المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الرابعالأندلس بعد وفاة الناصر - تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌مُقَدِّمَة

- ‌البَابُ الأَوَّلفتح العرب لإسبانيا واستقرارهم فيها

- ‌الفَصْلُ الأَوَّلمقدمة في الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إسبانيا قبيل الفتح العربي

- ‌الفَصْلُ الثَّانِيفتح العرب لإسبانيا

- ‌الفَصْلُ الثَّالِثالنشاط الحربي للعرب في شمال إسبانيا والتوغل في فرنسا

- ‌الفَصْلُ الرَّابِعاستقرار العرب واستيطانهم في إسبانيا

- ‌البَابُ الثَّانِيعهد الإمارة في الأندلس

- ‌الفَصْلُ الأَوَّلدخول عبد الرحمن بن معاوية الأندلس وتأسيس الإمارة الأموية

- ‌الفَصْلُ الثَّانِيأعمال الأمراء الأمويين في تثبيت السلطة والاستقرار

- ‌الفَصْلُ الثَّالِثعلاقة الدولة العربية الإسلامية مع الإمارات الإسبانية في الشمال

- ‌البَابُ الثَّالِث" عصر الخلافة

- ‌الفَصْلُ الأَوَّلتولية عبد الرحمن الناصر

- ‌الفَصْلُ الثَّانِيالأخطار الخارجية الأندلس والممالك الإسبانية الشمالية:

- ‌الفَصْلُ الثَّالِثالمظاهر الحضارية

- ‌الفَصْلُ الرَّابِعالأندلس بعد وفاة الناصر

- ‌البَابُ الرَّابِع [[سقوط الخلافة وفكرة عن دويلات الطوائف]]

- ‌الفَصْلُ الأَوَّلسقوط الخلافة

- ‌الفَصْلُ الثَّانِيفكرة عامة عن أهم دويلات الطوائف

- ‌الفَصْلُ الثَّالِثعصر المرابطين 484 - 540 هـ/1092 - 1145 م

- ‌الفَصْلُ الرَّابِععصر مملكة غرناطة (الأندلس الصغرى)

- ‌الفَصْلُ الخَامِسالمسلمون بعد سقوط غرناطة (الموريسكيون)

- ‌البَابُ الخَامِسحضارة العرب في الأندلس

- ‌الفَصْلُ الأَوَّلتاريخ الفكر العربي في الأندلس

- ‌الفَصْلُ الثَّانِيالنظم السياسية العربية في الأندلس

- ‌الفَصْلُ الثَّالِثأثر الحضارة العربية في الأندلس على أوروبا

الفصل: ‌الفصل الرابعالأندلس بعد وفاة الناصر

‌الفَصْلُ الرَّابِع

الأندلس بعد وفاة الناصر

عصر الحكم المستنصر بالله:

تولى الخلافة بعد وفاة الناصر، ولده الحكم الثاني الملقب المستنصر بالله (350 - 366 هـ/961 - 976 م)، وقد قارب الثامنة والأربعين من عمره، واستلم بلاداً موطدة الأركان داخلياً ومرهوبة الجانب من القوى الأجنبية، وقد اعتمد الحكم المستنصر سياسة والده في التعامل مع هذه القوى، واستخدم نفس الأسلوب في الحفاظ على مناطق نفوذ الدولة الأندلسية في المغرب وغيره.

فالعلاقة مع الدولة الفاطمية، ظلت علاقة يسودها العداء حتى بعد رحيل سلاطين الفاطميين إلى مصر، واستمرت السيادة الفاطمية والأندلسية في المغرب " قائمة على مبدأ المنافسة بين قبائل صنهاجة وزناتة وضرب بعضها ببعض وإثارة الفتن من وراء ستار، ولم تحاول كل من الدولتين إرسال جيوشها إلى هذا الميدان

وأخيراً تمكنت صنهاجة أو بمعنى آخر الدولة الزيرية، من بسط سيطرتها باسم الفاطميين على جميع النصف الشرقي من المغرب، أما القسم الغربي من نهر ملوية إلى طنجة فقد سيطرت عليه زناتة حليفة الأمويين وهكذا حدث نوع من توازن القوى بين الخلافتين المتنازعتين وحلفائهما في المغرب " (1).

أما دولة الأدارسة فقد جعلت قاعدتها بعد خروجهم من فاس في قلعة النسر الحصينة (2)، ولم تكن دولة مستقلة بمعنى الكلمة، بل كانت تدور في فلك الأقوى من الفاطميين أو الدولة الأندلسية. وحدث في سنة 361 هـ أن انتصر بلكين بن زيري

(1) العبادي: 114.

(2)

جنوب تطوان.

ص: 186

الصنهاجي قائد الفاطميين على قبائل زناتة وفرق شملهم منتقماً بذلك لمقتل والده (3)، فسارع الأدارسة وزعيمهم يومئذ الحسن بن كنون إلى نقض بيعة الخليفة الحكم المستنصر والاعتراف بالوضع الجديد (4)، وأمام هذا التحول الخطير وحفاظاً على نفوذ الأمويين في المغرب، قرر الحكم إرسال قواته إلى المغرب في شوال من سنة 361 هـ، وتمكنت تلك القوات من تشتيت جيش الحسن بن كنون الذي فر جنوباً باتجاه ثغر أصيلا (5)، ولكنه ما لبث أن تمكن من تجميع فلول جيشه في السنة التالية وأعاد الكرة بهجوم مقابل عنيف مزق به قوات الأندلس وأجبرها على الإنسحاب والاعتصام بمدينة سبتة (6)، وعلى الرغم من محاولات الحسن بن كنون لاسترضاء الخليفة المستنصر بعد انتصاره هذا، وتبرير أسباب انقلابه على الدولة الأموية ووعوده بالولاء والطاعة، إلا أن قرار الحكم كان نهائياً باجتثاث معاقل الأدارسة، فحينما كلف القائد غالب بن عبد الرحمن بقيادة القوات وأمره بالتوجه إلى المغرب خيره بين أحد الأمرين بقوله: سر سير من لا إذن له في الرجوع حياً إلا منصوراً، أو ميتاً فمعذوراً وابسط يدك في الإنفاق، فإن أردت نظمت لك الطريق بيننا قنطار مال (7).

وقد حقق القائد غالب بن عبد الرحمن رغبة الحكم وتمكن من قوات الحسن بن كنون في مواقع عديدة ثم حاصره في قلعة حجر النسر وأجبره على الاستسلام دون شروط سنة 363 هـ واقتاده إلى قرطبة مع جماعة من الأمراء الأدارسة (8). وبهذا الإجراء أعاد الحكم نفوذ الدولة الأموية في هذه المناطق من بلاد المغرب وهي مناطق ذات أهمية كبيرة لأمن الأندلس.

وتعرضت الأندلس في عهد الحكم المستنصر إلى هجمات السفن النورماندية

(3) انتصرت قبائل زناتة سنة 360 هـ على قبائل صنهاجة الموالية للفاطميين وتمكنت زناتة من تشتيت قوات صنهاجة وقتل زعيمها زيري بن مناد وإرسال رأسه إلى الخليفة الحكم المنتصر. ابن عذاري: 20/ 241 - 244.

(4)

الناصري، الاستقصاء: 1/ 200.

(5)

ابن عذاري: 2/ 244 و 245.

(6)

وقعت هذه المعركة بفحص مهران وقتل فيها قائد الجيش الأندلسي محمد بن قاسم وعدد كبير من المشاة والفرسان. ابن عذاري: 2/ 246.

(7)

نص عن كتاب: مفاخر البربر، لمؤلف مجهول ص 8 - 9 نقله العبادي في كتابه: في تاريخ المغرب والأندلس: 216، وينظر أيضاً: عنان، دول الإسلام: 2/ 496 والحاشية رقم: (2).

(8)

ابن عذاري: 2/ 247 و 248؛ الناصري: 1/ 201.

ص: 187

وشهدت السواحل الغربية عدة صدامات بين الطرفين ففي شهر رجب سنة 355 هـ (9)" ورد كتاب من قصر أبي دانس على المستنصر بالله يذكر فيه ظهور أسطول المجوس (النورمانديين) ببحر المغرب بالقرب من هذا المكان واضطراب أهل ذلك الساحل لذلك، لتقدم عادتهم بطروق الأندلس من قبله فيما سلف، وكانوا في ثمانية وعشرين مركباً (10)، ثم ترادفت الكتب من تلك السواحل بأخبارهم وأنهم قد أضروا بها، ووصلوا إلى بسيط أشبونة، فخرج إليهم المسلمون، ودارت بينهم حرب استشهد فيها من المسلمين وقتل فيها من الكافرين وخرج أسطول إشبيلية فاقتحموا عليهم بوادي شلق، وحطموا عدة من مراكبهم واستنقذوا من كان فيها من المسلمين، وقتلوا جملة من المشركين وانهزموا أثر ذلك خاسرين "(11). ولم تزل الأخبار تتوارد إلى قرطبة عن نشاط هؤلاء الغزاة حتى تم قتل معظمهم وأسر أعداد أخرى منهم، فيما ولت بقيتهم من الأحياء منهزمة إلى قواعدها (12).

وعاود النورمانديون الكرة في سنة 360هـ (13) وعلى المنطقة نفسها ولكنهم ردوا دون تحقيق أي هدف من أهدافهم (14) بفضل يقظة واستعداد الأسطول الأندلسي للإقلاع مع أول إشارة بظهور السفن الغازية (15).

أما سياسة الخليفة الحكم اتجاه الممالك الإسبانية الشمالية، فهي سياسة قامت على احترام جميع الاتفاقات والمعاهدات المبرمة بين الدولة العربية في الأندلس وأمراء وملوك الدول الإسبانية الشمالية، ولكن مثل هذه الاتفاقات لم يكن لها ذلك المفعول التنفيذي فسرعان ما تسقط جميع الاتفاقات وتفرغ من مضامينها عند أول فرصة تسنح لهذه الممالك لغزو أراضي الدولة العربية أو الإخلال بأمنها (16). فمن المعروف أن

(9) في نفح الطيب: " سنة 354 هـ ".

(10)

يذكر دوزي: أن كل سفينة كانت تحمل ثمانين محارباً أي أن مجموعهم كان حوالي (2240) رجلاً. العبادي: 221.

(11)

ابن عذاري: 2/ 238 و 239؛ وينظر: ابن خلدون: 4/ 145.

(12)

ابن عذاري: 2/ 239؛ العبادى: 221.

(13)

ابن عذاري: 2/ 240.

(14)

وعن الغزوات الأخرى الفاشلة، ينظر: عبد العزيز سالم، المسلمون وآثارهم في الأندلس: 286، العبادي:220.

(15)

ابن عذاري: 2/ 239.

(16)

من شدة استخفاف أمراء وملوك هذه الدول بالإتفاقات والمعاهدات أنهم كانوا يبعثون سفراءهم لإقرار السلام، وفي نفس الوقت يقومون بغارات متعمدة على الأراضي العربية، والأمثلة على ذلك =

ص: 188

الخليفة الناصر أعان سانشو (شانجة) على استرداد ملكه في مملكة ليون شريطة أن يتنازل الأخير عن بعض الحصون المهمة الواقعة على الحدود بين الدولتين، وعندما توفي الناصر نقض سانشو الاتفاق ورفض تسليم الحصون المتفق عليها، وبدأ سلسلة من الأعمال العدائية، جعلت الدولة العربية أكثر تصميماً على انتزاع حقها فآوت الملك المخلوع اردونيو الرابع والمنافس الشديد على عرش ليون ووعدته باستعادة ملكه (17)، وعلى أثر ذلك تراجع سانشو عن موقفه وسارع إلى إرسال سفارة إلى قرطبة لإعلام الخليفة الحكم باستعداده لتنفيذ الاتفاقات المعقودة مع الناصر (18)، ولكن وفاة اردونيو الرابع قلبت سانشو وعاد إلى سياسة التسويف والمماطلة في تسليم الحصون. ولم يكتف بذلك فتحالف مع بعض الأمراء الشماليين (19)، لشن هجوم على الأراضي العربية، وكان رد الحكم قاسياً واستهدف أول ما استهدف قشتالة فعاث في أراضيها واحتل حصن غرماج على نهر دويرة سنة 352 هـ (20) وتوالت الحملات بعد ذلك ترد تعديات هذه الممالك وتتوغل في أراضيها وتضيف إلى انتصاراتها حصوناً جديدة، فقد تمكنت قوات القائد غالب بن عبد الرحمن من احتلال حصن قلهرة من بلاد البشكنس، وتطهير بعض المناطق من جند الأعداء (21) وهكذا كان للتفوق الحربي لجيش الدولة العربية في الأندلس أثره البارز في إعادة وتثبيت السيادة على جميع مناطق الحدود وثغورها وأمنت الأندلس مدة من شر هجمات جيوش ممالك الشمال، التي دخلت في صراع عنيف بعد وفاة سانشو سنة 355 هـ/966 م وارتقاء ولده الذي لا يتجاوز خمس سنوات عرش ليون فتولت عمته البيرة مقاليد الأمور نيابة عنه، واستغل النبلاء الطامعون هذه الظروف واستقل كل منهم بما تحت يديه، وتوافدت رسل الوصية على العرش البيرة وهؤلاء النبلاء إلى قرطبة يحكمون الخليفة الحكم فيما شجر بينهم ويسألونه المشورة والرأي (22).

وكان أول الوافدين على العاصمة قرطبة من أمراء الممالك الإسبانية الشمالية أمير

= كثيرة ينظر مثلاً، عنان، دول الإسلام في الأندلس: 2/ 500.

(17)

ابن عذاري: 2/ 235، المقري: 1/ 384.

(18)

ابن عذاري؛ 2/ 235، المقري: 1/ 384.

(19)

منهم حاكم قشتالة وبنبلونة، وبرشلونة.

(20)

أحمد بدر: 66 وأطلق عليها ابن عذاري غزوة (شنت اشتبين) والتسمية الكاملة " شنت اشتبين دي غرماج " كما أوردها عبد العزيز سالم في كتابه: المسلمون وآثارهم في الأندلس: 290.

(21)

ابن خلدون 4/ 144 و 145 المقري: 1/ 383.

(22)

سالم: 291 أحمد بدر: 67.

ص: 189

جليقية، وأمير اشتوريش ثم وفدت سفارة سانشو وملك نافارا (23)، وفي سنة 360 هـ وفد سفراء أمير برشلونة الكونت بوريل ثم أوفدت البيرة الوصية على عرش ملك ليون تطلب عقد معاهدة عدم اعتداء بين الطرفين. ووصلت سفارات أخرى من أمير قشتالة وكونت شلمنقة، وفي سنة 362 هـ جدد ملك نافار والبيرة وصية ملك ليون بعوثهما إلى قرطبة تعزيزاً لاتفاقاتهما السابقة.

لقد عاشت الأندلس في عهد الحكم المستنصر عصراً ذهبياً تميز بعدة مظاهر أبرزها ازدهار العلوم والأدب فقد كان الحكم " عالماً فقيهاً بالمذاهب، إماماً في معرفة الأنساب، حافظاً للتاريخ، جماعاً للكتب، مميزاً للرجال من كل عالم وجيل، وفي كل مصر وأوان

" (24).

شارك العلماء في علومهم وألف مؤلفات بعضها في الأنساب (25) وأخرى في التاريخ وله تعليقات عديدة على كثير من المؤلفات التي قرأها أو سمعها حتى عده ابن الخطيب " حجة وقدوة، وأصلاً يوقف عنده "(26)، وكان قد بث التجار في أقطار المشرق والمغرب يقتنصون له كل جديد في العلم (27)، ويبعث إلى العلماء المشهورين للحصول على النسخ الأولى من مؤلفاتهم (28) وقد ضمت المكتبة الأموية المشهورة الآلاف من المؤلفات في العلوم المختلفة والعقلية منها والفعلية وروى ابن حزم:" أن عدد الفهارس التي كانت فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة، في كل فهرسة خمسون ورقة ليس فيها إلا ذكر أسماء الدواوين فقط "(29).

وعهد بإدارة هذه المكتبة إلى أخيه عبد العزيز، في حين كان أخوه المنذر مشرفاً على دور التعليم في قرطبة، واحتفى الحكم بمجموعة من مشاهير علماء العصر

(23) عنان: 2/ 491.

(24)

ابن الخطيب؛ أعمال الأعلام: 41.

(25)

نقل ابن حزم بعض الأنساب عن كتاب الحكم، ينظر: جمهرة أنساب العرب: 88، 310، 399، 408، 424.

(26)

أعمال الأعلام: 41.

(27)

ابن الآبار: الحلة السيراء: 1/ 200.

(28)

وصل كتاب الأغاني للأصفهاني الأندلس قبل أن ينتشر ويذاع في العراق بلد المؤلف. وكذلك فعل الحكم مع القاضي أبي بكر الأبهري المالكي في شرحه لمختصر ابن عبد الحكم. ينظر: ابن الآبار، الحلة السيراء 1/ 201، والمقري: 1/ 386.

(29)

جمهرة أنساب العرب: 100.

ص: 190

الأندلسيين والمشارقة زينوا بلاطه وملأوه علماً وأدباً منهم القاضي منذر بن سعيد البلوطي المتوفى سنة 355 (30) والعالم العراقي المشهور أبو علي القالي صاحب كتاب الأمالي (31)، المتوفى سنة 356 هـ وربيع بن زيد (رثموندو) أحد المستعربين المقربين من الحكم لمعرفته بعلم الفلك والعلوم الفلسفية، وهي من العلوم التي عني بها الخليفة وسعى إلى جمع مؤلفاتها (32) وتحول بلاط الخليفة إلى أكاديمية عظيمة تزخر بشتى أنواع المعارف (33). وإلى جانب هذا كان التعليم العام في عهده يجوز نهضة متميزة، فقد أسس عدداً من دور التعليم خصصت لأبناء الفقراء مجاناً، وعني عناية خاصة بجامعة قرطبة ورفدها بمشاهير العلماء المتخصين وأجرى لهم الرواتب والأعطيات الجزيلة (34)، ويبدي النقد الحديث تقديره وإعجابه للنزعة العلمية التي امتاز بها عصر الخليفة الحكم المستنصر فالمؤرخ الإسباني لافونتي يقول:" كانت دولة الحكم الثاني دولة الآداب والحضارة "، كما كانت دولة أبيه دولة العظمة والبهاء، وإن الرواية العربية لتحبو الحكم بكثير من جميل الذكر فهل نغضي نحن عن تسجيل إعجابنا بما لهذا الأموي المستنير من الصفات الباهرة

إن السلم الذي وطده اكتافيوس في إسبانيا الرومانية، قد وطده الحكم في إسبانيا العربية، وقد قدم الحكم كما قدم اكتافيوس من قبل، الأدلة على أن الرغبة في السلم، لم تكن لأنه لا يعرف الحرب ولا النصر، ولكن لأنه يؤثر إلهام القريض، ويؤثر الكتب على فرائض السلاح وإكليل الجامعات الحقيقي على إكليل الحروب الدموية

" (35).

ومن مظاهر هذا العصر أيضاً تبادل السفارات بين الأندلس والدول الأجنبية وقد سبقت الإشارة إلى سفارات الممالك الإسبانية الشمالية التي وصلت قرطبة. وبقي أن

(30) ترجمته في تاريخ علماء الأندلس، لابن الفرضي: 144؛ المرقبة العليا، للنباهي: 66 - 75.

(31)

ترجمته عن تاريخ علماء الأندلس: 69، وكانت وفادته إلى الأندلس سنة 330 هـ في عصر الخليفة عبد الرحمن الناصر.

(32)

عنان، دول الإسلام: 2/ 507.

(33)

عنان: دول الإسلام: 2/ 508.

(34)

كان مقر هذه الجامعة في المسجد الجامع بقرطبة، ومن العلماء المدرسين فيها: أبو بكر بن معاوية القرشي أستاذ علم الحديث، وأبو علي القالي البغدادي الذي كان يدرس اللغة والشعر والأمثال وبعض مؤلفاته، وكان له مجلس خاص يجتمع إليه الطلبة في الزهراء كل يوم خميس، وأبو بكر بن القوطية وكان معروفاً بعلم النحو وآخرين وغيرهم.

(35)

عنان، دول الإسلام: 2/ 508.

ص: 191

نشير إلى سفارات الدول الأخرى التي ارتبطت بالأندلس بوثائق الصداقة منذ عهد والده عبد الرحمن الناصر، ففي سنة 361 هـ/972 م وصلت سفارة إمبراطور القسطنطينية يحملها سفير له يدعى قسطنطين الملقي.

وفي سنة 363 م وصلت سفارة إمبراطور ألمانيا أوتو الثاني الذي خلف والده في الحكم، فيها يجدد علائق الصداقة بين الدولتين (36).

مات الحكم المستنصر سنة 366 هـ/976 م. وولي مكانه ولده هشام المؤيد بعهد منه وكان عمره إحدى عشرة سنة وثمانية أشهر (37)، على الرغم من وجود إخوته المؤهلين لمثل هذا المنصب، وتولية هشام الطفل يعد سقطة كبيرة اقترفها الحكم بحق ولده المذكور والدولة معاً، فقد فرضت وصاية ابن أبي عامر الإجبارية على الخليفة الطفل ولم يعد من سلطات الخلافة غير الاسم وانتقل حكم الدولة في الأصل من الأسرة الأموية إلى أسرة أخرى هي الأسرة العامرية، التي انتهت بمقتل عبد الرحمن بن أبي عامر الملقب (شنجول) وأطاحت بآخر العامريين وفتحت أبواب الفتنة على مصراعيها حتى تم أفول نجم بني أمية نهائياً عن الأندلس في سنة 422 هـ وإعلان أهل قرطبة إلغاء الخلافة والحكم الأموي في الوقت الذي أعلنت فيه معظم مدن الأندلس الكبيرة عن قيام دويلات تحمل أسماء زعمائها أو حكامها.

ومن هنا يمكن القول أن حكم بني أمية للأندلس ينتهي بوفاة الحكم المستنصر 366 هـ ليبدأ عصر جديد هو عصر الدولة العامرية التي اتخذت شرعيتها من حماية الخليفة هشام المؤيد والحكم باسمه كما سيتوضح من خلال الفصول الآتية.

سيطرة الحاجب محمد بن أبي عامر على السلطة:

حرصت الشخصيات البارزة في الدولة جعفر بن عثمان المصحفي كبير الوزراء ومحمد بن أبي عامر ناظر الخاص وغالب بن عبد الرحمن قائد قوات الجبهة الشمالية على تنفيذ وصية الخليفة الحكم المستنصر القاضية بتنصيب هشام المؤيد خليفة على الأندلس، وقد حرص هذا المجلس على تنفيذ الوصية كما هي ليس من باب الإخلاص

(36) عنان: 2/ 508.

(37)

كان مولده سنة 354 هـ - ابن عذاري: 2/ 237 و 253 وفي الكامل، لابن الأثير: 8/ 677 " عمره عشر سنوات " وفي النفح، للمقري: 1/ 396 " وله من العمر تسع سنوات ".

ص: 192

للخليفة الراحل، وإنما وجدوا في ذلك ضماناً أكيداً لمراكزهم السلطوية (38)، في الدولة.

في حين نجد اتجاهاً آخر يتزعمه كبار رجال الصقالبة كفائق وجؤذر يميلون إلى تنحية هشام المؤيد وتولية أحد أمراء البيت الأموي مكانه، ووقع اختيارهم على شخصية جديرة بهذا المنصب معروفة بقدراتها الفذة هو الأمير المغيرة بن عبد الرحمن الناصر أخي الحكم المستنصر. ومن باب المحافظة على وحدة البلاد وعدم تفريق الكلمة، خصوصاً وأن الصقالبة يمتلكون قوة كبيرة في القصر الخلافي قد تستخدم في الإنقلاب على الخليفة الجديد، فقد اتخذ مجلس الوصاية إجراءً وقائياً سريعاً تم خلاله قتل المغيرة بن عبد الرحمن (39)، وتفريق أنصاره، ولم يجد الصقالبة بُداً من الطاعة والتظاهر بالرضا، وهم في الحقيقة يعدون لمؤامرة تعيد هيبتهم في البلاد ومع كشف أول خيوط هذه المؤامرة بدأ المصحفي يتحوط من غدرهم، فوضع زعمائهم تحت المراقبة الشديدة وسرح أعداداً كبيرة من الخدمة وألحقهم بخدمة محمد بن أبي عامر (40)، وأمر الباقين بالدخول والخروج من القصر من باب عامة الناس، بعد أن أغلق الباب المخصص لدخول الصقالبة وخروجهم (41). وتمت تصفية بعض العناصر الخطرة (42)، ونفي آخرون إلى مناطق خارج العاصمة قرطبة (43).

وبهذه الإجراءات أمِن المصحفي وابن أبي عامر شر هذه القوة التي كانت ولسنوات عديدة صاحبة الكلمة النافذة والنفوذ الواسع في الدولة، وقد قوبل هذا العمل بارتياح من

(38) يقول ابن عذاري في البيان المغرب: 2/ 260: جمع المصحفي الشخصيات التي تؤازره ومنهم زياد بن أفلح مولى الحكم وقاسم بن محمد، ومحمد بن أبي عامر وهشام بن محمد بن عثمان وآخرين غيرهم " واستدعى بني برزال إذ كانوا بطانته من سائر الجند، واستحضر سائر قواد الأجناد الأحرار وعرفهم مذهب الصقالبة في نكث بيعة هشام

وقال لهم: إن حبسنا الدولة على هشام أمنا على أنفسنا وصارت الدنيا في أيدينا وإن انتقلت إلى المغيرة، استبدل بنا

".

(39)

تولى قتله محمد بن أبي عامر، ينظر: ابن عذاري 2/ 261، ابن خلدون 4/ 147.

(40)

من أخطاء الوزير المصحفي القاتلة لسلطته، أنه قام بتسريح عددٍ من الصقالبة قيل أنهم في حدود الخمسمائة صقلبي، وألحقهم في حاشية ابن أبي عامر، الذي رحب بهم وزاد في إكرامهم حتى أصبحوا من أكثر المخلصين له، ينظر، ابن عذاري: 2/ 263، ابن خلدون: 4/ 147.

(41)

كان الصقالبة يدخلون إلى القصر من باب الحديد فأغلقه المصحفي وجعل دخولهم وخروجهم من باب السدة مع بقية الناس، ابن عذاري: 2/ 262.

(42)

من أمثال دري الصقلبي الذي حاول إثارة الشغب فاستدعيَ إلى العاصمة قرطبة وتم قتله، تفاصيل ذلك في البيان المغرب 2/ 263.

(43)

نفي فائق أحد زعمائهم إلى الجزائر الشرقية.

ص: 193

قبل المؤرخين الأندلسيين (44). الذين وجدوا في نكبة الصقالبة مدخلاً لسرد مثالبهم وسيئاتهم التي أصبحت مدار حديث الجميع.

والقضاء على الصقالبة كان أول خطوة من خطوات ابن أبي عامر باتجاه السيطرة على السلطة فهو الذي أغرى المصحفي بنكبتهم ومن ثم ألحقهم بحاشيته وبالغ في إكرامهم واستمال إليه أيضاً بني برزال وكانوا ضمن بطانة المصحفي، ولم يكن المصحفي ليعي أبعاد هذه السياسة التي جردته من أنصاره وحماته، ويبدو أنه عد هذا العمل حسنة من ابن أبي عامر، بعد أن ثقلت مطالب هذه الفرق المالية، مع شهرة المصحفي بالبخل والتقتير على أنصاره، وبسط ابن أبي عامر كرمه على أنصاره الذين أصبحوا أداة مخلصة لتحقيق كل أهدافه، وحاول بعد ذلك السيطرة على القوى العسكرية، والتحالف مع القوى الأخرى التي لا يستطيع بسط نفوذه عليها، فقاد خلال فترة وجيزة ثلاث حملات باتجاه الممالك الإسبانية الشمالية، أولها كانت سنة 366 هـ عندما قام القشتاليون بهجوم شديد على قلعة رباح، مما اضطر أهلها إلى طلب النجدة من حكومة قرطبة التي بدت وكأنها عاجزة عن مناصرتهم، واكتفى المصحفي بالعمل على نسف القنطرة المبنية على نهر آنة لمنع تعرض القشتاليين لهذه القلعة، وهنا برز دور ابن أبي عامر في الدعوة لتجميع القوات وإعدادها لمهاجمة قشتالة وتولى هو قيادة هذه الحملة التي دخلت أراضي جليقية، ونازل حصن الحامة فدمره وعاث في أطرافه وعاد إلى قرطبة، وقد أضاف إلى رصيده في نجاحه العسكري هذا صفة القائد العسكري الناجح إضافة إلى الصفات السياسية والإدارية التي تميز بها.

ولم يكتفِ ابن أبي عامر بهذه الحملة بل أعاد الكرة ثانية بالإشتراك مع قوات غالب بن عبد الرحمن قائد الجبهة الشمالية، فخرجا من مجريط وتوغلا بقواتهما في أراضي مملكة قشتالة، وسيطرا على حصن مولة، وأصابا كثيراً من الغنائم والسبي، ثم عادت القوات إلى قواعدها الأصلية (45)، وقد استطاع ابن أبي عامر من كسب القائد غالب بن عبد الرحمن إلى جانبه (46). بعد أن عانى الأخير كثيراً من لوم المصحفي

(44) عنان، دول الإسلام: 2/ 527 وعلى سبيل المثال، ينظر: ابن بسام، الذخيرة، ق 4 ج 1 ص 61، ابن عذاري: 2/ 263.

(45)

ابن عذاري: 2/ 365.

(46)

في البيان المغرب: 2/ 265 " وخدم ابن أبي عامر غالباً في سفره هذا خدمة ملك بها نفسه، فمال إليه غالب بكليته ".

ص: 194

واتهامه بالتخاذل عند هجوم القشتاليين على قلعة رباح (47)، وفي الوقت الذي فقد المصحفي فيه رجلاً كان على الحياد أصبح هذا الرجل حليفاً ونصيراً قوياً يشد عضد ابن أبي عامر في صراعه الخفي مع المصحفي خصوصاً وأن القائد غالب بن عبد الرحمن قد أصبح يحمل لقب ذي الوزارتين، وقد بدأت نتائج هذا التحالف ونتائج الانتصارات في الجبهة الشمالية تظهر سريعاً، وذلك عندما أمر الخليفة هشام (وبتحريض من ابن أبي عامر) بعزل محمد بن جعفر المصحفي عن حكم قرطبة، وتوليتها أحد أقرباء ابن أبي عامر.

وقد شعر المصحفي بالمصير الذي ينتظره فحاول كسب قائد الجبهة الشمالية غالب وذلك عن طريق المصاهرة، إذ تقدم بطلب إبنة غالب لولده محمد ورغم موافقة غالب على طلبه ووعده له بتنفيذ ذلك، إلا أنه تراجع عندما حاول ابن أبي عامر منع هذه المصاهرة واختصر الطريق وتقدم هو لطلب ابنة غالب زوجة له. وبهذا فشلت آخر محاولة للمصحفي للوقوف في وجه ابن أبي عامر.

وذاعت شهرة ابن أبي عامر عندما جهز القوات للجهاد في غزوته الثالثة سنة 367 هـ بالاشتراك مع صهره غالب بن عبد الرحمن فاقتحمت قواتهما المشتركة حصن المال وحصن زنبق، ونازلت مدينة شلمنقة واحتلت معظم المناطق المحيطة بها ثم عادت القوات إلى قرطبة ليبادر الخليفة بتكريم ابن أبي عامر، وتلقيبه بذي الوزارتين ورفع مرتبته إلى مرتبة صاحب الحجابة التي تولاها مع المصحفي خلال هذه الفترة غالب بن عبد الرحمن ثم عزل المصحفي بعد ذلك، وتم القبض عليه وعلى ولده محمد وابن أخيه هشام وبعض أقربائه وصرفوا جميعاً عما كان بأيديهم من الأعمال، واستصفيت أموالهم وألقي جعفر في سجن المطبق حتى وفاته سنة 372 هـ/983 م (48).

وبالقضاء على المصحفي أصبح محمد بن أبي عامر الرجل الأول في الدولة ما دام الخليفة هشام المؤيد قاصراً عن أداء واجباته الفعلية، وقد وصل ابن أبي عامر إلى هذه المكانة عن طريق التحالف مع قوى، سانده أكثرها، واصطف إلى جانبه نكاية بالحاجب المصحفي لاستئثاره بالسلطات لا إيماناً بأفضليته عليه، وكان ابن أبي عامر يعي ذلك جيداً، ويعلم أن هؤلاء سيعملون ضده إذا ما اقتضى الأمر ذلك في يوم من الأيام (49)،

(47) ابن بسام: ق 4 ج 1 ص 63 و 64؛ ابن عذاري: 2/ 365.

(48)

ابن عذاري: 2/ 267 وما بعدها.

(49)

أحمد بدر: 30.

ص: 195

لذا نراه يتخذ إجراءات متعاقبة متتالية يحصن فيها نفسه ضد مؤامرات أعدائه، ثم يخلق قوى جديدة لنفسه بدلاً من القوى التي خلقها الحكم المستنصر وتحالف هو معها، وعرف زعماؤها باسم الصنائع الحكميين، وكلما ازدادت الدعائم التي يعتمد عليها وازداد عدد الصنائع العامريين كلما زاد من استبداده، حتى أصبح السلطان المطلق للأندلس (50). ولم يبق أمامه من منافس غير غالب بن عبد الرحمن والد زوجته والذي كان يتمتع بسمعة رفيعة في ميدان القيادة العسكرية وعلى مستوى عموم الأندلس (51)، وكان المناوؤون لسياسة ابن أبي عامر يجدون في غالب الرجل المناسب للمقاومة والانتفاض (52)، لهذا عمد ابن أبي عامر إلى منافسة مكانة سلطان غالب برجل لا يقل عنه شجاعة وفروسية فلم يجد لذلك خيراً من جعفر بن علي بن حمدون المعروف بابن الأندلسي شدة بأس، ورباطة جأش وجلالة قدر، فاستدعاه وقواته من المغرب ومنحه لقب وزير وجعله من خاصته وأمَّره على جيش الحضرة (53)، مما أثار القائد غالب بن عبد الرحمن بعد أن فطن إلى ما يدبره العامري وما يهدف إليه، إضافة إلى وشاية (صبح) والدة الخليفة هشام المؤيد بابن أبي عامر ومحاولاتها لإيغار قلب غالب بن عبد الرحمن عليه، ولم يطل الأمر بين الاثنين فقد عزم على استيضاح الأمور ودعا صهره ابن أبي عامر لحضور وليمة أقامها على شرفه في مدينة انتسة، وانفرد الاثنان ودار بينهما حوار انتهى بأن سل غالب سيفه لقتل محمد بن أبي عامر الذي تمكن من الخلاص بأعجوبة واللحاق بالعاصمة قرطبة، حيث أعد قوة خاصة توجهت أولاً إلى مدينة سالم مقر غالب بن عبد الرحمن فتمت السيطرة عليها (54)، وهنا تشير بعض المصادر إلى محالفة غالب لبعض أمراء الإسبان الشماليين وسيره بقواته للقاء قوات ابن أبي عامر في محرم سنة 371 هـ أمام حصن شنت بجنت على مقربة من انتسة وكادت الدائرة تدور على جيش العامري لولا نهاية غالب بن عبد الرحمن بالسكتة القلبية وسقوطه في ميدان المعركة، فاختل بعدها توازن جيشه وانفلتت تعبئته وولت فصائله منهزمة في اتجاهات مختلفة (55).

(50) أحمد بدر: 30.

(51)

يقول ابن عذاري في البيان المغرب: 2/ 278 كان غالبٌ يستطيل على ابن أبي عامر بأسباب الفروسية ويباينه بمعاني الشجاعة ويعلوه من هذه الجبهة التي لم يتقدم لابن أبي عامر بها معرفة.

(52)

عنان؛ دول الإسلام: 2/ 538.

(53)

ابن عذاري: 2/ 278؛ ابن خلدون: 4/ 147.

(54)

ابن الخطيب: أعمال الأعلام: 62.

(55)

ينظر ابن عذاري: 2/ 279؛ عنان، دول الإسلام: 2/ 539؛ أحمد بدر: 31.

ص: 196

وبموت غالب بن عبد الرحمن لم يعد للعامري من يخشاه في البلاد، فاتخذ لقباً خلافياً هو المنصور، ودعي له على المنابر به استيفاء لرسوم الملوك (56)، واستمر على تعبئة العناصر المخلصة له في الجيش من مماليك صقالبة وبربر وحرص على بقاء هذه العناصر مرتبط به شخصياً مع إغداقه عليهم الأموال والرواتب المجزية (57).

ودبر حيلة اغتال بها جعفر بن علي بن حمدون قائد جيش الحضرة سنة 372 هـ وإعدام قاتله لكي لا ينكشف الأمر (58)، وهكذا تخلص ابن أبي عامر من آخر الرجال الذين أخلصوا له وقدموا له خلال صراعه مع غالب بن عبد الرحمن خدمات جليلة بعد أن وجد دور جعفر بن علي قد انتهى بموت غالب وبقاؤه حياً أمر لا مبرر له. فهو لم يعد يحتمل في دولته رجالاً من طراز جعفر بن علي قد يسببون له في المستقبل نوعاً من الإزعاج.

وهكذا تخلص ابن أبي عامر من جميع منافسيه وفق مبدأ الغاية تبرر الواسطة وفي ذلك يقول ابن الخطيب السلماني: كان ابن أبي عامر آية في الدهاء والمكر والسياسة عدا بالمصحفي على الصقالبة حتى قتلهم، ثم عدا بغالب على المصحفي حتى قتله، ثم عدا بجعفر بن علي بن الأندلسي على غالب حتى استراح منه ثم عدا بنفسه على جعفر حتى أهلكه ثم انفرد ينادي صروف الدهر: هل من مبارز، فلما لم يجده حمل الدهر على حكمه، فانقاد له وساعده واستقام له أمره منفرداً بسابقة لا يشاركه فيها غيره (59).

سياسة المنصور ابن أبي عامر:

أ - السياسة الخارجية:

1 -

الجهاد ضد الممالك الإسبانية الشمالية:

امتازت السياسة التي اعتمدها المنصور ابن أبي عامر تجاه الممالك الإسبانية

(56) ابن عذاري: 2/ 279.

(57)

أحمد بدر: 31.

(58)

قال ابن عذاري في البيان المغرب 2/ 279 " ولما فرغ ابن أبي عامر من غالب، دبر الحيلة في حتف جعفر بن علي الذي أقامه أكبر معين في أمر غالب، فواطأ على قتله أبا الأحوص معن بن عبد العزيز التجيبي

في طائفة من أصحابه الأندلسيين فقتلوه غيلة، ثم قتل ابن أبي عامر بعد ذلك أبا الأحوص ". ينظر أيضاً: الصفحات 280 و 281 من الكتاب أعلاه.

(59)

أعمال الأعلام: 77.

ص: 197

الشمالية بطابع جهادي متميز، فقد بلغت الحملات التي سيرت إلى هذه الممالك أكثر من خمسين حملة (60)، ومعنى هذا أن المنصور كان يقوم بحملتين كل عام حملة في الصيف وأخرى في الشتاء وأن جميع هذه الحملات كانت تحت قيادته المباشرة (61)، وحقق فيها انتصارات باهرة لم يخسر معركة واحدة من معاركها (62)، " وكان الطابع العام لسياسته الجهادية هجومياً، بانتزاعه المبادرة من أعدائه الذين أرغموا على تغيير استراتيجيتهم العسكرية من الهجوم إلى الدفاع "(63). وظلت قواتهم قابعة ضمن حدودها الإقليمية بعد أن شلت حركتها باتجاه التوغل أو حتى التقرب من الحدود الدولية للدولة العربية. ذلك أن المنصور ابن أبي عامر طرق في عملياته العسكرية هذه أراضٍ لم تطرقها الجيوش العربية من قبل ولا حاولت الوصول إليها، وكانت أهدافه من ذلك إعلام حكام تلك الممالك بأن القوات العربية قادرة على أن تصل وتضرب أية نقطة من أراضيهم حينما ترى أن الضرورة تتطلب ذلك، وقد اعتمد المنصور ابن أبي عامر على قوات أعدت إعداداً جيداً كانت ثمرة النظام الذي أقره على بنية القوات العسكرية فقد كانت الفرق العسكرية قبله تنضوي تحت لواء زعيم من زعماء القبائل وتضم تلك الفرقة أبناء وموالي كل قبيلة، وكانوا يتجمعون بناء على نداء من الدولة للنصرة والتطوع في صفوف القوات العازمة على الحرب، ومنذ عصر الناصر خصوصاً بعد واقعة الخندق سنة 327 هـ -. لم تعد للعصبية القبلية أو لزعمائها مكانة وسط تنظيمات الجيش فأكمل ابن أبي عامر هدف الناصر بأن وزع الجند في مجموعات ضمن سرايا وفرق بغض النظر عن عصبية كل جندي وأمر عليهم قائداً يختاره من بين القادة، وجعل قواته من ناحية التنظيم أشبه بالقوات النظامية في العصر الحديث، مع تقرير رواتب شهرية لكل منتظم في هذه القوات وحسب موقعه ومكانته. وهذا النظام سهل أمر تجميع القوات في وقت سريع، وأصبح الجند أكثر إلتزاماً وانضباطاً من ذي قبل، ولعل نتائج هذا التنظيم تبدو جلية من خلال حملات ابن أبي عامر على الممالك الشمالية وغيرها والتي تجاوزت كما ذكرنا الخمسين حملة، أشهرها تلك التي قادها سنة 371 هـ لمهاجمة مملكة ليون قاصداً مدينة سمورة إلى الشمال من شنت مانكش والغرض تأديب ملك ليون راميرو الثالث

(60) في الكامل، لابن الأثير: 8/ 667 (52 غزوة) ومثلها في كتاب العبر، لابن خلدون: 4/ 148 وفي البيان المغرب لابن عذاري: 2/ 301 (57 غزوة).

(61)

ابن خلدون: 4/ 148؛ ابن عذاري: 2/ 301.

(62)

ابن عذاري: 2/ 301؛ ابن خلدون: 4/ 148؛ المقري: 1/ 4001.

(63)

بيضون: 340؛ وينظر: عنان، دول الإسلام 2/ 540.

ص: 198

لتدخله في شؤون الأندلس الداخلية وإمداده للقائد غالب بن عبد الرحمن بعدد من الجند الذين قاتلوا في صفه، وقد تمكنت القوات الأندلسية من تدمير جميع القرى المحيطة بالمدينة وسحقت كل مقاومة صادفتها، ولم يتمكن راميرو الثالث من أي عمل مضاد وحده فتحالف مع كونت قشتالة وملك نافار، ولكن هذا الحلف انتهى بالإنهيار عند أول لقاء للقوات المتحاربة في مكان قريب من شنت مانكش استسلمت بعده المدينة المذكورة واستمر زحف القوات الأندلسية باتجاه عاصمة مملكة ليون ولكن حلول الشتاء وسقوط الثلوج حالا دون إتمام بقية العمليات العسكرية وعلى الرغم من ذلك فقد كان لهذا الانتصار المحدود نتائج سلبية أصابت دولة ليون في الصميم فقد خلع راميرو الثالث ونصب مكانه ابن عمه برمودة الذي اضطر إلى دفع الجزية للمنصور ابن أبي عامر.

وخرج من الصراع ملك بنبلونة شانجة فخضع للدولة العربية وقدم ابنته هدية لابن أبي عامر، فعقد عليها وتزوجها (64).

أما الغزوة الثالثة والعشرون في سنة 374 هـ فقد كان هدفها ثغر برشلونة قاعدة إمارة قطلونية حيث تم اجتياح الإقليم ومهاجمة مدينة برشلونة ودخولها بعد تدمير قوات الكونت بريل تدميراً نهائياً إلا من تمكن من الفرار.

وفي سنة 376 هـ عاود المنصور الهجوم على مملكة ليون لإخلالها في بعض الشروط المفروضة عليها واستهدف الهجوم مدناً عديدة منها العاصمة ليون ومدينة قلمرية التي تم احتلالها وتخريبها.

وفي سنة 378 هـ احتل سمورة وليون، وأنهى كيان هذه المملكة ثم استعاد ملكها مركزه بعد سنتين وبعد أن وادع المنصور ووافق على تنفيذ جميع الشروط المفروضة على مملكته (65).

أما الغزوة الثامنة والأربعون في سنة 387 هـ فهي حملة جليقية وكانت حملة ذات هدفين مهمين:

الهدف الأول: أن جليقية كانت تشكل خط الدفاع لقوات ليون المنهزمة.

والثاني: أن جليقية كانت تضم مدينة من أشهر المدن الإسبانية وأعلاها مكانة من الناحية الدينية، تلك هي مدينة شنت ياقب (66).

(64) هي أم ولده عبد الرحمن الملقب -شنجول- لجده شانجة.

(65)

عن هذه الإمارة: ينظر: عنان: 2/ 543.

(66)

في البيان المغرب: 2/ 294 " وكانت كنيستها عندهم بمنزلة الكعبة عندنا، فبها يحلفون وإليها يحجون من أقصى بلاد رومة وما وراءها ".

ص: 199

وقد استعد المنصور لهذه الحملة استعداداً عالياً فقسم قواته إلى قسمين قوة الفرسان تحت قيادته، والقسم الآخر، ضم المشاة وما يلحق بهم حمل بحراً، والتقت القوتان عند نهر دويرة وبدأت القوات الأندلسية زحفها في أراضي جليقية مطهرة مناطق ومدناً عديدة في الطريق إلى الهدف شنت ياقب التي أشرفت عليها فألفتها خالية من القوات والسكان، فدخلتها وغنمت ما تهيأ من غنائم المدينة وهدت جميع تحصيناتها ومبانيها باستثناء ضريح (القديس يعقوب) الذي تنسب إليه المدينة فقد أمر المنصور بإعماره ورعايته وفي طريق العودة استسلمت له عدة مدن مشهورة منها مدينة كرونيا ومدينة لاميجو (67).

وأمام هذه الانتكاسات التي أصابت الممالك الإسبانية الشمالية في الصميم، حاول حاكم قشتالة سانشو غرسية في سنة 390 هـ معالجة حالة التردي هذه بتشكيل جبهة قتالية بزعامته ومساعدة أمراء البشكنس وملك ليون وتعاهدوا على المقاومة والثبات، وقاموا بأول عمل مضاد فسيروا قواتهم إلى وادي نهر دويرة الأدنى للتمكن من التحصن في الجبال، فسارع ابن أبي عامر على لقاء قوى التحالف واتجه إلى أراضي قشتالة ومنها نفذ إلى المنطقة التي تحصنت بها قوات المتحالفين، وهنا رأى سانشو أن خطة الهجوم المفاجئ قبل أن يثبت المنصور أقدامه على الأرض، تحقق له ولقواته وضعاً عسكرياً يحقق إنزال أفدح الخسائر بالجيش المقابل وفعلاً نجحت خطته، وكاد الأمر ينتهي لصالح القوات المتحالفة، لولا رد قوات المنصور بهجوم مقابل شديد شتت شمل فرق المتحالفين وأجبرهم على الارتداد والهزيمة، واستمر المنصور في تقدمه حتى وصل مدينة برغش عاصمة قشتالة واستباحها. وظلت قواته تكيل الضربات وفي اتجاهات مختلفة حتى طرقت بنبلونة عاصمة مملكة نافار، ولم تتمكن قوات هذه الممالك من صد الهجمات القاسية والمتلاحقة لقوات المنصور فأذعنت لأوامره وشروطه (68).

2 -

سياسة المنصور ابن أبي عامر تجاه المغرب:

كانت سياسة الأندلس تجاه بلاد المغرب مركزية لا تتغير بتغيير الحكام وهي تقوم أساساً على اعتبار السواحل المقابلة للأندلس بمثابة حزام أمان للأندلس، يجب الحفاظ

(67) ابن عذاري: 2/ 294 وما بعدها؛ عنان، دول الإسلام: 2/ 560 و 561.

(68)

ابن الخطيب، أعمال الاعلام:69.

ص: 200

على تبعيتها وولائها لحكومة قرطبة مهما كانت الأسباب، واعتبار مضيق جبل طارق جزءاً لا يتجزأ من الأندلس.

وقد مر سابقاً وصف أحوال المغرب العربي في عهد الخليفة الحكم المستنصر بالله وكيف تمكنت قوات الأندلس البحرية من كسر شوكة الحسن بن كنون زعيم الأدارسة سنة 363 هـ، وإجباره على السكن في العاصمة قرطبة، قبل أن يسمح له الحكم بعد ما يقرب من سنتين بمغادرة الأندلس إلى مصر، بعد أن أخذت منه المواثيق والعهود بعدم القيام بأي عمل مضاد من شأنه أن يسبب قلقاً لحكومة قرطبة في المغرب.

وفي عهد الحكم أيضاً تم توسيع دائرة نفوذ الأندلس في المغرب، مما بات يهدد نفوذ الفاطميين وُيؤذن بإزالته نهائياً، لذا عاود الفاطميون في سنة 368 هـ (69) سياستهم القائمة على رد الاعتبار واستعادة المناطق التي خسروها سابقاً، فأوعزوا إلى نائبهم بلكين بن زيري الصنهاجي للقيام بسلسلة من العمليات العسكرية لاستخلاص المدن المهمة والمناطق الحيوية لنفوذهم، وفعلاً تم الاستيلاء على مدينة فاس سنة 369 هـ، والانتصار على قبائل زناتة في سلسلة من المواقع، ألجأتهم أخيراً إلى المناطق الساحلية: سبتة وطنجة ومليلة التي ظلت في أيدي الأندلسيين (70)، وأمام هذا المد الذي وسع دائرة نفوذ خلفاء الدولة الفاطمية، والجزر الذي أصاب حلفاء حكومة قرطبة، قرر المنصور ابن أبي عامر العمل بسرعة على استعادة ما فقده في هذه البلاد، فأرسل إلى ميدان المعركة القائد المشهور جعفر بن علي المعروف بالأندلسي واستمرت الإمدادات بالقوات والسلاح متواصلة لإدامة عوامل الصمود، حتى أجبرت بلكين بن زيري لتعديل خططه والارتداد عن المناطق الساحلية المذكورة، فسار باتجاه مدينة البصرة التي تعرضت للدمار، وهاجم قبائل برغواطة وقتل زعيمها وسبى أعداداً كبيرة منهم، ثم دخل سجلماسة واغتال زعيمها خزرون بن فلفل، ثم قفل راجعاً إلى المغرب الأدنى بعد أن مكن نفوذ الفاطميين في المناطق التي تم تطهيرها.

وتعد هذه الحملة آخر الحملات الكبيرة التي قام بها الفاطميون لبسط نفوذهم على المغرب العربي وهي على الرغم من سعة الأراضي التي اكتسحتها ومدى الخراب الذي أحدثته لم تكن ذات أثر فعال في إعادة النفوذ الفاطمي إلى المغرب الأقصى، فقد عاد

(69) كان الفاطميون في عهد العزيز بالله مشغولين برد القرامطة عن مصر والشام، وعندما تمت هزيمتهم، تفرغوا لشؤون المغرب من جديد.

(70)

الناصري: الاستقصاء: 1/ 207.

ص: 201

نفوذ قرطبة إلى ما كان عليه إثر عودة الحملة، وكان الزناتيون أداة هذا النفوذ، فقد عادوا للانسياح في أرجاء المغرب الأقصى والسيطرة على قواعده، وعندما حاول نائب الخليفة الفاطمي الجديد، وهو المنصور بن بلكين بن زيري، استعادة ما فقده

هزمه الزناتيون تحت قيادة زعيم زناتي جديد بدأ نجمه بالصعود وهو زيري بن عطية حفيد عبد الله بن خزر (71)، الذي كان بدوره أخاً لمحمد بن خزر الزعيم المغراوي الذي انضوى تحت لواء الأمويين في أيام الناصر لدين الله، وأقلع المنصور بن بلكين بعد ذلك عن مهاجمة المغرب الأقصى (72)، غير أن الفاطميين أرسلوا إلى المغرب الأقصى الحسن بن كنون ولم يكن إرساله بديلاً عن القوات العسكرية ووسيلة لاستعادة نفوذهم بقدر ما كانت عملية لتعكير الأمن على حكومة قرطبة في هذه المناطق (73). فقد وصل الحسن بن كنون إلى المغرب الأقصى في سنة 373 هـ معززاً ببعض القوات الفاطمية (74)، والتفت حوله مجاميع أخرى من قوات البربر لاسيما بنو يفرن الزناتيين، ولكن قوات المنصور ابن أبي عامر تمكنت من إجهاض هجومه ومحاصرته ثم إجباره على الاستسلام واقتيد إلى قرطبة (75)، ولكنه اغتيل بالطريق إليها بتدبير من ابن أبي عامر في سنة 375 هـ/985 م (76).

وقد تولى أمر المغرب الوزير الحسن بن أحمد بن عبد الودود السلمي، وأصبح زيري بن عطية المغراوي بمثابة المستشار في أموره، وعند وفاة الحسن سنة 381 هـ انتقلت ولاية المغرب إلى زيري بن عطية الذي عرفت عنه سياسته في ضبط الأمور والسيطرة على البلاد سيطرة تامة (77)، خصوصاً بعد انتصاره على بني يفرن وقتل زعيمهم يدو بن يعلي سنة 383 هـ، وعلى الرغم من أن المنصور كافأ زيري بن عطية على خدماته ومنحه لقب (وزير) غير أن الأخير لم يكن قانعاً بهذا اللقب والذي لم يعد (حسب رأيه) ليتوازن مع أعماله التي قدمها للمنصور ابن أبي عامر وكان يطمح إلى لقب الإمارة، وذلك هو ما سعى إليه عندما بدأ بتأسيس مدينة خاصة به وهي مدينة وجدة (78). وعني

(71) تفاصيل ذلك في البيان المغرب، لابن عذاري 1/ 249.

(72)

أحمد بدر: 99 و 100.

(73)

أحمد بدر: 100.

(74)

في الاستقصا، للناصري: 1/ 203 كانت بحدود ثلاثة آلاف فارس.

(75)

ابن عذاري: 20/ 281.

(76)

ابن عذاري: 2/ 281؛ الناصري: 1/ 204.

(77)

الناصري: 1/ 209.

(78)

جنوب شرقي مليلة.

ص: 202

بتحصينها ثم انتقل إليها بخاصته ورجاله سنة 386 هـ/996 م (79).

غير أن التطورات المفاجئة بين المنصور ابن أبي عامر وابن عطية قلبت العلاقات الودية بين الطرفين ودفعت زعيم زناتة إلى التمرد وإعلان العصيان (80) ولا نكاد نلمح في سطور الروايات التاريخية التي دونت أخبار هذا التمرد أي تسويغ مقبول لخروج الزعيم الزناتي على السلطة المركزية باستثناء ما قيل من أن أسباباً اقتصادية كانت وراء نفوره، أو ما قيل عن استخفافه بلقب الوزارة الذي منحته إياه حكومة قرطبة. فقد وجد حسب تعبير الرواية تقليلاً من وزنه السياسي بوصفه أميراً ينتمي إلى قبيلة كبيرة، غير أن هذه المصادمة إن صح وقوعها بين المنصور وزيري، لا تصلح لأن تكون مقدمة ثورة شاملة تستقطب البربر، لو لم تكن لها أبعاد سياسية ورواسب تاريخية معروفة، حدت به إلى التمرد ضد الوصاية العامرية، فقد شعر زيري بقوته من خلال القاعدة الشعبية التي التفت حوله من سواد قبائل البربر، حيث استهواها دائماً الاستقلال بشؤونها السياسية والإقتصادية، وكان زيري بشخصيته الذكية قد احتل مكانة عالية لدى جماعته من البربر فتحول بنظرهم إلى قائد شعبي، تتجسد فيه آمالهم البعيدة في السيادة والاستقلال (81) وبدأ زيري بن عطية بتنفيذ ما عزم عليه فاكتفى بذكر اسم الخليفة هشام في خطبة يوم الجمعة فقط، وأسقط اسم المنصور، وطرد عماله من المغرب وتمكنت قواته من دحر قوات القائد واضح في وادي زارات جنوبي طنجة، ولكن انتصاراته لم تسفر عن نتائج فعالة فقد أعادت القوات الأندلسية الكرة على قواته في سنة 387 هـ وتمكنت من الانتصار عليها بوادٍ من أحواز طنجة وطاردت فلولها حتى مدينة مكناسة، ففر إلى العمق الصحراوي مع بعض فرقه المنهزمة، وتمكنت قوات الأندلس من تطهير مدينة فاس سنة 388 هـ وإعادة المناطق التي اختلت طاعتها بخروج ابن عطية (82).

وفي سنة 391 هـ عاد زيري بن عطية إلى ولائه وكاتب المنصور بهذا الأمر فعفى عنه وحسنت سيرته حتى وافاه الأجل في السنة نفسها فخلفه على حكم المغرب ولده المعز الذي أعلن سياسة الولاء للمنصور ابن أبي عامر ثم لابنه عبد الملك المظفر من بعده (83).

(79) الناصري: 1/ 213.

(80)

عنان: دول الإسلام 2/ 557.

(81)

بيضون: 348، وينظر: العبادي 238.

(82)

ابن عذاري: 1/ 252.

(83)

ابن عذاري: 1/ 253.

ص: 203

3 -

العلاقات الدبلوماسية:

ظلت العلاقات الودية قائمة بين الأندلس والإمبراطورية البيزنطية فقد عاصر المنصور الإمبراطور بازيل الثاني (976 - 1025 م) الذي يعد عصره الطويل من أزهى عصور هذه الإمبراطورية.

وظلت أيضاً علاقة الأندلس بألمانيا علاقة صداقة وسلام رسختها رغبة الطرفين في استمرار تلك العلائق، وكان إمبراطور ألمانيا أوتو الثالث 983 - 1002 م قد سار على نهج أسلافه في إقرار عرى التعاون المشترك بين البلدين. أما علاقات الأندلس الدبلوماسية مع ملوك وأمراء إسبانيا الشمالية فلم تكن لترقى إلى مستوى العلاقات الودية إلا في ظروف عجزت معه هذه الممالك عن مقاومة جيوش المنصور ابن أبي عامر، فتم عقد المصاهرة بين المنصور وبين ملك نبرة شانجة عندما تزوج الأول إبنة الأخير.

أما العلاقات مع قشتالة، فقد عاصر المنصور ابن أبي عامر اثنين من حكامها فرناند وابنه سانشو وكلاهما لقي الكثير من الهزائم أمام قوات المنصور فالأول انتهت حياته في الأسر والثاني اضطر إلى عقد اتفاق مذل مع المنصور ابن أبي عامر أعلن فيه خضوعه وولاءه التام له (84).

- السياسة الداخلية:

1 -

علاقة المنصور مع الخليفة هشام المؤيد:

استمر الحجر على الخليفة هشام المؤيد ومنعت تحركاته إلا بمعرفة المنصور ابن أبي عامر، وهي سياسة دأب عليها أولاده عبد الملك وعبد الرحمن من بعده وظل الخليفة المؤيد اسماً مجرداً في سلسلة خلفاء الأندلس، ورمزاً تمارس باسمه جميع السلطات لاكتساب الشرعية (85). وإذا كان المنصور قد اختار مناسبات معينة لظهور الخليفة بموكبه المعروف، فإنه كان يقصد أول ما يقصد الرد على تقولات المروانيين وبعض الإشاعات التي تبث في العاصمة عن سجن الخليفة بقصره وعدم السماح له بالظهور وسط العامة (86).

(84) العبادي: ج 246 و 247.

(85)

يقول ابن عذاري: 2/ 278 " وأشاع ابن أبي عامر أن السلطان فوض إليه النظر في أمر الملك وتخلى عنه لعبادة ربه، وانبث ذلك في الرعية حتى اطمأنوا إليه ".

(86)

ينظر: ابن الخطيب: أعمال الأعلام: 76.

ص: 204

2 -

العلاقة مع الفقهاء:

خطب المنصور ابن أبي عامر ود طبقة الفقهاء، وحاول كسب رضاهم ربما كتعويض عن اغتصابه السلطة، أو نتيجة لنشأته الدينية ودراسته على أشهر فقهاء العصر ومع ذلك فقد ظلت مسألة استبداده بالأمور وتمجيد شخصيته محوراً للخلاف بينه وبينهم، غير أن الخلاف لم يكن ليصل إلى حد القطيعة والصدام كما حدث للحكم بن هشام الربضي مع فقهاء عصره، لأن كل طرف من هذه الأطراف لم يكن يريد أن يتحدى الآخر بالشكل الذي يؤدي إلى هذه النتائج، والمنصور ابن أبي عامر من جانبه كان حريصاً على أن يضيف إلى أعماله نوعاً من الشرعية المدعمة بفتوى الفقهاء، أما الفقهاء فعلى الرغم من أنهم لم يسكتوا على أعمال المنصور إلا أنهم سايروه في البعض منها على قناعتهم بعدم انسجام تلك الأعمال والأفعال مع مذهب الإمام مالك مذهب أهل الأندلس (87).

وعلى الرغم من كل هذه العلاقة التي تبدو ودية في أكثر من جانب إلا أن عصره لم يخل من فقهاء حاولوا التصدي لمشاريعه السلطوية ومنهم على سبيل المثال قاضي قضاة الأندلس محمد بن إسحاق بن منذر بن أبي عكرمة المتوفى سنة 367 هـ (88) المتولي بعد وفاة البلوطي.

وقامت حركة أخرى كان على رأسها عبد الملك بن منذر بن سعيد البلوطي كانت تدعو إلى تولية عبد الرحمن بن عبيد الله بن الناصر ابن عم هشام المؤيد واغتيال هشام المؤيد والحاجب المنصور ابن أبي عامر، وقد اشترك في هذه الحركة عدد كبير من كبار الموظفين في الدولة ونخبة لا بأس بها من مشهوري الفقهاء، ولكن الأمر انتهى بكشف خيوط الحركة قبل التنفيذ وتم القبض على عبد الملك بن منذر البلوطي فحكم عليه بالإعدام على الرغم من معارضة الفقهاء ولكن العامري نفذ الإعدام فيه سنة 368 هـ (89) واكتفى بسجن الآخرين. ويظهر أن إعدام ابن منذر البلوطي وسجن الباقين ليس مرده لزعامة البلوطي للفتنة فقط، بل لكونه معتزلياً، الأمر الذي يجعل إعدامه لا يثير ردود فعل سلبية بقدر ما له من نتائج هي في صالح المنصور ابن أبي عامر وذلك لكره أهل

(87) أحمد بدر: 35؛ بيضون: 338.

(88)

ابن الفرضي: تاريخ علماء الأندلس: 2/ 76؛ النباهي؛ 75. وينظر: أحمد بدر: 36.

(89)

قال ابن الفرضي في تاريخ علماء الأندلس: 1/ 275 " بالذي عزيَ إليه من النكث فصلب على باب سدة السلطان يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة سنة 368 هـ ".

ص: 205

الأندلس الشديد للمعتزلة (90).

ومن الفقهاء الذين عارضوا رغبات المنصور غير المسوغة قاضي القضاة محمد بن يبقى بن زرب المتوفى سنة 381 هـ فقد روى النباهي أن المنصور ابن أبي عامر أراد إقامة الصلاة الجامعة في مسجد الزاهرة فعارضه القاضي المذكور وعد ذلك من الأمور التي لا تصح شرعاً مع وجود مسجد للجماعة (91).

ومهما يكن من أمر فإن علاقة المنصور ابن أبي عامر مع فقهاء عصره هي علاقة ود وانسجام " وهي ظاهرة مميزة في تاريخ الدولة الأموية في الأندلس، حيث قام لأول مرة توازن في العلاقة بين الدولة ورجال الدين، ولعلنا لا نتعارض مع الحقيقة في تقدير حجم الفقهاء الذين استمدوا قوتهم من التشدد في المذهب المالكي المحافظ، ومن المركز المعنوي الذي كان لهم بين طبقات الشعب في الأندلس، وانطلاقاً من هذا الموقع كانت المصادقة الدائمة على النفوذ بينهم وبين السلطة الزمنية، فإما أن تسود كلمتهم كما حصل في عهود هشام الأول وعبد الرحمن الثاني والحكم المستنصر أو يعيشوا في الظل كما في عهود الأقوياء من الحكام

وهكذا فإن العامري كان الحاكم الوحيد الذي بنى علاقات متكافئة بينه وبين الفقهاء، فلم يحاول تحجيم نفوذهم رغم سلطته المطلقة من جهة ولم يفتح لهم أي نافذة للتدخل في شؤون الحكم من جهة أخرى " (92).

3 -

تغيير بنية الجيش:

أعاد المنصور ابن أبي عامر تنظيم القوات المسلحة تنظيماً جديداً كفل له بالتالي نتائج إيجابية على المستويين الداخلي والخارجي، وتنظيماته تقوم أساساً على جعل القوات المسلحة وحدة نظامية متماسكة خاضعة لقيادة عليا، وإلغاء النظام القديم الذي يقوم على الأساس القبلي أو العنصري، كما ألغى النظام الإقطاعي العسكري، وأصبح جيشه جيشاً نظامياً يتكون من فرق عديدة على رأس كل فرقة منها قائد أعلى ينوب عنه عدد من القادة الآخرين وحسب التشكيلات التي تتكون منها الفرقة العسكرية، ولكل منتسب راتب شهري مقرر حسب رتبته وموقعه.

(90) أحمد بدر: 37 و 38.

(91)

المرتبة العليا: 77.

(92)

بيضون: 338 و 339.

ص: 206

وصنوف القوات المسلحة في عهده كما هي الحال في عهود من سبقه من أمراء وخلفاء بنو أمية تتكون من صنفين أساسيين هما المشاة وهي القوة الضاربة في الجيش، والفرسان (93) الذين يعدون من الصنوف الفاعلة في كل موقعة من المواقع.

4 -

بناء الزاهرة:

اقتفى المنصور ابن أبي عامر أثر الخليفة عبد الرحمن الناصر عندما شرع في بناء مدينة خاصة به سنة 368 هـ/978 م اتخذت اسم الزاهرة، والدوافع إلى بناء هذه المدينة لا تختلف كثيراً عن الدوافع التي حدت بالخليفة الناصر إلى تأسيس مدينة الزهراء، وهي تمجيد عصورهم بمنشآت مميزة، دلالة على العزة والسلطان الواسع (94). والسبب المضاف ما ذكره ابن عذاري بقوله: " أمر المنصور ابن أبي عامر ببناء قصره المعروف بالزاهرة وذلك عندما استفحل أمره، واتقد جمره وأظهر استبداده، وكثر حساده وخاف على نفسه في الدخول إلى قصر السلطان وخشي أن يقع في أشطان، فتوثق لنفسه، وكشف له ما ستر عنه في أمسه، من الاعتزاز عليه، ورفع الاستناد إليه

" (95).

وقد تم بناء الزاهرة في سنة 370 هـ/979 م وانتقل إليها المنصور بحاشيته وخاصة من الحرس، وشحنها بأنواع الأسلحة (96)، ثم نقل إليها خزينة الدولة ودواوينها، وأقطع ما حولها لكبار رجالات الدولة من عسكريين ومدنيين فساروا سيرته وابتنوا القصور الفخمة وعمروا المنتزهات الواسعة. وتنافس العامة في البناء حولها حتى اتصلت عمائرها بالعاصمة قرطبة (97).

ولم تعمر مدينة الزاهرة طويلاً فقد كان عمرها رهيناً بعمر الدولة العامرية فما أن قتل عبد الرحمن الملقب شنجول حتى عم الخراب عمائر هذه المدينة ونهبت قصورها وانتهت رسومها في الفوضى التي عمت البلاد سنة 399هـ (98)، واندثرت بهذا التخريب تلك المدينة اندثاراً يختلف عن ذلك الذي حل بالزهراء إذ عثر على الكثير من قطع

(93) في البيان المغرب: 2/ 301 " كان عدد الفرسان المرتزقين بحضرته ونواحيها الذين حارب بهم الحروب عشرة آلاف وخمسمائة وأجناد الثغور قريباً من ذلك ".

(94)

يقول ابن عذاري: 2/ 275 " وسما إلى ما سمت إليه الملوك من اختراع قصر ينزل فيه

".

(95)

ابن عذاري: 2/ 275؛ المقري: 1/ 578.

(96)

ابن عذاري: 2/ 275؛ ابن خلدون: 4/ 148.

(97)

ابن عذاري: 2/ 276؛ المقري: 1/ 579.

(98)

ابن الخطيب، أعمال الأعلام: 110 وما بعدها.

ص: 207

المدينة الأخيرة مبعثرة في بلدان أخرى، وتم التعرف عليها بفضل ما عليها من كتابات، بينما لم يبق شيء من مأثر الزاهرة

سوى حوض من المرمر، مكسور وغير كامل، وصل إلى إشبيلية ويحفظ الآن في المتحف الوطني بمدريد

كما أنه لم يبق من الزاهرة فيما بعد أي صدى في التقاليد المحلية، لذا اختلف في تحديد مكانها (99).

مات المنصور ابن أبي عامر في رمضان سنة 392 هـ وهو ابن خمس وستين سنة (100) بعد أن تولى تدبير الأمر فترة تقارب خمساً وعشرين سنة، اختصر فيها منجزات عهود، فقد كان عبقرية فذة تمثل ذروة النبوغ الشعبي والطموح الفردي (101) خرج من صفوف الطبقة الوسطى " وشق طريقه بساعده وهمته إلى السلطان والرئاسة ولم تسعفه في ذلك نشأة ملوكية، أو انقلاب عنيف، ولم يكن عزمه في بلوغ ذلك أقل شأناً من تألق طالعه، وقد وصل المنصور إلى مرتبة من السلطان والقوة لم يصل إليها أحد قبله من أعاظم أمراء الأندلس حتى ولا عبد الرحمن الناصر نفسه، ويمكننا أن نقول أنه إذا كان عهد الناصر ألمع صفحة في تاريخ الأندلس، من النواحي السياسية والحضارية فإن عهد المنصور لا يقل عنه لمعاناً وتألقاً بل ربما امتاز على عهد الناصر بما أحرزته خلاله الدولة العربية من تفوق عظيم في السلطان والقوى العسكرية في شبه الجزيرة الإسبانية.

فقد استطاعت الممالك الإسبانية الشمالية في عهد الناصر، أن تنتهز فرصة الفتن الداخلية بالأندلس، وأن توطد قواها العسكرية، وأن تغزو الأندلس غير مرة غزوات مخربة، وقد لقي الناصر على يد النصارى غير هزيمة فادحة، أما في عهد المنصور، فقد انتهت الممالك الإسبانية إلى حالة يرثى لها من التفكك والضعف، واستمرت زهاء ثلث قرن تتلقى ضربات المسلمين الساحقة المتوالية، وقد وصل المنصور في غزواته في شبه الجزيرة الإسبانية، إلى مواطن لم يبلغها فاتح مسلم من قبل " (102). وعلى الرغم من كل ذلك فقد كان المنصور جزعاً على مستقبل دولته التي بناها بالطموح والإرادة القوية، وإدراك أنها لن تعيش طويلاً بعد رحيله ذلك أن حيوية الدولة وديمومتها ارتبطت بشخصه ارتباطاً وثيقاً صعب على خلفائه مجاراة الأمور بنفس السياسة والأسلوب.

فعلى الرغم من حزم خليفته عبد الملك الملقب بالمظفر واتباعه في معظم الأمور

(99) أحمد بدر: 156.

(100)

ابن عذاري: 2/ 301 " وعمره خمس وستون سنة وعشرة أشهر ".

(101)

عنان: دول الإسلام: 2/ 568.

(102)

عنان: 2/ 568.

ص: 208

المركزية سياسة والده المنصور، إلا أنه فشل في جوانب هامة كان لها أكبر الأثر في هدم تراث العامريين السياسي في الأندلس. فعبد الملك بن المنصور ابن أبي عامر لم يخالف سياسة والده أو سياسة الدولة المركزية اتجاه المغرب والحفاظ على مناطق النفوذ والدفاع عنها حتى ما تطلب الأمر ذلك.

وظلت العلاقة مع الممالك الإسبانية الشمالية تتراوح بين الصراع الحربي والوفاق المشوب بالحذر (103) كما استمرت العلاقة الودية مع بعض ملوك العصر (104).

والظاهرة البارزة في عهده هي تناحر كبار رجال الدولة وتسابقهم للاستحواذ على السلطة في وقت بدى فيه عبد الملك بن المنصور ابن أبي عامر مشغولاً بأمور بعيدة عن مصلحة الدولة ففوض بعض سلطاته لكبار موظفيه كطرفة الصقلبي وعيسى بن سعيد أحد وزرائه، وأفضى هذا التفويض إلى تسابق الطرفين للسيطرة على أهم السلطات حتى بدأت دولته وكأنها تتحرك من خلال شخصيتين متنافرتين وباتجاهين مختلفين (105)، وإذا استطاع طرفة الغلبة في بداية عهده فإن الوزير ابن سعيد سعى به لدى عبد الملك بن المنصور ابن أبي عامر، وحسب عليه أموراً عديدة، حتى أقنع عبد الملك بخطورة تسلط طرفة الصقلبي الذي نفي إلى الجزائر الشرقية سنة 394 هـ (106). وهكذا نجحت خطط الوزير ابن سعيد بالقضاء على أقوى منافسيه فتبؤا مكانة مرموقة وأصبح الوزير المفوض في معظم أمور الدولة (107)، حتى أصبحت تلك السلطات نقمة عليه حين سعى بدوره إلى التآمر لقلب نظام الحكم، وتولية أحد الأمراء الأمويين خليفة على البلاد، وقد كشفت المؤامرة قبل تنفيذها فحكم عليه وعلى أعوانه بالإعدام سنة 397 هـ (108).

استمر عبد الملك بن المنصور ابن أبي عامر في الحجابة سبع سنوات إلى أن توفي سنة 399 هـ/1009 م. وناب عنه في منصب الحجابة أخوه عبد الرحمن الملقب شنجول، ولم يكن عبد الرحمن الشخصية التي يمكن أن تملأ الفراغ الذي تركه أخوه عبد الملك المظفر، فقد عرف عنه قلة الذكاء والتهور، وبدأ عصره فخالف سياسة والده وأخيه

(103) ابن عذاري: 3/ 3 وما بعدها. وأحصى ابن عذاري لعبد الملك سبع غزوات باتجاه مدن وقلاع الممالك الإسبانية الشمالية.

(104)

ابن عذاري: 3/ 10.

(105)

ابن بسام: ق 4 ج 1: 50.

(106)

ابن بسام: الذخيرة: ق 4 ج 1: 52. وينظر؛ ابن عذاري 3/ 26.

(107)

ابن عذاري: 3/ 27 وما بعدها.

(108)

تفاصيل ذلك في البيان المغرب: 3/ 31.

ص: 209

بالتقرب من الخليفة المحجور عليه هشام المؤيد، وأفرط في ملازمته والتردد إليه، حتى أنعم عليه الخليفة بلقب المأمون، مما أثار استنكار الكثير من العناصر القرطبية التي بدأت تتساءل عن معنى منح هذا اللقب في الوقت الذي لم يروا من عبد الرحمن شنجول أي عمل أو خدمة عامة يستحق عليها مثل هذا التكريم.

ثم أعقب هذا اللقب مرسوم خلافي (109) بتولية عبد الرحمن شنجول ولاية العهد وقرأ المرسوم أمام كبار رجال الدولة وزعماء الطوائف في البلاد (110)، وكان لهذا القرار آثاره الخطيرة على كيان العامريين بصورة خاصة والدولة بصورة عامة فبدأ المروانيون ومن والاهم بالعمل على قلب نظام الحكم واستغلال أمثل الظروف لتحقيق أهدافهم، وسنحت الفرصة عند خروج عبد الرحمن شنجول لحرب قشتالة (111)، وخلو العاصمة من معظم القوات النظامية فثار محمد بن هشام حفيد عبد الرحمن الناصر المقلب بالمهدي (112)، في 16 جمادى الآخرة سنة 399 هـ/1009 م وسيطر على قصر الخليفة هشام المؤيد، الذي أعلن تنازله عن الخلافة ليتولاها محمد بن هشام مكانه، الذي أتم السيطرة على مدينة الزاهرة فاستبيحت ونهبت خزائنها وأحرقت حتى لم يبق المهاجمون على أثر يذكر لعمائر وذخائر المدينة العامرية المذكورة.

وعندما وصلت أخبار الانقلاب إلى عبد الرحمن شنجول، ارتد بقواته إلى قلعة رباح، وأعلن تنازله عن ولاية العهد، ودعا إلى نصرة الخليفة هشام المؤيد لكن نداءاته وإجراءاته كانت متأخرة جداً، فأسقط في يده عندما تفرق عنه معظم جنده وانتهى أمره أخيراً بالإعدام في السنة نفسها (113).

وهكذا أسدل الستار على الدولة العامرية، بسرعة لم تكن متوقعة؛ فقد تولى عبد الرحمن شنجول الحكم، والدولة محكمة النظام موطدة الدعائم، ولم تمضِ أكثر

(109) نصه في البيان المغرب: 3/ 44، أعمال الأعلام - القسم الثاني:91. وينظر: ابن خلدون: 4/ 148 و 149.

(110)

ابن عذاري: 3/ 47، ابن خلدون: 4/ 148.

(111)

خرج عبد الرحمن شنجول في ظروف مناخية غير ملائمة لمثل هذه الحملات، فالوقت كان شتاءً قاسياً ولا يسمح بتوغل القوات في الأراضي القشتالية، إضافة إلى نصح المقربين إليه بعدم ترك العاصمة قرطبة فى وقت بدأت فيه العناصر المناوئة تستعد لإعلان ثورتها.

(112)

قتل والده في عهد عبد الملك المظفر عندما دبر مؤامرة لقلب نظام الحكم وبمساعدة الوزير عيسى بن سعيد.

(113)

ابن عذاري: 3/ 249؛ ابن خلدون: 4/ 149.

ص: 210

من ثلاثة أشهر حتى انهار ذلك الصرح الشامخ الذي شاده المنصور محمد بن أبي عامر ولبث خمسة وثلاثين عاماً ينشر الأمن والرخاء على عموم بلاد الأندلس (114).

وتتحدد الأسباب الجوهرية في انهيار الدولة العامرية بما يأتي:

1 -

النظام التسلطي القاسي الذي فرضه المنصور ابن أبي عامر على الأندلس واستمرار هذا النظام في عهد أولاده عبد الملك وعبد الرحمن من بعده.

2 -

سوء سياسة عبد الرحمن شنجول وسعيه إلى نيل الألقاب السلطانية وإجبار الخليفة هشام المؤيد على إصدار المراسيم الخاصة بذلك.

3 -

تجرؤ عبد الرحمن على اكتساب ولاية العهد، وكان لذلك " أسوأ الوقع في نفوس قوم جبلوا على تقديس شعائر الخلافة وحقوقها الشرعية "(115).

(114) عنان: 2/ 638.

(115)

عنان: 2/ 628.

ص: 211