الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفَصْلُ الثَّالِث
علاقة الدولة العربية الإسلامية مع الإمارات الإسبانية في الشمال
نشوء الإمارات الإسبانية:
لقد مر بنا في أثناء الحديث عن فتح العرب لإسبانيا، كيف أنهم وصلوا إلى المناطق الشمالية والشمالية الغربية، وأوغلوا في الجبال الصخرية المفضية إلى سواحل كنتبرية المطلة على المحيط الأطلسي. لكنهم لم يفرضوا سلطانهم على هذه المناطق بشكل فعال، خاصة الركن الشمالي الغربي المسمى بإقليم أشتوريش في جليقية وذلك لوعورة هذه المنطقة، وقساوة مناخها. وقد استغلت بعض فلول القوط المنهزمة هذه الظروف، فلجأت إلى هذه الجبال واختفت فيها تنتظر الفرصة المواتية للتجمع والاستعداد لمقاومة الفتح العربي للأندلس. أما المسلمون فقد استهونوا أمر هذه الأماكن، وقلة عدد القوط الملتجئين إليها، فتركوهم وشأنهم، وانصرفوا إلى شؤونهم الداخلية، مما هيأ لهذه الأعداد القليلة الجو لتكوّن لنفسها كياناً قوياً يستطيع مع الأيام أن يناهض المسلمين في الأندلس، وينقلب من الدفاع إلى الهجوم، كما سنرى فيما بعد.
وكان تجمع فلول الإسبان في جبهتين؛ الأولى في هضاب كانتبرية، أي في نافار وبسكونية في الشرق؛ والثانية في هضاب أشتوريش في الغرب. وقد تمركزت الجماعة الأولى تحت لواء زعيم يدعى الدوق بِطْرُة أو بتروس Pedro، الذي ينتمي إلى أحد الأصول الملكية، وكان من قادة الجيش في عهد الملكين القوطيين غيطشة ولذريق. ولكن الإمارة التي أنشاها هذا الزعيم كانت قليلة الخطر والأهمية، وذلك لوقوعها في الطرف الغربي من جبال ألبرت في سهول نافار وبسكونية، ولهذا فقد كانت عرضة لاقتحام القوات الإسلامية أثناء ذهابها إلى جنوب فرنسا وإيابها منها (1). أما إمارة جليقية
(1) انظر: محمد عبد الله عنان، دولة الإسلام في الأندلس: 1/ 208 - 210؛ خليل إبراهيم السامرائي، الثغر الأعلى الأندلسي، ص 101 فما بعدها.
أو مملكة أشتوريش، فقد كانت أعظم خطراً من إمارة كانتبرية لأنها تقع في جبال وعرة بعيدة عن طريق غزوات الفاتحين. فقد اعتصم فيها مجموعة من فلول القوط والتجأوا إلى مغارة تدعى كوفادونكا Covadonga، التي تقع في سلسلة جبال كانتبرية المنيعة، فى أعلى قممها، التي يطلق عليها الإسبان اسم قمم أوروبا Picos de Europa، بينما يسميها المؤرخون المسلمون بالصخرة ويجعلونها في جليقية (2). أما القائد الذي التفت حوله هذه الفلول، فيدعى بلايو Pelayo أو بلاجيوس Pelagius. وتعرفه الرواية العربية باسم بلاي، وهو شخصية يحيط بأصلها الغموض، لكنه على الأرجح ينتمي إلى أصل قوطي نبيل. وتقول بعض الروايات أنه كان ابناً للدوق فافيلا، دوق كنتبرية (3)، وأنه كان الساعد الأيمن للملك لذريق. وقد وقع بلاي أسيراً بأيدي المسلمين، وسجن في قرطبة، لكنه تمكن من الفرار في زمن الحر بن عبد الرحمن الثقفي سنة 98هـ/718 م، واتجه إلى منطقة أشتوريش في الشمال الغربي من البلاد (4). وأخذ يتنقل في هذه المنطقة حتى استقر به المقام في قرية كانجا دي أُونيس Cangas، حيث التف حوله نفر من القوط الهاربين من المسلمين، ومن الآيبيريين والرومان المقيمين في هذه المنطقة. فأخذ يحرضهم على الوثوب بالعرب، ويعيب عليهم الاستسلام والتراجع (5). وقد لوحق بلاي من قبل منوسة، القائد البربري المسلم في منطقة الاشتوريش، لكن بلاي تمكن من الإفلات منه والاختفاء في الجبال المنيعة، وبخاصة في منطقة الصخرة الآنف ذكرها.
وقد استهون المسلمون أمر هذه الشرذمة الصغيرة، وانصرفوا إلى شؤونهم الداخلية، وانشغلوا بعوامل الفرقة والخلاف، وخاصة بعد تمرد البربر في الأندلس. فاستغل الإسبان هذه الفرصة، وشرعوا بالتحرك والإنحدار نحو الجنوب والاستيلاء على المناطق التي تركها البربر. وعندما تنبه المسلمون إلى هذا الأمر، الذي بدأ يشكل خطراً عظيماً على وجودهم في شبه الجزيرة، حاول بعض ولاتهم أن يتصدوا لهذه الإمارة، فأرسلوا إليها بعض الحملات التي لم تستطع القضاء عليها نظراً لوعورة المنطقة. وتشير بعض الروايات المسيحية إلى أن بلاي وجماعته، حققوا نصراً باهراً على المسلمين سنة
(2) انظر: أخبار مجموعة، ص 28؛ ابن عذاري: 2/ 29.
(3)
انظر: ابن خلدون، كتاب العبر: 4/ 386؛ وراجع مؤنس، فجر الأندلس، ص 318 فما بعدها؛ وبحثه الموسوم " بلاي وميلاد اشتريس " مجلة كلية الآداب، جامعة فؤاد الأول؛ مجلد 11، ج 1، القاهرة، 1949.
(4)
المقري، نفح الطيب: 4/ 350.
(5)
المصدر نفسه: 3/ 17؛ وانظر: مؤنس، فجر الأندلس ص 334.
104هـ/722 م حينما أرسل الوالي عنبسة بن سُحيم حملة لسحق العصاة بقيادة قائد عربي اسمه علقمة اللخمي (6).
لقد بالغت المصادر المسيحية في تصوير هذه الحادثة وشوهت تفاصيلها، فجعلتها شيئاً أشبه بالفتح المبين الذي تم بإرادة وتدبير القوة الإلهية (7). وقد زاد مؤرخو الإسبان هذا النصر تقديراً وإجلالاً فجعلوه بداية لصراعهم من أجل إخراج المسلمين من الأندلس. ولكن على الرغم من هذا، فإن حولية لاتينية معاصرة، هي حولية عام 754 م، لا تذكر شيئاً عن هذه المعركة. وهذا يعكس التأثير الحقيقي الذي تركته هذه الحادثة في الأندلس، حيث لا بد أنها عُدت مناوشة صغيرة، أو حادثة ثانوية بين مجموعتين من الأفراد. وهذه الحادثة وحدها لم تكن تعني شيئاً لو لم يعقبها من الأمور التي زادت في قيمتها وأهميتها، وبشكل خاص اختلاف المسلمين وانقسامهم على أنفسهم في الأندلس، مما مهّد السبيل لبلاي وأنصاره بالقوة والانتشار إلى المناطق التي كانت بيد العرب والمسلمين.
وهناك خلاف بين المؤرخين القدامى والمحدثين بشأن التاريخ الصحيح لهذه المعركة، التي أصبحت تسمى بمعركة كوفادونجا، فمنهم من يجعلها في عهد عنبسة بن سحيم، ومنهم من يجعلها في عهد عقبة بن الحجاج السلولي، والأرجح أنها حدثت في عهد الأول، كما سبق وذكرنا ذلك أثناء الحديث عن النشاط الحربي للعرب في شمال إسبانيا (8). وقد هاجم عقبة منطقة جليقية وحاول افتتاحها، لكنه لم يفلح في القضاء النهائي على بلاي وبعض أنصاره الذين اعتصموا بالصخرة الشهيرة Picos de Europa. وكان هؤلاء من القلة وصغر الشأن بحيث احتقرهم المسلمون وتركوهم وانصرفوا استخفافاً بهم (9). وكان إغفال أمر هؤلاء المقاتلين من أعظم الأخطاء التي ارتكبها العرب في الأندلس. فقد قويت معنوية بلاي وجماعته بانسحاب المسلمين، فانضم إليه الكثير من الأنصار، الذين اختاروه ملكاً عليهم، فكان هذا إيذاناً بميلاد مملكة أشتوريش
(6) انظر: المقري (برواية عيسى بن أحمد الرازي): 4/ 350 - 351.
The Chronicle of Alfonso III، pp. 614-615.
(7)
Ibid.، p. 614.
(8)
لمزيد من التفاصيل والآراء المختلفة بشأن معركة كوفادونجا وبلاي راجع: مؤنس، فجر الأندلس، ص 318 - 342.
(9)
أخبار مجموعة، ص 28؛ ابن عذاري: 2/ 29.
المسيحية. وقد وجد بلاي الفرصة سانحة لتوطيد أمره وسلطانه في هذه المناطق الجبلية التي هجرها المسلمون منذ تمرد البربر. وأخذ يغير على المناطق الإسلامية المتاخمة، خاصة بعد أن انشغل المسلمون بالفتنة بين أبي الخطار والصميل بن حاتم الكلابي، فقوي مركزه، وثبتت أقدام المملكة الجديدة.
استمر بلاي في حكم مملكة أشتوريش إلى وفاته في عام 119هـ/737 م، ثم ورثه ابنه فافيلا، الذي دام حكمه سنتين فقط، حيث قتله دب تعرض له في الصيد (10). وكان الدوق بتروس، دوق كنتبرية، قد توفي في ذلك الحين أيضاً، فورثه ابنه أذفونش (ألفونسو الأول) الملقب بالكاثوليكي. وقد توطدت أواصر التحالف بين إمارة كانتبرية ومملكة أشتوريش وذلك بتزوج ألفونسو من ابنة لبلاي تدعى أرمسندا Ermesinda (11) . ثم اختار أهل جليقية ألفونسو ملكاً عليهم، فقام على أثر ذلك اتحاد بين الإمارتين، وقامت منهما حكومة واحدة هي مملكة ليون، أو مملكة جليقية، كما تسميها الرواية الإسلامية.
ويعد ألفونسو الأول المؤسس الحقيقي لإسبانيا النصرانية، فقد وسعها، وقواها، وأزاح عنها خطر الدولة العربية الإسلامية في الأندلس إلى حين، فحكم في ظروف مؤاتية (121 - 140 هـ/739 - 757 م)، لأن الخلافات الداخلية كانت قد شغلت المسلمين عنها لسنوات طويلة. فانتهز ألفونسو فرصة تمرد البربر، ونزوحهم من المناطق التي كانوا قد سيطروا عليها في أشتوريش وكنتبرية وجليقية، وكذلك هجرة الكثير من العرب الذين كانوا يستقرون في هذه النواحي، وهلاكهم نتيجة للفتنة التي وقعت بينهم وبين البربر. يضاف إلى ذلك فقد حل القحط بالأندلس سنة 133 هـ/750 م واستمر لعدة سنوات، وكان تأثيره شديداً على المناطق الشمالية، فجلا كثير من المسلمين عن هذه الأنحاء مخلفين منطقة واسعة تفصل بين جليقية وأراضي المسلمين. فاجتاح الإسبان هذه المناطق، وقتلوا من بها من المسلمين، وأخرجوا البقية عن جليقية كلها، وعن استورقة وغيرها من المناطق حتى نهر دويرة Duero (12) . وهكذا خسر المسلمون مراكز هامة مثل ليون Leon، وسمورة Zamora، وشلمنقة Salamanca، وشقوبية Segovia، وأبلة Avila، وغيرها، وكلها أماكن بذلت الجيوش العربية الفاتحة الكثير من الجهد والعناء في فتحها،
(10) ابن الخطيب، أعمال الأعلام، ص 323.
(11)
المصدر نفسه، ص 223؛ وانظر أيضاً: مؤنس، المرجع السابق، ص 344.
(12)
انظر: أخبار مجموعة، ص 28، 62؛ مؤنس، المرجع السابق، ص 345 فما بعدها.
وقد أصبحت حدود الأندلس الإسلامية، عند وفاة ألفونسو الأول في مستهل تأسيس الإمارة الأموية، تمتد من سواحل المحيط الأطلسي مارة بقلمرية وقورية وطلبيرة وطليطلة ووادي الحجارة وتطيلة ثم تنتهي عند بنبلونة. أما حدود الإمارة الإسبانية فكانت تضم أشتوريش، وسانت أندير Santander، وأجزاء من برغش Burgos، وليون وجليقية. أي أن إمارة جليقية سيطرت على نحو ربع شبه الجزيرة الآيبيرية. أما المناطق التي كانت تقع بين هذين الخطين المذكورين، فكانت مسرحاً للخلاف والمنازعات والحروب الدائمة بين العرب والإسبان (13).
لقد عمل كل من ألفونسو الأول، وأخيه فرويلا، الذي عينه حاكماً على مقاطعة كانتبرية، على توسيع هذه المملكة الإسبانية، ومناهضة المسلمين في الجنوب. فكانا يغيران على الأراضي الإسلامية المجاورة، وخاصة في عهد يوسف الفهري الذي كان مشغولاً بالمشاكل والثورات الداخلية. فاستولى ألفونسو على مدينة لك Lugo الحصينة، كما عبر نهر دويرة أكثر من مرة، وعاث في أراضي الأندلس. واستمر الوضع على هذه الشاكلة حتى وفاة فرويلا سنة 146 هـ/764 م، وأخيه ألفونسو في العام التالي أي 147 هـ/ 765 م. وقد خلف ألفونسو ابنه فرويلا الأول، الذي سار على نفس المنوال في غزو أراضي الدولة العربية الإسلامية، مستغلاً انشغال عبد الرحمن الأول بالثورات الخطيرة التي جابهته في أوائل حكمه (14). وتوالى الملوك والأمراء على حكم مملكة جليقية بقسمها الشرقي والغربي، ونخص بالذكر منهم غرسية بن ألفونسو الثالث (297 - 301 هـ/ 910 - 914 م) الذي نقل العاصمة من مدينة أوفيدو Oviedo إلى مدينة ليون، لتوسط موقعها بين جليقية وأشتوريش. ويدل هذا الإجراء على مدى القوة التي وصلت إليها هذه المملكة، حيث تركت المناطق الجبلية، ونزلت إلى السهول لمواجهة العرب. ومنذ هذا الوقت سُميت هذه المملكة الإسبانية باسم مملكة ليون، بعد أن كانت تسمى مملكة أشتوريش وجليقية.
وقامت إلى جانب مملكة ليون إمارة أو مملكة اسبانية أخرى، هي مملكة نافار أو نبارّة، في منطقة الجنوب الغربي من جبال ألبرت Pyrenees في بلاد الباسك أو البشكنس الجبلية. وكانت هذه الإمارة في أول أمرها تخضع إلى سلطة بعض النبلاء
(13) The Cambridge Medieval History، vol. III، p. 410
وانظر أيضاً: مؤنس، المرجع السابق، ص 349 - 350.
(14)
انظر: عنان، المرجع السابق: 1/ 214 - 215.
التابعين للفرنج أو لأمراء من كانتبرية وأشتوريش، الذين اتخذوا مدينة بنبلونة عاصمة لهم. ولم يستطع أمراء جليقية رغم الغزوات العديدة التي شنوها على هذه الإمارة، أن يضموها إلى مملكتهم وذلك لتفاني البشكنس في الدفاع عن استقلالهم. ومن زعماء هذه الإمارة غرسية أنيجز Garcia Iniguez، الذي يسميه ابن حزم (15)، بملك البشاكسة، والذي كان على صلة طيبة ببني قسي المولدين، سادة الثغر الأعلى، فقد ارتبط معهم برباط التحالف والمصاهرة، وحارب مع زعيمهم موسى بن موسى بن فرتون ضد أردونيو الأول، ملك جليقية، في معركة البلدة Albelda سنة 248 هـ/862 م (16). وخلف غرسية ابنه فرتون الذي قضى فترة طويلة أسيراً في قرطبة (17)، لكنه عزل عن الحكم بعد أن تغلب عليه شانجة غرسية الأول Sancho Garcia I (293 - 314 هـ/905 - 926 م)، الذي كان أول من تلقب بلقب ملك من أمراء نافار، ويعد المؤسس الحقيقي لهذه المملكة (18).
وبالإضافة إلى مملكتي ليون ونافار، قامت مملكة أخرى في شمال إسبانيا، وذلك في الأراضي التي كانت تقع بين مملكة ليون في الغرب، ومملكة نافار في الشرق. وكانت هذه المناطق تسمى (بردوليا) ثم سميت فيما بعد باسم قشتالة Castilla، لكثرة الحصون التي كانت تقوم بها. وأصل هذه الحصون والقلاع يعود إلى جهود مملكة ليون التي أقامتها وأحاطت نفسها بها للحماية من هجمات المسلمين. وقد عرفت هذه الحصون في المصادر العربية باسم القلاع، كما سميت أيضاً نسبة إلى ولاية ألبة Alava باسم ألبة والقلاع. وكان سكان هذه المناطق من البشكنس وأهل ألبة يحكمون من قبل أمراء تابعين لمملكة ليون، لكنهم كانوا يتمتعون بشيء من الاستقلال الذاتي ليتمكنوا من محاربة المسلمين (19). أما عاصمة المنطقة فكانت يومئذ في مدينة بُرْغُش Burgos. وقد حاول هؤلاء الأمراء المحليون جهدهم للمحافظة على هذا الاستقلال الذاتي، بل التحرر من سلطة مملكة ليون. وقد سنحت لهم هذه الفرصة، حينما اتحدت معظم القلاع في
(15) جمهرة أنساب العرب، ص 502.
(16)
المصدر نفسه، ص 502، وانظر أيضاً: عنان، المرجع السابق، ج 1، ص 298، 362؛ عبد الرحمن الحجي، أندلسيات، المجموعة الثانية، بيروت، 1969، ص 53؛ خليل السامرائي، الثغر الأعلى الأندلسي، ص 340.
(17)
ابن عذاري: 2/ 97.
(18)
عنان، المرجع السابق: 1/ 363.
(19)
انظر: العبادي، في تاريخ الأندلس والمغرب، ص 78.
القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي بزعامة الكونت فرنان كونثالث Fernan Gonzalez، أو فرّان غُنصَالِس، كما يسميه ابن الخطيب (20). وكان كونثالث زعيماً قوياً ضد خصومه ملوك ليون، فأعلن الحرب على راميرو الثاني ملك ليون. وعلى الرغم من هزيمته وأسره من قبل الملك، ظل أنصاره من سكان القلاع مخلصين لزعيمهم المأسور، واستمروا في الثورة، مما اضطر راميرو الثاني إلى إطلاق سراحه. فعمل كونثالث على توطيد مركزه وتوحيد كل قشتالة تحت لوائه. وقد استطاع أن يحقق هذه الغاية، ويجعل الملك وراثياً في أبنائه في إمارة قشتالة المستقلة عن مملكة ليون. ثم أخذت هذه الإمارة تتسع شيئاً فشيئاً على حساب أراضي المسلمين والمسيحيين على السواء، حتى سيطرت على كل إسبانيا، كما سنرى فيما بعد، وصارت لغتها القشتالية هي اللغة الإسبانية الرسمية في البلاد (21).
لقد كانت العلاقات بين هذه الإمارات الإسبانية الثلاث، وغيرها من الإمارات الصغيرة الأخرى، مثل إمارة برشلونة التي كونت نواة لإمارة قطالونية Catalonia فيما بعد والتي دمجت في مملكة أراغون Aragon عام 532 هـ/1137 م. تتذبذب بين السلم والحرب حسب مصالح واهتمامات حكامها ومطامعهم. فحينما تكون هناك منفعة مشتركة للجميع، يحصل التقارب بين هذه الإمارات لمواجهة المسلمين في الأندلس. ولكن تضارب المصالح، والنزاع على السلطة بين أفراد الأسر الحاكمة، أو ثورات النبلاء، ومحاولاتهم للاستقلال كانت تدفع بعض هؤلاء الأمراء الإسبان لطلب العون من الأمراء الأمويين في قرطبة. يضاف إلى ذلك، فإن سوء الأحوال الداخلية، كثيراً ما كانت تفرض على حكام الإمارات الإسبانية عقد السلم والمهادنة مع الدولة العربية الإسلامية. لكنهم إذا ما شعروا بالقوة، أو بانشغال المسلمين في مشكلة داخلية، لا يترددون في نقض عهودهم، وغزو الأراضي التابعة للأندلس (22). ويمكن القول إجمالاً أن علاقات هذه الإمارات مع الدولة العربية الإسلامية، ومواطنيها كانت تشمل إلى جانب الحروب، وما يعقبها من مآسٍ ونكبات بالنسبة إلى الطرفين، أموراً أخرى تبرز في أوقات السلم والصفاء، كالمراسلات الدبلوماسية، وعلاقات المصاهرة، وانتقال التأثير الحضاري المشترك بين هذه الإمارات الإسبانية ومواطني الدولة العربية الإسلامية في الأندلس.
(20) أعمال الاعلام، ص 325.
(21)
العبادي، المرجع السابق، ص 78.
(22)
انظر: عبد الرحمن الحجي، أندلسيات، (2)، ص 54 - 56.
العلاقات بين الأندلس والإمارات الإسبانية:
1 -
العلاقات الحربية:
سادت العلاقات الحربية بصورة عامة بين الأندلس والإمارات الإسبانية في الشمال. وكانت الحملات العسكرية العربية تزداد كثافة باتجاه الشمال، كلما كانت الأحوال الداخلية مستقرة، والأوضاع هادئة في الأندلس، فيتفرغ الأمراء لمكافحة الخطر الخارجي المتمثل بالإمارات الإسبانية. وكذلك الحال بالنسبة لهذه الإمارات فكانت تشن الهجوم على أراضي الأندلس في الفترات التي تشعر فيها بقوتها، وضعف المسلمين. من ذلك مثلاً ما حدث في عهد فرويلا الأول الذي استغل انشغال الأمير عبد الرحمن الأول بالقضاء على تمرد العلاء بن مغيث، فأغار على أراضي الدولة العربية الإسلامية، وعبر نهر دويرة، وغزا لُك وشلمنقة، وشقوبية، وآبلة وسمورة وغيرها (23). وكان لا بد لعبد الرحمن الأول أن يتخذ إجراءات كفيلة برد الخطر الإسباني، فجرد، برغم انشغاله بالفتن الداخلية، حملة تأديبية يقودها مولاه بدر إلى الشمال، وبشكل خاص إلى منطقتي ألبة والقلاع، وهي الأراضي الواقعة بين بلاد الباسك وجبال كانتبرية على ضفاف نهر الإبرة شرقي مملكة جليقية. وقد حققت هذه الحملة نجاحاً ملحوظاً، وأرغمت سكان هذه المناطق على دفع الجزية للدولة العربية الإسلامية (24).
والظاهر أن حملة بدر هذه كانت ذات أثر كبير على طبيعة العلاقات التي سادت فيما بعد بين عبد الرحمن الأول وإمارة جليقية. فلقد أوقفت النشاط التوسعي لهذه الإمارة على حساب الأندلس، يضاف إلى ذلك فقد خيم السلام على المنطقة في عهد الملوك الذين عاصروا عبد الرحمن، والذين كانوا بمثابة أتباع للحكم الأموي ويدفعون الجزية إلى قرطبة. وقد بلغ نفوذ العرب حداً كبيراً في التدخل بشؤون هذه الإمارة، حتى أنهم كانوا يتدخلون في الخلافات التي كانت تنشب بين الأمراء الإسبان للوصول إلى العرش، فيساعدون الموالين منهم على التغلب على مناوئيهم. ويدين أحد هؤلاء الأمراء، وهو مورقاط (مورجاتو Mauregato) ، للعرب بوصوله إلى الحكم. ومما يذكر أن هذا الحاكم الأخير كان من أصل عربي من جهة الأم، وقد بالغ في التقرب إلى المسلمين والتودد إليهم (25).
(23) ابن الأثير: 5/ 500؛ المقري: 1/ 330.
(24)
ابن عذاري: 2/ 54؛ وانظر: عنان، المرجع السابق: 1/ 216.
(25)
انظر: المرجع السابق: 1/ 219؛ أحمد بدر، دراسات في تاريخ الأندلس وحضارتها، ص 100؛ =
ولكن العلاقات الحربية سرعان ما عادت إلى وضعها الأول بعد وفاة مورجاتو سنة 173 هـ/789 م، وتولي بَرْمود أو برمودة Vermudo (26) . الذي عزل بعد نحو سنتين، ثم حكم بدلاً منه ألفونسو الثاني الذي يسميه العرب ب إذْفونش (175 - 227 هـ/791 - 842 م). ففي هذه الحقبة التي تولى فيها الأندلس هشام بن عبد الرحمن، وابنه الحكم، وحفيده عبد الرحمن بن الحكم، اشتدت الاشتباكات والغزوات بين الجانبين. فقد سيرت الدولة حملات في كل صيف تقريباً في عهد هشام، وحققت انتصارات كبيرة على إمارة جليقية. وكان على رأس هذه الحملات المتجهة إلى الشمال قواد معروفون ساهموا في إقامة الدولة الأموية في الأندلس، منهم أبو عثمان عبيد الله بن عثمان، ويوسف بن بخت، الذي أنزل بالملك بَرْمُود هزيمة ساحقة، واضطره إلى الفرار بنفسه إلى معاقله بعد أن تكبد جيشه عدداً كبيراً من القتلى (27). ومن القادة الآخرين: عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث، الذي قاد صائفة سنة 179هـ/795 م حتى انتهى إلى مدينة استرقة داخل جليقية، بل إنه وصل مدينة أوفيدو، العاصمة القديمة للإمارة الإسبانية وهزم ألفونسو الثاني الذي كاد يقع أسيراً في يديه، لولا فراره إلى إحدى القلاع البعيدة في الشمال (28).
وقد استغل ألفونسو الثاني انشغال الحكم الأول ببعض الفتن الداخلية، وبخاصة تمرد ماردة، فهاجم أراضي الدولة العربية وتوغل فيها، حيث عبر نهر دويرة، وسار حتى قلمرية وأشبونة في البرتغال الحالية، وعاث في تلك المنطقة، وخربها. فرد الحكم بأن سار بنفسه سنة 194هـ/810 م وغزا بلاد الأعداء واستعاد المدن المغتصبة. ثم باشر في إرسال الحملات إلى الشمال، ومنها حملة عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث سنة 200 هـ/816 م إلى جليقية التي أنزلت ضربة قوية بسكان المنطقة في وادي آرون Arun (29) .
وفي عهد عبد الرحمن بن الحكم، الذي تميز بهدوء نسبي للأحوال الداخلية في الأندلس، استمرت الحملات الصائفة إلى الشمال، وقلما كانت تمر سنة دون جهاد
= بيضون، الدولة العربية في إسبانيا، ص 199.
(26)
Livemore، The Origins of Spain and Portugal، pp. 340-357.
(27)
ابن عذاري: 2/ 63 - 64.
(28)
المصدر نفسه: 2/ 64 - 65.
(29)
المصدر نفسه: 2/ 73 - 75؛ وانظر: بيضون، المرجع السابق، ص 235 - 236.
للأعداء، بل إن عبد الرحمن الثاني شارك بنفسه في بعض هذه الحملات، وبخاصة سنة 225 هـ/840 م حيث غزا جليقية وفتح الكثير من حصونها. كما قام بنفسه أيضاً بقيادة حملة تأديبية لحاكم تطيلة، موسى بن موسى بن فرتون، الذي تحالف مع الباسك، فأخضع أتباعه في تطيلة وتقدم إلى بنبلونة عاصمة الباسك، التي التجأ إليها موسى، فأخضعها وفرض على أهلها وعلى موسى الصلح (30).
وهكذا استمرت الحملات إلى الشمال، واستمر النزاع بين القوتين المختلفتين في شبه الجزيرة، لكن الموقف الحربي تطور في أواخر عهد الإمارة الأموية، فبالإضافة إلى استمرار الحملات، قام كل من الجانبين بإعمار وتحصين خطوط دفاعه تجاه الجانب الآخر، فبدأت إمارة جليقية بإعمار استرقة، وليون، وإماية، وبرغش، وبقية المناطق جنوباً إلى نهر دويرة. أما العرب، فحصنوا روافد نهر تاجة الشمالية، وروافد نهر الابرة، كما بنى الأمير محمد بن عبد الرحمن مدينة مجريط ( Madrid مدريد الحالية)، وطلمنكة Talamanca، وأسكن بني تجيب مدينة قلعة أيوب وحصنها لهم، وبنى لهم حصن دروقة لمواجهة الخطر الإسباني في الشمال (31).
وأخيراً تجدر الإشارة إلى أن العلاقات الحربية في عصر الإمارة تميزت بطابع روحي خاص. فأهل الأندلس يعدون حملاتهم على الممالك الإسبانية جهاداً في سبيل الله، بينما كان إسبان الشمال يعززون من مقاومتهم للعرب بتأجيج الروح الصليبية. وكان لقبر القديس يعقوب، (سانتياجو) في مدينة شنت ياقب Santiago de Compostela تأثير كبير في إثارة الروح المعنوية عند الإسبان. ولم تكن الحملات التي يشنها هؤلاء في حقيقتها سوى حرب صليبية " يقود فيها سانتياجو جحافل الإسبان ضد أعدائهم على مر القرون "(32).
2 -
العلاقات الدبلوماسية والمصاهرات:
تخللت حقب الحروب الطويلة بين الأندلس والإمارات الإسبانية في الشمال
(30) ابن عذاري: 2/ 85، 86 - 87.
(31)
انظر: الحميري، الروض المعطار، ص 76، 128، 179 - 180، وانظر أيضاً: أحمد بدر، المرجع السابق، ص 217 - 218.
(32)
دورثي لودر، إسبانيا شعبها وأرضها، ترجمة، طارق فودة، القاهرة، 1965، ص 61؛ وانظر: أحمد مختار العبادي، " صورة لحياة الحرب والجهاد في المغرب والأندلس "، مجلة البينة، الرباط، 1962 - 1963، ص 92؛ خليل السامرائي، الثغر الأعلى الأندلسي، ص 155.
سنوات عديدة تميزت بعقد هدنات أعطت للجانبين فرصاً كثيرة للاتصال والتعرف والاقتباس. وكانت هناك اتصالات دبلوماسية بين الطرفين، وإن كانت هذه الاتصالات لا تبدو واضحة جداً في هذا العهد، لأن بعض الإمارات الإسبانية كانت ما تزال في طور النمو والتكوين. لكن العهد التالي، أي عهد الخلافة، تميز بنضج هذه العلاقات، وتبادل الوفود والسفارات بين الجانبين على نطاق واسع. ومع هذا، فهناك ما يشير إلى وجود علاقات من هذا القبيل في عهد الإمارة، وإن كانت قليلة جداً. ففي عهد عبد الرحمن الأول تم عقد أمان وسلام بين هذا العاهل الأندلسي وبين جيرانه حكام قشتالة، وهذا هو نص كتاب الأمان: " بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب أمان الملك العظيم عبد الرحمن للبطارقة والرهبان والأعيان والنصارى والأندلسيين أهل قشتالة، ومن تبعهم من سائر البلدان. كتاب أمان وسلام، وشهد على نفسه أن عهده لا يُنسخ ما أقاموا على تأدية عشرة آلاف أوقية من الذهب وعشرة آلاف رطل من الفضة، وعشرة آلاف رأس من خيار الخيل، ومثلها من البغال، مع ألف درع وألف بيضة، ومثلها من الرماح، في كل عام إلى خمس سنين، كُتب بمدينة قرطبة ثلاث صفر عام اثنين وأربعين ومائة (حزيران 759 م)(33).
وفي الحقيقة لا توجد لدينا تفصيلات عن هذه المعاهدة ولا الظروف التي عقدت فيها. ولكن يبدو من تاريخها أنها عقدت في أيام فرويلا الأول. ويرتاب بعض المؤرخين المحدثين في صحة الأرقام التي وردت فيها لضخامتها بالنسبة لموارد الإمارة الإسبانية في ذلك الوقت المبكر. كما يشكّون أيضاً في الوثيقة ذاتها، وإن كان لا يوجد لديهم حجة حاسمة لترجيح إنكارها (34). بل على العكس، فقد كان عبد الرحمن الأول قوياً في تلك الحقبة، مما جعل فرويلا الأول عاجزاً عن مواجهته والتصدي له، لذلك يحتمل أنه لجأ إلى الموافقة على عقد مثل هذه المعاهدة. ولقد رأينا فيما سلف أن العلاقة بين إمارة جليقية، والدولة الأموية في عهد عبد الرحمن الأول، تميزت بالهدوء والسلام بعد حملة بدر إلى الشمال، وأن أمراء الإسبان الذين تولوا الحكم خلال الفترة
(33) M. Casiri، Bibliotheca Arabico-Hispana Escurialensis، Madrid، 1770، vol. II.
وقد نقل الغزيري هذا النص عن مخطوطة الإحاطة لابن الخطيب في الاسكوريال، انظر: عنان، المرجع السابق، ص 199.
(34)
المرجع نفسه، ص 199، هامش رقم (1)؛ عبد الرحمن الحجي، أندلسيات (2)، ص 65 - 66، والمراجع التي يشير إليها في الهوامش.
الباقية من حكمه، تميزوا بسياستهم التَقَرُّبية والموالية لحكومة قرطبة.
ولا توجد علاقات ودية ذات أهمية في عهد بقية الأمراء الأمويين، باستثناء عبد الرحمن الثاني أو الأوسط، الذي وصلت الدولة العربية في الأندلس في عهده إلى مكانة سامية، وأصبحت مركزاً للنشاط الدبلوماسي والسفارات في المغرب الإسلامي. وقد وصلت هذه العلاقات الدبلوماسية أوجها مع الإمبراطورية البيزنطية (35). أما بالنسبة للعلاقات مع الإسبان، فلم تكن بتلك القوة، وكانت بعض معاهدات الصلح تُفرض بعد الانتصارات التي يحققها أهل الأندلس على جليقية وبقية المناطق الأخرى، من ذلك مثلاً الصلح الذي فرضه عبد الكريم بن عبد الواحد بن مغيث على الجلالقة، بعد أن غزاهم سنة 208 هـ/823 م بغزوته المعروفة بغزاة ألبة والقلاع (36). والتي كانت رداً على هجومهم على مدينة سالم في الثغر الأعلى. وكان من بنود هذا الصلح إطلاق سراح جميع الأسرى من الأندلس، ودفع جزية كبيرة، وتسليم بعض زعماء المنطقة إلى الدولة ليكونوا رهائن، ضماناً لعدم اعتدائهم في المستقبل (37). وقد حدثت بعض الاتفاقات بين إمارة نافار وعبد الرحمن الأوسط. وكانت هذه الإمارة قد بدأت بالتحرر من سيطرة الإفرنج، وتدخلهم في شؤونها، مما جعلها تتوجه إلى الأندلس لطلب العون والإسناد. ولهذا السبب فقد جاءت سفارة نافارية إلى بلاط عبد الرحمن الأوسط في قرطبة، وعقدت معاهدة بين الطرفين، تعهدت الدولة بموجبها بحماية نافار من أي اعتداء خارجي، مقابل مساعدة النافاريين لأهل الأندلس فيما إذا أرادوا عبور جبال ألبرت إلى فرنسا (38). ولكن لم تكن هذه المعاهدات تحترم كثيراً من قبل أمراء الإسبان، بل كانت تُنقض في معظم الأحيان، خاصة إذا ما شعروا بقوتهم وضعف الدولة العربية الإسلامية في الأندلس.
وبالنسبة للمصاهرات بين العرب في الأندلس والمسيحيين، فقد كانت شائعة سواء في داخل الأندلس ذاتها أم مع الإمارات الإسبانية في الشمال. وكان الحكام يشجعون هذه المصاهرات، بل إن بعضهم قد تزوج من نساء إسبانيات، مثل عبد العزيز بن موسى ابن نصير، الذي تزوج من أرملة لذريق آخر ملوك القوط. ومن حكام المسيحيين الذين
(35) انظر: ليفي بروفنسال، الإسلام في المغرب والأندلس، ترجمة: السيد محمود عبد العزيز سالم ومحمد صلاح الدين حلمي؛ القاهرة، 1956، ص 95 فما بعدها؛ العبادي، المرجع السابق، ص 151 - 154.
(36)
ابن عذاري: 2/ 81 - 82.
(37)
انظر: المقري: 1/ 344 - 345؛ عنان، المرجع السابق: 1/ 256، أندلسيات (2)، ص 70 - 71.
(38)
المرجع نفسه، ص 72.
شجعوا هذا الاتجاه مورجاتو المتوفى سنة 173هـ/789 م، الذي استقل في جليقية، وبالغ في التودد إلى المسلمين، وشجع بحماس زواج الفتيات المسيحيات من المسلمين. وكان هذا الحاكم، نفسه ابناً لألفونسو الأول من أم عربية، ولكن دعوته لم تلاقِ النجاح المطلوب بسبب بغض النصارى المتعصبين ورجال الدين له (39).
وقد قامت علاقات مصاهرة قوية بين بعض الأسر المتنفذة في منطقة الثغر الأعلى، مثل بني قسي المولدين، وبين حكام نافار في الشمال (40). ويبدو أن مثل هذه الأسر المولدة قد أرادت تقوية نفوذها بالزواج، هذا فضلاً عن عامل الجوار والقرب الذي يربط بين الطرفين. وكانت علاقات المصاهرة هذه من القوة بحيث كان بنو قسي يقفون أحياناً مع أصهارهم النافاريين بوجه حكومة قرطبة، أو الحكام الإسبان الآخرين (41).
ومن المصاهرات الطريفة التي حدثت في هذا العهد، زواج الأمير عبد الله بن محمد من إحدى الأميرات النافاريات، وهي ونقة Iniga ابنة فرتون بن غرسية Fortun Garces المعروف بالأنقر، الذي أسره الأمير محمد بن عبد الرحمن، وسجنه في قرطبة لمدة عشرين سنة (42). وكانت ونقة هذه قد تزوجت قبل ذلك من أمير نافاري، هو أزنار بن شانجة Aznar Sanchez، وأنجبت منه إبنة، هي طوطة Toda، التي ستصبح ملكة نافار، وتعاصر عبد الرحمن الثالث، وتفد عليه في سفارة سنة 347 هـ/958 م ساعية إلى عقد معاهدة سلم وصداقة مع قرطبة (43). أما ثمرة زواج الأميرة ونقة الثاني من الأمير عبد الله، فكانت ابناً؛ وهو الأمير محمد والد عبد الرحمن الثالث وبذلك تكون الملكة طوطة عمة الخليفة عبد الرحمن الناصر، لأنها أخت محمد، والد الناصر، من أمه ونقة (44). وتدل هذه المصاهرة على مدى العلاقات المتشابكة التي قامت بين سكان الأندلس وجيرانهم الإسبان في الشمال، مما كان له أثر بارز في احتكاك الشعبين واختلاطهم، وانتقال مظاهر الحضارة فيما بينهم.
(39) انظر: عنان، المرجع السابق: 1/ 219؛ أندلسيات، (2) ص 81.
(40)
انظر: ابن حزم، جمهرة أنساب العرب، ص 502 - 503؛ خليل السامرائي، المرجع السابق، ص 340.
(41)
انظر: العذري ص 31 فما بعدها.
(42)
ابن عذاري: 2/ 97.
(43)
المقري: 1/ 366.
(44)
انظر: أندلسيات (1)، ص 83 - 85.
3 -
العلاقات الحضارية:
لقد كان تداخل المسلمين والمسيحيين مستمراً في إسبانيا في عصر الإمارة والعصور الإسلامية الأخرى اللاحقة، سواء كان ذلك داخل الأندلس ذاتها أم في خارجها مع الإمارات الشمالية. ولم يقتصر هذا التداخل والاحتكاك على فترات السلم فقط، بل شمل فترات الحروب أيضاً. فعندما يتصل شعبان أحدهما بالآخر، فإن الشعب ذا الحضارة الأرقى هو الذي يؤثر على الآخر. وهكذا كانت الحالة بالنسبة للعرب في إسبانيا، فلقد انتقلت حضارتهم إلى الإسبان في الأندلس وفي الإمارات الشمالية بطرق شتى؛ منها الزيارات المتبادلة التي كانت تتم بين الطرفين بقصد الاطلاع أو المتاجرة، ومنها بواسطة العبيد الذين كانوا يهربون من الشمال لضمان حرياتهم، وعندما يعودون إلى بلادهم كانوا يجلبون معهم كثيراً من العادات ومظاهر الحضارة، بل إن بعضهم كان يعود وهو يحمل أسماء عربية أيضاً (45).
وكان لوقوع المناطق العربية الإسلامية بيد الإمارات الإسبانية أثر كبير في الاتصال والاحتكاك بين الطرفين. فعندما كانت تقع إحدى هذه المناطق بأيدي الإسبان لم يكن ذلك يعني توقف وجود المسلمين فيها، بل على العكس كان الكثير منهم يبقون في هذه المناطق محتفظين بعاداتهم وتقاليدهم، ويمارسون طقوسهم الدينية. ومن هؤلاء العديد من أصحاب الحرف والمثقفين، الذين لعبوا دوراً هاماً في نقل العلوم والفلسفة الإسلامية إلى الإسبان في الشمال، ومنها إلى أوروبا. وكان ملوك وأمراء هذه الإمارات الإسبانية يضطرون إلى الاحتفاظ بهؤلاء المسلمين بسبب أهميتهم الاقتصادية للبلاد. وهؤلاء المسلمون الذين استمروا في البقاء في أماكنهم بعد سيطرة الإسبان عليها عرفوا باسم المدجنين Mudejares. وكان موقفهم شبيه بموقف أهل الذمة تحت ظل الحكم العربي الإسلامي. وكانوا، كما أسلفنا، أحراراً في اتباع عقيدتهم الإسلامية، وممارسة حرفهم وتجارتهم، وعليهم مقابل ذلك دفع ضريبة الرأس أو الجزية. لقد كان وجود هؤلاء المدجنين ظاهرة تأريخية مهمة جداً في حياة إسبانيا، أدت إلى خلق بنية اقتصادية، وحضارة مادية وعلمية مشتركة بين المسيحيين والمسلمين، بلغت أوجها في العهود التي أعقبت عهد الإمارة، وبشكل خاص في القرنين الثالث عشر والرابع عشر للميلاد/السابع والثامن للهجرة (46). ومن الجدير بالذكر أن المستعربين، وهم نصارى الإسبان، الذين
(45) The Cambridge Medieval History، vol. III، p. 437.
(46)
W. M. Watt، A History of Islamic Spain، p. 150.
عاشوا مع العرب في الأندلس، ساهموا أيضاً في نقل الحضارة العربية الإسلامية إلى إسبانيا النصرانية، لأن هؤلاء المستعربين بحكم معرفتهم للغتين العربية والإسبانية القديمة كانوا ينتقلون بحرية من أراضي الأندلس إلى الإمارات الإسبانية. وهكذا انتقلت العلوم والفلسفة وكثير من مظاهر الحياة العامة الإسلامية إلى الشمال.
وبالإضافة إلى انتقال هذه التأثيرات، فقد انتقلت أيضاً كثير من التنظيمات القانونية والحربية من الأندلس إلى الإمارات الإسبانية وهذا يوضح لماذا اضطر الإسبان إلى الإبقاء على التنظيمات القائمة في المناطق المسكونة بالمسلمين والتي أعادوا السيطرة عليها. بينما وضعوا أنظمة أخرى لتنظيم الحياة لرعاياهم في هذه المناطق (47).
ومن التأثيرات الأخرى التي تبودلت بين الطرفين، التأثيرات اللغوية، فلقد كانت المصطلحات العربية شائعة في كل من ليون وقشتالة ونافار، وبقية المناطق الأخرى في الشمال. كما دخل في اللغة الرومانسية Romance، وهي اللغة الإسبانية القديمة الناتجة من اللهجة اللاتينية - الآيبيرية، التي كانت في طور التكوين في ذلك الوقت، الكثير من الكلمات والمصطلحات العربية. وكان هناك الكثير من العرب الذي يفهمون هذه اللغة ويتكلمون بها، وبشكل خاص في مناطق الثغور والحدود. وتوجد في مصادرنا العربية إشارات واضحة تدل على أن الأمراء والقضاة وكبار القوم والشعراء كانوا يتكلمون هذه اللغة الإسبانية القديمة أو الرومانسية إلى جانب اللغة العربية، وذلك على كل مستويات المجتمع وحتى في قصور الأمراء الأندلسيين (48). وفي الوقت نفسه كان هناك العديد من الإسبان الذين لهم إلمام ومعرفة باللغة العربية.
ويبدو الأثر العميق الذي مارسته الثقافة العربية الأندلسية على السكان الإسبان في كل شبه الجزيرة الآيبيرية من ملاحظة الاستعارات اللغوية التي أخذتها اللغة الإسبانية من اللغة العربية. فلقد وجدت اللغة الإسبانية نفسها، كما يقول المستشرق الفرنسي ليفي بروفنسال (49)، " مضطرة طيلة مرحلة نموها، وحتى القرن الحادي عشر الميلادي (السابع الهجري)، على الأقل، أن تأخذ من العربية كل ما ينقصها حتى ذلك الوقت للتعبير عن المفاهيم الجديدة وبخاصة في مضمار المؤسسات والحياة الخاصة ". وهناك أمثلة لا حصر لها تشمل مئات عديدة من الكلمات والمفردات ذات الأصل العربي في مجال
(47) The Cambridge Medieval History، vol. III، pp. 437-438.
(48)
انظر: ابن عذاري: 2/ 227؛ العبادي، المرجع السابق، ص 172.
(49)
حضارة العرب في الأندلس، ترجمة ذوقان قرقوط، مكتبة الحياة، بيروت، ص 81.
التنظيم المدني أو العسكري لدى إسبانيا في العصور الوسطى أو في العصر الحديث.
يضاف إلى ذلك مصطلحات أخرى تشمل أسماء الأمكنة والأنهار والظواهر الجغرافية، وطرق وأساليب الري، وأسماء الفاكهة والأزهار والألوان والملابس (50). وتعد هذه الاستعارات اللغوية أفضل من جميع الوثائق التاريخية لأنها تبرز الإشعاع الحضاري الحقيقي الذي سلطته الأندلس على إسبانيا المسيحية. وهي أكثر من جميع الأدلة إفصاحاً على سيادة العرب الثقافية، سيادة لا جدال فيها عمت شمال شبه الجزيرة الآيبيرية (51).
ولم يقتصر أثر العرب الحضاري على الإمارات الإسبانية في الشمال على النواحي الثقافية واللغوية حسب، بل شمل مجالات أخرى، منها الفنون، وخاصة فن العمارة والبناء الذي نقله المدجنون، وظهر في إسبانيا منذ بداية القرن التاسع الميلادي/الثالث الهجري، وظل فيها بصورة نهائية تقريباً (52). ويتميز هذا الفن، وبشكل خاص في الكنائس، بوجود القباب التي ترتفع فوق أقواس على شكل حدوة حصان. ومن جملة الأبنية الأخرى غير الدينية التي تأثرت بالفن العربي، الجسور والأقنية المائية المعلقة، ونواعير المياه وغيرها. كذلك يظهر تأثير المسلمين على إسبانيا في تطور الفنون الأخرى الصغرى، مثل صناعة العاج، والمصنوعات الذهبية والزجاجية والخزفية والتطريز. وظلت هذه الصناعات مستمرة في المدن التي استعادها الإسبان وإلى وقت لاحق بعد عصر الإمارة، بل حتى خروج العرب من الأندلس. وذلك لأن إشعاع الحضارة الأندلسية الذي بلغ أقصى اندفاعه في القرن العاشر الميلادي/الرابع الهجري، لم يتلاشى بل امتد حتى سقوط الأندلس شاملاً جميع أجزاء شبه الجزيرة. ولم يقف ملوك وأمراء الإسبان ضد هذا التيار، بل شجعوه، وتبنوا هم أنفسهم شتى المبتكرات المستقاة من مظاهر الحضارة العربية الإسلامية المجاورة. وإن قيام بعض ملوك الإسبان في وقت لاحق بضرب عملاتهم وهي تتضمن وجهين، عربياً وقشتالياً، وارتدائهم الملابس على الطريقة الإسلامية، ليدل على مدى العمق الذي تغلغلت فيه الحضارة العربية الإسلامية في نفوس الإسبان وعلى أعلى المستويات (53).
(50) انظر: لطفي عبد البديع، الإسلام في إسبانيا، القاهرة، 1958، ص 112 - 116.
(51)
ليفي بروفنسال، حضارة العرب في الأندلس، ص 81 - 85.
(52)
عن فن العمارة في الأندلس، انظر: مانويل جوميث مورينو، الفن الإسلامي في إسبانيا، ترجمة: د لطفي عبد البديع ود. السيد محمود عبد العزيز سالم، القاهرة، 1977.
(53)
انظر: المرجع نفسه، ص 86، 88 - 90؛ وانظر أيضاً: لطفي عبد البديع، المرجع السابق، ص 98 - 101.