة يونس وتطبيقها على القنابل الذرية والهيدروجينية لم يسبقه إليه أحد، وهو من القول في كتاب الله بغير علم وذلك من أعظم المحرمات ومن كبائر الإثم.
الوجه الثاني: أن الآية من سورة يونس ليست واردة في أشراط الساعة كما زعمه الغماري، وليس فيها دلالة على وجود القنابل الذرية والهيدروجينية بوجه من الوجوه، وإنما هي مثل ضربه الله تعالى لسرعة زوال الدنيا وانقضائها، ولا خلاف بين المفسرين في هذا.
الوجه الثالث: أن خراب الدنيا بأسرها وقيام الساعة لا يكون على أيدي بني آدم بتفجير القنابل القوية المفعول كما قد توهمه الغماري، وكما يظنه كثير من أهل زماننا ممن قل نصيبهم من العلم النافع، وإنما يكون ذلك بالنفخ في الصور كما أخبر الله تعالى بذلك في آيات كثيرة من القرآن وأخبر به رسول الله
صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة، وقد ذكرت الآيات والأحاديث في ذلك في أول الباب، ومنها يعلم أن خراب الدنيا وقيام الساعة إنما يكون بالنفخ في الصور وهو أمر سماوي لا صنع للبشر فيه، ويعلم أيضا بطلان ما يتخرصه المتخرصون أن خراب الدنيا وقيام الساعة يكون بفعل بني آدم أو بتصادم بعض الكواكب.
الوجه الرابع: أن يقال: إن الله تعالى قال: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} ، وقال تعالى:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} ، وإذا كان أهل السماوات يفزعون من النفخ في الصور ويصعقون؛ فهل يقول عاقل: إن مفعول القنابل الذرية والهيدروجينية يصل إلى السماوات السبع، فيفزع أهلها ويصعقون؟! وهل يقول عاقل: إن أهل السماوات يفزعون ويصعقون بسبب تصادم كوكبين؟! كلا؛ لا يقول ذلك من له أدنى مسكة من عقل، وإنما يقوله المعتوهون الذين يتكلمون في أمور الكون من غير شعور.
الوجه الخامس: أن يقال: إن الكفار ليسوا أهل الدنيا دون المؤمنين كما قد زعمه الغماري، وليس في الآية من سورة يونس ما يدل على ما ذهب إليه الغماري، وإنما أهل الدنيا جميع أهل الأرض من مؤمن وكافر، وأما تخصيص الكفار بأنهم أهل الدنيا دون المؤمنين فلا شك أنه من القول في كتاب الله بغير علم.
باب
ما جاء في صفة يوم القيامة
عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأي عين؛ فليقرأ: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} ،»
« {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ} ، و {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} » .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم، وقال:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
فصل
وقد أسقط أبو عبية حديث أبي رزين لقيط بن عامر بن المنتفق العقيلي من "النهاية" لابن كثير، وقال في (ص273) ما نصه:"بين الحديث المذكور: "ما من أمتي أو من الأمة عبد...." إلخ، وبين قول المؤلف: "قال الوليد بن مسلم " كلام كثير أسقطناه لعدم صحة محتواه، ولظهور كذبه في صياغته ودلالته".
والجواب أن يقال: مراده بالكلام الكثير الذي أسقطه وقال عنه ما قال: هو الحديث الطويل عن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه في ذكر قيام الساعة وذكر البعث والنشور.
وقد ذكرت قريبا أن أبا عبية كان جريئا على رد الأحاديث التي تخالف عقله ورأيه، ولقد أخطأ خطأ كبيرا في إسقاطه حديث أبي رزين العقيلي وقدحه فيه بغير حجة، وأنا أذكر هاهنا حديث أبي رزين رضي الله عنه، وأذكر بعده كلام الحفاظ فيه، وأبين صحة محتواه وما يشهد له من الآيات والأحاديث إن شاء الله تعالى.
قال عبد الله ابن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل في "زوائد المسند": "كتب إلي إبراهيم بن حمزة بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير: كتبت إليك بهذا الحديث، وقد عرضته وسمعته على ما كتبت به إليك؛ فحدث بذلك
عني؛ قال: حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي؛ قال: حدثني عبد الرحمن بن عياش السمعي الأنصاري القبائي من بني عمرو بن عوف عن دَلْهَم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي عن أبيه عن عمه لقيط بن عامر. قال دلهم: وحدثنيه أبي الأسود عن عاصم بن لقيط: «أن لقيطا خرج وافدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه صاحب له يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق. قال لقيط: فخرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في الناس خطيبا، فقال:" أيها الناس! ألا إني قد خبأت لكم صوتي منذ أربعة أيام ألا لأسمعكم، ألا فهل من امرئ بعثه قومه، فقالوا: اعلم لنا ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا ثم لعله أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه أو يلهيه الضلال، ألا إني مسؤول: هل بلغت؟ ألا اسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا، ألا اجلسوا".
قال: فجلس الناس، وقمت أنا وصاحبي، حتى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره؛ قلت: يا رسول الله! ما عندك من علم الغيب؟ فضحك لعمر الله وهز رأسه وعلم أني أبتغي لسقطه. فقال: "ضن ربك عز وجل بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله (وأشار بيده") . قلت: وما هي؟ قال: "علم المنية؛ قد علم منية أحدكم ولا تعلمونه، وعلم المني حين يكون في الرحم؛ قد علمه ولا تعلمون، وعلم ما في غد وما أنت طاعم غدا ولا تعلمه، وعلم يوم الغيث يشرف عليكم أزلين مشفقين، فيظل يضحك، قد علم أن غِيَرَكم إلى قريب". قال لقيط: لن نعدم من رب يضحك خيرا. "وعلم يوم الساعة".
قلت: يا رسول الله! علمنا مما تعلم الناس وما تعلم؛ فإنا من قبيل لا يصدقون تصديقنا أحد من مذحج التي تربو علينا، وخثعم التي توالينا، وعشيرتنا التي نحن منها. قال: "تلبثون ما لبثتم، ثم يتوفى نبيكم صلى الله عليه وسلم، ثم تلبثون ما لبثتم، ثم تبعث الصائحة، لعمر إلهك ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات والملائكة الذين مع ربك عز وجل، فأصبح ربك عز وجل يطيف في الأرض،»
«وخلت عليه البلاد، فأرسل ربك عز وجل السماء تهضب من عند العرش، فلعمر إلهك؛ ما تدع على ظهرها من مصرع قتيل ولا مدفن ميت إلا شقت القبر عنه حتى تخلفه من عند رأسه، فيستوي جالسا، فيقول ربك: مهيم؟ لما كان فيه. يقول: يا رب! أمس، اليوم. ولعهده بالحياة يحسبه حديثا بأهله".
فقلت: يا رسول الله! كيف يجمعنا بعدما تمزقنا الرياح والبلى والسباع؟! قال: "أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله؛ الأرض أشرفت عليها وهي مَدَرَة بالية، فقلت: لا تحيا أبدا، ثم أرسل ربك عز وجل عليها السماء، فلم تلبث عليك إلا أياما حتى أشرفت عليها وهي شربة واحدة، ولعمر إلهك؛ لهو أقدر على أن يجمعكم من الماء على أن يجمع نبات الأرض، فتخرجون من الأصواء ومن مصارعكم، فتنظرون إليه وينظر إليكم".
قال: قلت: يا رسول الله! وكيف نحن ملء الأرض وهو شخص واحد ننظر إليه وينظر إلينا؟! قال: "أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله عز وجل، الشمس والقمر آية منه صغيرة، ترونهما ويريانكم ساعة واحدة، لا تضارون في رؤيتهما، ولعمر إلهك؛ لهو أقدر على أن يراكم وترونه من أن ترونهما ويريانكم، لا تضارون في رؤيتهما".
قلت: يا رسول الله! فما يفعل بنا ربنا عز وجل إذا لقيناه؟ قال: "تعرضون عليه بادية له صفحاتكم، لا تخفى عليه منكم خافية، فيأخذ ربك عز وجل بيده غرفة من الماء، فينضح قبلكم بها، فلعمر إلهك؛ ما تخطئ وجه أحدكم منها قطرة، فأما المسلم؛ فتدع وجهه مثل الريطة البيضاء، وأما الكافر؛ فتخطمه بمثل الحمم الأسود، ألا ثم ينصرف نبيكم صلى الله عليه وسلم ويفرق على أثره الصالحون، فيسلكون جسرا من النار، فيطأ أحدكم الجمر، فيقول: حس! يقول ربك عز وجل أو أنه ألا فتطلعون على حوض الرسول على أظمأ ناهلة قط رأيتها؛ فلعمر إلهك؛ ما يبسط أحد منكم يده؛ إلا وقع عليها قدح يطهره من الطوف والبول والأذى، وتحبس الشمس والقمر فلا ترون منهما واحدا".
قال: قلت: يا رسول الله! فبم نبصر؟ قال:»
«"بمثل بصرك ساعتك هذه، وذلك مع طلوع الشمس في يوم أشرقته الأرض وواجهته الجبال".
قال: قلت: يا رسول الله! فبم نجزى من سيئاتنا وحسناتنا؟ قال: "الحسنة بعشر أمثالها، والسيئة بمثلها؛ إلا أن يعفو".
قال: قلت: يا رسول الله! فما الجنة وما النار؟ قال: "لعمر إلهك؛ إن للنار لسبعة أبواب، ما منهن بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما، وإن للجنة لثمانية أبواب، ما منهن بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما".
قلت: يا رسول الله! فعلام نطلع من الجنة؟ قال: "على أنهار من عسل مصفى، وأنهار من كأس ما بها من صداع ولا ندامة، وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وماء غير آسن، وبفاكهة لعمر إلهك ما تعلمون، وخير من مثله معه، وأزواج مطهرة".
قلت: يا رسول الله! أولنا فيها أزواج؟ أو منهن مصلحات؟ قال: "الصالحات للصالحين، تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا، ويلذذن بكم؛ غير أن لا توالد". قال لقيط: فقلت: أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه؟ فلم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت: يا رسول الله! علام أبايعك؟ قال: فبسط النبي صلى الله عليه وسلم يده، وقال:"على إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وزيال المشرك، وأن لا تشرك بالله إلها غيره". قلت: وأن لنا ما بين المشرق والمغرب. فقبض النبي صلى الله عليه وسلم يده، وظن أني مشترط شيئا لا يعطينيه. قال: قلت: نحل منها حيث شئنا، ولا يجني امرؤ إلا على نفسه. فبسط يده، وقال:"ذلك لك، تحل حيث شئت، ولا يجني عليك إلا نفسك".
قال: فانصرفنا عنه، ثم قال:"إن هذين لعمر إلهك من أتقى الناس في الأولى والآخرة". فقال له كعب بن الخدرية أحد بني بكر بن كلاب: من هم يا رسول الله؟ قال: "بنو المنتفق أهل ذلك". قال: فانصرفنا، وأقبلت عليه، فقلت: يا رسول الله! هل لأحد ممن مضى من خير في جاهليتهم؟ قال: قال رجل من عرض قريش: والله؛ إن أباك المنتفق لفي النار. قال: فلكأنه وقع حر بين جلد وجهي ولحمه مما قال لأبي على رؤوس الناس، فهممت أن أقول: وأبوك يا»
«رسول الله! ثم إذا الأخرى أجمل، فقلت: يا رسول الله! وأهلك؟ قال: "وأهلي، لعمر الله؛ ما أتيت عليه من قبر عامري أو قرشي من مشرك؛ فقل: أرسلني إليك محمد؛ فأبشر بما يسؤوك؛ تجر على وجهك وبطنك في النار".
قال: قلت: يا رسول الله! ما فعل بهم ذلك وقد كانوا على عمل لا يحسنون إلا إياه وكانوا يحسبون أنهم مصلحون؟ قال: "ذلك لأن الله عز وجل بعث في آخر كل سبع أمم (يعني: نبيا) فمن عصى نبيه؛ كان من الضالين، ومن أطاع نبيه؛ كان من المهتدين» .
وقد رواه عبد الله أيضا في "كتاب السنة" والطبراني بنحوه. قال الهيثمي: "وأحد طريقي عبد الله إسنادها متصل ورجالها ثقات، والإسناد الآخر وإسناد الطبراني مرسل عن عاصم بن لقيط أن لقيطا ". انتهى كلام الهيثمي.
وقد رواه الحاكم في "مستدركه" من طريق يعقوب بن عيسى عن عبد الرحمن بن المغيرة، فذكره بنحوه، ثم قال:"هذا حديث جامع في الباب صحيح الإسناد، كلهم مدنيون، ولم يخرجاه". وتعقبه الذهبي في "تلخيصه"، فقال:" يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري ضعيف". انتهى.
ولم يتكلم الذهبي في أحد من رواته سوى يعقوب بن عيسى، وهو في إسناد الحاكم وحده، وقد وافقه إبراهيم بن حمزة الزبيري على رواية الحديث عن عبد الرحمن بن المغيرة، وإبراهيم ثقة؛ كما سيأتي بيان ذلك في كلام ابن القيم رحمه الله تعالى؛ فروايته للحديث تؤيد رواية يعقوب بن عيسى وتشهد لها بالصحة. والله أعلم.
وقد روى البخاري في "تاريخه الكبير" طرفا من أوله تعليقا بصيغة الجزم، فقال في ترجمة دلهم بن الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق العقيلي ما نصه: "قال ابن حمزة: حدثنا عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد
الرحمن؛ قال: حدثنا عبد الرحمن بن القاسم السمعي الأنصاري عن دلهم بن الأسود عن أبيه عن عمه لقيط بن عامر؛ قال دلهم: وحدثني أبي عن عاصم: «أن لقيطا خرج وافدا إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: قلت: يا رسول الله! ما عندك من علم الغيب؟ فقال: "ضن ربك بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله» .
قوله: " عبد الرحمن بن القاسم السمعي "؛ صوابه: عبد الرحمن بن عياش السمعي، وقد ذكره البخاري على الصواب في ترجمة عبد الرحمن، فقال ما نصه:" عبد الرحمن بن عياش الأنصاري، يعد في أهل المدينة، عن دلهم بن الأسود، سمع منه عبد الرحمن بن المغيرة ". وقال في ترجمة الأسود ما نصه: " الأسود بن عبد الله بن حاجب بن عامر بن المنتفق عن عمه لقيط، روى عنه ابنه دلهم، يعد في أهل الحجاز". انتهى.
وقد أشار البخاري إلى حديث أبي رزين رضي الله عنه فيما ذكره الترمذي في "جامعه" في (باب ما جاء ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة) ؛ فقد روى فيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة؛ كان حمله ووضعه وسنه في ساعة ما يشتهي» .
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، وقد اختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: في الجنة جماع ولا يكون ولد، هكذا يروى عن طاوس ومجاهد وإبراهيم النخعي، وقال محمد: قال إسحاق بن إبراهيم في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا اشتهى المؤمن الولد في الجنة؛ كان في ساعة كما يشتهي» . ولكن لا يشتهي. قال محمد: وقد روي عن أبي رزين العقيلي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن أهل الجنة لا يكون لهم فيها ولد» . انتهى كلام الترمذي.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "زاد المعاد" في الكلام على حديث أبي رزين رضي الله عنه: "هذا حديث كبير جليل، تنادي جلالته
وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة، لا يعرف إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة بن عبد الرحمن المدني، رواه عنه إبراهيم بن حمزة الزبيري، وهما من كبار علماء المدينة، ثقتان محتج بهما في الصحيح، احتج بهما إمام أهل الحديث محمد بن إسماعيل البخاري، ورواه أئمة أهل السنة في كتبهم، وتلقوه بالقبول، وقابلوه بالتسليم والانقياد، ولم يطعن أحد منهم فيه، ولا في أحد من رواته، فممن رواه: الإمام ابن الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل في "مسند أبيه" وفي "كتاب السنة"، ومنهم الحافظ الجليل أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل في "كتاب السنة" له، ومنهم الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم بن سليمان العسال في "كتاب المعرفة"، ومنهم حافظ زمانه ومحدث أوانه أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني في كثير من كتبه، ومنهم الحافظ أبو محمد عبد الله بن محمد بن حيان أبو الشيخ الأصبهاني في "كتاب السنة"، ومنهم الحافظ ابن الحافظ أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن منده حافظ أصبهان، ومنهم الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه، ومنهم حافظ عصره أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن إسحاق الأصبهاني وجماعة من الحفاظ سواهم يطول ذكرهم.
وقال ابن منده: "روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصنعاني وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهما، وقد رواه بالعراق بمجمع العلماء وأهل الدين جماعة من الأئمة؛ منهم: أبو زرعة الرازي، وأبو حاتم، وأبو عبد الله محمد بن إسماعيل، ولم ينكره أحد، ولم يتكلم في إسناده، بل رووه على سبيل القبول والتسليم، ولا ينكر هذا الحديث إلا جاحد أو جاهل أو مخالف للكتاب والسنة. هذا كلام أبي عبد الله بن منده ". انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.
وقال أيضا في كتابه "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح": "وأما حديث أبي
رزين الذي أشار إليه البخاري؛ فهو حديثه الطويل، ونحن نسوقه بطوله، نجمل به كتابنا؛ فعليه من الجلالة والمهابة ونور النبوة ما ينادي على صحته".
ثم ساقه ابن القيم، وقال بعد سياقه:"هذا حديث كبير مشهور".
ثم ذكر من رواه من الأئمة على سبيل القبول والتسليم بنحوه ما ذكره في "أعلام الموقعين"؛ قال: "وقال الحافظ أبو عبد الله بن منده: روى هذا الحديث محمد بن إسحاق الصنعاني وعبد الله بن أحمد بن حنبل وغيرهما، وقرؤوه بالعراق بمجمع العلماء وأهل الدين، فلم ينكره أحد منهم، ولم يتكلم في إسناده، وكذلك أبو زرعة وأبو حاتم على سبيل القبول. وقال أبو الخير بن حمدان: هذا حديث كبير ثابت مشهور. وسألت شيخنا أبا الحجاج المزي عنه، فقال: عليه جلالة النبوة". انتهى.
وإذا علم هذا؛ فقد قال ابن كثير في كتابه "البداية والنهاية" بعد أن ساق حديث أبي رزين رضي الله عنه: "هذا حديث غريب جدا، وألفاظه في بعضها نكارة". انتهى.
وقوله هذا يخالفه فيه كثير من أكابر العلماء الذين تقدم ذكرهم في كلام ابن القيم، ولا سيما أبو عبد الله بن منده وأبو الخير بن حمدان وأبو الحجاج المزي وكذلك ابن القيم.
فأما قوله: "إنه حديث غريب": فإن أراد بذلك غرابة سنده؛ لكونه لم يرو إلا من حديث عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي عن عبد الرحمن بن عياش السمعي عن دلهم بن الأسود عن أبيه؛ فغرابة سنده لا تؤثر فيه، وكم من حديث غريب الإسناد وهو مع ذلك أصل من أصول الدين؛ مثل حديث:«إنما الأعمال بالنيات» وغيره من الأحاديث التي لم ترو إلا من طريق واحد وهي مما يعتمد عليه في أصول الدين أو في فروعه.
وإن أراد أنه غريب المتن؛ ففي ذلك نظر، وسأذكر ما يشهد له من الآيات والأحاديث الصحيحة إن شاء الله تعالى.
وأما قوله: "وألفاظه في بعضها نكارة"؛ ففيه نظر أيضا، وقد تقدم قول ابن منده: إنه "رواه محمد بن إسحاق الصنعاني وعبد الله بن أحمد بن حنبل وقرؤوه بالعراق بمجمع العلماء وأهل الدين فلم ينكره أحد منهم ولم يتكلم في إسناده، وكذلك أبو زرعة وأبو حاتم على سبيل القبول"، وكذلك أبو عبد الله محمد بن إسماعيل، وهؤلاء الأكابر من أعلم الناس بعلل الأحاديث، ولو كان في حديث أبي رزين نكارة؛ لبينوها، ولم يسكتوا عنها ويقروها، والله أعلم.
وقد ساقه ابن كثير في "النهاية"، ولم يتكلم فيه بشيء، وقال في ذكر أبواب الجنة في "النهاية":"فأما حديث لقيط بن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن للنار سبعة أبواب؛ ما فيها بابان إلا يسير الراكب بينهما سبعين عاما» ؛ فإنه حديث مشهور". انتهى.
فصل
في شرح ما في حديث أبي رزين من الغريب
قوله: "يشرف عليكم أزلين": قال ابن الأثير: " (الأزل) : الشدة والضيق، وقد أزل الرجل يأزل أزلا؛ أي: صار في ضيق وجدب ". وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين رضي الله عنه: " (الأزل) ؛ بسكون الزاي: الشدة، والأزل على وزن كتف: هو الذي قد أصابه الأزل واشتد به حتى كاد يقنط ". انتهى.
وقوله: "وقد علم أن غيركم إلى قريب": (الغير) ؛ بكسر الغين وفتح
الياء: تغير الحال وانتقالها من القحط والجدب إلى نزول الغيث وخروج النبات من الأرض.
وقوله: "ثم تبعث الصائحة"؛ أي: النفخ في الصور؛ كما قال تعالى: {وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ} ، وقال تعالى:{مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ} .
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: " (ثم تبعث الصائحة) : هي صيحة البعث ونفخته ".
قلت: وفي هذا نظر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثم تبعث الصائحة، لعمر إلهك؛ ما تدع على ظهرها من شيء إلا مات» . وهذا صريح في أن الصيحة صيحة الصعق لا صيحة البعث. والله أعلم.
وقوله: "تهضب": قال ابن الأثير: "أي: تمطر، ويجمع على أهضاب ثم أهاضيب؛ كقول وأقوال وأقاويل".
وقوله: "حتى تخلفه من عند رأسه": قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "هو من أخلف الزرع إذا نبت بعد حصاده، شبه النشأة الأخرى بعد الموت بإخلاف الزرع بعدما حصد، وتلك الخلفة من عند رأسه كما ينبت الزرع". انتهى.
ويقال: أخلف الأراك والسلم إذا أخرج الخلفة، وهو ورق يخرج بعد الورق الأول في الصيف، وأخلف الخزامى؛ أي: طلعت خلفته من أصوله بالمطر.
وقوله: "فيستوي جالسا": قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "هذا عند تمام خلقته وكمال حياته، ثم يقوم بعد جلوسه قائما، ثم يساق إلى موقف القيامة إما راكبا وإما ماشيا". انتهى.
وقوله: "فيقول ربك مَهْيَم"؛ أي: ما الأمر والشأن؟ قال ابن الأثير: "وهي
كلمة يمانية، ومنه حديث لقيط: فيستوي جالسا، فيقول: رب مهيم".
وقوله: "في آلاء الله": قال ابن الأثير: " (الآلاء) : النعم". وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: " (آلاؤه) : نعمه وآياته التي تعرف بها إلى عباده". انتهى.
وقوله: "وهي مدرة بالية"؛ أي: تراب يابس.
وقوله: "شربة واحدة": قال ابن الأثير: " (الشربة) ؛ بفتح الراء: حوض يكون في أصل النخلة وحولها، يملأ ماء لتشربه، ومنه حديث لقيط: ثم أشرفت عليها وهي شربة واحدة". وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: " (الشربة) ؛ بفتح الراء: الحوض الذي يجتمع فيه الماء، وبالسكون: الحنطة؛ يريد أن الماء قد كثر، فمن حيث شئت تشرب، وعلى رواية السكون يكون قد شبه الأرض في خضرتها بالنبات بخضرة الحنطة واستوائها". انتهى.
وقوله: "فتخرجون من الأصواء": قال ابن الأثير: " (الأصواء) : القبور، وأصلها من الصوى: الأعلام، فشبه القبور بها".
وقوله: "لا تضارون في رؤيتهما": قال ابن الأثير: "يروى بالتشديد والتخفيف؛ فالتشديد بمعنى: لا تتخالفون ولا تتجادلون في صحة النظر إليه لوضوحه وظهوره، يقال: ضاره يضاره؛ مثل: ضره يضره". وقال الجوهري: "يقال: أضرني فلان: إذا دنا مني دنوا شديدا، فأراد بالمضارة: الاجتماع والازدحام عند النظر إليه، وأما التخفيف؛ فهو من الضير لغة في الضر، والمعنى فيه كالأول".
وقوله: "مثل الرَّيْطة البيضاء": قال ابن الأثير: " (الريطة) : كل ملاءة ليست بلفقين، وقيل: كل ثوب رقيق لين، والجمع ريط ورياط".
وقوله: " بمثل الحمم الأسود": قال ابن الأثير: " (الحممة) : الفحمة، وجمعها حمم".
وقوله: "ثم ينصرف نبيكم": قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "هذا انصراف من موقف القيامة إلى الجنة".
وقوله: "ويفرق على أثره الصالحون". قال ابن القيم: "أي: يفزعون ويمضون على أثره". انتهى.
وقوله: "فيسلكون جسرا من النار". (الجسر) : هو الصراط المنصوب على متن جهنم.
وقوله: "فيقول: حس": قال ابن الأثير: "هي بكسر السين والتشديد، كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مضه وأحرقه غفلة؛ كالجمرة، والضربة، ونحوهما". انتهى. قال الأصمعي: "وهي مثل أوّه".
وقوله: "يقول ربك عز وجل: أو أنه": قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "قال ابن قتيبة: فيه قولان: أحدهما أن يكون (أنه) بمعنى نعم، والآخر أن يكون الخبر محذوفا، كأنه قال: أنتم كذلك، أو أنه على ما تقول". انتهى.
وقوله: "على أظمأ ناهلة قط" قال ابن القيم رحمه الله تعالى: " (الناهلة) : العطاش الواردون الماء؛ أي: يردونه أظمأ ما هم عليه، وهذا يناسب أن يكون بعد الصراط؛ فإنه جسر النار، وقد وردوها كلهم، فلما قطعوه؛ اشتد ظمؤهم إلى الماء، فوردوا حوضه صلى الله عليه وسلم كما وردوه في موقف القيامة" انتهى.
وقوله: "يطهره من الطوف": قال ابن الأثير: " (الطوف) : الحدث من الطعام، والمعنى: أن من شرب تلك الشربة طهر من الحدث والأذى". وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: " (الطوف) : الغائط، وفي الحديث:«لا يصلي»
«أحدكم وهو يدافع الطوف والبول» . انتهى.
وقوله: "وتحبس الشمس والقمر"، وفي بعض الروايات:"وتخنس الشمس والقمر". قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "أي: يختفيان ويحبسان ولا يريان، والانخناس: التواري والاختفاء، ومنه قول أبي هريرة: "فانخنست منه"". انتهى.
وقوله: "وزيال المشرك": قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "أي: مفارقته ومعاداته، فلا يجاوره ولا يواليه؛ كما جاء في الحديث الذي في "السنن": "لا تراءى ناراهما"؛ يعني: المسلمين والمشركين". انتهى.
فصل
وإذا علم أن حديث أبي رزين لا مطعن فيه بوجه من الوجوه؛ فليعلم أيضا أنه قد اشتمل على ثلاث وأربعين فائدة مهمة، منها ما يشهد له القرآن والأحاديث الصحيحة، ومنها ما يشهد له القرآن فقط، ومنها ما تشهد له الأحاديث الصحيحة فقط:
الفائدة الأولى: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسؤول يوم القيامة عن تبليغ الرسالة، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في حديث أبي رزين رضي الله عنه:«ألا إني مسؤول هل بلغت؟» .
ويشهد لهذا قول الله تعالى: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} .
قال البغوي في "تفسيره": {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} ؛ يعني: الأمم عن إجابتهم الرسل، وهذا سؤال توبيخ لا سؤال استعلام؛ يعني: نسألهم
عما عملوا فيما بلغتهم الرسل، {وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} عن الإبلاغ". انتهى.
وقال ابن كثير في "تفسيره": "يسأل الله الأمم يوم القيامة عما أجابوا رسله فيما أرسلهم به، ويسأل الرسل أيضا عن إبلاغ رسالاته، ولهذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} ؛ قال: عما بلغوا". انتهى.
وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: "يسأل الله الناس عما أجابوا المرسلين، ويسأل المرسلين عما بلغوا".
وروى أيضا عن مجاهد والسدي نحوه.
الفائدة الثانية: ذكر مفاتيح الغيب الخمس التي استأثر الله بعلمها.
ويشهد لهذا قول الله تعالى: {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ} .
وفي "مسند الإمام أحمد " من حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله، {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} » .
ورواه البخاري في "صحيحه"، ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مفتاح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: لا يعلم أحد ما يكون في غد، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام، ولا تعلم نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت، وما يدري أحد متى يجيء المطر» .
ورواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مفاتيح الغيب خمس: لا يعلم ما تضع الأرحام أحد إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر إلا الله، وما تدري نفس بأي أرض تموت، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله» .
ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث عمر بن محمد بن زيد: أنه سمع أباه محمدا يحدث عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «أوتيت مفاتيح كل شيء إلا الخمس؛ {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} » .
ورواه البخاري مختصرا، ولفظه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مفاتيح الغيب خمس، (ثم قرأ: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} ) » .
ورواه الإمام أحمد أيضا من حديث سالم بن عبد الله عن عبد الله رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «مفاتيح الغيب خمس: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} » .
ورواه أبو داود الطيالسي بنحوه مختصرا.
وفي "مسند الإمام أحمد " أيضا من حديث عمرو بن مرة؛ قال: سمعت عبد الله بن سلمة يقول: سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: «أوتي نبيكم صلى الله عليه وسلم مفاتيح كل شيء غير الخمس: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} .»
قال: قلت له: أنت سمعته من عبد الله؟ قال: نعم؛ أكثر من خمسين مرة.
وقال ابن كثير في "تفسيره": "إسناده حسن على شرط السنن ولم يخرجوه"، وقال الهيثمي:"رواه أحمد وأبو يعلى، ورجالهما رجال الصحيح". بلبلبللل
وفي "الصحيحين" و"مسند الإمام أحمد " و"سنن ابن ماجه " عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله! متى الساعة؟ قال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل؟! ولكن سأحدثك عن أشراطها: إذا ولدت الأمة ربها؛ فذاك من أشراطها، وإذا كانت العراة الحفاة رؤوس الناس؛ فذاك من أشراطها؛ وإذا تطاول رعاء البهم في البنيان، فذاك من أشراطها؛ في خمس لا يعلمهن إلا الله (ثم تلا صلى الله عليه وسلم: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} » .
وفي "سنن النسائي " عن أبي هريرة وأبي ذر رضي الله عنهما: «أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد! أخبرني متى الساعة؟ قال: فنكس فلم يجبه شيئا، ثم أعاد، فلم يجبه شيئا، ثم أعاد، فلم يجبه شيئا، ورفع رأسه فقال: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن لها علامات تعرف بها: إذا رأيت الرعاء البهم يتطاولون في البنيان، ورأيت الحفاة العراة ملوك الأرض، ورأيت المرأة تلد ربها؛ خمس لا يعلمها إلا الله: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ} إلى قوله {إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} » .
وفي "مسند الإمام أحمد " عن ابن عباس رضي الله عنهما: «أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: حدثني متى الساعة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله! في خمس من الغيب لا يعلمهن إلا هو: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} » .
في إسناده شهر بن حوشب، وهو ثقة، وفيه كلام، وبقية رجاله ثقات.
وفي "مسند الإمام أحمد " أيضا عن عامر أو أبي عامر أو أبي مالك رضي الله عنه: «أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: متى الساعة يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله! خمس من الغيب لا يعلمها إلا الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} » .
في إسناده شهر بن حوشب، وقد تقدم الكلام فيه، وبقية رجاله ثقات.
وفي "المسند" أيضا عن بريدة رضي الله عنه؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «خمس لا يعلمهن إلا الله: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} » .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح".
وفي "المسند" أيضا «عن رجل من بني عامر: أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: هل بقي من العلم شيء لا تعلمه؟ قال: "قد علمني الله عز وجل خيرا، وإن من العلم ما لا يعلمه إلا الله عز وجل: الخمس: {إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ}
…
» (الآية) ".
قال ابن كثير في "تفسيره": "إسناده صحيح".
الفائدة الثالثة: الرد على الذين يدعون علم المغيبات في المستقبل، وربما ادعى بعضهم علم ما يكون بعد ملايين السنين، فيصدقه الجهال، وينشرون كذبه وجهله في جرائدهم ومجلاتهم.
ومن هذا الباب ما يذاع في كثير من الإذاعات من الإخبار عما سيكون في
المستقبل من الغيوم والأمطار والرياح أو عدم ذلك، ويسمون هذه الأخبار النشرات الجوية، وهي من تعاطي علم الغيب الذي استأثر الله بعلمه.
وقد قال الله تعالى: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} ، وقال تعالى:{عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ}
…
الآية.
وقد تقدم ذكر الآيات والأحاديث في مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى، فمن ادعى علم شيء منها؛ فقد نازع الله فيما استأثر بعلمه، ومن نازع الله فيما استأثر به؛ فقد تعرض للوعيد الشديد.
كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود الطيالسي وأبو داود السجستاني وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله سبحانه: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري؛ فمن نازعني واحدا منهما؛ ألقيته في جهنم» .
ورواه مسلم في "صحيحه" عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما؛ قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العز إزاره، والكبرياء رداؤه، فمن ينازعني؛ عذبته» .
وروى ابن ماجه وابن حبان في "صحيحه" عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله سبحانه: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما؛ ألقيته في النار» .
فليحذر المتعاطون لعلم المغيبات التي استأثر الله بعلمها من هذا الوعيد الشديد.
الفائدة الرابعة: إثبات صفة الضحك لله تعالى، والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات صفة الضحك لله تعالى كما يليق بجلاله، وبذلك جاءت السنة
المطهرة.
وروى ابن أبي الدنيا عن أنس رضي الله عنه نحوه، وفيه ذكر الضحك بغير شك.
وفي "الصحيحين" أيضا واللفظ لمسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «آخر من يدخل الجنة رجل يمشي مرة ويكبو مرة وتسفعه النار مرة...." الحديث. وفي آخره أن الله تعالى يقول له: "يا ابن آدم! أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب! أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ ". فضحك ابن مسعود، فقال: ألا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا: مم ضحكت؟ قال: هكذا ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: "من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك، ولكني على ما أشاء قادر» .
وفي "الصحيحين" أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فذكر الحديث بطوله في رؤية الرب، وذكر الحشر والقضاء بين العباد، وفي آخره ذكر آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وفيه أنه «لا يزال يدعو الله»
«حتى يضحك الله منه، فإذا ضحك الله منه؛ قال: ادخل الجنة» .
وفي "الصحيحين" أيضا واللفظ لمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة". قالوا: كيف يا رسول الله؟! قال: "يقتل هذا فيلج الجنة، ثم يتوب الله على الآخر، فيهديه إلى الإسلام، ثم يجاهد في سبيل الله، فيستشهد» .
وروى: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن ماجه، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "كتاب السنة"، وأبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة"؛ عن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَره". قال: قلت: يا رسول الله! أو يضحك الرب؟! قال: "نعم". قلت: لن نعدم من رب يضحك خيرا» .
وروى: الإمام أحمد أيضا، ومسلم في "صحيحه"، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "كتاب السنة"؛ من حديث أبي الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يسأل عن الورود؛ قال: «نحن يوم القيامة على كذا فوق الناس، فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك، فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربنا. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: حتى ننظر إليك. فيتجلى لهم يضحك»
…
الحديث.
وروى: الإمام أحمد، وابنه عبد الله في "كتاب السنة"، وأبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة"؛ عن أبي موسى رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يتجلى لنا ربنا يوم القيامة ضاحكا» .
إلى غير ذلك من الأحاديث في إثبات صفة الضحك لله تعالى، وفيها أبلغ رد على الجهمية ومن نحا نحوهم من أهل البدع.
وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين رضي الله عنه: "وقوله: "فيظل يضحك": هو من صفات أفعاله سبحانه وتعالى التي لا يشبهه فيها شيء من مخلوقاته كصفات ذاته، وقد وردت هذه الصفة في أحاديث كثيرة لا سبيل إلى ردها، كما لا سبيل إلا تشبيهها وتحريفها. وكذلك: "فأصبح ربك يطوف في الأرض": هو من صفات فعله؛ كقوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} ، و {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} ، «وينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا» ، و «يدنو عشية عرفة فيباهي بأهل الموقف الملائكة» ، والكلام في الجميع صراط مستقيم إثبات بلا تمثيل وتنزيه بلا تحريف ولا تعطيل". انتهى.
الفائدة الخامسة: ذكر الصائحة، وهي النفخ في الصور، وقد تقدم ذكر الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة في (باب النفخ في الصور) ؛ فلتراجع هناك.
الفائدة السادسة: جواز الإقسام بصفات الله تعالى، وانعقاد اليمين بها.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "وقوله: "فلعمر إلهك": هو قسم بحياة الرب جل جلاله، وفيه دليل على جواز الإقسام بصفاته، وانعقاد اليمين بها، وأنها قديمة، وأنه يطلق عليه منها أسماء المصادر ويوصف بها، وذلك قدر زائد على مجرد الأسماء، وأن الأسماء الحسنى مشتقة من هذه المصادر دالة عليها". انتهى.
الفائدة السابعة: ذكر موت الخلق إذا نفخ في الصور، وموت الملائكة أيضا، ويشهد لهذا:
قول الله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} .
وقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} .
وقوله تعالى: {وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في "زاد المعاد" في الكلام على حديث أبي رزين العقيلي رضي الله عنه: "لا أعلم موت الملائكة جاء في حديث صريح إلا هذا وحديث إسماعيل بن رافع الطويل وهو حديث الصور، وقد يستدل عليه بقوله تعالى:{وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ} . انتهى.
وقد تقدم حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ قال: «يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فلا يبقى خلق في السماوات والأرض إلا مات؛ إلا من شاء ربك» ...... الحديث.
رواه: الطبراني، والحاكم، وقال:"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه". وله حكم المرفوع؛ لأن مثله لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
وهذا الحديث يؤيد ما جاء في حديث أبي رزين وحديث إسماعيل بن رافع من النص على موت الملائكة إذا نفخ في الصور، والله أعلم.
الفائدة الثامنة: إثبات انفراد الله تعالى بالبقاء بعد موت الخلق، ويشهد لهذا:
قول الله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} .
وقوله تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} .
الفائدة التاسعة: ذكر إرسال المطر من عند العرش لينبت منه الخلق.
ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما الذي تقدم في (باب النفخ في الصور) : «ثم ينفخ في الصور؛ فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورقع ليتا". قال: "وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله". قال: "فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله (أو قال: ينزل الله) مطرا كأنه الطل (أو: الظل) ، فتنبت منه أجساد الناس»
…
الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي.
وفي "الصحيحين" واللفظ لمسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بين النفختين أربعون ". قالوا: يا أبا هريرة! أربعون يوما؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون شهرا؟ قال: أبيت. قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيت، "ثم ينزل الله من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل". قال: "وليس من الإنسان شيء إلا يبلى، إلا عظما واحدا، وهو عَجْب الذنب، ومنه يركب الخلق القيامة» .
وروى الطبراني والحاكم في "مستدركه" عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ قال: «يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، والصور قرن؛ فلا يبقى خلق في السماوات والأرض إلا مات، إلا من شاء ربك، ثم يكون بين النفختين ما شاء الله أن يكون، فليس من بني آدم أحد إلا في الأرض منه شيء". قال: "فيرسل الله ماء من تحت العرش كمني الرجال، فتنبت لحمانهم وجثمانهم من ذلك الماء كما تنبت الأرض من الثرى (ثم قرأ عبد الله: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ} ". قال: "ثم يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فتنطلق كل نفس إلى جسدها، حتى تدخل فيه، ثم يقومون، فيحيون حياة رجل واحد قياما لرب العالمين»
…
الحديث.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، وافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى: ابن جرير، وأبو يعلى، والطبراني، والبيهقي، وغيرهم؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث الصور الطويل، وفيه: «ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق، فينفخ الصعق، فيصعق أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، فإذا هم قد خمدوا
…
(الحديث وفيه:) ثم ينزل الله عليهم ماء من تحت العرش، ثم يأمر الله السماء أن تمطر، فتمطر أربعين يوما، حتى يكون المطر فوقهم اثني عشر ذراعا، ثم يأمر الله الأجساد أن تنبت، فتنبت كنبات الطراثيث (أو: كنبات البقل) »
…
الحديث.
الفائدة العاشرة: إثبات البعث بعد الموت، والأدلة على ذلك في الكتاب والسنة كثيرة جدا، وقد أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم على وقوع المعاد في ثلاث آيات من القرآن:
إحداهن: قوله تعالى في سورة يونس: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ} .
والثانية: قوله تعالى في سورة سبأ: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} .
والثالثة: قوله تعالى في سورة التغابن: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ} .
الفائدة الحادية عشرة: ظن الميت إذا بعث أنه لم يلبث إلا يسيرا، ويشهد لهذا:
قول الله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ} .
وقوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ} .
وقوله تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين رضي الله عنه: "وقوله: "يقول: يا رب! أمس اليوم": استقلال لمدة لبثه في الأرض، وكأنه لبث فيها يوما، فقال: أمس، أو بعض يوم، فقال: اليوم؛ يحسب أنه حديث عهد بأهله، وأنه إنما فارقهم أمس أو اليوم". انتهى.
الفائدة الثانية عشرة: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يخوضون في دقائق المسائل، ويسألون النبي صلى الله عليه وسلم عما أشكل عليهم.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين رضي الله عنه: "وقوله: كيف يجمعنا بعدما تمزقنا الرياح والبلى والسباع؟! "، وإقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم له على هذا السؤال؛ رد على من زعم أن القوم لم يكونوا يخوضون في دقائق المسائل ولم يكونوا يفهمون حقائق الإيمان بل كانوا مشغولين بالعمليات، وأن أفراخ الصابئة والمجوس من الجهمية والمعتزلة والقدرية أعرف
منهم بالعمليات، وفيه دليل على أنهم كانوا يوردون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشكل عليهم من الأسئلة والشبهات، فيجيبهم عنها بما يثلج صدورهم، وقد أورد عليه صلى الله عليه وسلم الأسئلة أعداؤه وأصحابه: أعداؤه للتعنت والمغالبة، وأصحابه للفهم والبيان وزيادة الإيمان، وهو يجيب كلا عن سؤاله؛ إلا ما لا جواب عنه؛ كسؤالهم له عن وقت الساعة. وفي هذا السؤال دليل على أنه سبحانه يجمع أجزاء العبد بعدما فرقها. وينشئها نشأة أخرى، ويخلقه خلقا جديدا؛ كما سماه في كتابه كذلك في موضعين:{ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} ، و {يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ} ".
قلت: وكذلك في قوله تعالى: {وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى} .
الفائدة الثالثة عشرة: ذكر الدليل على إحياء الموتى وجمعهم بعد التفرق، وضرب المثل لذلك بإحياء الأرض بعد موتها، والأدلة على ذلك في الكتاب والسنة كثيرة جدا.
الفائدة الرابعة عشرة والخامسة عشرة: إثبات القياس في أدلة التوحيد والمعاد، وأن حكم الشيء حكم نظيره.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين العقيلي: "وقوله: "أنبئك بمثل ذلك في آلاء الله": فيه إثبات القياس في أدلة التوحيد والمعاد، والقرآن مملوء منه، وفيه أن حكم الشيء حكم نظيره، وأنه سبحانه إذا كان قادرا على شيء؛ فكيف تعجز قدرته عن نظيره ومثله؟! فقد قرر الله سبحانه أدلة المعاد في كتابه أحسن تقرير وأبينه وأبلغه وأوصله إلى العقول والفطر، فأبى أعداؤه الجاحدون إلا تكذيبا له وتعجيزا له وطعنا في حكمه، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا". انتهى.
الفائدة السادسة عشرة: إثبات رؤية الله تعالى في الدار الآخرة، وقد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع:
أما الكتاب:
فقول الله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} .
وقوله تعالى في حق الكفار: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} .
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "وفي هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذ".
قال ابن كثير: "وهذا الذي قاله الشافعي رحمه الله تعالى في غاية الحسن، وهو استدلال بمفهوم هذه الآية، كما دل عليه منطوق قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، وكما دلت على ذلك الأحاديث الصحاح المتواترة في رؤية المؤمنين ربهم عز وجل في الدار الآخرة رؤية بالأبصار في عرصات القيامة وفي روضات الجنان الفاخرة". انتهى.
وقد روي عن الإمام مالك والإمام أحمد رحمهما الله تعالى نحو قول الشافعي:
فأما الإمام مالك؛ فقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "أخرج أبو العباس السراج في "تاريخه" عن الحسن بن عبد العزيز الجروي - وهو من شيوخ البخاري -: سمعت عمرو بن أبي سلمة يقول: سمعت مالك بن أنس، وقيل له: يا أبا عبد الله! قول الله تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ؛ يقول قوم: إلى ثوابه. فقال: كذبوا؛ فأين هم عن قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} ؟! ". انتهى.
وأما الإمام أحمد؛ فقال أبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة": "حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد الصندلي؛ قال: حدثنا الفضل بن زياد؛ قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل، وبلغه عن رجل أنه قال: إن الله عز وجل
لا يرى في الآخرة، فغضب غضبا شديدا، ثم قال: من قال إن الله عز وجل لا يرى في الآخرة؛ فقد كفر، عليه لعنة الله من كان من الناس، أليس الله جل ذكره قال:{وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ، وقال عز وجل:{كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} ؟! وهذا دليل على أن المؤمنين يرون الله عز وجل".
وقال الآجري أيضا: "حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي؛ قال: حدثنا حنبل بن إسحاق بن حنبل؛ قال: سمعت أبا عبد الله يقول: قالت الجهمية: إن الله عز وجل لا يرى في الآخرة، قال الله عز وجل: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ} ، فلا يكون هذا إلا أن الله عز وجل يرى، وقال عز وجل: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ؛ فهذا النظر إلى الله عز وجل، والأحاديث التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنكم ترون ربكم» بروايات صحيحة وأسانيد غير مدفوعة، والقرآن شاهد أن الله عز وجل يرى في الآخرة". انتهى.
وروى ابن جرير عن الحسن في قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ؛ قال: "يكشف الحجاب، فينظر إليه المؤمنون والكافرون، ثم يحجب عنه الكافرون، وينظر إليه المؤمنون كل يوم غدوة وعشية".
وقال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} .
قال البغوي في قوله: وزيادة: "وهي النظر إلى وجه الله الكريم، هذا قول جماعة؛ منهم: أبو بكر الصديق، وحذيفة، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم، وهو قول الحسن وعكرمة وعطاء ومقاتل والضحاك والسدي ". انتهى.
وقال ابن كثير: "وقد روي تفسير الزيادة بالنظر إلى وجهه الكريم عن أبي
بكر الصديق وحذيفة بن اليمان وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، وسعيد بن المسيب وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الرحمن بن سابط ومجاهد وعكرمة وعامر بن سعد وعطاء والضحاك والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم من السلف والخلف". انتهى.
وقال تعالى: {لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} .
قال البغوي في "تفسيره": "قال جابر وأنس رضي الله عنهما: هو النظر إلى وجه الله الكريم".
وقال ابن كثير في "تفسيره": "وقوله تعالى: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} كقوله عز وجل: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} ، وقد تقدم في "صحيح مسلم " عن صهيب بن سنان الرومي أنها النظر إلى وجه الله الكريم، وروى البزار وابن أبي حاتم من حديث شريك القاضي عن عثمان بن عمير أبي اليقظان عن أنس بن مالك رضي الله عنه في قوله عز وجل: {وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ} ؛ قال: يظهر لهم الرب عز وجل في كل جمعة" انتهى.
وقال تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا} .
قال أبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة": "اعلم رحمك الله أن عند أهل العلم باللغة أن اللقي هاهنا لا يكون إلا معاينة؛ يراهم الله عز وجل ويرونه، ويسلم عليهم ويكلمهم ويكلمونه" انتهى.
وأما السنة:
ففي "الصحيحين" وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله عنه: «أن الناس قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل تضارون في القمر ليلة البدر؟ ". قالوا: لا يا رسول الله! قال: "فهل تضارون»
«في الشمس ليس دونها سحاب؟ ". قالوا: لا يا رسول الله! قال: "فإنكم ترونه كذلك» .... الحديث.
وفي "الصحيحين" وغيرهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه؛ قال: «قلنا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال: "هل تضارون في رؤية الشمس والقمر إذا كانت صحوا؟ قلنا: لا. قال: فإنكم لا تضارون في رؤية ربكم يومئذ إلا كما تضارون في رؤيتهما»
…
الحديث.
وفي "الصحيحين" وغيرهما عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه؛ قال: «كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلة البدر، وقال: " إنكم سترون ربكم عيانا كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروب الشمس؛ فافعلوا» .
وروى: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، وأبو داود السجستاني، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"؛ «عن أبي رزين العقيلي رضي الله عنه؛ قال: قلت: يا رسول الله! أكلنا يرى ربه مخليا به يوم القيامة؟ قال: "نعم". قلت: وما آية ذلك في خلقه؟ قال: "يا أبا رزين! أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر مخليا به؟ ". قلت: بلى. قال: "فالله أعظم، إنما هو خلق من خلق الله (يعني: القمر) ؛ فالله أجل وأعظم» .
وروى: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم؛ «عن صهيب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} ، وقال:"إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار؛ نادى مناد: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعدا يريد أن ينجزكموه. فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ألم يبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرنا من النار؟ ". قال: "فيكشف لهم الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب»
«إليهم من النظر إليه ولا أقر لأعينهم» .
وروى: ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال:«إن الله يبعث يوم القيامة مناديا ينادي: يا أهل الجنة (بصوت يسمع أولهم وآخرهم) ! إن الله وعدكم الحسنى وزيادة؛ فالحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الرحمن عز وجل»
وروى: ابن جرير أيضا، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "كتاب السنة"؛ عن كعب بن عجرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في «قوله:{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} قال: " النظر إلى وجه الرحمن عز وجل»
وروى: ابن جرير أيضا، وابن أبي حاتم، «عن أبي بن كعب رضي الله عنه، أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله عز وجل {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} قال: " الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله عز وجل»
وقد تقدم قريبا حديث أبي الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يسأل عن الورود؛ قال: «نحن يوم القيامة على كذا فوق الناس، فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد؛ الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك، فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربنا. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: حتى ننظر إليك. فيتجلى لهم يضحك»
…
الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "كتاب السنة".
وفي الصحيحين واللفظ للبخاري عن عدي بن حاتم رضي الله عنه؛ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه» .
وفي "الصحيحين" وغيرهما عن أبي موسى رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» .
وروى: الإمام أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"، وأبو بكر الآجري في كتاب "الشريعة"؛ عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال:«إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جنانه وزوجاته ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية (ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ) » .
وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أدنى أهل الجنة منزلة لرجل ينظر في ملكه ألفي سنة، يرى أقصاه كما يرى أدناه، ينظر في أزواجه وخدمه وسرره، وإن أفضل أهل الجنة منزلة لمن ينظر في وجه الله تعالى كل يوم مرتين» .
ورواه أيضا بنحوه، وزاد:"ثم تلا: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ} ؛ قال: البياض والصفاء. {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ؛ قال: ينظر كل يوم في وجه الله عز وجل".
قال الحاكم: "هذا حديث مفسر في الرد على المبتدعة". انتهى.
قال أبو بكر الآجري في "كتاب الشريعة": "تواترت الأخبار الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنظر إلى وجه الله عز وجل، فقبلها أهل العلم أحسن قبول". انتهى.
وقال ابن كثير في تفسير سورة القيامة: "وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحاديث الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها".
وقال أيضا: "قد تواترت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما دل عليه سياق الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} ". انتهى.
وأما الإجماع؛ فقال ابن كثير في تفسير سورة القيامة بعدما ساق بعض الأحاديث في رؤية المؤمنين لربهم في الدار الآخرة؛ قال: "وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام وهداة الأنام". انتهى.
الفائدة السابعة عشرة: إثبات صفة النظر لله عز وجل، وقد قال الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
وروى: الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه، وعبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة"؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» .
وجاء في عدة أحاديث: أن الله لا ينظر إلى من جر ثوبة خيلاء، وأنه لا ينظر إلى المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب، وأنه لا ينظر إلى من منع ابن السبيل فضل الماء، ولا إلى رجل حلف على سلعة بعد العصر كاذبا، ولا إلى رجل بايع إماما فإن أعطاه وفي له وإن لم يعطه لم يف له، ولا إلى متبرئ من والديه راغب عنهما، ولا إلى متبرئ من ولده، ولا إلى رجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرأ منهم، ولا إلى شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر، ولا إلى العاق لوالديه، ولا إلى المرأة المترجلة، ولا إلى الديوث.
فدلت الآية الكريمة والأحاديث الصحيحة على أن الله تعالى ينظر إلى
من لم يتصف بشيء مما ذكر في الآية والأحاديث التي أشرنا إليها.
وقد روى: ابن ماجه، وابن أبي حاتم، والبغوي؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أهل الجنة في نعيمهم؛ إذ طلع عليهم نور، فرفعوا رؤوسهم؛ فإذا الرب عز وجل قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة؛ فذلك قوله تعالى: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} ؛ قال: فينظر إليهم وينظرون إليه؛ فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينطرون إليه حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم» .
الفائدة الثامنة عشرة: إطلاق الشخص على الله تعالى.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين رضي الله عنه: "وقوله: "كيف ونحن ملء الأرض وهو شخص واحد؟! "؛ قد جاء هذا في هذا الحديث وفي قوله في حديث آخر: "لا شخص أغير من الله"، والمخاطبون بهذا؛ قوم عرب يعلمون المراد منه، ولا يقع في قلوبهم تشبيهه سبحانه بالأشخاص، بل هم أشرف عقولا وأصح أذهانا وأسلم قلوبا من ذلك، وحقق صلى الله عليه وسلم وقوع الرؤية عيانا برؤية الشمس والقمر تحقيقا لها ونفيا لتوهم المجاز الذي يظنه المعطلون". انتهى.
وقد قال البخاري في (كتاب التوحيد) من "صحيحه": "باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا شخص أغير من الله» ، وقال عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك: لا شخص أغير من الله".
وهذا الذي علقه البخاري قد رواه مسلم في "صحيحه"، فقال: حدثني عبيد الله بن عمر القواريري وأبو كامل فضيل بن حسين الجحدري واللفظ لأبي كامل؛ قالا: حدثنا أبو عوانة عن عبد الملك بن عمير عن وراد كاتب المغيرة عن
ثم قال مسلم: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن عبد الملك بن عمير بهذا الإسناد مثله، وقال:"غير مصفح"، ولم يقل:"عنه".
وقد رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" عن عبيد الله بن عمر القواريري ومحمد بن أبي بكر المقدمي: أخبرنا أبو عوانة (فذكره) .
وإسناده عن عبيد الله بن عمر أحد أسانيد مسلم، والآخر على شرط الشيخين.
ورواه أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة: حدثنا حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن عبد الملك: (فذكره) .
وإسناده إسناد مسلم.
ورواه الإمام أحمد في "مسنده"، فقال: حدثنا هشام بن عبد الملك أبو الوليد: حدثنا أبو عوانة عن عبد الملك: (فذكره) .
وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
ورواه الدارمي في "سننه"، فقال: حدثنا ابن أبي عدي: حدثنا عبيد الله
ابن عمرو عن عبد الملك بن عمير: (فذكره بنحوه) .
وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
وهذا الحديث الصحيح من الأحاديث التي تتلقى بالقبول وتمر كما جاءت، وهو أبلغ لما جاء في حديث أبي رزين رضي الله عنه من إطلاق الشخص على الله تعالى.
وقد قال عبد الله ابن الإمام أحمد في "مسند" أبيه: قال عبيد الله القواريري: "ليس حديث أشد على الجهمية من هذا الحديث: قوله: «لا شخص أحب إليه مدحة من الله عز وجل» .
الفائدة التاسعة عشرة: أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى، ويشهد لهذا.
وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله» .
رواه: مالك، وأحمد، والشيخان، وأهل السنن؛ من حديث عائشة رضي الله عنها. ورواه مسلم، وأبو داود، والنسائي؛ من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما. ورواه: مالك، وأحمد، والشيخان، وأهل السنن؛ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. ورواه: الشيخان، والنسائي؛ من حديث أبي
مسعود البدري رضي الله عنه. ورواه: الشيخان، والنسائي؛ من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ورواه الشيخان من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. ورواه النسائي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما. ورواه: البخاري، والنسائي؛ من حديث أبي بكرة رضي الله عنه. ورواه النسائي من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما. ورواه النسائي من حديث قبيصة بن مخارق الهلالي رضي الله عنه. ورواه النسائي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
الفائدة العشرون: إثبات العرض على الله يوم القيامة، ويشهد لهذا:
قوله الله تعالى: {وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ} .
وقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} .
وقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا}
…
الآية.
وروى: الإمام أحمد، والشيخان، وأهل السنن إلا ابن ماجه؛ عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نوقش الحساب عذب ". قالت: فقلت: أفليس قال الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} ؟! قال: "ليس ذلك بالحساب، ولكن ذلك العرض، من نوقش الحساب يوم القيامة؛ عذب» .
وروى الإمام أحمد عن وكيع عن علي بن علي بن رفاعة عن الحسن عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: فأما عرضتان فجدال ومعاذير، وأما الثالثة فعندها»
«تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله» .
وقد رواه ابن ماجه عن أبي بكر - وهو ابن أبي شيبة - عن وكيع: (فذكره بمثله) .
ورواه ابن أبي الدنيا عن أبي نصر التمار: حدثنا عقبة الأصم عن الحسن؛ قال: سمعت أبا موسى الأشعري رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فذكره بنحوه) .
ورواه الترمذي عن أبي كريب عن وكيع عن علي بن علي عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات: فأما عرضتان؛ فجدال ومعاذير، وأما العرضة الثالثة؛ فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي، فآخذ بيمينه، وآخذ بشماله» .
قال الترمذي: "ولا يصح هذا الحديث من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ".
وقد رواه بعضهم عن علي بن علي - وهو الرفاعي - عن الحسن عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال ابن كثير في "النهاية": "وقد وقع في "مسند أحمد " التصريح بسماعه منه، وقد يكون الحديث عنده عن أبي موسى وأبي هريرة، والله أعلم".
قال: "وأما الحافظ البيهقي؛ فرواه من طريق مروان الأصفر عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود من قوله مثله سواء". انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" بعدما نقل كلام الترمذي الذي تقدم ذكره: "وأخرجه البيهقي في "البعث" بسند حسن عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه موقوفا". انتهى.
الفائدة الحادية والعشرون: إثبات صفة اليد لله تعالى.
والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات صفة اليد لله تعالى؛ إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تحريف ولا تعطيل، والأدلة على ذلك كثيرة في الكتاب والسنة:
أما الكتاب:
فقول الله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} .
وقوله تعالى: {قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} .
وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} .
وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} .
وقوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} .
وأما السنة:
فروى: الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي؛ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المقسطين عند الله»
وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «لما خلق الله الخلق؛ كتب بيده على نفسه: إن رحمتي تغلب غضبي» .
وعن ابن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان ثلث الليل الباقي؛ يهبط الله عز وجل إلى السماء الدنيا، ثم تفتح أبواب السماء، ثم يبسط يده، فيقول: هل من سائل يعطى سؤله؟ فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو يعلى. قال الهيثمي:"ورجالهما رجال الصحيح".
وروى: مالك، وأحمد، والشيخان، وأهل السنن إلا النسائي؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احتج آدم وموسى عليهما السلام، فقال موسى: يا آدم! أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة. فقال له آدم: يا موسى! أنت اصطفاك الله بكلامه (وقال مرة: برسالته) ، وخط لك بيده؛ أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ ". قال: "حج آدم موسى حج آدم موسى» .
هذا لفظ إحدى روايات أحمد، ونحوه للبخاري.
وفي رواية لأحمد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لقي آدم موسى، فقال: أنت آدم الذي خلقك الله بيده» ..... الحديث.
ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" من طريق أبيه.
وروى ابن حبان في "صحيحه «عن أبي ذر رضي الله عنه؛ قال: قلت:»
وروى ابن حبان أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما خلق الله آدم، ونفخ فيه الروح؛ عطس، فقال: الحمد لله
…
(الحديث، وفيه:) وقال الله جل وعلا ويداه مقبوضتان: اختر أيهما شئت. فقال: اخترت يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين مباركة، ثم بسطها؛ فإذا فيها آدم وذريته» .... الحديث.
وروى مالك في "الموطأ" عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله خلق آدم، ثم مسح ظهره بيمينه، فاستخرج منه ذرية» ....... الحديث.
ورواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان في "صحيحه"؛ من طريق مالك، وقال الترمذي:"هذا حديث حسن".
وفي "الصحيحين" و"سنن" أبي داود وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يطوي الله عز وجل السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك؛ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله، ثم يقول: أنا الملك؛ أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟» .
هذا لفظ إحدى روايات مسلم.
وفي رواية له «عن عبيد الله بن مقسم: أنه نظر إلى عبد الله بن عمر رضي»
وروى: البخاري، وابن ماجه أيضا؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك؛ أين ملوك الأرض» .
وفي "صحيح البخاري " أيضا، و"مسند الإمام أحمد "، و"سنن ابن ماجه "؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يد الله ملأى، لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار". وقال: "أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض؟ فإنه لم يغض ما في يده". وقال: "عرشه على الماء، وبيده الأخرى الميزان؛ يخفض ويرفع» .
هذا لفظ البخاري. ورواه الإمام أحمد أيضا ومسلم مختصرا.
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب "السنة" عن النواس بن سمعان رضي الله عنه: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «الميزان بيد الرحمن؛ يرفع أقواما ويخفض آخرين إلى يوم القيامة، وقلب ابن آدم بين أصابع الرحمن: إذا شاء أقامه، وإذا شاء أزاغه". وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك» .
وقد رواه ابن ماجه بنحوه. قال في "الزوائد": "وإسناده صحيح".
وروى: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا تصدق»
هذا لفظ إحدى روايات أحمد.
والأحاديث في إثبات صفة اليد لله تعالى كثيرة جدا، وفيما ذكرته هاهنا كفاية إن شاء الله تعالى.
الفائدة الثانية والعشرون: إثبات صفة الفعل لله تعالى.
والقرآن مملوء من الأدلة على إثبات صفات الأفعال لله تعالى، وكذلك السنة، والذي عليه أهل السنة والجماعة إثبات صفات الأفعال لله تعالى إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تحريف ولا تعطيل.
الفائدة الثالثة والعشرون: تبييض وجوه المسلمين يوم القيامة وتسويد وجوه الكافرين.
ويشهد لهذا قول الله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "تبيض وجوه أهل السنة، وتسود وجوه أهل البدعة".
وروى الترمذي، وابن حبان في "صحيحه"، والبزار من حديث السدي؛ عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في «قوله تعالى:{يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ} ؛ قال: "يدعي أحدهم، فيعطى كتابه بيمينه، ويمد له في جسمه ستون ذراعا، ويبيض وجهه، ويجعل على رأسه تاج من لؤلؤ يتلألأ".
»
قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب".
الفائدة الرابعة والعشرون: إثبات الصراط ومرور الخلق عليه.
ويشهد لهذا قول الله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} .
وقد روى الإمام أحمد عن أبي سمية؛ قال: اختلفنا هاهنا في الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعا، ثم ينجي الله الذي اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، فقلت: إنا اختلفنا في ذلك الورود، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعا. فأهوى بأصبعيه إلى أذنيه، وقال: صمتا؛ إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الورود الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم، حت إن للنار (أو قال: لجهنم) ضجيجا من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا» .
قال الهيثمي: "رجاله ثقات". وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، وقال "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى الحاكم أيضا عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يرد الناس النار، ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق،»
«ثم كالريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب في رحلة، ثم كشد الرجل، ثم كمشيه» .
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه:«أن الناس قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فذكر الحديث بطوله، وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم؛ فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان، هل رأيتم شوك السعدان؟ ". قالوا: نعم. قال: "فإنها مثل شوك السعدان؛ غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تعالى، تخطف الناس بأعمالهم؛ فمنهم من يوبق بعمله، ومنهم المخردل ثم ينجو» ...... الحديث.
وروى: الإمام أحمد، والشيخان أيضا؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه؛ قال:«قلنا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم.... (فذكر الحديث بطوله، وفيه:) ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة، ويقولون: اللهم سلم سلم". قيل: يا رسول الله! وما الجسر؟ قال: "دحض مزلة، فيه خطاطيف وكلاليب وحسكة تكون بنجد فيها شويكة يقال لها: السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين وكالبرق والريح وكالطير وكأجاويد الخيل والركاب؛ فناج مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم» ...... الحديث.
وروى مسلم أيضا عن أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما؛ قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يجمع الله تبارك وتعالى الناس
…
(الحديث، وفيه:) وترسل»
وروى: الإمام أحمد، ومسلم، وعبد الله ابن الإمام أحمد؛ عن أبي الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يسأل عن الورود، فقال:«نجيء نحن يوم القيامة على كذا فوق الناس، فتدعى الأمم بأوثانها وما كانت تعبد: الأول فالأول، ثم يأتينا ربنا بعد ذلك، فيقول: من تنظرون؟ فيقولون: ننظر ربنا. فيقول: أنا ربكم. فيقولون: حتى ننظر إليك. فيتجلى لهم يضحك". قال: "فينطلق بهم ويتبعونه، ويعطى كل إنسان منهم منافق أو مؤمن نورا، ثم يتبعونه، وعلى جسر جهنم كلاليب وحسك، تأخذ من شاء الله، ثم يطفأ نور المنافقين، ثم ينجو المؤمنون» ...... الحديث.
وروى الإمام أحمد أيضا عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ولجهنم جسر أرق من الشعرة، وأحد من السيف، عليه كلاليب وحسك يأخذان من شاء الله، والناس عليه كالطرف وكالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب، والملائكة يقولون: رب سلم سلم، فناج مسلم، ومخدوش، ومكور في النار على وجهه» .
قال الهيثمي: "فيه ابن لهيعة، وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح".
وروى الإمام أحمد أيضا عن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «يحمل الناس على الصراط يوم القيامة، فتتقادع بهم جنبتا الصراط تقادع»
«الفراش في النار، فينجي الله تعالى برحمته من يشاء» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح". قال: "رواه الطبراني في "الصغير" و"الكبير" بنحوه، ورواه البزار أيضا، ورجاله رجال الصحيح".
وروى الطبراني عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ قال: «يوضع الصراط على سواء جهنم مثل حد السيف المرهف مدحضة مزلة عليه كلاليب من نار تخطف بها؛ فممسك يهوي فيها ومصروع، ومنهم من يمر كالبرق فلا ينشب ذلك أن ينجو، ثم كالريح فلا ينشب ذلك أن ينجو، ثم كجري الفرس، ثم كسعي الرجل، ثم كرمل الرجل، ثم كمشي الرجل»
…
الحديث.
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح؛ غير عاصم، وقد وثق ".
وروى الحاكم في "مستدركه" عن أبي الزعراء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حديثا طويلا قال فيه: «ثم يؤمر بالصراط، فيضرب على جهنم، فيمر الناس كقدر أعمالهم زمرا كلمح البرق، ثم كمر الريح، ثم كمر الطير، ثم كأسرع البهائم، ثم كذلك، حتى يمر الرجل سعيا، ثم مشيا، ثم يكون آخرهم رجلا يتلبط على بطنه". قال: "فيقول: أي رب! لماذا أبطأت بي؟ فيقول: لم أبطئ بك، إنما أبطأ بك عملك» .... الحديث.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في موضع من "تلخيصه"، وقال في موضع آخر:"ما احتجا بأبي الزعراء ".
قلت: ولحديثه هذا شواهد كثيرة من الأحاديث الصحيحة التي تقدم ذكرها.
وقد جاء في ذكر الصراط أحاديث كثيرة سوى ما ذكرته هاهنا، وفيما ذكرته كفاية إن شاء الله تعالى.
الفائدة الخامسة والعشرون: إثبات كلام الرب تبارك وتعالى لمن شاء في الدار الآخرة.
وقد جاء ذكره في حديث أبي رزين رضي الله عنه في موضعين.
الأول: قوله: "فيقول ربك: مهيم".
والثاني: قوله: "يقول ربك عز وجل: أو أنه".
وقد ثبت أيضا تكليم الرب تبارك وتعالى لبعض الرسل في الدنيا وتكليمه لبعض الشهداء في البرزخ.
فأما تكليمه لبعض الرسل في الدنيا:
فقد قال تعالى: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ} .
وقال تعالى: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} .
وقال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ} .
وقال تعالى: {قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي} .
وقال تعالى: {وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا} .
إلى غير ذلك من الآيات في نداء الرب تبارك وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام.
وقد كلم الله تبارك وتعالى رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، وفرض عليه الصلوات الخمس بدون واسطة بينه وبينه، والأحاديث بذلك مذكورة في "الصحيحين" وغيرهما من وجوه كثيرة.
وروى الإمام أحمد «عن أبي ذر رضي الله عنه؛ قال: قلت: يا رسول الله! أي الأنبياء كان أول؟ قال: " آدم ". قلت: يا رسول الله! ونبي كان؟ قال: "نعم؛ نبي مكلم» .
وروى الحاكم في "مستدركه «عن أبي أمامة رضي الله عنه: أن رجلا قال: يا رسول الله! أنبي كان آدم؟ قال: "نعم؛ معلم مكلم» .
قال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى ابن حبان في "صحيحه «عن أبي ذر رضي الله عنه؛ قال: "قلت: يا رسول الله! كم الرسل؟ قال: "ثلاث مائة وثلاثة عشر جما غفيرا". قلت: يا رسول الله! من كان أولهم؟ قال: "آدم عليه السلام". قلت: يا رسول الله! أنبي مرسل؟ قال: "نعم؛ خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وكلمه قبلا» .
قوله: "قبلا": قال ابن الأثير في "النهاية". "أي: عيانا ومقابلة، لا من وراء حجاب، ومن غير أن يولي أمره أو كلامه أحدا من ملائكته". انتهى.
وروى: ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن خزيمة؛ عن النواس بن سمعان رضي الله عنه؛ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إذا أراد الله تبارك وتعالى أن يوحي بأمره؛ تكلم بالوحي، فإذا تكلم بالوحي؛ أخذت السماوات منه رجفة (أو قال: رعدة شديدة) من خوف الله تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السماوات؛ صعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل عليه السلام، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فيمضي به جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء؛ سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول: قال الحق وهو العلي الكبير. فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله تعالى من السماء والأرض» .
وأما تكليم الرب لبعض الشهداء:
ففي "صحيح مسلم " عن مسروق؛ قال: سألنا عبد الله (يعني: ابن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية: « {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} ، فقال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "أرواحهم في جوف طير خضر، لها قناديل معلقة بالعرش، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى تلك القناديل، فاطلع عليهم ربهم اطلاعة، فقال: هل تشتهون شيئا؟ فقالوا: أي شيء نشتهي ونحن نسرح من الجنة حيث شئنا؟! ففعل بهم ذلك ثلاث مرات، فلما رأوا أنهم لن يتركوا من أن يسألوا. قالوا: يا رب! نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا، حتى نقتل في سبيلك مرة أخرى. فلما رأى أن ليس لهم حاجة؛ تركوا» .
وروى: ابن مردويه، والبيهقي في "دلائل النبوة"؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ قال:«نظر إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فقال: "يا جابر! ما لي أراك مهتما؟ ". قال: قلت: يا رسول الله! استشهد أبي وترك دينا وعيالا. قال: فقال: "ألا أخبرك؟ ما كلم الله أحدا قط إلا من وراء حجاب، وإنه كلم أباك كفاحا (قال علي - وهو ابن المديني أحد رواته -: والكفاح: المواجهة) قال: سلني أعطك. قال: أسألك أن أرد إلى الدنيا، فأقتل فيك ثانية. فقال الرب عز وجل: إنه قد سبق مني القول أنهم إليها لا يرجعون. قال: أي رب! فأبلغ من ورائي. فأنزل الله: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا} . الآية.»
وقد رواه: الترمذي، وابن ماجه؛ بنحوه. وقال الترمذي:"هذا حديث حسن غريب".
وأما تكليم الرب تبارك وتعالى لمن شاء في الدار الآخرة؛ فقد ثبت أنه
ينادي العباد عامة ويكلمهم، وثبت أنه يكلم الرسل، وجاء أنه يكلم العلماء، وثبت أنه يكلم المذنبين، وثبت أنه يكلم عموم المؤمنين في الجنة، وثبت أنه ينادي الكفار يوم القيامة ويكلمهم على سبيل التوبيخ والتقريع.
فأما نداؤه العباد عامة وتكليمه لهم:
ففي "مسند الإمام أحمد " عن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الناس يوم القيامة (أو قال: العباد) عراة غرلا بهما". قال: قلنا: وما بهما؟ قال: "ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك! أنا الديان! لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى أقصه منه، حتى اللطمة". قال: قلنا: كيف؛ وإنما نأتي الله عز وجل عراة غرلا بهما. قال: "بالحسنات والسيئات» .
قال الهيثمي: "رجاله وثقوا، ورواه الطبراني في "الأوسط" بنحوه". وقال الهيثمي أيضا في موضع آخر: "هو عند أحمد والطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن". وقال المنذري: "رواه أحمد بإسناد حسن".
وقد رواه الحاكم في "مستدركه"، ولفظه: قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الله العباد (أو قال: الناس) عراة غرلا بهما". قال: قلنا: ما بهما؟ قال: "ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك! أنا الديان! لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وعنده مظلمة حتى أقصه منه حتى اللطمة". قال: قلنا: كيف ذا وإنما نأتي الله غرلا بهما؟! قال: "بالحسنات والسيئات". قال: وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم:»
« {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ} » .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وفي "الصحيحين" واللفظ للبخاري عن عدي بن حاتم رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه» .
وأما تكليم الرب تبارك وتعالى للرسل:
…
الآية.
وروى: الإمام أحمد، والبخاري؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«أول من يدعى يوم القيامة آدم، فتراءى ذريته، فيقال: هذا أبوكم آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج بعث جهنم من ذريتك، فيقول: يا رب! كم أخرج؟ فيقول: أخرج من كل مائة تسعة وتسعين» ....." الحديث.
وروى: الإمام أحمد، والشيخان واللفظ للبخاري؛ عن أبي سعيد رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى يوم القيامة: يا آدم! فيقول لبيك ربنا وسعديك. فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار. قال: يا رب! وما بعث النار؟ قال: من كل ألف أراه قال: تسع مائة وتسعه وتسعين» ....... الحديث.
وأما تكليم الرب تبارك وتعالى للعلماء:
فيروى الطبراني عن ثعلبة بن الحكم؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى للعلماء إذا جلس على كرسيه لفصل القضاء: إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي» .
وأما تكليم ربك تبارك وتعالى للمذنبين:
فروى: الإمام أحمد، والشيخان، وغيرهم؛ عن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله عز وجل يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه، ويستره من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه قد هلك؛ قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون؛ فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا لعنة الله على الظالمين» .
وأما تكليم الرب تبارم وتعالى لعموم المؤمنين في الجنة:
فقد روى: أبو داود الطيالسي، والطبراني؛ عن معاذ بن جبل رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شئتم أنبأتكم بأول ما يقول الله عز وجل للمؤمنين يوم القيامة وبأول ما يقولون". قالوا: نعم يا رسول الله! قال: "إن الله»
قال الهيثمي: " رواه الطبراني بسندين أحدهما حسن".
وتقدم قريبا حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بينا أهل الجنة في نعيمهم؛ إذ سطع عليهم نور، فرفعوا رؤوسهم؛ فإذ الرب عز وجل قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الجنة! فذلك قوله تعالى: {سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ} ". قال: "فينظر إليهم وينظرون إليه؛ فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه، حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره وبركته عليهم في ديارهم» .
رواه: ابن ماجه، وابن أبي حاتم، والبغوي.
وفي "الصحيحين" وغيرهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك. فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟! فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب! وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني؛ فلا أسخط عليكم بعده أبدا» .
والأحاديث في تكليم الرب تبارك وتعالى لأهل الجنة كثيرة.
وأما نداء الرب تبارك وتعالى للكفار يوم القيامة ومخاطبته لهم على سبيل التقريع والتوبيخ:
فقد قال تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} .
وروى الترمذي عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما؛ قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالعبد يوم القيامة، فيقول له: ألم أجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا وسخرت لك الأنعام والحرث وتركتك ترأس وتربع فكنت تظن أنك ملاقي يومك هذا؟! فيقول: لا. فيقول له: اليوم أنساك كما نسيتني» .
قال الترمذي: "هذا حديث صحيح غريب. ومعنى قوله: "اليوم أنساك كما نسيتني": اليوم أتركك في العذاب. وكذا فسر بعض أهل العلم هذه الآية: {فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ} ؛ قالوا: معناه: اليوم نتركهم في العذاب". انتهى كلام الترمذي.
وقال ابن كثير في "النهاية": "هذا فيه صراحة عظيمة في تكليم الله تعالى ومخاطبته لعبده الكافر". انتهى.
وفي "صحيح مسلم " عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يلقى العبد ربه، فيقول: أي فل! ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟! فيقول: بلى يا رب! فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني، فيقول: أي فل! ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟! فيقول: بلى يا رب! فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا. فيقول: فإني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثالث، فيقول: أي فل! ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع؟! فيقول: بلى يا رب! فيقول: أظننت أنك ملاقي؟ فيقول: أي رب! آمنت بك وبكتابك وبرسلك، وصليت وصمت وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع. فيقول: هاهنا إذا، ثم»
قوله: "أي فل! "؛ أي: يا فلان. قال المنذري: "حذفت منه الألف والنون لغير ترخيم؛ إذ لو كان ترخيما؛ لما حذفت الألف". وقال ابن الأثير في "النهاية": "معناه: يا فلان! وليس ترخيما له؛ لأنه لا يقال إلا بسكون اللام، ولو كان ترخيما؛ لفتحوها أو ضموها". قال سيبويه: "ليست ترخيما، وإنما هي صيغة ارتجلت في باب النداء، وقد جاء في غير النداء؛ قال:
في لجة أمسك فلانا عن فل
فكسر اللام للقافية". وقال الأزهري: "ليس بترخيم فلان، ولكنها كلمة على حدة، فبنو أسد يوقعونها على الواحد والاثنين والجمع والمؤنث بلفظ واحد، وغيرهم يثني ويجمع ويؤنث، وفلان وفلانة كناية عن الذكر والأنثى من الناس، فإن كنيت بهما عن غير الناس؛ قلت: الفلان والفلانة، وقال قوم: إنه ترخيم فلان، فحذفت النون للترخيم، والألف لسكونها، وتفتح اللام وتضم على مذهبي الترخيم". انتهى.
وقوله: "أسودك"؛ بتشديد الواو وكسرها؛ أي: أجعلك سيدا في قومك.
وقوله: "ترأس"؛ بفتح التاء وإسكان الراء وفتح الهمزة؛ أي: تصير رئيسا. قال ابن الأثير في "النهاية": "رأس القوم يترأسهم رئاسة إذا صار رئيسهم ومقدمهم".
وقوله: "وتربع"؛ بفتح التاء والباء الموحدة. قال ابن الأثير: "أي: تأخذ ربع الغنيمة؛ يقال: ربعت القوم أربعهم: إذا أخذت ربع أموالهم؛ مثل: عشرتهم أعشرهم؛ يريد: ألم أجعلك رئيسا مطاعا؛ لأن الملك كان يأخذ الربع
من الغنيمة في الجاهلية دون أصحابه، ويسمى ذلك الربع: المرباع". انتهى.
الفائدة السادسة والعشرون: إثبات حوض النبي صلى الله عليه وسلم في الدار الآخرة وقد تواترت الأحاديث بذلك.
قال ابن كثير في "النهاية": "ذكر ما ورد في الحوض النبوي المحمدي من الأحاديث المتواترة المتعددة من الطرق الكثيرة المتظاهرة، وإن رغمت أنوف كثيرة من المبتدعة المعاندة المكابرة القائلين بجحوده المنكرين لوجوده، وأخلق بهم أن يحال بينهم وبين وروده، كما قال بعض السلف: من كذب بكرامة لم ينلها. ولو اطلع المنكر للحوض على ما سنورده من الأحاديث قبل مقالته؛ لم يقلها.
روي ذلك عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم؛ منهم: أبي بن كعب، وأنس بن مالك، والحسن بن علي، وحمزة بن عبد المطلب، والبراء بن عازب، وبريدة بن الحصيب، وثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجابر بن سمرة، وجابر بن عبد الله، وجندب بن عبد الله البجلي، وحارثة بن وهب، وحذيفة بن أسيد، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد لله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن مسعود، وعتبة بن عبد السلمي، وعثمان بن مظعون، والمستورد، وعقبة بن عامر الجهني، والنواس بن سمعان، وأبو أمامة الباهلي، وأبو برزة الأسلمي، وأبو بكرة، وأبو ذر الغفاري، وأبو سعيد الخدري، وخولة بنت قيس، وأبو هريرة الدوسي، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة، وأم سلمة؛ رضي الله عنهم أجمعين، وامرأة حمزة عم الرسول صلى الله عليه وسلم وهي من بني النجار ".
وقد ساق ابن كثير هذه الأحاديث مستوفاة من جميع طرقها سوى روايتي البراء بن عازب وخولة بنت قيس رضي الله عنها؛ فإنه لم يذكرهما، وقد أشار
إلى رواية البراء بن عازب في بعض الروايات عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وزاد على ما تقدم ذكره خمسة أحاديث عن عمر بن الخطاب وسلمان الفارسي وسمرة بن جندب وسهل بن سعد وعبد الله بن زيد بن عاصم المازني رضي الله عنهم، فمن أراد الوقوف على هذه الأحاديث؛ فليراجعها في كتاب "النهاية" لابن كثير.
وقد ذكر الهيثمي حديث خولة بنت قيس في "مجمع الزوائد"، وذكر أنها هي زوجة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وذكر أيضا حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما، وساق جملة من الأحاديث التي ذكرها ابن كثير، وزاد معها أربعة أحاديث لم يذكرها ابن كثير، وهي عن أبي الدرداء وأبي مسعود والعرباض بن سارية وخولة بنت حكيم رضي الله عنهم.
فهؤلاء مع ما ذكره ابن كثير اثنان وأربعون صحابيا رووا أحاديث الحوض عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الفائدة السابعة والعشرون: تطهير أهل الجنة من الطوف - وهو الغائط - ومن البول والأذى.
ويشهد لهذا ما رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد ضوء كوكب دري في السماء إضاءة؛ لا يبولون، ولا يتغوطون، ولا يتفلون، ولا يمتخطون؛ أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجاهرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم، في طول ستين ذراعا» .
وروى: الإمام أحمد، ومسلم أيضا، وأبو داود؛ عن جابر بن عبد الله
رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتغوطون ولا يبولون ولا يمتخطون ولا يبزقون، طعامهم جشاء ورشح كرشح المسك» .
وروى: الإمام أحمد أيضا، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"؛ عن زيد بن أرقم رضي الله عنه؛ قال:«أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل من اليهود، فقال: يا أبا القاسم! ألست تزعم أن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون؟ وقال لأصحابه: إن أقر لي بهذه خصمته. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بلى، والذي نفسي بيده؛ إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في المطعم والمشرب والشهوة والجماع". قال اليهودي: إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة. قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "حاجة أحدهم عرق يفيض من جلودهم مثل ريح المسك، فإذا البطن قد ضمر» .
ورواه الطبراني والبزار أيضا. قال الهيثمي: "ورجال أحمد والبزار رجال الصحيح؛ غير ثمامة بن عقبة، وهو ثقة".
الفائدة الثامنة والعشرون: حبس الشمس والقمر يوم القيامة.
ويشهد لهذا ما رواه البخاري في "صحيحه" عن عبد الله الداناج؛ قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «الشمس والقمر مكوران يوم القيامة» .
ورواه البزار بإسناد صحيح على شرط مسلم، ولفظه: عن عبد الله الداناج؛ قال: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن زمن خالد بن عبد الله القسري في هذا المسجد مسجد الكوفة، وجاء الحسن، فجلس إليه، فحدث؛ قال: حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشمس والقمر ثوران في النار عقيران يوم القيامة ". فقال الحسن: وما ذنبهما؟ فقال: أحدثك»
«عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقول: وما ذنبهما؟!»
الفائدة التاسعة والعشرون: إثبات الجزاء بالحسنات والسيئات. والقرآن والسنة مملوآن من الأدلة على ذلك.
الفائدة الثلاثون: إثبات وجود الجنة والنار. والقرآن والسنة مملوآن من الأدلة على ذلك.
قال ابن كثير في "النهاية": "والجنة والنار موجودتان الآن؛ فالجنة معدة للمتقين، والنار معدة للكافرين؛ كما نطق بذلك القرآن العظيم، وتواترت بذلك الأخبار عن رسول رب العالمين. وهذا اعتقاد أهل السنة والجماعة المتمسكين بالعروة الوثقى، وهي السنة، إلى قيام الساعة؛ خلافا لمن زعم أن الجنة والنار لم تخلقا بعد، وإنما تخلقان يوم القيامة. وهذا القول صدر ممن لم يطلع على الأحاديث المتفق على إخراجها في "الصحيحين" وغيرهما من كتب الإسلام المعتمدة المشهورة بالأسانيد الصحيحة والحسنة مما لا يمكن دفعه ولا رده لتواتره واشتهاره". انتهى.
الفائدة الحادية والثلاثون: ذكر أبواب الجنة وأبواب النار وما بين كل بابين من بعد المسافة.
وقوله تعالى: {جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ} .
وقوله تعالى: {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} .
وقوله تعالى: {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ} .
وروى: مالك، وأحمد، والشيخان، والترمذي، والنسائي؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله؛ دعي من أبواب الجنة، وللجنة أبواب، فمن كان من أهل الصلاة؛ دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة؛ دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد؛ دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام؛ دعي من باب الريان". فقال أبو بكر رضي الله عنه: والله يا رسول الله؛ ما على أحد من ضرورة من أيها دعي؛ فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال: "نعم؛ وإني أرجو أن تكون منهم» .
وفي "الصحيحين" وغيرهما عن سهل بن سعد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة ثمانية أبواب، باب منها يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون» .
وفي "صحيح مسلم " عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما منكم من أحد يتوضأ، فيبلغ (أو: فيسبغ) الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله؛ إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية؛ يدخل من أيها شاء» .
ورواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي بنحوه. قال الترمذي:"وفي الباب عن أنس وعقبة بن عامر ".
قلت: وحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه الذي أشار إليه الترمذي قد
رواه الإمام أحمد في "مسنده".
وروى الإمام أحمد أيضا عن عمر رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من مات يؤمن بالله واليوم الآخر؛ قيل له: ادخل الجنة من أي أبواب الجنة الثمانية شئت» .
والأحاديث في ذكر أبواب الجنة وأنها ثمانية كثيرة.
وأما أبواب النار؛ فقد تقدم ذكر النص من القرآن على أنها سبعة.
وروى: الإمام أحمد، والترمذي؛ عن ابن عمر رضي الله عنهما: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لجهنم سبعة أبواب، باب منها لمن سل سيفه على أمتي (أو قال: أمة محمد) » .
قال الترمذي: "حديث غريب".
وقد جاء في ذكر المسافة بين أبواب الجنة أحاديث مختلفة في ألفاظها، وقد جمع ابن القيم رحمه الله تعالى بين بعضها بجمع حسن؛ قال في الكلام على حديث أبي رزين العقيلي رضي الله عنه.
"وقوله: "ما بين البابين مسيرة سبعين عاما": يحتمل أن يريد به أن بين الباب والباب هذا المقدار، ويحتمل أن يريد بالبابين المصراعين، ولا يناقض هذا ما جاء من تقديره بأربعين عاما؛ لوجهين:
أحدهما: أنه لم يصرح فيه راويه بالرفع، بل قال:"ولقد ذكر لنا أن ما بين المصراعين مسيرة أربعين عاما".
والثاني: أن المسافة تختلف باختلاف سرعة السير فيها وبطئه، والله أعلم".
الفائدة الثانية والثلاثون: إثبات نعيم الجنة. والأدلة على ذلك من القرآن والسنة كثيرة جدا يشق حصرها.
الفائدة الثالثة والثلاثون: إثبات الجماع في الجنة، وقد تقدم إيراد الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة في الفصل الثاني من الفصول التي في آخر (باب النفخ في الصور) ؛ فلتراجع هناك.
الفائدة الرابعة والثلاثون: أنه ليس في الجنة توالد.
وفي هذه المسألة خلاف بين العلماء؛ قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين رضي الله عنه: "وقوله في نساء الجنة: "غير أن لا توالد": قد اختلف الناس؛ هل تلد نساء أهل الجنة على قولين، فقالت طائفة: لا يكون فيها حبل ولا ولادة، واحتجت هذه الطائفة بهذا الحديث وبحديث آخر - أظنه في "المسند" - وفيه: (غير أن لا مني ولا منية".
قلت: هذا الحديث رواه الطبراني في "الكبير" من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، وتقدم في الفصل الثاني بعد (باب النفخ في الصور) .
"وأثبتت طائفة من السلف الولادة في الجنة، واحتجت بما رواه الترمذي في "جامعه" من حديث أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المؤمن إذا اشتهى الولد في الجنة؛ كان حمله ووضعه وسنه في ساعة كما يشتهي» . قال الترمذي: "حسن غريب، ورواه ابن ماجه ".
قالت الطائفة الأولى: هذا لا يدل على وقوع الولادة في الجنة؛ فإنه علقه بالشرط، فقال:"إذا اشتهى"، وحكمه لا يشتهى. وهذا تأويل إسحاق بن راهويه، حكاه البخاري عنه.
قالوا: والجنة دار خلود؛ لا موت فيها، فلو توالد فيها أهلها على الدوام والأبد؛ لما وسعتهم، وإنما وسعتهم الدنيا بالموت.
وأجابت الطائفة الأخرى عن ذلك كله، وقالت: أداة (إذا) إنما تكون لمحقق الوقوع لا المشكوك فيه، وقد صح أن الله سبحانه وتعالى ينشئ للجنة خلقا يسكنهم إياها بلا عمل منهم. قالوا: وأطفال المسلمين أيضا فيها بغير عمل، وأما حديث سعتها؛ فلو رزق كل واحد عشرة آلاف من الولد؛ لوسعتهم؛ فإن أدناهم من ينظر في ملكه مسيرة ألفي عام. انتهى.
وقد ذكر ابن كثير في "النهاية" رواية الحاكم عن أبي سعيد رضي الله عنه؛ قال: «قيل: يا رسول الله! أيولد لأهل الجنة؟ فإن الولد من تمام السرور؟ فقال: "نعم؛ والذي نفسي بيده؛ ما هو إلا كقدر ما يتمنى أحدكم، فيكون حمله ورضاعه وشبابه» .
قال ابن كثير: "وهذا السياق يدل على أن هذا أمر يقع؛ خلافا لما حكاه البخاري والترمذي عن إسحاق بن راهويه أن ذلك محمول على أنه لو أراد ذلك ولكن لا يريده، ونقل عن جماعة من التابعين كطاوس ومجاهد وإبراهيم وغيرهم أن الجنة لا يولد فيها، وهذا صحيح، وذلك أن جماعهم لا يقتضي ولدا كما هو الواقع في الدنيا، فإن الدنيا دار يراد منها بقاء النسل لتعمر، وأما الجنة فالمراد منها بقاء اللذة، ولهذا؛ لا يكون في جماعهم مني يقطع لذة جماعهم، ولكن إذا أحب أحدهم الولد؛ وقع ذلك كما يريد، قال الله تعالى: {لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ} ". انتهى.
الفائدة الخامسة والثلاثون: ترك الجواب لمن سأل عن الغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى. ويشهد لهذا:
قول الله تعالى: {يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ} .
…
الآية.
وقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا} .
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين رضي الله عنه: "وقوله: "يا رسول الله! ما أقصى ما نحن بالغون ومنتهون إليه؟ ": لا جواب لهذه المسألة؛ لأنه إن أراد أقصى مدة الدنيا وانتهائها؛ فلا يعلمه إلا الله، وإن أراد أقصى ما نحن منتهون إليه بعد دخول الجنة والنار؛ فلا تعلم نفس أقصى ما ينتهى إليه من ذلك، وإن كان الانتهاء إلى نعيم وجحيم، ولهذا لم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم". انتهى.
الفائدة السادسة والثلاثون: المبايعة على التوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ومفارقة المشركين، ويشهد لهذا:
وقوله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} .
وفي "الصحيحين" وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول»
وروى: الإمام أحمد، والبخاري في "تاريخه"، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
وروى: الإمام أحمد، وابن ماجه، والدارقطني أيضا؛ عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه أيضا.
وروى: النسائي، والدارقطني، والحاكم؛ عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك أيضا.
إلى غير ذلك من الأحاديث في مبايعة المشركين على التوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
وأما مفارقة المشركين؛ فهي واجبة مع القدرة.
قال الشيخ الموفق في كتاب "المغني": "الناس في الهجرة على ثلاثة أضرب:
أحدها: من تجب عليه، وهو من يقدر عليها ولا يمكنه إظهار دينه ولا تمكنه إقامة واجبات دينه مع المقام بين الكفار؛ فهذا تجب عليه الهجرة؛ لقول الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} .
وهذا وعيد شديد يدل على الوجوب، ولأن القيام بواجب دينه واجب على من قدر عليه، والهجرة من ضروب الواجب وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به؛ فهو واجب.
الثاني: من لا هجرة عليه، وهو من يعجز عنها: إما لمرض، أو إكراه على
الإقامة، أو ضعف من النساء والولدان وشبههم؛ فهذا لا هجرة عليه؛ لقول الله تعالى:{إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} ، ولا توصف باستحباب؛ لأنها غير مقدور عليها.
والثالث: من تستحب له ولا تجب عليه، وهو من يقدر عليها، لكنه يتمكن من إظهار دينه وإقامته في دار الكفر، فتستحب له؛ ليتمكن من جهادهم وتكثير المسلمين ومعونتهم، ويتخلص من تكثير الكفار ومخالطتهم ورؤية المنكر بينهم، ولا تجب عليه؛ لإمكان إقامة واجب دينه بدون الهجرة". انتهى.
قال في "الفروع": "وذكر ابن الجوزي أنها تجب عليه؛ أي: على هذا الضرب الأخير". قال: "وأطلق ذلك". انتهى.
وهذا الذي ذكره ابن الجوزي جيد قوي يدل عليه ظاهر القرآن والأحاديث التي سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.
أما القرآن؛ فإن الله تعالى لم يعذر عن الهجرة إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا، ولو كان للقوي القادر على إظهار دينه في دار الكفر عذر؛ لعذره الله تعالى كما عذر المستضعفين، وقد قال الله تعالى:{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا} ؛ فقطع الموالاة بين من هاجر ومن لم يهاجر، فدل على أنه لا عذر لأحد في ترك الهجرة؛ إلا للمستضعفين الذين نص الله عليهم في سورة النساء.
وأما الأحاديث:
فمنها ما رواه أبو داود عن سمرة بن جندب رضي الله عنه؛ قال: أما بعد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من جامع المشرك وسكن معه؛ فإنه مثله» .
ورواه الترمذي معلقا بصيغة الجزم، فقال: وروى سمرة بن جندب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم؛ فهو مثلهم» .
ورواه الحاكم في "مستدركه" موصولا من حديث الحسن عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «لا تساكنوا المشركين ولا تجامعوهم، فمن ساكنهم أو جامعهم؛ فليس منا» .
قال الحاكم: "صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه"، وقال الذهبي في "تلخيصه":"على شرط البخاري ومسلم ".
وظاهر هذا الحديث العموم لكل من جامع المشركين وساكنهم اختيارا منه لذلك لا اضطرارا وعجزا.
ومنها ما رواه: أبو داود، والترمذي؛ عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين". قالوا: يا رسول الله! لم؟ قال: "لا تراءى ناراهما» .
ورواه الطبراني في "الكبير"، والبيهقي، ولفظهما: قال: «من أقام مع المشركين؛ فقد برئت منه الذمة» .
وفي هذا الحديث والحديث قبله وعيد شديد لمن جامع المشركين وساكنهم اختيارا.
قال الفضل بن زياد: "سمعت أحمد رحمه الله تعالى يسأل عن معنى: «لا تراءى ناراهما» . فقال: لا تنزل من المشركين في موضع إذا أوقدت رأوا فيه نارك، وإذا أوقدوا رأيت فيه نارهم، ولكن تباعد عنهم".
ومنها ما رواه: الإمام أحمد، والبخاري في "تاريخه"، والنسائي، وأبو
يعلى؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: «لا تستضيئوا بنار المشركين» .
قال بعض العلماء: "معناه: لا تقاربوهم في المنازل بحيث تكونون معهم في بلادهم، بل تباعدوا منهم، وهاجروا من بلادهم".
وقال ابن الأثير: "معناه: لا تستشيروهم، ولا تأخذوا بآرائهم، جعل الضوء مثلا للرأي عند الحيرة".
قلت: وهذا القول مروي عن الحسن البصري.
وعنه أيضا: أنه قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستعان بالمشركين على شيء» .
والظاهر أن النهي يشمل الأمرين كليهما؛ فلا يجوز للمسلم مساكنة المشركين اختيارا ولا مشاورتهم والأخذ بآرائهم، والقول الأول أظهر، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تراءى ناراهما» ، وقوله في حديث الزهري الذي سيأتي ذكره:"وأنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب". والله أعلم.
ومنها ما رواه: الإمام أحمد، والنسائي، والحاكم؛ عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقبل الله من مشرك بعدما أسلم عملا أو يفارق المشركين إلى المسلمين» .
قال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
ومنها ما رواه: الإمام أحمد، والنسائي؛ عن يزيد بن الشخير؛ قال:«بينا أنا مع مطرف بالمربد؛ إذ دخل رجل معه قطعة أدم؛ قال: كتب لي هذه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهل أحد منكم يقرأ؟ قال: قلت: أنا أقرأ. فإذا فيها: " من محمد النبي لبني زهير بن أقيش أنهم إن شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وفارقوا»
«المشركين وأقروا بالخمس في غنائمهم وسهم النبي وصفيه؛ أنهم آمنون بأمان الله ورسوله» .
ومنها ما رواه النسائي عن جرير رضي الله عنه؛ قال: «بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم، وعلى فراق المشركين» .
ومنها ما رواه الحاكم في "مستدركه «عن أبي اليسر كعب بن عمرو رضي الله عنه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبايع الناس، فقلت: يا رسول الله! ابسط يدك حتى أبايعك واشترط علي؛ فأنت أعلم بالشرط. قال: "أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلم، وتفارق المشرك» .
ومنها ما رواه ابن جرير عن الزهري مرسلا: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ على رجل دخل في الإسلام، فقال: "تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت، وتصوم رمضان، وأنك لا ترى نار مشرك إلا وأنت له حرب» .
الفائدة السابعة والثلاثون: أنه لا يجني جان إلا على نفسه. ويشهد لهذا:
قول الله تعالى: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} .
وقوله تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى}
{أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} .
وروى الإمام أحمد «عن أبي رِمْثَة رضي الله عنه؛ قال: جئت مع أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "ابنك هذا؟ ". قلت: نعم. قال: "أتحبه؟ ". قلت: نعم. قال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه» . وزاد في بعض الروايات: قال: وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} .
وقد رواه: أبو داود، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"؛ بنحوه.
وروى الإمام أحمد أيضا، وابن ماجه؛ «عن الخشخاش العنبري رضي الله عنه؛ قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ومعي ابن لي؛ قال: فقال: "ابنك هذا؟ ". قال: قلت: نعم. قال: "لا يجني عليك ولا تجني عليه» .
وروى: الإمام أحمد، وابن ماجه أيضا؛ عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه رضي الله عنه؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حجة الوداع: «ألا لا يجني جان إلا على نفسه؛ لا يجني والد على ولده ولا مولود على والده» .
وروى ابن ماجه أيضا عن أسامة بن شريك؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تجني نفس على أخرى» .
قال في "الزوائد": "إسناده صحيح".
وروى النسائي عن طارق المحاربي رضي الله عنه: «أن رجلا قال: يا رسول الله! هؤلاء بنو ثعلبة الذين قتلوا فلانا في الجاهلية؛ فخذ لنا بثأرنا، فرفع يديه، حتى رأيت بياض إبطيه، وهو يقول: "لا تجني أم على ولد (مرتين) » .
ورواه ابن ماجه مختصرا، قال في "الزوائد":"إسناده صحيح ورجاله ثقات".
وروى النسائي أيضا عن ثعلبة بن زهدم؛ قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، فجاء ناس من الأنصار، فقالوا: يا رسول الله! هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع قتلوا فلانا في الجاهلية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهتف بصوته: " ألا لا تجني نفس على الأخرى» .
وروى الإمام أحمد عن أبي رمثة رضي الله عنه؛ قال: «قال رجل: يا رسول الله! هؤلاء بنو يربوع، قتله فلان. قال: " ألا لا تجني نفس على الأخرى» .
وروى الإمام أحمد أيضا عن سليم بن أسود عن رجل من بني يربوع؛ قال: «أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له رجل: يا رسول الله! هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع الذين أصابوا فلانا. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا لا تجني نفس على الأخرى» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح".
وروى البزار عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: " «لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه ولا بجريرة أخيه» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح".
الفائدة الثامنة والثلاثون: الثناء على من يستحق الثناء.
وقد أثنى الله تبارك وتعالى في كتابه على كثير من الأنبياء والصالحين من الأمم السالفة، وأثنى على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وأثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على كثير ممن يستحق الثناء، ومنهم أبو رزين العقيلي وصاحبه.
الفائدة التاسعة والثلاثون: فيه فضيلة لأبي رزين وصاحبه؛ حيث حلف النبي صلى الله عليه وسلم أنهما من أتقى الناس في الأولى والآخرة.
ومن فضائل أبي رزين أيضا ما رواه أبو داود الطيالسي في "مسنده" عن وكيع بن عدس عن أبي رزين رضي الله عنه؛ قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يكره أن يسأل، فإذا سأله أبو رزين؛ أعجبه» .
وإنما كان يعجبه سؤال أبي رزين لأنه كان رجلا عاقلا.
وقد روى: الإمام أحمد بإسناد صحيح، ومسلم، والترمذي؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه؛ قال:«كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع» .
وأسئلة أبي رزين للنبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الطويل وفي غيره من الأحاديث المروية عنه تدل على كبر عقله.
الفائدة الأربعون: حسن الأدب مع الأكابر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال لأبي رزين رضي الله عنه:"إن أباك المنتفق لفي النار". قال أبو رزين: فهممت أن أقول: وأبوك يا رسول الله؟ ثم إذا الأخرى أجمل، فقلت: يا رسول الله! وأهلك؟! وهذا من حسن أدب أبي رزين رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث أتى في سؤاله بكلمة عامة، ولم يواجه النبي صلى الله عليه وسلم بصريح اسم أبيه.
الفائدة الحادية والأربعون: القطع لكل مشرك بالنار، ويدل على ذلك:
قول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} .
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا.
وروى: الإمام أحمد، والشيخان؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه:«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بلالا فنادى في الناس: "إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة» .
وفي "صحيح البخاري " أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يلقى إبراهيم أباه، فيقول: يا رب! إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون، فيقول الله تعالى: إني حرمت الجنة على الكافرين» .
وفي "مستدرك الحاكم " عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليأخذن رجل بيد أبيه يوم القيامة، فلتقطعنه النار؛ يريد أن يدخله الجنة". قال: "فينادى: إن الجنة لا يدخلها مشرك، ألا إن الله قد حرم الجنة على كل مشرك» .... الحديث.
قال الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين رضي الله عنه: "فيه دليل على أن من مات مشركا؛ فهو في النار، وإن مات قبل البعثة؛ لأن المشركين قد غيروا الحنيفية دين إبراهيم، واستبدلوا بها الشرك وارتكبوه، وليس معهم حجة من الله به، وقبحه والوعيد عليه بالنار لم يزل معلوما من دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، وأخبار عقوبات الله لأهله متداولة بين الأمم قرنا بعد قرن؛ فلله الحجة البالغة على المشركين في كل وقت، ولو لم يكن إلا ما فطر الله عباده عليه من توحيد ربوبيته المستلزم لتوحيد إلهيته، وأنه يستحيل في كل فطرة وعقل أن يكون معه إله آخر، وإن كان سبحانه لا يعذب
بمقتضى هذه الفطرة وحدها، فلم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد في الأرض معلومة لأهلها؛ فالمشرك يستحق العذاب لمخالفته دعوة الرسل، والله أعلم" انتهى.
الفائدة الثانية والأربعون: سماع أهل القبور كلام الأحياء، ويستفاد ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي رزين رضي الله عنه:«حيثما أتيت عليه من قبر عامري أو قرشي أو دوسي من مشرك؛ فقل: أرسلني إليك محمد، فأبشرك بما يسؤوك؛ تجر على وجهك وبطنك في النار» ، ولو كان الأموات لا يسمعون كلام الأحياء؛ لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أبا رزين رضي الله عنه أن يبشر من يمر عليه من أموات المشركين بالنار، فدل أمره صلى الله عليه وسلم لأبي رزين على أن الأموات يسمعون كلام الأحياء.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الكلام على حديث أبي رزين رضي الله عنه: "وقوله: "حيثما مررت بقبر كافر فقل: أرسلني إليك محمد ". هذا إرسال تقريع وتوبيخ لا تبليغ أمر ونهي، وفيه دليل على سماع أهل القبور كلام الأحياء وخطابهم لهم". انتهى.
ويشهد لما جاء في حديث أبي رزين رضي الله عنه ما رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والنسائي؛ عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:«وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على القليب يوم بدر، فقال: "يا فلان! يا فلان! هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ أما والله إنهم الآن ليسمعون كلامي» ..... الحديث.
وروى: الإمام أحمد، والشيخان، وأهل السنن إلا ابن ماجه؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن أبي طلحة رضي الله عنه:«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش، فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم؛ أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر»
إسناده صحيح على شرط الشيخين.
وروى: الإمام أحمد أيضا، ومسلم؛ عن أنس رضي الله عنه:«أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك قتلى بدر ثلاثة أيام حتى جيفوا، ثم أتاهم، فقام عليهم، فقال: "يا أمية بن خلف! يا أبا جهل بن هشام! يا عتبة بن ربيعة! يا شيبة بن ربيعة! هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؛ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا". قال: فسمع عمر صوته، فقال: يا رسول الله! أتناديهم بعد ثلاث؟! وهل يسمعون؟! يقول»
الفائدة الثالثة والأربعون: أن طاعة الأنبياء هداية ومعصيتهم ضلالة، وهذا معلوم من الدين بالضرورة.
وقد قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} .
وقال تعالى: {رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} .
وقال تعالى بعد ذكره لبعض المرسلين: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} .
وقال تعالى: {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} .
وقال تعالى: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} .
وقال تعالى: {وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا} .
والآيات في هذا المعنى كثيرة.
وهذه الفوائد المهمة هي التى احتوى عليها حديث أبي رزين رضي الله عنه، وزعم أبو عبية عدم صحتها وظهور الكذب في صياغة الحديث ودلالته، وهذا من أقبح المكابرة والمجادلة بالباطل لإدحاض الحق، نعوذ بالله من زيغ القلوب وانتكاسها.
فصل
وقال أبو عبية في (ص295) على قول الله تعالى: {رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ} ؛ قال: "أي: رافع درجات من يطيعونه ويستجيبون لأمره".
والجواب أن يقال: هذا القول، وإن قال به بعض المفسرين؛ فهو موافق لقول المعطلة الذين ينفون علو الرب على خلقه واستواءه على عرشه، والصواب ما قاله ابن كثير في تفسيره هذه الآية؛ قال:
"يقول الله تعالى مخبرا عن عظمته وكبريائه وارتفاع عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته كالسقف لها؛ كما قال تعالى: {مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} . انتهى.
فالآية من أدلة علو الله على خلقه، لا من أدلة رفع الدرجات لأوليائه وأهل طاعته.
فصل
وقال أبو عبية في (ص328) من "النهاية" لابن كثير ما نصه: " مجيء الله سبحانه وتعالى يوم القيامة هو مجاز عن مجيء أمره سبحانه وتعالى بالفصل بين العباد يوم الدين، وهو مجاز مرسل".
وقال مثل ذلك في (ص331 و373) .
والجواب أن يقال: هذا القول خلاف الصواب، والصحيح أن الرب تبارك وتعالى يجيء يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه:
كما قال تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} .
وقال تعالى: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} .
قال ابن كثير في "تفسيره": " {وَجَاءَ رَبُّكَ} ؛ يعني: لفصل القضاء بين خلقه، وذلك بعدما يستشفعون إليه بسيد ولد آدم على الإطلاق محمد صلوات الله وسلامه عليه، بعدما يسألون أولي العزم من الرسل واحدا بعد واحد، فكلهم يقول: لست بصاحب ذاكم، حتى تنتهي النوبة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فيقول: «أنا لها أنا لها» ، فيذهب عند الله تعالى في أن يأتي لفصل القضاء، فيشفعه الله تعالى في ذلك، وهي أول الشفاعات، وهي المقام المحمود؛ كما تقدم بيانه في سورة سبحان، فيجيء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفا صفوفا" انتهى.
وقال ابن كثير أيضا في تفسير قول الله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} ؛ قال: "وذلك كائن يوم القيامة" انتهى.
وقال البغوي على قوله: {أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ} : "بلا كيف، لفصل القضاء بين خلقه في موقف القيامة" انتهى.
وقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} : "يعني: يوم القيامة؛ لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر" انتهى.
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن أنيس رضي الله عنه؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يحشر الناس يوم القيامة (أو قال: العباد) عراة غرلا بهما". قال: قلنا: وما بهما؟ قال: "ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك! أنا الديان! لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقصه منه، ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة ولأحد من أهل النار عنده حق حتى»
قال الهيثمي: "رجاله وثقوا، ورواه الطبراني في "الأوسط" بنحوه".
وقال الهيثمي أيضا في موضع آخر: "هو عند أحمد والطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن".
فصل
وقد روى: الإمام أحمد، ومسلم؛ عن ثوبان رضي الله عنه: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «إني لبعقر حوضي أذود الناس لأهل اليمن أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم» ...... الحديث.
وقد صحف أبو عبية هذا الحديث، فقال في (ص343) ما نصه:«أذود عنه الناس لأهل اليمن» ، ثم قال أبو عبية:«هذا تمثيل للحيلولة بين من ليسوا من أهل اليمن وبين مقام الإكرام والرحمة يوم القيامة» .
والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أن يقال: إن تصحيفه للحديث وكلامه عليه على وفق تصحيفه هو بلا شك من تحريف الكلم عن مواضعه، والأولى لأبي عبية أن لا يتكلم في معنى الأحاديث؛ لأنه أجنبي عنها، لا يعرفها، ولا يعرف معانيها، وإنما يتكلم عليها بما يوافق عقله ورأيه.
وقد قال النووي في "شرح مسلم ": "قوله صلى الله عليه وسلم: «أذود الناس لأهل اليمن، أضرب بعصاي حتى يرفض عليهم» ؛ معناه: أطرد الناس عنه؛ غير أهل اليمن؛ ليرفض على أهل اليمن، وهذه كرامة لأهل اليمن في تقديمهم في الشرب منه؛
مجازاة لهم بحسن صنيعهم وتقدمهم في الإسلام، والأنصار من اليمن، فيدفع غيرهم حتى يشربوا؛ كما دفعوا في الدنيا عن النبي صلى الله عليه وسلم أعداءه والمكروهات، ومعنى (يرفض عليهم) ؛ أي: يسيل عليهم" انتهى.
و (عقر الحوض) ؛ بضم العين وإسكان القاف؛ قال النووي: "هو موقف الإبل من الحوض إذا وردته، وقيل: مؤخره" انتهى.
وقد أثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل اليمن، فقال:«أتاكم أهل اليمن: أرق أفئدة، وألين قلوبا؛ الإيمان يمان، والحكمة يمانية» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
وقد جاء من اليمن أمداد كثيرة في خلافه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وذهب كثير منهم على الثغور يجاهدون في سبيل الله تعالى، وسكن كثير منهم في الأمصار مع الصحابة يتعلمون منه العلم ويعلمونه، وكان فيهم كثير من أكابر الفقهاء والمحدثين، وفيهم حكماء وعباد كثيرون، ولما كانوا متصفين بالصفات الحميدة؛ ناسب أن يقدموا في الشرب من حوض النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يذاد عنهم من ليس مثلهم. والله أعلم.
الوجه الثاني: أن الظاهر من كلام أبي عبية أنه لا يؤمن بحوض النبي صلى الله عليه وسلم في الدار الآخرة، ولهذا زعم أن ذود النبي صلى الله عليه وسلم عن الحوض لأهل اليمن تمثيل للحيلولة بين من ليسوا من أهل اليمن وبين مقام الإكرام والرحمة يوم القيامة؛ يعني: وليس بذود عن الحوض على الحقيقة!
وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة؛ فإنهم يثبتون للنبي صلى الله عليه وسلم حوضا في الدار الآخرة يرد عليه المؤمنون من هذه الأمة، ويمنع منه من ليس بمؤمن.
وقد تواترت الأحاديث بإثبات الحوض النبوي، وتقدم بيان ذلك في الفائدة السادسة والعشرين من فوائد حديث أبي رزين العقيلي رضي الله عنه، وقد أنكر الحوض كثير من أهل البدع، ولا عبرة بخلافهم، وقد جاء الإخبار عن المنكرين للحوض في الحديث الذي رواه عبد الرزاق في "مصنفه" بإسناد حسن عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو يقول: «إنه سيخرج بعدكم قوم يكذبون بالرجم، ويكذبون بالدجال، ويكذبون بالحوض، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بقوم يخرجون من النار» .
وهذا الأثر له حكم المرفوع؛ لأن فيه إخبارا عن أمر غيبي، وذلك لا يقال من قبل الرأي، وإنما يقال عن توقيف.
تنبيه
ما في هذا الفصل هو آخر ما وقفت عليه من أباطيل أبي عبية التي علقها على الجزء الأول من "النهاية" لابن كثير، ولم أقف على الجزء الثاني، ولا يبعد أن يكون فيه كثير من التعاليق الباطلة كما كان في الجزء الأول؛ فليحذر طلبة العلم خاصة وغيرهم عامة من النظر في تعاليقه؛ فإنها مشحونة بالأباطيل، وجدير بها أن تؤثر على الناظر بما يضره في علمه وعقيدته.
خاتمة
في ذكر مآل الخلق بعد قيام الساعة
والآيات في ذكر مآل السعداء إلى الجنة ومآل الأشقياء إلى النار كثيرة جدا.
وقد قال الله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} .
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء (ثم قرأ: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} ، وقرأ: ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم ".
رواه: ابن المبارك في "الزهد"، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والحاكم، وقال:"صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وقال أسباط عن السدي في قوله: {ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ} ؛ قال: "في قراءة عبد الله: (ثم إن منقلبهم لإلى الجحيم)، وكان عبد الله يقول: والذي نفسي بيده؛ لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل الناء في النار (ثم قرأ: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} .
رواه ابن جرير.
وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما: "إنما هي ضحوة، فيقيل أولياء الله على الأسرة مع الحور العين، ويقيل أعداء الله مع الشياطين مقرنين".
رواه ابن أبي حاتم.
وقال سعيد بن جبير: "يفرغ الله من الحساب نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، قال الله تعالى:{أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} .
رواه ابن أبي حاتم.
وقال عكرمة: "إني لأعرف الساعة التي يدخل فيها أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وهي الساعة التي تكون في الدنيا عند ارتفاع الضحى الأكبر، إذا انقلب الناس إلى أهليهم للقيلولة، فينصرف أهل النار إلى النار، وأما أهل الجنة؛ فينطلق بهم إلى الجنة، فكانت قيلولتهم في الجنة، وذلك قوله:{أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} .
رواه ابن أبي حاتم.
وقال إبراهيم النخعي: "كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس يوم القيامة نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار؛ فذلك قوله:{أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} .
رواه: ابن المبارك، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو نعيم في "الحلية".
فصل
في ذكر أهل الجنة وأهل النار
وعن حارثة بن وهب الخزاعي رضي الله عنه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ ". قالوا: بلى. قال صلى الله عليه وسلم: "كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله؛ لأبره". ثم قال: "ألا أخبركم بأهل النار؟ ". قالوا: بلى. قال: "كل عتل جواظ مستكبر» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه، وهذا لفظ مسلم. وفي رواية له: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأهل»
«الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ كل جواظ زنيم متكبر» . وفي رواية لأحمد نحوه، وقال:«ألا أخبركم بأهل النار؟ كل جواظ جعظري مستكبر» .
ورواه أبو داود السجستاني، ولفظه:«لا يدخل الجنة الجواظ ولا الجعظري» ؛ قال: "والجواظ الغليظ الفظ".
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «ألا أخبركم بأهل النار وأهل الجنة؟ أما أهل الجنة؛ فكل ضعيف متضعف، أشعث ذي طمرين، لو أقسم على الله؛ لأبره، وأما أهل النار؛ فكل جعظري جواظ جماع مناع ذي تبع» .
رواه الإمام أحمد، وفي إسناده ابن لهيعة، وهو حسن الحديث، وفيه كلام، وبقية رجاله رجال الصحيح.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «إن أهل النار كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع، وأهل الجنة الضعفاء المغلوبون» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح". ورواه الحاكم في "مستدركه"، وقال:"صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "هم الضعفاء المظلومون، ألا أخبركم بأهل النار؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله! قال: "كل شديد جعظري، هم الذين لا يألمون رؤوسهم» .
رواه أبو داود الطيالسي.
وقد رواه الإمام أحمد مختصرا، ولفظه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأهل النار؟ كل سفيه جعظري» .
قال الهيثمي: "وفيه البراء بن عبد الله وهو ضعيف".
قلت: وما قبله يشهد له ويقويه.
وعن ابن غنم رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة الجواظ والجعظري والعتل الزنيم» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "وإسناده حسن؛ إلا أن ابن غنم لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم".
وعن علي بن رباح؛ قال: بلغني عن سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «يا سراقة! ألا أخبرك بأهل الجنة وأهل النار؟ ". قال: بلى يا رسول الله! قال: "أما أهل النار؛ فكل جعظري جواظ مستكبر، وأهل الجنة؛ فالضعفاء المغلوبون» .
رواه الإمام أحمد. قال الهيثمي: "ورجاله رجال الصحيح؛ إلا أن فيه راويا لم يسم". وقال المنذري: "رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" بإسناد حسن، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم ".
قال المنذري: " (العتل) ؛ بضم العين والتاء وتشديد اللام: هو الغليظ الجافي، و (الجواظ) ؛ بفتح الجيم وتشديد الواو وبالظاء المعجمة: هو الجموع المنوع، وقيل: الضخم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين" انتهى.
وقال ابن الأثير في "جامع الأصول": " (العتل) : الغليظ الجافي الذي لا ينقاد على الخير، و (الزنيم) : الدعي الملصق بالقوم وليس منهم، وقيل: هو اللئيم".
وقال في: "النهاية": " (العتل) : هو الشديد الجافي والفظ الغليظ من الناس، و (الزنيم) : هو الدعي في النسب الملحق بالقوم وليس منهم؛ تشبيها له بالزنمة، وهو شيء يقطع من أذن الشاة، ويترك معلقا بها، وهي أيضا هنة مدلاة في حلق الشاة كالملحقة بها، و (الجواظ) : الجموع المنوع، وقيل: الكثير اللحم المختال في مشيته، وقيل: القصير البطين، و (الجعظري) : الفظ الغليظ المتكبر، وقيل: هو الذي ينتفج بما ليس عنده، وفيه قصر" انتهى.
و (المتنفج) : هو المفتخر بما ليس عنده.
وعن عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه: أن رسول الله قال ذات يوم في خطبته: " (فذكر الحديث، وفيه قال:) «وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال". قال: "وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْر له الذين هم فيكم تبعا لا يبتغون أهلا ولا مالا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك (وذكر البخل أو الكذب) ، والشنظير الفحاش» .
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود الطيالسي، ومسلم، وهذا لفظه.
قوله: «لا زبر له» . قال ابن الأثير في "النهاية": "أي: لا عقل له يزبره وينهاه عن الإقدام على ما لا ينبغي، و (الشنظير الفحاش) : هو السيئ الخلق". انتهى.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحاجت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: فما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم وعجزهم. فقال الله عز وجل للجنة: أنت رحمتي؛ أرحم بك من أشاء من عبادي. وقال للنار: إنما أنت عذابي؛ أعذب»
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي.
قوله: "وسقطهم": قال ابن الأثير في "جامع الأصول": " (السقط) في الأصل: المزدرى به، ومنه السقط لرديء المتاع". وقال في "النهاية": " (سقطهم) ؛ أي: أرذالهم وأدوانهم".
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احتجت الجنة والنار، فقالت النار: في الجبارون والمتكبرون، وقالت الجنة: في ضعفاء الناس ومساكينهم، فقضى بينهما: إنك الجنة رحمتي؛ أرحم بك من أشاء، وإنك النار عذابي؛ أعذب بك من أشاء، ولكليكما علي ملؤها» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وهذا لفظ أحمد.
وفي رواية له: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «افتخرت الجنة والنار، فقالت النار: أي رب! يدخلني الجبابرة والملوك والعظماء والأشراف. وقالت الجنة: أي رب! يدخلني الفقراء والضعفاء والمساكين. فقال تبارك وتعالى للنار: أنت عذابي؛ أصيب بك من أشاء، وقال للجنة: أنت رحمتي؛ وسعت كل شيء، ولكل واحدة منكما ملؤها. فأما النار؛ فيلقى فيها أهلها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يأتيها تبارك وتعالى، فيضع قدمه عليها، فتزوى، وتقول: قدني، قدني. وأما الجنة؛ فتبقى ما شاء الله أن تبقى، ثم ينشئ الله لها خلقا بما يشاء» .
وعن عمران بن حصين وابن عباس رضي الله عنهم؛ قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء» .
رواه البخاري في (باب فضل الفقر) من "كتاب الرقاق" عن عمران وابن عباس معا. وكذا رواه: أبو داود الطيالسي، والترمذي، وقال:"هذا حديث حسن صحيح". ورواه البخاري أيضا في مواضع أخر عن عمران بن حصين رضي الله عنهما وحده. ورواه: أبو داود الطيالسي أيضا، ومسلم؛ من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وحده. ورواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في مسند ابن عباس ومن حديث عمران بن حصين رضي الله عنهما في مسند عمران.
ورواه الطبراني في "الأوسط" عن عمران بن حصين رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: «اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الضعفاء والفقراء، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها النساء» .
قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح، غير الضحاك بن يسار، وقد وثقه ابن حبان ".
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اطلعت في الجنة، فرأيت أكثر أهلها الفقراء، واطلعت في النار، فرأيت أكثر أهلها الأغنياء والنساء» .
رواه: الإمام أحمد، وابنه عبد الله في "المسند". قال المنذري والهيثمي:"وإسناده جيد، ورواه ابن حبان في "صحيحه".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اطلعت في النار فوجدت أكثر أهلها النساء، واطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء» .
رواه الإمام أحمد، وإسناده على شرط الشيخين.
وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قمت على باب الجنة؛ فإذا عامة من دخلها المساكين، وإذا أصحاب الجد محبوسون»
«إلا أصحاب النار؛ فقد أمر بهم إلى النار، وقمت على باب النار؛ فإذا عامة من دخلها النساء» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان.
(الجد) ؛ بفتح الجيم: الحظ والغنى.
وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أقل ساكني الجنة النساء» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته حين كسفت الشمس: «ورأيت النار، فلم أر كاليوم منظرا قط أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء". قالوا: بم يا رسول الله! قال: "بكفرهن" قيل: أيكفرن بالله؟ قال: "يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك شيئا؛ لقالت: ما رأيت منك خيرا قط» .
رواه: مالك، وأحمد، والشيخان.
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ قال: «شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة، ثم قام متوكئا على بلال، فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس، وذكرهم، ثم مضى، حتى أتى النساء، فوعظهن وذكرهن، فقال: " تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم". فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين، فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: "لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير»
…
الحديث.
رواه: مسلم، والنسائي.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا»
…
الحديث.
رواه: الإمام أحمد، والحاكم، وقال:"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وعن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يا معشر النساء! تصدقن وأكثرن الاستغفار؛ فإني رأيتكن أكثر أهل النار ". فقالت امرأة منهن جزلة: وما لنا يا رسول الله؟ قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير»
…
الحديث.
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس فوعظهم، ثم قال: " يا معشر النساء! تصدقن؛ فإنكن أكثر أهل النار". فقالت امرأة منهن: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: "لكثرة لعنكن؛ يعني: وكفركن العشير» ......" الحديث.
وعن أبي سعيد رضي الله عنه؛ قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضحى أو فطر إلى المصلى، فمر على النساء، فقال: " يا معشر النساء! تصدقن؛ فإني أريتكن أكثر أهل النار". فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: "تكثرن اللعن، وتكفرن العشير»
…
الحديث.
رواه: البخاري، ومسلم.
وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه؛ قال: «أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء بالصدقة، وحثهن عليها، وقال: " تصدقن؛ فإنكن أكثر أهل النار". فقالت امرأة منهن: لم ذاك يا رسول الله؟ قال: "لأنكن تكثرن اللعن، وتسوفن الخير، وتكفرن العشير» .
رواه الطبراني في "الأوسط". قال الهيثمي: "ورجاله ثقات".
وعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما؛ قالت: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " يا معشر النساء! تصدقن ولو من حليكن؛ فإنكن أكثر أهل جهنم يوم القيامة» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم من طريقه، وقال:"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذه السياقة، وتفرد مسلم بإخراجه مختصرا"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وقد رواه البخاري والنسائي مختصرا.
وعن أبي راشد الحبراني؛ قال: قال عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الفساق هم أهل النار". قيل: يا رسول الله! ومن الفساق؟ قال: "النساء". قال رجل: يا رسول الله! أولسن أمهاتنا وأخواتنا وأزواجنا؟ قال: "بلى، ولكنهن إذا أعطين لم يشكرن، وإذا ابتلين لم يصبرن» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم في "مستدركه"، وقال:"صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه"، وقال الهيثمي:"رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير أبي راشد الحبراني وهو ثقة". انتهى.
وقد رواه الإمام أحمد من حديث زيد بن سلام عن جده؛ قال: كتب معاوية رضي الله عنه إلى عبد الرحمن بن شبل رضي الله عنه: أن علم الناس ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " (فذكر الحديث، وفيه: ثم قال:) «إن الفساق هم أهل النار". قالوا: يا رسول الله! ومن»
رجاله رجال الصحيح.
وعن أبي بن كعب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " «عرضت علي النار، وأكثر من رأيت فيها النساء؛ إن ائتمن أفشين، وإن سألن ألحفن، وإن سئلن بخلن، وإن أعطين لم يشكرن» .
رواه: الإمام أحمد، والحاكم، وقال:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".
وروى الإمام أحمد أيضا عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه.
فصل
في ذكر الأعمال التي تقرب من الجنة
والأعمال التي تقرب من النار
والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال: «لما خلق الله الجنة والنار؛ أرسل جبرئيل إلى الجنة، فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها". قال: "فجاءها، فنظر إليها وإلى ما أعد الله لأهلها فيها". قال: "فرجع»
رواه: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وهذا لفظ الترمذي، وقال:"هذا حديث حسن صحيح".
وعنه رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حجبت النار بالشهوات، وحجبت الجنة بالمكاره» .
رواه: الإمام أحمد، والشيخان، وهذا لفظ البخاري. ولفظ أحمد:«حفت النار بالشهوات وحفت الجنة بالمكاره» .
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» .
رواه: الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وقال:"هذا حديث حسن غريب صحيح".
قوله: "حفت":
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "بالمهملة والفاء، من الحفاف، وهو ما يحيط بالشيء حتى لا يتوصل إليه إلا بتخطيه؛ فالجنة لا يتوصل إليها إلا بقطع مفاوز المكاره، والنار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات". قال: "وهو من
جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم وبديع بلاغته في ذم الشهوات، وإن مالت إليها النفوس. والحظ على الطاعات، وإن كرهتها النفوس وشق عليها". انتهى.
وقال النووي في "شرح مسلم ": "قال العلماء: هذا من بديع الكلام وفصيحه وجوامعه التي أوتيها صلى الله عليه وسلم من التمثيل الحسن، ومعناه: لا توصل الجنة إلا بارتكاب المكاره والنار بالشهوات، وكذلك هما محجوبتان بهما، فمن هتك الحجاب؛ وصل إلى المحجوب، فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره، وهتك حجاب النار بارتكاب الشهوات، فأما المكاره؛ فيدخل فيها الاجتهاد في العبادات، والمواظبة عليها، والصبر على مشاقها، وكظم الغيظ، والعفو، والحلم، والصدقة، والإحسان إلى المسيء، والصبر عن الشهوات
…
ونحو ذلك، وأما الشهوات التي النار محفوفة بها؛ فالظاهر أنها الشهوات المحرمة؛ كالخمر، والزنى، والنظر إلى الأجنبية، والغيبة، واستعمال الملاهي
…
ونحو ذلك، وأما الشهوات المباحة؛ فلا تدخل في هذه، لكن؛ يكره الإكثار منها؛ مخافة أن يجر إلى المحرمة، أو يقسي القلب، أو يشغل عن الطاعات، أو يحوج إلى الاعتناء بتحصيل الدنيا للصرف فيها ونحو ذلك". انتهى.
وقال ابن كثير في "النهاية": " (المكاره": هي الأعمال الشاقة من فعل الواجبات وترك المحرمات". انتهى.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه؛ قال: «سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: "تقوى الله وحسن الخلق". وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار؛ قال: "الأجوفان: الفم والفرج» .
رواه: الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وقال الترمذي:"هذا حديث صحيح غريب"، وقال الحاكم:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي في "تلخيصه".