المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثانيفكرة عامة عن أهم دويلات الطوائف - تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌مُقَدِّمَة

- ‌البَابُ الأَوَّلفتح العرب لإسبانيا واستقرارهم فيها

- ‌الفَصْلُ الأَوَّلمقدمة في الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إسبانيا قبيل الفتح العربي

- ‌الفَصْلُ الثَّانِيفتح العرب لإسبانيا

- ‌الفَصْلُ الثَّالِثالنشاط الحربي للعرب في شمال إسبانيا والتوغل في فرنسا

- ‌الفَصْلُ الرَّابِعاستقرار العرب واستيطانهم في إسبانيا

- ‌البَابُ الثَّانِيعهد الإمارة في الأندلس

- ‌الفَصْلُ الأَوَّلدخول عبد الرحمن بن معاوية الأندلس وتأسيس الإمارة الأموية

- ‌الفَصْلُ الثَّانِيأعمال الأمراء الأمويين في تثبيت السلطة والاستقرار

- ‌الفَصْلُ الثَّالِثعلاقة الدولة العربية الإسلامية مع الإمارات الإسبانية في الشمال

- ‌البَابُ الثَّالِث" عصر الخلافة

- ‌الفَصْلُ الأَوَّلتولية عبد الرحمن الناصر

- ‌الفَصْلُ الثَّانِيالأخطار الخارجية الأندلس والممالك الإسبانية الشمالية:

- ‌الفَصْلُ الثَّالِثالمظاهر الحضارية

- ‌الفَصْلُ الرَّابِعالأندلس بعد وفاة الناصر

- ‌البَابُ الرَّابِع [[سقوط الخلافة وفكرة عن دويلات الطوائف]]

- ‌الفَصْلُ الأَوَّلسقوط الخلافة

- ‌الفَصْلُ الثَّانِيفكرة عامة عن أهم دويلات الطوائف

- ‌الفَصْلُ الثَّالِثعصر المرابطين 484 - 540 هـ/1092 - 1145 م

- ‌الفَصْلُ الرَّابِععصر مملكة غرناطة (الأندلس الصغرى)

- ‌الفَصْلُ الخَامِسالمسلمون بعد سقوط غرناطة (الموريسكيون)

- ‌البَابُ الخَامِسحضارة العرب في الأندلس

- ‌الفَصْلُ الأَوَّلتاريخ الفكر العربي في الأندلس

- ‌الفَصْلُ الثَّانِيالنظم السياسية العربية في الأندلس

- ‌الفَصْلُ الثَّالِثأثر الحضارة العربية في الأندلس على أوروبا

الفصل: ‌الفصل الثانيفكرة عامة عن أهم دويلات الطوائف

‌الفَصْلُ الثَّانِي

فكرة عامة عن أهم دويلات الطوائف

بسقوط الخلافة الأموية سنة 422 هـ فقدت الأندلس وحدتها السياسية وانقسمت البلاد إلى دويلات صغيرة مستقلة أطلق عليها المؤرخون اسم " دويلات الطوائف " ويعرف رؤسائها بملوك الطوائف، وهم ما بين زعيم قبيلة (1)، أو صاحب نفوذ، أو حاكم لإحدى الكور أو وزير سابق (2) أو شيخ قضاء (3)، وقد استغل هؤلاء حالة البلاد السياسية فبسطوا نفوذهم على المناطق التي تواليهم، وعملوا جميعاً على تأسيس هذه الكيانات والحفاظ عليها في أسرهم (4)، وانقسمت الأندلس من الناحية الإقليمية إلى عدة مناطق قامت فيها أهم دويلات الطوائف في البلاد وهي:

- قرطبة وأحوازها من المدن والمناطق الوسطى.

- إشبيلية وما يلحق بها من مناطق غرب الأندلس.

- بطليوس.

- غرناطة.

- بلنسية وما يلحق بها من المناطق شرق الأندلس.

- سرقسطة أو الثغر الأعلى.

(1) مثل دويلة: غرناطة.

(2)

مثل دويلة: قرطبة.

(3)

عنان، دول الإسلام: 3/ 14.

(4)

يصور ابن الخطيب في كتابه أعمال الأعلام -القسم الخاص بإسبانيا- ص 144 الحالة بقوله "

ليس لأحدهم في الخلافة إرث ولا في الإمارة سبب ولا في الفروسية نسب

اقتطعوا الأقطار، واقتسموا المدائن الكبار وجبوا العمالات والأمصار وجندوا الجنود وقدموا القضاة، وانتحلوا الألقاب وكتبت عنهم الأعلام وأنشدهم الشعراء ودونت بأسمائهم الدواوين

".

ص: 224

- طليطلة أو الثغر الأوسط.

- دانية وجزر البليار.

وتضم كل منطقة من المناطق المشار إليها إمارة أو أكثر من إمارات الطوائف وتتباين من ناحية المساحة وعدد السكان والأهمية العسكرية (5)، واستمرت هذه الدويلات حتى دخول المرابطين الأندلس الذين عملوا جاهدين على إعادة الوحدة السياسية إلى البلاد عن طريق إنهاء هذه الكيانات الواحدة تلو الآخر كما سنفصل من خلال عرض أحوال هذه الدويلات.

1 -

دويلة بني جهور في قرطبة:

خلع أهل قرطبة الخليفة هشام الثالث الملقب المعتد بالله في ذى الحجة سنة 422 هـ، وألغوا الخلافة الأموية بعد أن يئسوا من صلاح أمرها (6)، واجتمعوا على تنصيب الوزير أبي الحزم جهور بن محمد بن جهور (7) رئيساً لحكومة قرطبة فاختار بدوره مجلساً عد بمثابة السلطة التشريعية العليا في المدينة. وقد استطاع ابن جهور من خلال هذا المجلس أن يضع الجميع زعماء وأفراداً أمام مسؤولياتهم وواجباتهم، فحمدت سياسته واستقرت الأمور وتجنبت حكومته منافسة المنافسين وتمرد الطامعين (8)، حتى عرفت حكومته هذه بدولة الجماعة (9)، وأصبحت قرطبة في عهده حرماً آمناً يأوي إليه أمراء وزعماء الطوائف فيجدون فيه الملاذ الأمين (10).

واستمرت حكومة الجماعة هذه برئاسة ابن جهور تدير أمر قرطبة وما يتبعها قرابة اثنتي عشرة سنة، سادت فيها السكينة والأمن وبدأت الحياة الإقتصادية في الانتعاش بعد أن أمن التجار على أموالهم نتيجة القسوة التي فرضت على المتلاعبين بأمن المنطقة (11).

(5) عنان، دول الإسلام: 3/ 17.

(6)

ابن بسام: ق 1 ج 2 ص 602.

(7)

ولد ابن جهور سنة 364 هـ وأخذ عن شيوخ عصره المشهورين - ينظر ترجمته في الصلة، لابن بشكوال:131.

(8)

ينظر: الضبي، بغية الملتمس: 35؛ ابن عذاري 3/ 186.

(9)

كانت هذه الدولة تبسط سلطانها على رقعة متوسطة من الأندلس تمتد شمالاً حتى جبال الشارات وشرقاً حتى منابع نهر الوادي الكبير، وغرباً حتى أستجة، وجنوباً حتى غرناطة وتضم من المدن عدا قرطبة جيان وأنده وأبده والمدور وأرجونة، عنان: دول الإسلام 3/ 21.

(10)

الضبي، بغية الملتمس:35.

(11)

ابن بسام: ق 1ج 2 ص 604، الضبي:35.

ص: 225

وكان لابن جهور موقف خاص من أسطورة ظهور الخليفة هشام المؤيد بالله عندما أعلنها ابن عباد صاحب إشبيلية " ذلك أن ابن عباد حينما أحس بخطورة مطامع بني حمود في رئاسة جنوبي الأندلس، واتشاحهم بثوب الخلافة وحينما أرهقه يحيى بن علي بن حمود (المعتلي) بغاراته المتوالية، رأى أن يدحض دعاوى أولئك الحموديين، فأعلن في سنة 427 هـ (12) أن الخليفة هشام المؤيد حي لم يمت، وأظهر بالفعل شخصاً يشبه هشاماً كل الشبه، وبايعه بالخلافة ودعا الناس للدخول في طاعته (13)، وبعث بذلك إلى رؤساء الأندلس، فاستجاب بعضهم للدعوة، وكان منهم عبد العزيز بن أبي عامر صاحب بلنسية، ومجاهد العامري صاحب دانية والجزائر الشرقية، والوزير أبو الحزم بن جهور رئيس قرطبة، وعقدت البيعة في قرطبة بالفعل لهشام المؤيد، والظاهر أن جهور لم يكن يؤمن حقاً بصحة هذه الدعوى ولكنه استجاب لها، وأقرها لنفس البواعث التي حملت ابن عباد على انتحالها، وهو العمل على دفع خطر الحموديين "(14).

ظل ابن جهور على حكم قرطبة حتى وفاته سنة 435 هـ فصار الأمر إلى ابنه أبي الوليد محمد بن جهور الذي اعتمد سياسة أبيه في تدبير أمور قرطبة (15)، ولكن أبا الوليد اضطر نتيجة ظروف عديدة إلى الابتعاد عن ممارسة السلطات وقدم ولده عبد الملك، ولكن المذكور لم يكن على مستوى من القدرة والسياسة بحيث يتمكن من إدارة حكومة قرطبة (16) بالمستوى المطلوب، فأهمل شؤون الدولة وسعى إلى الألقاب السلطانية وفوض إلى وزير أبيه إبراهيم بن يحيى بن السقاء مقاليد الأمور وعلى الرغم من حسن تدبير الأخير إلا أنه أعدم سنة 455 هـ (17)، وعادت الأمور المضطربة مرة أخرى وزادتها سوءاً منافسة عبد الرحمن لأخيه عبد الملك في السلطة ومحاولته السيطرة عليها دون أخيه، مما اضطر أبا الوليد إلى التدخل وتقسيم السلطات بين ولديه، ففوض أمر القوات المسلحة إلى عبد الملك وفوض الأمور المالية لعبد الرحمن (18). ولكن هذا التقسيم لم يكن ليرضي عبد الملك فقبض على أخيه عبد الرحمن وفرض عليه الإقامة الجبرية (19)،

(12) في الأصل سنة 426 هـ والتصويب عن ابن عذاري 3/ 190.

(13)

سيأتي تفصيل ذلك عند التعرض لدولة ابن عباد.

(14)

عنان: 3/ 24.

(15)

ابن بسام: ق 1ج 2 ص 604.

(16)

ابن عذاري: 3/ 359.

(17)

أعدم بوشاية من ابن عباد، ابن بسام ق 1ج 2 ص 609.

(18)

ابن بسام: ق 1ج 2 ص 607.

(19)

ابن عذاري: 3/ 258.

ص: 226

مما ولد نوعاً من الاستياء وعدم الإرتياح لسوء الأوضاع في الداخل وتلت ذلك اضطرابات شجعت صاحب طليطلة على التعرض لحصن المدور والاستيلاء عليه ثم الزحف إلى قرطبة للإستيلاء عليها، فاضطر عبد الملك إلى الاستعانة ببني عباد وكانت تجمعه وإياهم علاقات صداقة ومودة، ولكن بني عباد الذين استطاعوا تخليص قرطبة من حكام طليطلة، عادوا واستولوا عليها سنة 462 هـ وقبضوا على بني جهور ونفوهم إلى جزيرة شلطيش (20)، وبذلك ينتهي حكم بني جهور لقرطبة بعد أن استمر قرابة الأربعين سنة.

2 -

دويلة اشبيلية (بنو عباد):

يرجع أصل بني عباد إلى المنذر بن ماء السماء، وجدهم عطاف بن نعيم هو الداخل إلى الأندلس في طالعة بلج بن بشير القشيري (21) وكان بنو عباد من الأسر التي لها في تاريخ العرب بالأندلس نصيب وافر فعميد أسرتهم إسماعيل بن عباد تقلب في مناصب الدولة سنين عديدة آخرها قضاء إشبيلية، وقد تمكن من السيطرة على الأمور في المدينة إبان الفتنة التي أصابت البلاد، تلك السيطرة التي ارتضاها عموم أهل إشبيلية بفضل السياسة الحكيمة التي سار عليها حتى وصف بأنه رجل الغرب المتصل الرئاسة وقت الجماعة، ووقت الفتنة.

إن سياسة ابن عباد الرصينة جعلت له مكاناً مرموقاً عند بني حمود الذين كان سلطانهم يتردد بين العاصمة قرطبة وبين مدينة إشبيلية، فعندما اعتزل إسماعيل بن عباد مناصبه نتيجة كبر سنه، قدم القاسم بن حمود الملقب بالمستعلي أبا القاسم محمد بن إسماعيل بن عباد وعيَّنه في منصب القضاء، غير أن الظروف التي مرت بها الدولة الحمودية، وسلبيات الصراع بين أفراد العائلة، جعلت أهل إشبيلية يميلون إلى الاستقلال في إدارة مدينتهم، لذا فعندما غادر المستعلي إشبيلية ليتولى منصب الخلافة بقرطبة قرر الإشبيليون إعلان استقلالهم، وخولوا إدارة المدينة مجلساً مكوناً من وجهائها وعلى رأسهم محمد بن عباد ومعه أبو محمد بن مريم والعالم المشهور أبو عبد الله الزبيدي (22)، وبدأ ابن عباد يمارس سلطاته باتجاه الاستقلال التام، فمنع المستعلي من

(20) ابن بسام: ق. ج 2 ص 610 وما بعدها، ابن خلدون: 4/ 159 وفي البيان المغرب 3/ 259 أن أهل قرطبة كاتبوا ابن عباد سراً لدخول المدينة بعدما ضاقوا بأعمال عبد الملك وأخيه عبد الرحمن.

(21)

ابن عذاري: 3/ 195.

(22)

ابن الآبار، الحلة السيراء: 2/ 37؛ ابن عذاري: 3/ 195.

ص: 227

دخول مدينة إشبيلية عندما طرده أهل قرطبة (23)، وعندما تعرضت إشبيلية لمحاصرة قوات يحيى بن حمود سنة 414 هـ، برز ابن عباد بوصفه مفاوضاً ذكياً، فقد تمكن من رد قوات ابن حمود دون أن يعرض مركزه ومدينته إلى أي ضعف أو خطر، فقد وعد ابن عباد الخليفة الحمودي بالدعوة له في الخطبة وتأدية مبلغ من المال لإثبات ولائه له.

وكانت حركته هذه ضرورية قصد بها إبعاد خطر قوات الحموديين عن المدينة وقد استخلص مرسوماً مهماً من الخليفة الحمودي بإقراره رئيساً ونائباً عنه في مدينة إشبيلية (24)، ومنذ هذا التاريخ بدأ ابن عباد يسعى إلى تأسيس ملك خاص بأسرته، ويعمل على تجميع قوات مخلصة لأهدافه (25)، جعلها أداة ضاربة لتقليم نفوذ ملوك الطوائف المجاورين لإشبيلية، والسعي إلى ضم ما يمكن ضمه من حصون ومدن تلك الدويلات ولكي يبعد ابن عباد خطر الحموديين عن مناطق نفوذه نهائياً ويتحلل من تبعيته (الإسمية) لهم (26)، وليثبت شرعيته في الحكم ويسوغ الأعمال التوسعية التي قام بها، أعلن في سنة 426 هـ عن ظهور هشام المؤيد (27)، وإعلانه خليفة في إشبيلية، ودعا بقية حكام دويلات الطوائف للإعتراف به (28)، (وقد سبقت الإشارة إلى اعتراف بني جهور بالخليفة هشام لأسباب ذكرت آنفاً). وعلى هذا الأساس يعد محمد بن عباد مؤسس دولة بني عباد الحقيقي " ومنشئ ملكهم ورسوم مملكتهم، وعلى يده اتخذ سلطان بني عباد ألويته الملوكية المدعمة بالقوى العسكرية، وإن لم يصل بعد إلى غايته من الروعة والفخامة، وأصبح ملوكية وراثية راسخة، بعد أن كان يتخذ فقط صورة الزعامة، والرئاسة القبلية "(29). وبوفاة محمد بن عباد سنة 433 هـ آل الأمر من بعده إلى ولده أبي عمرو عباد بن محمد الملقب المعتضد، وقد بدأ عصره بإجراءات قاسية أصابت العديد من الشخصيات البارزة ومنهم أعضاء مجلس الرئاسة الذي شكل في عهد والده، واعتمد

(23) ابن بسام: ق 1ج 1: 485، ابن الآبار، الحلة السيراء: 2/ 37، ابن الخطيب، أعمال الأعلام:177.

(24)

ابن بسام: ق 2 ج 1: 19، المراكشي:54.

(25)

استخدم العبيد والمرتزقة في قواته، وهيأ لهم العدة والسلاح اللازمين للتفوق على دويلات الطوائف الأخرى.

(26)

محمد بن عبود، التاريخ السياسي لإشبيلية:53.

(27)

يقال إن بني عباد أظهروا شخصاً يدعى خلف الحصري شبيه بالخليفة هشام المؤيد فادعوا أنه الخليفة هشام المؤيد. ينظر: ابن حزم، نقط العروس:25.

(28)

ابن بسام، ق 2 ج 1: 17، ابن عذاري: 3/ 198.

(29)

عنان، دول الطوائف:39.

ص: 228

القوة في تحقيق أهدافه في الداخل والخارج، فكان وزرائه وكبار رجال دولته يخشونه كما يخشاه منافسوه من حكام دويلات الطوائف، وقد سرد لنا المؤرخون أسماء الشخصيات التي نكبت في عهده ومن بينهم ولده إسماعيل (30)، والعالم عمر الهوزني الذي اشتهر بعلومه وطول باعه وهو ممن له في تاريخ الفكر العلمي الأندلسي نصيب وافر (31).

وكانت سياسته الخارجية تقوم على ضرب دويلات الطوائف متى ما وجد لذلك فرصة سانحة تحقق له المزيد من ضم الأراضي إلى دويلة إشبيلية، فقد تمكن من السيطرة على معظم مدن الغرب ومنها جزيرة شلطيش سنة 443 هـ ومدينة شنتمرية في نفس السنة ومدينة لبلة سنة 445 هـ، وشلب سنة 455 هـ، وحاول مرات عديدة الاستيلاء على بطليوس ابتداءً من سنة 442 هـ إلا أنه لم يتمكن منها، فاكتفى بالسيطرة على بعض الحصون المهمة التابعة لها.

وهكذا استطاع ابن عباد في نحو عشرين سنة أن يقضي على سائر الدويلات الصغيرة القائمة في غرب الأندلس، وأصبحت دولته تشمل سائر الأراضي الممتدة من نهر الوادي الكبير غرباً حتى المحيط الأطلسي عدا رقعة تقع شرق هذا الوادي، قرر ابن عباد بعد ذلك استخلاصها من حكامها حتى يؤمن دولته من هذه الناحية، ويمتلك حرية الحركة في اتجاه الشمال والشرق (32). فاستولى على رنده سنة 457 هـ وعلى أركش وشذونة وما يلحق بها، ومورور سنة 458 هـ، وقرمونة سنة 459 هـ وكان ابن عباد قد استولى على باب الأندلس من الجنوب وهو الجزيرة الخضراء سنة 446 هـ وقضى على نفوذ الحموديين فيها.

وهكذا أصبحت دولة بني عباد " تضم من أراضي الأندلس القديمة رقعة شاسعة تشمل المثلث الجنوبي من شبه الجزيرة، وأرض الفرنتيرة شمالاً حتى شواطئ الوادي الكبير، ثم تمتد بعد ذلك من عند منحنى الوادي الكبير، غرباً حتى جنوب البرتغال

(30) ينظر: محمد بن عبود: 61 - 63.

(31)

في الصلة، لابن بشكوال: 402 " عمر بن الحسن بن عبد الرحمن الهوزني

كان متفنناً في العلوم، قد أخذ من كل فن منها بحظ وافر، مع ثقوب فهمه وصحة ضبطه

قتله المعتضد بالله عباد بن محمد ظلماً بقصره بإشبيلية ودفنه به ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر من سنة 460 هـ، وتناول قتله بيده ودفنه بثيابه وقلنسوته، وهيل عليه التراب داخل القصر من غير غسل ولا صلاة ". وينظر أيضاً، ابن الآبار، الحلة السيراء: 2/ 239.

(32)

ينظر: عنان: دول الطوائف: 44.

ص: 229

وشاطئ المحيط الأطلسي، وبذلك ضمت أعظم ممالك الطوائف، وأغناها من حيث الموارد الطبيعية وأقواها من حيث الطاقة الحربية ولم يكن يغشي هذه المكانة التي بلغتها إشبيلية من الفخامة والقوة والغنى سوى ناحية قاتمة واحدة. وهي موقفها من ملك قشتالة فرناندو الأول، ذلك أن هذا الملك القوي، كان يطمح إلى أن يبسط سيادته على إسبانيا كلها، وكان يرى في ممالك الطوائف، وما يسودها من الخلاف والتفرق، فرائس هينة، ففي سنة 444 هـ/1062 م خرج من قشتالة بجيش كبير من الفرسان والرماة، وغزا مملكة طليطلة، وعاث فيها وخرب سهولها وزروعها، حتى اضطر ملكها المأمون بن ذي النون، أن يطلب الصلح وأن يتعهد بدفع الجزية، وفي العام التالى 455 هـ عاد فغزا أراضي مملكتي بطليوس وإشبيلية، " واضطر المعتضد بن عباد، أن يحذو حذو المأمون في طلب الصلح والتعهد بدفع الجزية، وقصد المعتضد بنفسه إلى معسكر ملك قشتالة، وقدم إليه عهوده شخصياً ولما توفي فرناندو بعد ذلك بثلاثة أعوام وخلفه ولده سانشو في حكم مملكة قشتالة، كان المعتضد يؤدي إليه الجزية أسوة بأبيه واستمر في تأديتها حتى وفاته "(33). وعمله يعد سقطة من السقطات الكبيرة التي درج عليها حكام دول الطوائف، الذين سعوا إلى محالفة ورضاء أمراء وملوك إسبانيا الشمالية، وتفرغوا إلى نزاعاتهم الدموية ليزيدوا تاريخ الأمة في الأندلس إرهاقاً وضعفاً.

توفي المعتضد سنة 461 هـ/و 1069م وخلفه ولده: أبو القاسم محمد بن عباد المعروف بالمعتمد (34)، وفي عهده تم ضم قرطبة إلى دولة إشبيلية سنة 462 هـ (35)، ودخل المعتمد في صراع عنيف مع دولة غرناطة، واضطرت ظروف النزاع كلا الطرفين إلى الاستعانة بملوك وأمراء الممالك الإسبانية الشمالية لقاء مبالغ كبيرة من الأموال، ولقاء تنازلات إقليمية، ففي الوقت الذي حاول فيه عبد الله بن بلقين حاكم غرناطة التحالف مع ملك قشتالة ألفونسو السادس، نجد المعتمد يسلك المسلك نفسه ويرسل وزيره أبا بكر بن عمار إلى ألفونسو طالباً المساعدة مقابل مبلغ كبير من المال ويمنيه بغزو غرناطة واقتسامها بحيث تكون للمعتمد قصبة المدينة ولألفونسو القلعة الحمراء بما تحويه من نفائس وذخائر. وكانت نتيجة هذا الحلف تعرض مدينة غرناطة إلى هجمات مدمرة قام بها ألفونسو السادس، وجرأت قواته على اقتراف المزيد من أعمال التخريب

(33) ينظر، عنان، دول الطوائف:48.

(34)

عن سيرته ينظر: ابن الآبار، الحلة السيراء: 2/ 54.

(35)

ابن عذاري: 3/ 259.

ص: 230

في العديد من ضواحي المدن الأندلسية. وقام بمهاجمة طليطلة في محرم سنة 478 هـ/ 1085 م فدخلها غازياً دون أن تحرك دول الطوائف ساكناً.

إن سقوط طليطلة بيد ألفونسو السادس وتطلعاته لغزو بقية المدن الأخرى دفعت العديد من حكام دول الطوائف وعلى رأسهم ابن عباد إلى الاستعانة بالمرابطين لنجدتهم، ومع تحفظ بعض الحكام على قرار الاستدعاء فإن المعتمد عزم على تنفيذ قراره بقوله:" رعي الجمال خير من رعي الخنازير "(36)، وتعهد بالتنازل عن الجزيرة الخضراء للمرابطين الذين نزلوها سنة 479 هـ/1086 م ومع بداية هذا النزول بدأ المرابطون العمل على مقاومة الغزو الخارجي والانتصار عليه في أكثر من موقعة، وإعادة الوحدة السياسية إلى البلاد والقضاء على دول الطوائف الواحدة تلو الأخرى ومنها دولة بني عباد التي سقطت في سنة 484 هـ/1091 م (37).

3 -

دويلة بطليوس (بنو الأفطس):

تقع دويلة بطليوس إلى الشمال من دويلة إشبيلية وتفصل بينهما جبال الشارات وكانت هذه الدويلة تشمل جميع أراضي البرتغال تقريباً وعاصمتها مدينة بطليوس وتضم مدناً مهمة منها: ماردة، وأشبونة وشنترين، ويابرة، وشنترة، وقلمرية (38).

وقد حكم بنو الأفطس (39) هذه الدويلة أكثر من سبعين عاماً، وعميد هذه الأسرة هو: عبد الله بن الأفطس (40) الذي تمكن من السيطرة على مقاليد الأمور في سنة 413 هـ، ودخلت هذه الدويلة مع اشتداد عودها في عهد المظفر محمد بن عبد الله الأفطس في صراع عنيف مع بقية دويلات الطوائف، لا سيما بنو عباد مما أنهك قوة الطرفين المتنازعين (41)، فاستغل فرناندو الأول ملك قشتالة تلك الأوضاع واستولى في سنة 449 هـ على مدينتي لاميجو (مليقة) وبازو الواقعتين في الشمال دون مقاومة تذكر أو نجدة تستعيد هاتين المدينتين (42)، ولم يحدث هذا فقط، بل اضطر بنو الأفطس إلى دفع

(36) ابن الخطيب، أعمال الأعلام - الخاص بإسبانيا -: 345، وينظر: الحجي التاريخ الأندلسي. 392.

(37)

ابن بسام: ق 2 ج 1: 52 و 53.

(38)

ابن الخطيب، أعمال الأعلام؛ 183، وينظر: عنان، دول الطرائف:81.

(39)

أصلهم من قبائل مكناسة المغربية.

(40)

ينظر عن بدايته، ابن الآبار، الحلة السيراء: 2/ 97.

(41)

ابن عذاري، 3/ 238، وما بعدها، وينظر: عنان، دول الطوائف:84.

(42)

عنان، دول الطوائف:86.

ص: 231

جزية سنوية لملك قشتالة مقدارها خمسة آلاف دينار مقابل ترك مدينة شنترين والتي تعرضت لأخطار الغزو مرات عديدة (43).

وأشهر من حكم هذه الدويلة عمر بن محمد الملقب المتوكل على الله والذي عرف بسياسته الحكيمة وتشجيعه للحركة العلمية وتقريبه للعلماء وتمتعت بطليوس في عهده بالأمن والرخاء (44)، وكان للمتوكل دور في الدعوة إلى توحيد الأندلس من خلال تكليف العالم أبي الوليد الباجي المتوفى سنة 474 هـ (45)، ليقوم بجولة في دويلات الطوائف ويدعو حكامها إلى نبذ الخلاف والفرقة، وتوحيد الجهود ضد أخطار ومطامع الممالك الإسبانية الشمالية (46)، وعندما سقطت مدينة طليطلة سنة 478 هـ كان المتوكل في جملة الداعين إلى دعوة المرابطين والاستعانة بهم لإنقاذ البلاد من الأخطار المحدقة بها (47).

وقد انتهى حكم هده الأسرة على يد المرابطين سنة 488 هـ بعد حصار شديد لمدينة بطليوس، وتم إعدام المتوكل وولديه جزاء له لاستنجاده بملك قشتالة (48).

4 -

دويلة طليطلة (بنو ذي النون):

طليطلة من المدن المشهورة في تاريخ الأندلس، كانت قاعدة الثغر الأوسط وبمثابة الحاجز أمام قوات الممالك الإسبانية الشمالية، وقد وقعت وما يلحق بها في حوزة بني ذي النون، وقد تولى إسماعيل بن ذي النون حكم المدينة لأول مرة في سنة 427 هـ (49).

وأعقبه في الحكم ولده يحيى في سنة 435 هـ وتلقب بالمأمون، ويمتاز عهده بكثرة الحروب والمنازعات بينه وبين حكام دويلات الطوائف كبني عباد وبني هود (50). وكان

(43) ابن عذاري: 3/ 238، وفيه أيضاً:" إن ملك قشتالة سيطر على مدينة قلمرية نتيجة خيانة حاكمها المسمى راندة ".

(44)

ابن الخطيب، أعمال الأعلام:185.

(45)

سليمان بن خلف بن سعدون فقيه مالكي مشهور، ترجمة ابن بسام: ق 2 ج 1: 94.

(46)

ينظر: عبد الرحمن الحجي، التاريخ الأندلسي: 338 وما بعدها.

(47)

ابن الآبار، الحلة السيراء: 2/ 98 و 99.

(48)

ابن الخطيب، أعمال الأعلام:186.

(49)

ينظر، عن أسرة بني ذو النون: ابن بسام ق 4 ج 1: 142 وما بعدها، ابن عذاري: 3/ 276، عنان، دول الطوائف: 96 وما بعدها.

(50)

ابن بسام: ق 2 ج 1: 268، ابن عذاري 3/ 277 - 282.

ص: 232

نتيجة تلك الحروب المزيد من الخسائر في الأرواح والمعدات وتدمير مدن وحصون الأطراف المتنازعة، كل ذلك في سبيل الحصول على مكاسب إقليمية من هذه الدويلة أو تلك في الوقت الذي سعى فيه كل طرف من أطراف النزاع إلى التحالف مع أمراء وملوك إسبانيا الشمالية مقابل مبالغ كبيرة من المال، أو مقابل التنازل عن بعض المناطق المهمة (51). ومما لا شك فيه فإن هذه الحروب والمحالفات أدت إلى إضعاف هذه الدويلات جميعاً وإن ظهرت الغلبة في فترات لبعضها نتيجة سيطرتها على مناطق واسعة من أراضي الغير.

ففي سنة 457 هـ تمكن المأمون من السيطرة على بلنسية، ودخلت قواته في سنة 467 هـ مدينة قرطبة بعد أن قضت على حاميتها من بني عباد ودخل الطرفان بعد ذلك في سلسلة من المنازعات انتهت باستعادة بني عباد لمدينة قرطبة ثم أعاد المأمون الكرة تارة أخرى ودخلها سنة 467 هـ (52).

وقد أصبحت دولة طليطلة في عهد المأمون من الدويلات المرهوبة الجانب، وامتد نفوذها حتى وصل إلى بلنسية شرقاً، واهتم المأمون بعمائر المدينة فبنى قصوراً اشتهرت بفخامتها وروعتها أطنب المؤرخون في وصفها وأكثر الشعراء من التغني بمجالسها (53).

توفى المأمون سنة 467 هـ وتولى الأمر بعده حفيده: يحيى بن ذي النون الملقب بالقادر، وتعد سنوات حكمه فترة اختلال سياسي واضمحلال لقوى هذه الدويلة فقد أبعد القادر عن دست الحكم كل شخصية عرفت بسداد الرأي وصدق المشورة ومنهم الوزير ابن الحديدي (54)، الذي أبعده عن الوزارة ثم قتله سنة سنة 468 هـ، وأمام ضغط قوات بني حمود التجأ القادر إلى طلب العون من ألفونسو الذي قرر شروطاً باهظة مقابل ذلك العون، فبالإضافة إلى المبالغ الكبيرة، تنازل القادر عن حصون مهمة كحصن سرية وقثورية وقنالش، مما أضعف مركزه كثيراً وازداد اضطرابه عندما اضطربت طليطلة بالثورة، واضطر إلى مغادرتها والالتجاء إلى حصن وبذة سنة 472 هـ واستدعى أهل طليطلة المتوكل بن الأفطس حاكم بطليوس ليتولى إدارة المدينة فقدمها مكرهاً، ولم

(51) ابن عذاري: 3/ 279 و 281.

(52)

ابن بسام: ق 2 ج 1: 268. وينظر: عنان، دول الطوائف: 102 وما بعدها.

(53)

ابن بسام ق 4 ج 1: 147 وما بعدها.

(54)

هو: يحيى بن سعيد بن أحمد أحد علماء طليطلة المشهورين. ترجمته في الصلة لابن بشكوال: 669. وعن مقتله ينظر: ابن بسام: ق 4 ج 1: 152.

ص: 233

يعمل أكثر من نهب المدينة وإفراغ قصور بني ذي النون من محتوياتها (55)، في الوقت الذي استنجد القادر بحليفه ألفونسو السادس فأمده بقوات استعادت طليطلة سنة 474 هـ بعد أن غادرها ابن الأفطس (56). ولم تضف سيطرة القادر على المدينة جديداً بل زادتها إرهاقاً وفوضى على كافة المستويات الإقتصادية والأمنية فضلاً عن انقسام العامة إلى عدة أحزاب متخاصمة بين مؤيد ومعارض، وهذه الحالة شجعت ألفونسو السادس على تنفيذ مشروعه باحتلال مدينة طليطلة فبدأ بمحاصرتها سنة 477 هـ، وحاول القادر جاهداً فك الحصار بشتى الطرق لكنه فشل أمام تعنت ألفونسو وتصميمه على دخول المدينة وأخيراً أعلنت طليطلة استسلامها بعد أن يئست من مساعدة دويلات الطوائف الأخرى، فاحتلها ألفونسو سنة 478 هـ (57).

وكان لسقوط طليطلة وقع شديد بين دويلات الطوائف عامة، وعده رؤساء هذه الدويلات إيذاناً بسقوط معاقلهم التي يعتصمون بها، فاتجهوا صوب المغرب يطلبون نجدة المرابطين ضد القوى الإسبانية الشمالية.

5 -

دويلة غرناطة (بنو مناد):

سيطر زاوي بن زيري بن مناد على غرناطة سنة 403 هـ واتخذها وقومه ملجأ لهم، واستمر يدير شؤونها مدة سبع سنوات (58)، كانت له فيها وقائع مع الخليفة المرتضى سنة 409 هـ فهزمه هزيمة نكراء ورده وفلول جيشه إلى العاصمة قرطبة (59). ولأسباب غير واضحة قرر زاوي بن زيري مغادرة الأندلس والالتحاق بوطنه في المغرب العربي سنة 410 هـ (60)، بعد أن خلف على حكم غرناطة ابن أخيه: حبوس بن ماكسن الذي تسلم مقاليدها في سنة 411 هـ وكان حسن التدبير والسياسية، نعمت غرناطة في عهده بنوع من الهدوء والاستقرار، واتسعت رقعة هذه الدويلة عندما سيطر على قبرة وعلى مدينة جيان، واهتم بعمارة مدينة غرناطة، حتى مكن لبني مناد ملكاً قوياً راسخاً. وكانت

(55) ابن بسام؛ ق 4 ج 1: 157 و 161، ابن الخطيب، أعمال الأعلام:178.

(56)

ابن بسام، ق 4 ج 1:162.

(57)

ابن بسام: ق 4 ج 1: 163 وما بعدها، ابن خلدون: 4/ 161، المقري: 1/ 441.

(58)

ابن الخطيب، الإحاطة: 1/ 146، وينظر ابن خلدون: 4/ 160. وفيه إن الصراع مع المرتضى كان سنة 420 هـ.

(59)

ابن الخطيب، الإحاطة: 1/ 524، ابن عذاري: 3/ 125 وما بعدها.

(60)

ابن الخطيب، الإحاطة: 1/ 524، ابن عذاري: 3/ 128.

ص: 234

سياسته تقوم على مصادقة جيرانه من زعماء البربر وفي مقدمتهم بنو حمود حكام مدينة مالقة، والتحالف مع هذه القوى ضد بني عباد حكام إشبيلية (61).

توفي حبوس سنة 428 هـ (62) وخلفه في حكم غرناطة ولده: باديس، الذي قدر له أن يكون من أقوى حكام هذه الدويلة وأوفرهم حظاً للنهوض بأعباء الحكم، وقد افتتح عهده بالقضاء على مؤامرة استهدفت قلب نظام الحكم دبرها ابن عم له يدعى يدير بن حباسة الذي هرب مع كبار المتآمرين إلى إشبيلية عندما اكتشفت هذه المؤامرة قبل تنفيذها (63).

وجرياً على نهج حكام دويلات الطوائف فقد دخل باديس بن حبوس في حرب قاسية مع زهير العامري صاحب المرية بعد أن اختلت العلاقات الطيبة بين الطرفين (64)، نتيجة لتضارب مصالح كلتا الدولتين (65)، وتمكنت قوات باديس من تدمير قوة زهير العامري وقتله في ميدان المعركة 429 هـ/1038 م (66)، وكان من نتائج هذه المعركة سيطرة باديس على معظم أملاك دويلة زهير العامري المتاخمة لدويلة غرناطة ومنها مدينة جيان وأعمالها، وقسماً من أراضي كورة قرطبة الجنوبية (67).

وعندما حاول بنو عباد غزو مدينة قرمونة (68). تحركت قوات باديس لنجدتها وتمكنت من تشتيت قوات بني عباد وقتل قائدهم إسماعيل بن عباد قرب استجة في سنة 431 هـ/1039 م (69).

(61) عنان، دول الطوائف:126.

(62)

ابن الخطيب، الإحاطة: 1/ 485، وفي تاريخ ابن خلدون: 4/ 160 وفاته سنة 429 هـ.

(63)

عنان: دول الطوائف: 128.

(64)

تحالف زهير العامري مع حبوس بن ماكسن على قتال ابن عباد، فلما توفي حبوس وخلفه باديس، بدأت العلائق بين زهير وباديس في الفتور، وذلك لما عمد إليه زهير من إيواء عدو باديس محمد بن عبد الله زعيم زناتة وحمايته

ينظر: دول الطوائف: 128.

(65)

ابن الخطيب، الإحاطة: 1/ 527.

(66)

ابن الخطيب، المصدر السابق: 1/ 527 و 528، ابن عذاري 3/ 169 وما بعدها.

(67)

عنان، دول الطوائف:129.

(68)

كانت مدينة قرمونة تحت حكم محمد بن عبد الله البرزالي وقد سقطت هذه المدينة عندما هاجمتها قوات بني عباد بقيادة إسماعيل بن عباد، فاستعان البرزالي بزعماء البربر ومنهم باديس بن حبوس والذي يعتبر بمثابة كبير الزعماء البربر الذي يقع على عاتقه نجدة ومساعدة هؤلاء الحكام ضد أي غزو خصوصاً بني عباد الأعداء التقليديين لهؤلاء الحكام.

(69)

ابن عذاري: 3/ 201 و 202.

ص: 235

وظل بنو مناد الصنهاجيون وبنو عباد في صراع وتسابق لكسب مناطق النفوذ فلما اضمحلت قوة الحموديين بدأت غرناطة تخطط لاحتلال مالقة في الوقت الذي بدأ معه ابن عباد الإعداد للسيطرة على الجزيرة الخضراء والتي دخلوها فعلاً سنة 446 هـ/1055 م بعد أن جلا عنها حاكمها القاسم بن حمود (70)، وفي سنة 448 هـ/1056 م تمكن ابن حبوس من دخول مالقة منهياً حكم الحموديين في هذه المدينة أيضاً (71)، ولكن بني عباد وجدوا في احتلال مالقة من قبل قوات ابن حبوس تحدياً لهم، فأرسلوا قواتهم لاحتلالها ولكنهم بعد معركة عنيفة بين الطرفين سنة 458 هـ/1066 م خسر فيها الإشبيليون معظم جنودهم إلا من نجا بالفرار من الميدان (72)، واستمر النزاع سجالاً بين الطرفين لسنوات أخرى، تبودلت فيها السيطرة على المناطق العديدة (73)، مع فداحة خسائر الطرفين، وتعرض الكثير من مناطق الأندلس إلى الخراب والدمار.

ومع طول سنوات حكم باديس بن حبوس بلغت غرناطة في عهده كأقوى الدويلات القائمة آنذاك " إذ كانت تمتد من بسطة شرقاً حتى استجة ورنده غرباً، ومن بياسة وجيان شمالاً حتى البحر جنوباً "(74)، وكانت هذه الدويلة مسؤولة عن حماية الدويلات والإمارات البربرية " وباديس هو الذي حصن مدينة غرناطة، وغدت منذ عهده من أهم قواعد الأندلس الجنوبية، وأنشأ قصبة غرناطة فوق أنقاض قلعتها القديمة وسميت باسمها القديم القلعة الحمراء

وأنشأ له جيشاً قوياً مرابطاً من قومه صنهاجة وغيرهم، وبذل له المال الوفير، ووطد الدولة، ونظم مراتبها وعمالاتها " (75).

وبعد وفاة باديس سنة 465 هـ/1073 م تولى أمر دويلة غرناطة حفيده عبد الله بن بلكين الذي كان حدثاً لم يقو على إدارة البلاد، ففقدت الدويلة ديمومتها واستقرارها وعاد بنو عباد يهاجمون أملاكها (76)، مما أجبر عبد الله على محالفة ألفونسو السادس

(70) ابن عذاري: 3/ 242.

(71)

ابن الخطيب، الإحاطة: 1/ 443.

(72)

ابن الخطيب، الإحاطة 1/ 444.

(73)

في سنة 458 سيطر ابن حبوس على قاعدة اركش، بناء على رغبة زعماء هذه القاعدة بعد أن عجزوا عن حمايتها أمام غارات بني عباد، وعاد بنو عباد ليسيطروا على القاعدة المذكورة ويمدوا نفوذهم على سائر منطفة شذونة. ينظر: دول الطوائف: 132.

(74)

عنان، دول الطوائف؛ 139.

(75)

عنان، المصدر السابق:139.

(76)

سيطر بنو عباد على جيان سنة 466 هـ وهي من أهم قواعد دويلة غرناطة الشمالية.

ص: 236

وترضيته بأموال باهظة (77) وبدأت أحوال هذه الدويلة تجنح للتفسخ عندما بدأ الصراع بين أفراد الأسرة الحاكمة نفسها، فاستقل تميم بن باديس بحكم مالقة وما جاورها، وبدأ صراع بين الأخوين، أهدرت خلاله قوى هذه الدويلة واستمر حكم عبد الله حتى دخول القوات المرابطية غرناطة سنة 483 هـ (78).

6 -

دويلة بلنسية:

بلنسية من القواعد المهمة في شرق الأندلس، تداولها العديد من المتغلبون بعد انفراط عرى الوحدة السياسية في البلاد، وأول من سيطر عليها الصقالبة الذين وجدوا فيها ملاذاً أميناً لهم، عندما خرجوا من قرطبة إبان الفتنة التي اضطرم لظاها بعد مقتل الحاجب عبد الرحمن شنجول آخر العامريين.

حكمت بلنسية لفترة من قبل مجاهد العامري، ثم غادرها إلى دانية بعد أن انتقل حكم المدينة إلى الفتيان العامريين من الصقالبة وكان على رأسهم الفتيان مبارك ومظفر، اللذان اشتركا معاً في إدارة وحكم المدينة وما يتبعها من المدن والمناطق، وإن كان لمبارك التقدم في الرتبة والرئاسة على زميله الآخر، وقامت سياستهما على فتح أبواب المدينة للوافدين من أبناء جلدتهم الصقالبة، والعناصر الأخرى المناصرة لهم، مما أضاف قوة إلى قوة الموجودين في المدينة منهم (79).

وكانت بلنسية على علاقات طيبة مع معظم مدن شرق الأندلس وفي صراع مستمر مع حكام سرقسطة الذين كانوا يرومون التوسع على حساب مناطق شرق الأندلس.

انتهت دولة هذين الفتيين سنة 408 هـ لتحكم من قبل لبيب العامري ومجاهد العامري، ولكن الأمور لم تستو لهما، فعندما دب النزاع بينهما واشتد الخلاف حسم الأمر بتقديم عبد العزيز بن عبد الرحمن شنجول سنة 411 هـ/1021 م (80).

ولكن هذا التقديم لم يكن ليرضي كبار الصقالبة فعمد خيران الصقلبي صاحب المرية ومرسية وأوريولة من باب المنافسة الشرعية والمحافظة على ما يملكه إلى ترشيح محمد بن عبد الملك بن المنصور ابن أبي عامر ولقب بالمعتصم، لكن الظروف التي

(77) تعهد بدفع عشرين ألف دينار سنوياً.

(78)

ابن الخطيب، الإحاطة: 1/ 146.

(79)

ابن بسام: ق 3 ج 1: 15 - 19. وينظر عنان، دول الطوائف: 16، وما بعدها.

(80)

ابن بسام: ق 3 ج 1: 20 و 21 و 249.

ص: 237

قدمت المعتصم هي نفسها التي أجلته عن موقعه وأبعدته عن شرق الأندلس لينفرد خيران بالسلطة في المناطق التي يسيطر عليها حتى وفاته سنة 419 هـ/1029 م (81)، فخلفه زهير العامري الذي قتل عندما حاول غزو غرناطة سنة 429 هـ/1038 م (82)، واستغل عبد العزيز خلو المرية من الزعامة فسيطر عليها وعلى معظم المناطق القريبة منها عدا مدينة جيان التي أصبحت ضمن أملاك دويلة غرناطة، وإزاء هذه التطورات قرر مجاهد العامري مهاجمة دويلة بلنسية. وفي سنة 433 هـ/1041 م وقعت الحرب بين القوتين، تبادل فيها الطرفان النصر والهزيمة، وانجلى الموقف أخيراً عن دخول عبد العزيز مدينة شاطبة وتعزيز سلطانه في مدن شرق الأندلس، واستمرت دويلته آمنة الجانب حتى وفاته سنة 452 هـ/1061 م (83)، فولي بعده ولده: عبد الملك الملقب بنظام الدولة وبالمظفر، وفي عهده آل أمر بلنسية للمأمون بن ذي النون صاحب طليطلة وأصبحت ضمن أملاكه سنة 457 هـ/1065 م (84).

واستمرت بلنسية تحكم من قبل ذي النون حتى وفاة المأمون سنة 467 هـ/1075 م فاستقل بها أبو بكر بن عبد العزيز - الذي كان نائباً عن ذي النون في حكمها - فحكمها دون منازع، واستعان بملوك الممالك الإسبانية الشمالية لرد الهجمات عنها مقابل دفع الأموال الكبيرة إليهم. وحكم عشر سنوات، وتوفي سنة 478 هـ فناب عنه ولده: أبو عمرو عثمان، الذي بدأ ولايته مع سقوط مدينة طليطلة في يد القشتاليين (85)، وكان لهذا الحدث نتائجه السلبية على عموم بلاد الأندلس، ومصير دولة بلنسية بوجه خاص.

فحينما استولى ألفونسو السادس على طليطلة " من يد صاحبها القادر بن ذي النون، حفيد المأمون، فقد تعهد له أو وعده ضمن عهوده لقاء الاستيلاء على المدينة، أن يمكنه من استرداد بلنسية التي خرجت عن طاعته، بل قيل إنه وعده بمعاونته على افتتاح دانية وشنتمرية الشرق إذ كان يعلم أنه بتمكين القادر من الاستيلاء على هذه المدن فإنها تغدو في الواقع تحت حمايته، ويغدو شرق الأندلس، واقفاً تحت سيادته، عن طريق القادر "(86).

(81) ابن خلدون: 4/ 162.

(82)

ابن الخطيب، الإحاطة 1/ 527.

(83)

ابن بسام، ق 3 ج 1: 250، ابن سعيد: 2/ 300.

(84)

ابن سعيد: 2/ 300، ابن خلدون: 4/ 161.

(85)

ابن خلدون: 4/ 162.

(86)

عنان، دول الطوائف:227.

ص: 238

وقد تمكن القادر من دخول بلنسية بعد أن خلع أهلها أبا عمرو عثمان وقامت دولة بني ذي النون في هذه المدينة (87) تحت وصاية ألفونسو السادس وتحت رحمة جنده المرابطين فيها، والذين باتوا يشكلون عبئاً ثقيلاً نتيجة إلحاحهم في طلب الأموال، وزادت حالة المدينة سوءاً عندما تحول القادر إلى حاكم متعسف لا يهمه المصلحة العامة بقدر ما تهمه مصالحه الذاتية وإرضاء الحلفاء المسلطين عليه، حتى اضطر علماؤها إلى الهجرة والخروج عنها، ولم ينته هذا الضيق والعسف إلا عندما دخل المرابطون الأندلس، وانسحبت قوات ألفونسو من بلنسية للإشتراك في العمليات العسكرية ضد المرابطين (انتصر فيها هؤلاء بعدئذٍ في واقعة الزلاقة سنة 479 هـ/1086 م)، وحاول القادر مثله مثل حكام دويلات الطوائف التقرب من المرابطين، لكنه لم يحظ بطائل، فعادت أمور بلنسية إلى الاضطراب، وشعر بخطورة الموقف عندما استغل المنذر بن هود حاكم لاردة وطرطوشة الفرصة وحاصر بلنسية سنة 481 هـ/1088 م. فاستعان القادر بحليفه ألفونسو السادس والمستعين ابن هود حاكم سرقسطة منافس المنذر، ولكن لكل واحد من هذين أهدافه وأطماعه في دويلة بلنسية، وعندما وصلت قوات المتحالفين قرر المنذر فك الحصار ومغادرة مواقعه لتحل محل قواته قوات المستعين التي ضمت في صفوفها فرقة هن الفرسان المرتزقة الإسبان يقودها السيد الكمبيادور الذي سبق له أن خدم والد المستعين وجده من قبل.

وتشير المصادر التاريخية إلى اتفاق سري بين المستعين والسيد الكمبيادور خلاصته غزو المدينة واقتسام أملاكها، بحيث تكون جميع الغنائم لقوات الكمبيادور والمدينة نفسها من نصيب المستعين، ويبدو من سير الأحداث بعد ذلك محاولة نكث كل طرف بالآخر، ومحاولة كل واحد العمل لحسابه الخاص بعد أن تمكن القادر من إجراء محالفات سرية بين الطرفين كل على حدة محاولاً الإيقاع بينهما، وحاول كسب السيد الكمبيادور الذي رحب بعروض القادر، ورفض مهاجمة مدينة بلنسية بحجة كون القادر يتمتع بحماية ألفونسو السادس وإن الهجوم عليه يعني الخروج عن طاعة ملكه ملك قشتالة (88).

ومنذ ذلك الحين انفض الحلف الذي كان يربط المستعين بالسيد الكمبيادور الذي بدأ يجوب مدن شرق الأندلس ويفرض على حكامها المبالغ الطائلة. واستمر على تلك

(87) ابن خلدون: 4/ 162.

(88)

عنان، دول الطوائف:241.

ص: 239

الأعمال سنوات عديدة، وكانت بلنسية تدفع له سنوياً قرابة مئة ألف دينار لقاء حماية المدينة والحرب نيابة عن القادر، حتى ساءت الأحوال الإقتصادية وعمت الشكوى جميع السكان، فقاد قاضيها أبو أحمد جعفر بن عبد الله بن جحاف المعافري ثورة بمعاونة قوات المرابطين أنهت حكم المقتدر وأوصلته إلى الإعدام سنة 485 هـ/1029 م واختير ابن جحاف رئيساً لإدارة شؤون المدينة (89).

وأمام هذه التطورات قرر السيد الكمبيادور احتلال مدينة بلنسية واسترجاعها من يد المرابطين، وبدأ بسلسلة من المفاوضات السرية بينه وبين ابن جحاف يمنيه بحكم هذه المدينة ويؤمن حمايته بشرط إخراج المرابطين منها وانتهت المفاوضات بينهما على البنود الآتية:

1 -

أن يغادر المرابطون المدينة دون أن يعترضهم أحد.

2 -

أن يسلم ابن جحاف للسيد أموال القادر.

3 -

أن تسلَّم له الأموال التي كانت مقررة له سابقاً " كجزية سنوية ".

4 -

تبقى ضاحية الكدية " إحدى ضواحي المدينة " بيد السيد.

5 -

أن يرتد الجيش القشتالي إلى جباله.

ولا خلاف فشروط الاتفاق باستثناء الشرط الخامس والذي لم ينفذ في الأصل هي في صالح السيد الذي استغل ذلك استغلالاً بشعاً وبات يهدد المدينة وأمنها حتى غزاها سنة 488 هـ/1095 م (90)، وقبض على ابن جحاف وأسرته وقتلهم جميعاً، وقصة تعذيب ومقتل ابن جحاف مشهورة في كتب المؤرخين (91)، وظلت بلنسية تحت حكم السيد حتى وفاته سنة 492 هـ/1099 م فحكمتها زوجته خمينا التي تولت الدفاع عنها ضد المرابطين (92). ثم دخلها ألفونسو السادس في سنة 495 هـ/1102 م وقرر إخلاءها بعد أن دمرها تدميراً تاماً، ثم دخلها المرابطون في نفس السنة لتعود إلى حظيرة العروبة والإسلام (93).

(89) ابن عذاري: 3/ 305 (الذيل) و 4/ 32؛ ابن الخطيب، أعمال الأعلام:182.

(90)

ابن عذاري: 3/ 306، و 4/ 36. وينظر: عنان، دول الطوائف:242.

(91)

ينظر، ابن بسام: ق 3 ج 1: 99، ابن الآبار، التكملة: 1/ 240، ابن عذاري: 4/ 37.

(92)

عنان، دول الطوائف:248.

(93)

ابن بسام، ق 3 ج 1: 101، ابن عذاري: 4/ 41 و 42.

ص: 240

7 -

دويلة سرقسطة:

تعد دويلة سرقسطة، أو الثغر الأعلى (94) من أكبر الدويلات القائمة في البلاد مساحة، وكانت تتميز فضلاً عن ذلك بموقعها المتاخم لدول الممالك الإسبانية الشمالية " بين قطلونية من الشرق، ونافارا أو نبرة من الشمال الغربي، وقشتالة من الجنوب والغرب "(95)، وتعد هذه الدويلة من أقدم الدويلات الأندلسية استقلالاً عن السلطة المركزية، ذلك أن موقعها النائي في شمال شرقي الجزيرة الأندلسية كان يحتم عليها دائماً الذود عن وجودها من جميع الأطماع المضطرمة حولها (96).

تولى حكم هذا الثغر يحيى بن عبد الرحمن التجيبي سنة 379 هـ/989 م بإقرار من المنصور ابن أبي عامر، وظل حاكماً عليه حتى وفاته سنة 408 هـ/1017 م فخلفه ولده المنذر الذي يعد أول حاكم لدويلة سرقسطة، حيث تلقب كغيره من حكام الدويلات بالألقاب السلطانية فتسمى بذي الرياستين ولقب بالمنصور. واشتركت هذه الدويلة في الأحداث الجارية على الساحة الأندلسية، فقاتلت قواتها بجانب الأندلسيين ضد البربر الذين كانوا تحت قيادة زاوي بن زيري الصنهاجي سنة 409 هـ/1018 م، ومع خسارة المعركة أيقن المنذر عدم جدوى هذه المنازعات لكون أهدافها لا تحقق له أية امتيازات أو مكاسب. فبدأ يراهن على دخول مدينة بلنسية بعد أن أصابتها الاضطرابات، نتيجة تنافس الصقالبة على الاستئثار بحكمها بعد وفاة مبارك العامري سنة 408 هـ، وقد تمكن مجاهد العامري من صد قوات المنذر ومنعه من دخول المدينة، واستمر الصدام بين الطرفين حتى تم إعلان عبد العزيز بن عبد الرحمن شنجول سنة 411 هـ/1021 م حاكماً على بلنسية وما يلحق بها من المدن عندئذٍ قرر المنذر الانسحاب إلى سرقسطة بعد أن انسحب مجاهد العامري إلى قواعده في دانية (97).

ومن الظواهر السلبية التي رافقت عصر المنذر، تلك العلاقات المشبوهة التي كانت تربطه بأمراء الممالك الإسبانية الشمالية، فقد كان على علاقة مع أمير برشلونة رامون بوريل، وشانجة أمير نافار، وألفونسو الخامس ملك ليون، وقد بالغ المنذر في التقرب من هؤلاء الأمراء والملوك حتى أسخط عليه العامة، فرمته بشتى أوصاف الخضوع

(94) ينظر خليل السامرائي، الثغر الأعلى الأندلسي: 39 وما بعدها.

(95)

عنان، دول الطوائف:264.

(96)

عنان، المصدر السابق: 264 و 265.

(97)

ينظر: دويلة بلنسية " المبحث السابق ".

ص: 241

والخيانة (98)، مات سنة 414 هـ/1023 م وتناوب على حكم دويلة سرقسطة بعده اثنان من أسرة بني تجيب أولهما: يحيى بن المنذر الذي خلف والده وتلقب بالمظفر وفي زمانه أغار أمير برشلونة على أراضي دويلة سرقسطة واستولى على بعض القلاع والمناطق المهمة (99)، وثانيهما: المنذر بن يحيى الذي تولى حكم سرقسطة بعد وفاة والده سنة 420 هـ/1029 م وتلقب بمعز الدولة، واغتيل سنة 430 هـ/1039 م (100)، وباغتياله ينتهي حكم بني تجيب، لتبدأ أسرة أخرى في حكم سرقسطة وما والاها وهي أسرة بني هود (101) وعميدها قائد مشهور من قواد بني تجيب هو: سليمان بن محمد بن هود، حكم سرقسطة سنة 431 هـ/1039 م، وتلقب بالمستعين وتميزت سنوات حكمه بالصراع المرير مع المأمون بن ذي النون حاكم طليطلة وكانت المنطقة الواقعة بين الدولتين، من ناحية الجنوب الغربي من دويلة سرقسطة وناحية الشمال الشرقي من دويلة طليطلة، موضع الاحتكاك بين الطرفين. حيث دارت معارك دامية في سنة 436 هـ/1044 م وما بعدها بين قوات الطرفين وقد ألجأت هذه الحروب الطرفين إلى التحالف مع حكام الممالك الإسبانية لقاء الأموال الطائلة فتحالف ابن هود مع ملك قشتالة فرناندو، وتحالف المأمون بن ذي النون مع ملك نافار غرسية، فاستمر " ملكا قشتالة ونافار يعملان بكل ما بوسعهما على إذكاء هذه الفتنة، فيغير الأول على أراضي طليطلة لحساب ابن هود، ويغير الثاني على أراضي سرقسطة لحساب ابن ذي النون، ولم تخمد هذه المعركة الانتحارية بين الأميرين المسلمين إلا بعد وفاة ابن هود في سنة 438 هـ/ 1046 م "(102).

ومن سوء سياسة سليمان بن هود تقسيمه دويلة سرقسطة بين أولاده الخمسة، فولى ولده أحمد مدينة سرقسطة ويوسف مدينة لاردة، ومحمد قلعة أيوب، ولب مدينة وشقة، والمنذر مدينة تطيلة. وعندما توفي سليمان بن هود سنة 438 هـ استقل الأبناء كل في مدينته، وبدأ النزاع بينهم حتى تمكن أحمد حاكم مدينة سرقسطة والملقب بالمقتدر التغلب على جميع أملاك أخوته باستثناء ما كان تحت حكم أخيه يوسف ولم يحدث هذا

(98) ابن عذاري: 3/ 175 وما بعدها. وينظر: ابن خلدون 4/ 163.

(99)

عنان، دول الطوائف:27.

(100)

ابن عذاري: 3/ 178 وما بعدها و221 و 222.

(101)

ابن الآبار، الحلة السيراء 2/ 246، ابن خلدون: 4/ 163.

(102)

عنان، دول الطوائف:272.

ص: 242

فقط بل نكل أحمد المقتدر بأخوته تنكيلاً ضجت منه العامة وطالبت بخلعه (103)، ورجحت كفة منافسه يوسف صاحب لاردة، واستجدّت ظروف طارئة أعلت كفة المقتدر مرة أخرى (104)، وقوت مكانته في هذه الدويلة بعد أن تمكن من استرداد كافة القواعد التابعة لدويلة سرقسطة باستثناء مدينة لاردة (105)، ثم احتل مدينة طرطوشة سنة 452 هـ/ 1060 م منهياً بذلك حكم الصقالبة في هذا الثغر (106).

ومن الأحداث المأساوية التي وقعت في عهد أحمد المقتدر احتلال مدينة بربشتر من قبل النورمانديين سنة 456 هـ/1064 م فقد خرج النورمانديون من قاعدتهم نورماندي (107)، يريدون الأندلس، فحاصروا مدينة وشقة إحدى مدن دويلة سرقسطة، وعندما فشلوا في اقتحامها توجهوا إلى مدينة بربشتر التي تعرضت لحصار القوات الغازية، فترة أربعين يوماً، ولم يفكر المقتدر بن هود بنجدة المدينة لكونها من أعمال أخيه يوسف الذي تخاذل بدوره عن تقديم أي عون لها فتركها تلاقي مصيرها. وعلى الرغم من صمود المدينة وبسالة قواتها في الدفاع ورد الغزاة، إلا أنها سقطت ودخلها النورمانديون واستباحوها ودمروا عمائرها واقترفوا في سكانها من المناكير ما لم يقترفه آدمي قبلهم، فعبروا بتلك الأعمال عن حقيقتهم الوحشية وسيرتهم الهمجية، وقد كان صدى هذه النكبة قد عم بلاد الأندلس، مما عجل في العمل على استرجاعها وتطهيرها من دنس الغزاة، وقد سارت قوات المقتدر في جمادى الأولى سنة 457 هـ/1065 م فعلاً وتمكنت من تحرير المدينة بعد معركة شديدة هزم فيها النورمانديون وحلفاؤهم الموجودون معهم للدفاع عنها (108)، ووقعت للمقتدر بعد ذلك وقائع مع جيرانه من الممالك الشمالية (ارجون، ونافار، وقشتالة) فقد كانت هذه الممالك تتحين الفرص

(103) ابن عذاري: 3/ 222 و 223.

(104)

تفاصيل ذلك في: البيان المغرب: 3/ 223.

(105)

ابن عذاري: 3/ 224.

(106)

اضطربت الأمور في طرطوشة ولم يتمكن الفتى نبيل أحد فتيان الصقالبة من تدارك الأمور، فاستغل المقتدر الفرصة وزحف لاحتلالها، واضطر نبيل الصقلبي إلى تسليم المدينة دون قتال، ويعد ثغر طرطوشة من المناطق المهمة لأنه مخرج سرقسطة إلى البحر، إذا استثنينا ثغر طركونة الواقع على حدود إمارة برشلونة وكان من أعمال لاردة. دول الطوائف: 73، 74.

(107)

تقع في شمال غرب فرنسا، وقد حصل عليها النورمانديون سنة 229 هـ بعد حروب ومفاوضات مع شارل الثالث الملقب البسيط.

(108)

تفاصيل الخبر عن حادثة بربشتر في الذخيرة، لابن بسام ق 3 ج 1: 178 - 190؛ ابن عذاري: 3/ 225.

ص: 243

للنيل من هذه الدويلة سواء باقتطاع أقاليمها أو ابتزاز أموالها، وهذه الظروف نفسها كانت العامل في التجاء المقتدر إلى محالفة بعض ملوك هذه الممالك وبذل الأموال الطائلة لهم ضد البعض الآخر (109).

وعلى الرغم من ذلك فقد كان المقتدر أحد كبار حكام الطوائف، تميز بمقدرة سياسية وعسكرية عالية على أن مشاريعه وأعماله كانت تنطوي أحياناً على بعض الصفات السيئة، وتمتعت سرقسطة في وقته بمكانة مميزة ومرموقة فقد كان بلاطه يضم كبار علماء العصر ومشاهيرهم في العلوم والآداب، وكان المقتدر نفسه عالماً من علماء عصره شغوفاً بدراسة الفلسفة والفلك والرياضيات وكان قصره المسمى بقصر الجعفرية نسبة إلى كنيته (أبو جعفر) من أكبر وأضخم قصور ذلك العصر وقد اشتهر في تاريخ الفن الإسلامي باسم دار السرور وكان أروع ما فيه بهوه الرائع الذي زينت جدرانه بالنقوش والتحف الذهبية البديعة، فيسمى لذلك بالبهو الذهبي أو مجلس الذهب. ولما سقطت سرقسطة في يد الإسبان شوهت معالم هذا القصر البديع وأدخلت فيه تعديلات وتغييرات عديدة قضت على محاسنه وزخارفه العربية (110).

مات المقتدر سنة 474 هـ/1081 م وقد اقترف نفس الخطأ الذي اقترفه والده من قبل، فقد قسم دويلة سرقسطة بين ولديه فخص ولده الأكبر يوسف المؤتمن بسرقسطة وأعمالها (111)، وولده المنذر بلاردة وطرطوشة ودانية، وعادت الحرب الأهلية بين الطرفين واستعان كل طرف على الآخر بمرتزقة الممالك الإسبانية الشمالية، فتحالف المؤتمن مع السيد الكمبيادور صديق والده القديم واستعان المنذر بملك أرجوان وأمير برشلونة، ودارت بين الطرفين سلسلة من الصدامات خربت على أثرها العديد من المدن والحصون ولم تجن الأطراف المتنازعة غير المزيد من الخسائر في الرجال والأموال.

ولم يحكم المؤتمن أكثر من أربع سنوات فتوفى سنة 478 هـ/1085 م فخلفه في حكم سرقسطة وأعمالها ولده: أحمد المستعين، والذي لم يضف جديداً على سياسة والده فاستمر في التحالف مع السيد واشترك في الصراع حول السيطرة على بلنسية " وقد سبق الحديث عن ذلك " وقد دخل المستعين بعد فشله من احتلال بلنسية في صراع وحروب شديدة مع مملكة أرجون التي باتت تهدد دويلته من الشمال، وساقت تلك

(109) ينظر، عنان، دول الطوائف:280.

(110)

عنان، المصدر السابق:283.

(111)

ابن خلدون: 4/ 163.

ص: 244

الحروب المستعين إلى طلب العون من ملك قشتالة مقابل دفع مبالغ كبيرة من المال، ولكن قوات أرجون تمكنت من احتلال مدينة وشقة سنة 489 هـ/1096 م (112) التي تعد ثاني مدينة في دويلة سرقسطة، ودارت بعد ذلك معارك شديدة بين الطرفين آخرها معركة (فالتيرا) سنة 503/ 1110 م التي قتل فيها المستعين وارتدت قواته منسحبة باتجاه قاعدة سرقسطة (113)، وخلف عبد الملك الملقب بعماد الدولة والده المستعين فشهد دخول المرابطين سرقسطة أواخر سنة 503 هـ لينهوا حكم أسرة بني هود الذي استمر أكثر من سبعين سنة (114).

8 -

دويلة دانية والجزائر الشرقية:

تمكن مجاهد العامري أحد موالي المنصور ابن أبي عامر من السيطرة على مدينة دانية خلال فترة اضطراب الأندلس، وحكمها باسمه ثم تغلب على الجزائر الشرقية في حدود سنة 405 هـ/1014 م (115).

وبحكم الموقع الجغرافي لدانية من الأندلس فقد تخلصت هذه المدينة من المنازعات التي شغلت حكام الطوائف سنين عديدة، وقامت سياسة مجاهد العامري على بناء وتحصين قواعد دويلته والاهتمام ببناء قوات عسكرية برية وبحرية، أعدت منذ البداية لمهمات تتعدى حدود الأندلس، وكانت أولى تلك المهمات تتحدد في تنفيذ مخططاته الرامية للسيطرة على جزر البحر المتوسط، ومنها جزيرة سردينيا التي احتلت سنة 406 هـ/1015 م (116)، والتعرض للمدن الإيطالية جنوه وبيزا ولوني التي أصابتها قواته البحرية مرات عديدة. ولكن العامري لم يتمكن من الاحتفاظ بجزيرة سردينيا طويلاً

(112) ابن خلدون: 4/ 163.

(113)

ابن خلدون: 4/ 163.

(114)

على أن سقوط سرقسطة لم يكن آخر العهد ببني هود ذلك أن عماد الدولة عبد الملك بن المستعين استقر بقاعدة روطة الحصينة

يشهد الصراع المضطرم بين المرابطين والممالك الإسبانية الشمالية حول امتلاك سرقسطة، فلما سقطت بأيديهم وضع نفسه تحت حماية سيدها الجديد ألفونسو

واستمر على حاله حتى توفي في روطة

سنة 524 هـ/1130 م فخلفه في الإمارة ولده أبو جعفر أحمد بن عبد الملك .. واستمر في حكمه لروطة

حتى حمله ألفونسو ملك قشتالة

على التنازل عنها وعوضه عنها بقسم من مدينة طليطلة في سنة 534 هـ /1139 م.

(115)

ابن عذاري: 3/ 155.

(116)

ابن خلدون: 4/ 164، ابن الخطيب، أعمال الأعلام 219.

ص: 245

فاضطر إلى الانسحاب منها بعد أن خسر المعركة أمام قوات التحالف الصليبي الذي قاده البابا بندكتوس الثامن وضم فيما ضم قوات جنوه وبيزا البحرية وذلك في سنة 407 هـ/ 1016 م والعام الذي يليه.

وعلى الرغم من هذا الفشل الذي أصاب قوات مجاهد العامري، فقد ظل من أبرز القادة البحريين الذين عرفوا في ذلك العصر وكان اسمه يثير الذعر والخوف والاضطراب في الأوساط الأجنبية وفي موانئ البحر المتوسط خاصة، وظلت سفنه تجوب البحر المتوسط وتغير على المدن الإيطالية وتقطع عليها خطوط مواصلاتها سنين عديدة (117).

وأما الصفحة الأخرى البارزة في دويلة العامري، فتتمثل بالنشاط العلمي والأدبي الذي حظي باعتناء زائد من قبله، مع سعيه الدائم إلى دعوة العلماء واقتناء مؤلفاتهم النادرة والجديدة (118). ويعد أبو عمرو الداني (119) إمام القراءات في زمانه، وابن عبد البر (120)، وابن سيده (121)، من أشهر علماء العصر على الإطلاق فقد طارت مؤلفاتهم شرقاً وغرباً، وهم الذين رفدوا الحياة العلمية بكل جديد ونفيس في مجالات تخصصاتهم المختلفة.

مات مجاهد العامري سنة 436 هـ/1044 م بعد أن حكم دانية والجزائر الشرقية زهاء ثلاثين سنة، وخلفه على الحكم ولده: علي الملقب بإقبال الدولة والذي نهج على سياسة والده في الداخل والخارج، وفي عهده ضمت دانية إلى دويلة سرقسطة سنة 468 هـ/1076 م عندما سيطر عليها المقتدر بن هود (122).

أما الجزائر الشرقية والتي تعد ميورقة من أهم جزرها ففد كانت تحت حكم عبد الله المرتضي الذي استبد بحكمها حتى وفاته سنة 468 هـ وخلفه مساعده في حكم الجزيرة مبشر بن سليمان، وفي عهده تعرضت ميورقة لهجوم الأساطيل الغربية المتحالفة (بيزا الإيطالية وأمير برشلونة وفرنسا) بعد أن بارك البابا هذه الحملة التي ضربت حصاراً على الجزيرة سنة 508 هـ/1114 م وصمدت له صموداً رائعاً على الرغم من قطع المحاصرين

(117) عنان، دول الطوائف: 194 و199.

(118)

ابن بسام: ق 3 ج 1: 23، ابن عذاري: 3/ 156.

(119)

عثمان بن سعيد الأموي شيخ القراءات في عصره مات سنة 444 هـ بدانية، الصلة:405.

(120)

يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر خرج من قرطبة وسكن دانية ومات بها سنة 463 هـ/ الصلة: 677.

(121)

من أشهر علماء اللغة في عصره له من المؤلفات المحكم وغيره مات سنة 458 هـ. ينظر: ألبير مطلق، الحركة اللغوية في الأندلس:57.

(122)

ابن عذاري: 3/ 157 أو 228، ابن خلدون: 4/ 164.

ص: 246

لكافة الإمدادات والمؤن عنها، وخلال الحصار توفي مبشر بن سليمان، وتولى قيادة المقاومة أبو الربيع سليمان الذي لم يتمكن من الصمود طويلاً فسقطت مدينة ميورقة سنة 508 هـ/1114 م ودخلتها القوات المتحالفة بعد أن فني معظم المدافعين عنها، فنهبها الغازون عن آخرها وقتلوا جميع من صادفوه حياً من سكانها، واستمرت القوات المتحالفة في عبثها وتخريبها للمدينة حتى حررها المرابطون سنة 509 هـ/1115 م من سيطرة قوات التحالف الغربية عليها (123).

الكيانات المستقلة (دويلات صغيرة)

وقامت في الأندلس دويلات أو إمارات صغيرة حكمت من قبل الأسر المتنفذة واتخذت من مدنها مراكز ومقرات لها. ولم يكن لهذه الدويلات أو الإمارات كبير شأن فهي لم ترق إلى مصاف الدويلات السابقة، بيد أنها كانت محوراً يثير النزاع بين الدويلات الأخرى ومنها على سبيل المثال:

أ - بنو طاهر في مدينة مرسية:

وعميد هذه الأسرة هو أبو بكر أحمد بن إسحاق بن طاهر أحد العلماء المعروفين وكان رئيس مدينة مرسية مدة تزيد على ست وثلاثين سنة، وبوفاته سنة 455 هـ خلفه ولده محمد بن طاهر وفي عهده سقطت مرسية بيد بني عباد سنة 471 هـ (124).

ب - بنو برزال في قرمونة:

ورأس حكومتها أبو عبد الله محمد بن عبد الله البرزالي وكان نفوذه يمتد إلى مدينة استجة والمدور، وقد تقلب البرزالي المذكور تحت طاعة القوى المختلفة من دويلات الطوائف حتى سيطر بنو عباد على أملاكه سنة 459 هـ (125).

ج - بنو يفرن في رندة:

ورأسهم أبو النور هلال بن دوناس اليفرني الذي حكم حتى وفاته سنة 449 هـ/ 1057 م وخلفه ولده أبو النصر فتوح والذي انتهت على يده إمارة رندة وضمت إلى دويلة إشبيلية سنة 457 هـ/1065 م (126).

(123) ابن خلدون: 4/ 165، وينظر: عنان، دول الطوائف: 221 وما بعدها.

(124)

ابن بسام: ق 3 ج 1: 24 وما بعدها، وينظر: عنان، دول الطوائف: 176،

(125)

ابن عذاري (الذيل) 3/ 311 وما بعدها، وينظر: المصدر السابق: 148.

(126)

ابن عذاري (الذيل) 3/ 312 وما بعدها، وينظر: عنان، المصدر السابق:152.

ص: 247

د - بنو دمر في مورور:

وزعيمهم نوح بن أبي تزيدي الدمري حكم ابتداء من سنة 403 هـ/1013 م لغاية 433 هـ/1041 م وخلفه ولده محمد والذي مات في حبس ابن عباد 449 هـ/1057 م، واستمر بنو دمر يحكمون هذه المدينة حتى سنة 458 هـ/1066 عندما احتلها بنو عباد (127).

هـ - بنو خزرون في أركش:

وزعيمهم أبو عبد الله محمد بن خزرون المتغلب على أركش في سنة 402 هـ واستمر في حكمها حتى وفاته سنة 420 هـ/1029 م فأعقبه ولده عبدون وآخرون من هذه الأسرة حتى سقوطها في يد بني عباد سنة 461 هـ/1068 م (128).

سمات عصر دويلات الطوائف:

استمر عصر دويلات الطوائف في الأندلس أكثر من ثمانين سنة، تنازعت فيه الدويلات القائمة أسباب الفرقة والخلاف، ودخلت في أتون النزاع المرير، وتحملت البلاد ما تحملت من نتائج ذلك الانحلال السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وتقع تبعية هذا الانحلال على جميع عناصر المجتمع الأندلسي بدون استثناء، فالجميع عملوا على تكوين الدويلات في المناطق التي وجدوا فيها، واصطنعوا لأنفسهم الشرعية التي هي في الأساس الاعتماد على القوة العسكرية لفرض سلطانهم على من هم أضعف حالة من حكام تلك الدويلات.

وقد قررنا سابقاً أن من بين أسباب سقوط الخلافة الأموية في الأندلس واضطراب الأحوال فيها: غياب القيادة القادرة على الفعل والحسم وانعدام الإدارة المخلصة القادرة على التفاعل مع أهداف القيادة في سبيل توحيد البلاد، فضلاً عن غياب الشرعية والذي يعني غياب الولاء للحاكم، وعجز الحكام عن ملء الفراغ الذي أحدثه إلغاء الخلافة الأموية نهائياً من الأندلس سنة 422 هـ، فكل ذلك حوّل القيادات الحاكمة في الأندلس إلى قيادات لدويلات إقليمية وعنصرية تقوقعت في مناطق محدودة ولم تتمكن من فرض

(127) ابن عذاري (الذيل) 3/ 295، وينظر: عنان، المصدر السابق:154.

(128)

ابن عذاري: 3/ 271، وينظر: عنان، المصدر السابق:155.

ص: 248

سلطانها الفعلي الدائم خارج حدود مناطقها الأصلية.

ومن خلال العرض السابق لدويلات الطوائف القائمة في الأندلس، يمكن إجمال أهم السمات الأساسية المشتركة لهذا العصر بما يأتي: 1 - انفراط عرى الوحدة الوطنية، وتحول البلاد إلى وحدات أو كيانات صغيرة تسمى بدويلات الطوائف، تتميز كل منها بكيان خاص قائم على مبدأ الزعامة لأسرة من الأسر. والاعتماد على قوة عسكرية لتنفيذ أهدافها وإن كانت تلك القوة تتكون في معظم الأحيان من خليط من العناصر الموالية لهذه الأسرة أو تلك. ونظام الحكم قائم على أساس مبدأ الوراثة، وغالباً ما كان هذا النظام سبباً في حدوث النزاع بين أفراد الأسرة الواحدة، لا سيما عندما تقسم أملاك الدويلة بين أكثر من واحد من أبناء الحاكم.

2 -

توجه جميع الدويلات القائمة نحو العمل لمصالحها الذاتية، دون أي حساب للقضايا القومية، أو حتى مصلحة الجماعة المنضوية تحت لوائها، وكان حكام هذه الدويلات ضعافاً في وطنيتهم ودينهم، ولم يولوا الكرامة الشخصية أي اهتمام فعندما سقطت بربشتر، وطليطلة لم نجد من بين حكام هذه الدويلات من سارع إلى إنجادها، بل إن المقتدر بن هود لم يحرك ساكناً عندما سقطت بربشتر في يد النورمانديين لكونها من أملاك أخيه يوسف، وكان " بينهما نزاع شخصي " حتى أجبر أخيراً أمام غضبة وثورة الشعب إلى إرسال قواته وتطهير المدينة من دنس النورمانديين. أما طليطلة فسقوطها هز الأندلس من أقصاها إلى أقصاها، ولم نجد من أولئك الحكام إلا المواقف المتخاذلة والمشينة.

3 -

الصراع العنيف بين هذه الدويلات، لكسب ما يمكن كسبه من القلاع والحصون والمدن، وقد فقدت الأندلس جراء ذلك الصراع الألوف من أبنائها، وتعرض كثير من المناطق إلى الخراب والدمار، وفقد الأمن، وساءت الأحوال الإقتصادية نتيجة الاضطراب والفوضى التي كانت تصيب المناطق المتنازع عليها.

4 -

دخول جميع دويلات الطوائف بشكل أو بآخر في سلسلة من المحالفات مع أمراء وملوك إسبانيا الشمالية أعداء الأندلس التقليديين، وأصبحت تلك المحالفات جزءًا من السياسة الخارجية لدويلات الطوائف، وغاية تلك المحالفات اقتسام أملاك الدويلات الأخرى، حتى باتت المحالفات تشكل خطراً كبيراً على معظم الدويلات مادياً، نتيجة دفع الأموال الكبيرة لتلك الدويلات مقابل مساعدات معينة، ومعنوياً لتدخلها في سياسة الدويلات القائمة في الأندلس حتى فقدت أكثر الدويلات استقلالها الذاتي، بل وأصبح

ص: 249

رؤساؤها يرسمون سياساتهم العدائية للنيل من الدويلات الأخرى، وكان ذلك هدف سعت إليه الممالك الإسبانية الشمالية ومنذ البداية لإضعاف كل طرف من الطرفين المتنازعين.

5 -

حرص كافة حكام الطوائف على الإرتسام بسمات الملك والتلقب بشتى الألقاب الملوكية والسلطانية وزاد بعضهم أن اصطنع لدويلته وحكمه الشرعية والخلفية اللازمة لتسويغ أعماله وفرض سلطانه على الآخرين، عن طريق تنصيب الخلفاء بطريقة تثير السخرية والاستهجان، كما فعل بنو عباد عندما نصبوا خلف الحصري وادعوا أنه الخليفة هشام المؤيد، وكاتبوا في ذلك حكام الطوائف يدعونهم لمبايعته والدخول في طاعته. أو كما فعل صاحب دانية والجزائر عندما نصب المعيطي خليفة وهو شخص من العامة فبايعوه مقتفين بذلك دعوى بني عباد.

وبعد:

فإذا كان ثمة من حسنة لهذه الدويلات وسمة إيجابية تذكر لها فهي توجهاتها العلمية " فقد كانت في الفترات القليلة التي تجانب فيها الحرب الأهلية تتمتع بقسط لا بأس به من الرخاء وتغمرها الحركة والنشاط، وكان ملوك الطوائف بالرغم من طغيانهم المطبق

من حماة العلوم والآداب وإنها لظاهرة من أبرز ظواهر عصر الطوائف، أن يكون معظم الملوك والرؤساء من أكابر الأدباء والشعراء والعلماء وأن تكون قصورهم منتديات زاهرة، ومجامع حقة للعلوم والآداب والفنون، وأن يحفل هذا العصر بجمهرة كبيرة من العلماء والكتاب والشعراء الممتازين، ومنهم بعض قادة الفكر الأندلسي والفكر الإسلامي بصفة عامة " (129).

(129) ينظر: عنان، دول الطوائف: 423 وما بعدها.

ص: 250