الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفَصْلُ الثَّانِي
أعمال الأمراء الأمويين في تثبيت السلطة والاستقرار
ابتدأ عهد الإمارة في الأندلس بانتصار عبد الرحمن بن معاوية في معركة المصارة، ولم تعد الأندلس تتبع الخلافة الإسلامية في المشرق كما كانت في عهد الولاة. بل أصبحت إمارة مستقلة سياسياً حكمها عبد الرحمن وذريته من بعده. وكان كل واحد من حكامها يسمى أميراً. أما عبد الرحمن، فقد لقب ب (الداخل)، لأنه أول من دخل الأندلس وحكمها من بني أمية. كما يعرف أيضاً باسم عبد الرحمن الأول، تمييزاً له عن أميرين آخرين حكما الأندلس باسم عبد الرحمن، وهما عبد الرحمن الثاني أو الأوسط، وعبد الرحمن الثالث الناصر لدين الله. أما من الناحية الروحية، فقد استمر عبد الرحمن الأول لفترة قصيرة من الزمن بالخطبة والدعاء للعباسيين في المشرق، لكنه لم يلبث أن قطع الدعاء لهم، بعد أن أشار عليه عبد الملك بن عمر المرواني بذلك. وذكره بسوء صنيع العباسيين ببني أمية. ويذكر المقري أن عبد الرحمن تردد أول الأمر، لكنه قطع الدعاء حين هدده المرواني المذكور بالانتحار إذا لم يقطع الخطبة للخليفة أبو جعفر المنصور، فقطعها عبد الرحمن بعد أن خطب باسمه عشرة أشهر (1).
ولكن عبد الرحمن وإن كان قد قطع الخطبة للعباسيين، إلا أنه لم يلقب نفسه خليفة، واكتفى بأن أضاف إلى اسمه لقب (ابن الخلائف). ويعود السبب في عدم تلقبه بلقب خليفة، لأنه وخلفاءه كانوا يشعرون بأن الخلافة الإسلامية واحدة لا تتعدد، وأن الخليفة الشرعي للمسلمين، الملقب بأمير المؤمنين، لا يكون إلا لمن يملك الحجاز والشام والعراق، والمواطن التي هي ديار العرب ومراكز الدولة، وأهل الملة والفتح (2). ويضيف
(1) المقري: 3/ 59؛ وانظر أيضاً: ابن حزم، نقط العروس، تحقيق: د. شوقي ضيف، مجلة كلية الآداب (جامعة القاهرة)، المجلد 13، العدد 2، (1951)، ص 75؛ الحلة السيراء؛ 1/ 35؛ العبادي، في تاريخ المغرب والأندلس، ص 102.
(2)
ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، نشر دار إحياء التراث العربي، بيروت، ص 228؛ وقارن: =
بعض المؤرخين إلى اسم عبد الرحمن لقب إمام (3)، وهو أيضاً لقب ديني، لكن يبدو أنه لم يكن لقباً رسمياً يستعمل بالمفهوم الذي يعنيه لقب الخليفة. واستمر خلفاء عبد الرحمن الأول على هذا الحال حتى مجيء عبد الرحمن الثالث، الذي أعلن الخلافة الأموية في الأندلس، وتلقب بلقب أمير المؤمنين سنة 316 هـ/929 م، كما سنرى فيما بعد.
وقد نقل عبد الرحمن الأول صيغة الحكم الوراثي إلى الأندلس، وذلك بنقل السلطة إلى أولاده وأحفاده من بعده. وقد صاحب هذه العملية بعض المشاكل، لكنها لم تكن تضاهي ما كان يحصل في المشرق الإسلامي، أمور خطيرة نجمت عن اتخاذ هذا النظام. ويبدو أن عبد الرحمن الأول قد فشل في إيجاد نظام بديل لولاية العهد وتوفي سنة 172 هـ/ 788 م دون أن يتوصل إلى قرار حاسم لهذا الأمر. وتشير الروايات إلى أنه تردد في إسناد ولاية العهد إلى ابنه الأكبر سليمان الذي ولد في الشام، ثم لحق بأبيه إلى الأندلس وأصبح أخيراً حاكماً على مدينة طليطلة، أو إلى ابنه الآخر هشام المولود في الأندلس من جارية اسبانية، وتولى شؤون مدينة ماردة. ويزعم بعض المؤرخين أن عبد الرحمن طلب من ابنه الثالث عبد الله المعروف بالبلنسي، أن يسلم الإمارة، في حالة وفاته، إلى من يسبق من الأخوين في الدخول إلى قرطبة، قائلاً:" فإن سبق إليك هشام، فله فضل دينه، وعفافه، واجتماع الكلمة عليه؛ وإن سبق إليك سليمان، فله فضل سنه، ونجدته، وحب الشاميين له "(4). فقدم هشام قبل سليمان، فنال الإمارة ودخل القصر. ولا يعقل، بطبيعة الحال، أن يترك عبد الرحمن ولاية العهد بهذا الشكل، وهو رجل الدولة القوي الذي أقام أركان الدولة الأموية بالأندلس ولا بد أنه عين الأمير هشام لهذا المنصب قبل وفاته. ولكن سليمان لم يعترف بهذا الأمر، فثار في طليطلة، وقامت الحرب بين الأخوين، وانضم الأخ الثالث عبد الله البلنسي إلى سليمان. وقد انتهت الأزمة بهزيمة سليمان وعبد الله، ونفيهما إلى المغرب. وقد تجددت المشكلة حين وفاة هشام سنة 180هـ/796 م، وتولي ابنه الحكم الأول، فرجع عماه سليمان وعبد الله، وثارا مرة ثانية مطالبين بالإمارة. وانتهت ثورتهما هذه المرة أيضاً بالفشل وبمقتل سليمان سنة 184هـ/800 م. أما عبد الله، فقد اضطر إلى عقد الصلح مع ابن أخيه الحكم الذي عفا عنه وحدد إقامته في مدينة بلنسية، ومن هنا صار يعرف بالبلنسي (5).
= العبادي؛ المرجع.، ص 103.
(3)
العذري، ص 11؛ ابن عذاري: 2/ 54.
(4)
ابن عذاري: 2/ 61؛ ابن الخطيب، أعمال الأعلام، تحقيق: ليفي بروفنسال، القسم الخاص بإسبانيا، بيروت، 1956، ص 11.
(5)
انظر ابن عذاري. 2/ 62 - 63، 70 - 71.
وقد استمر نظام ولاية العهد في الأندلس في عهد الإمارة بعد ذلك يسير دون مشاكل، فعهد الحكم بن هشام إلى ابنه عبد الرحمن بولاية العهد، فانتقلت إليه الإمارة دون ضجة أو معارضة. ثم تولى بعد عبد الرحمن الثاني أو الأوسط ابنه الأمير محمد بن عبد الرحمن الذي انتقلت الإمارة إلى اثنين من أبنائه، وهما المنذر بن محمد الذي حكم سنتين تقريباً، وعبد الله بن محمد الذي حكم نحو خمس وعشرين عاماً. وعهد الأمير عبد الله بالحكم من بعده إلى أحد أحفاده، وهو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله، الذي حكم نحو نصف قرن، وفي عهده أعلنت الخلافة، وابتدأ عهد جديد من عهود العرب في الأندلس، وفيما يأتي ثبت بأسماء الأمراء الأمويين في الأندلس:
1 -
عبد الرحمن الأول (الداخل)
138 -
172هـ/755 - 788 م
2 -
هشام الأول
172 -
180هـ/788 - 796 م
3 -
الحكم الأول
180 -
206هـ/796 - 822 م
4 -
عبد الرحمن الثاني (الأوسط)
206 -
238هـ/822 - 852 م
5 -
محمد الأول
238 -
273 هـ/852 - 886 م
6 -
المنذر بن محمد
273 -
275هـ/886 - 888 م
7 -
عبد الله بن محمد
275 -
300 هـ/888 - 912 م
محمد (والد عبد الرحمن الناصر)
لم يحكم
8 -
عبد الرحمن الثالث (الناصر)
300 -
350هـ/912 - 961 م
وفي عهده أعلنت الخلافة العربية الإسلامية في الأندلس عام 316 هـ/928 م
لم يكن هؤلاء الأمراء جميعاً على مستوى واحد من القدرة والتمكن من الاضطلاع بشؤون الحكم، فقد تميز منهم عدة أمراء، كان لهم دور كبير في مرحلة التأسيس والتوطيد لهذا العهد، نخص بالذكر منهم الأمير عبد الرحمن الأول، وكل من ابنه هشام الأول، وحفيده الحكم الأول. كما امتاز الأمير عبد الرحمن الثاني بنبوغه وحكمته في إرساء القواعد التي وضعها عبد الرحمن الأول، ووصل بالبلاد إلى حقبة تميزت بالاستقرار والازدهار السياسي والحضاري والاقتصادي. وقد انشغل الأمراء الآخرون بالفتن والثورات التي كانت تقوم على الدولة من قبل مختلف الجماعات والشرائح الاجتماعية التي تعيش في البلاد. فقضوا سنوات حكمهم في صراع مرير لتحقيق وحدة البلاد، ومن هؤلاء الأمراء، الأمير محمد بن عبد الرحمن، وبشكل خاص في السنوات الأخيرة من حكمه، وكذلك ابنيه الأميرين المنذر وعبد الله. وسنحاول فيما يأتي التعرف على أهم إنجازات الأمراء بوجه عام في سبيل تثبيت السلطة والاستقرار، على الصعيدين الداخلي والخارجي.
أ - إنجازات الأمراء لتثبيت السلطة الأموية على الصعيد الداخلي:
1 -
محاولة تغيير مفهوم الحكم وإحلال سلطة الدولة محل سلطة القبيلة:
كانت السلطة في عهد الولاة قبلية، وعلى الرغم من وجود والٍ أو أمير للبلاد، لكن كل قبيلة كانت تخضع لزعيمها، الذي يسعى للحصول على المصالح والامتيازات له ولأفراد قبيلته، ويتصرف مع بقية العشائر والقبائل وفقاً لهذه السياسة. وكانت بعض القبائل عندما تنفرد بالسلطة تنكل بغيرها من القبائل. ولقد رأينا فيما سبق موقف الصميل ويوسف من بقية القبائل اليمنية، لا سيما بعد انتصارهما عليها في معركة شقندة. ومن هنا، فقد كان من أهم أهداف سياسة عبد الرحمن الأول، السيطرة القوية على البلاد، والتقليل من نفوذ رجال القبائل، وإحلال سلطة الدولة ممثلة بالأمير محل سلطة القبائل. وبما أن سلطة الدولة كانت فوق سلطة القبائل ومنازعاتها، لهذا نرى الأمير عبد الرحمن يقف موقفاً حازماً إزاء مؤيديه حينما حاولوا خلق جو من الفوضى والانتقام من المهزومين في معركة المصارة، وذلك بنهب العاصمة قرطبة. وقد ازدادت شكوك عبد الرحمن الأول في جدوى الاعتماد على رجال القبائل وزعمائهم، عندما اكتشف مؤامرتهم للتخلص منه في الساعات الأولى بعد انتصاره على يوسف والصميل.
ففكر في تأسيس أول جهاز للشرطة للدولة الجديدة، وأحاط نفسه بالمؤيدين من موالي الأمويين، كما عهد إلى أقربائه، وبعض القادة الموالين من الأجناد بالمناصب الحساسة في البلاد. ونظراً لقلة هؤلاء المؤيدين في أول الأمر، اضطر عبد الرحمن إلى
أن يكيف نفسه للظروف، ويسترضي قادة القبائل، وبشكل خاص اليمنيين، فعين زعيمهم أبا الصباح اليحصبي حاكماً على مدينة إشبيلية. ولكن عبد الرحمن كان يخطط للتخلص نهائياً من نفوذ هؤلاء الزعماء، ولا يمكن أن يتم هذا الأمر إلا بخلق قوة جديدة في البلاد، تحل محل قوة رجال القبائل العرب. وبالفعل، فقد اتجه عبد الرحمن إلى تشجيع البربر على الانخراط في جيشه، ودعا الكثير منهم من شمال أفريقيا، وعاملهم بكرم زائد. وقد شجع هذا الموقف الذي اتخذه عبد الرحمن من البربر، المزيد من إخوانهم الآخرين للعبور إلى الأندلس والخدمة كقوة أساسية في جيشه. كما اشترى بالإضافة إلى هؤلاء الكثير من العبيد، حتى يقال أن عدد جيشه من هذين العنصرين بلغ نحو أربعين ألف رجل. وربما كان في هذا الرقم نوع من المبالغة، لكنه يشير دون شك إلى ازدياد اعتماد النظام الجديد على هذه القوة الفتية (6).
وكان من جملة المماليك الذين اشتراهم عبد الرحمن، سودانيون، وقد وضع لهم الأمير عرافة خاصة بهم تسمى بعرافة السود (7). وهكذا تعددت الأصول التي يتألف منها جيش الأندلس، ولم يعد الأمير يعتمد على العنصر العربي فقط. ومع هذا، فقد ظل الجند العربي في الأندلس قوة أساسية، وكان يتألف من فئتين رئيستين: الشاميين والبلديين، ولكل منهما نظام دقيق في العطاء ذكره لنا المؤرخ ابن الخطيب في كتابه " الإحاطة في أخبار غرناطة "، بتفصيل مفيد (8). وقد حاول عبد الرحمن أن يستفيد من هذا الجند، إضافة إلى ما استحدثه من عناصر أخرى، فثبت من بقي على ولائه له. لكنه ألغى ديوان من ثاروا عليه، وأسقط لواء جندهم، كما فعل بجند باجة الذي ثار عليه بقيادة العلاء بن مغيث، فقاتله عبد الرحمن وهزمه، ثم أسقط الجند كله من الديوان، وحمل هو لواءه (9). أما تنظيم فرق الجيش في عهد عبد الرحمن، فكان بسيطاً يتألف من فرقتين، هما فرقة الفرسان، وفرقة الرجالة (10).
ولقد سار الأمير الحكم بن هشام، على خطى جده في تثبيت النظام والاستقرار، والاستكثار من الجند والمماليك. فيشير بعض المؤرخين إلى الحكم على أنه أول من جند
(6) أخبار مجموعة، ص 108، فتح الأندلس، ص 66 - 67؛ المقري: 3/ 36 - 37.
(7)
أخبار مجموعة، ص 109.
(8)
الإحاطة: 1/ 104 - 105.
(9)
الحميري، ص 36.
(10)
أخبار مجموعة، ص 109؛ وقارن أحمد بدر، المرجع السابق، ص 104 - 105.
الأجناد، واتخذ العدة، ويصفونه بأنه كان أفحل أمراء بني أمية بالأندلس، وأشدهم إقداماً ونجدة، وكانوا يشبهونه أيضاً بأبي جعفر المنصور العباسي في شدة الملك وتوطيد الدولة وقمع الأعداء. وقد أكثر من شراء الأسلحة وتوفيرها للجند، كما اشترى أعداداً كبيرة من العبيد والمماليك يقدر عددهم بنحو خمسة آلاف مملوك، منهم ثلاثة آلاف فارس وألفا راجل. ولما كان هؤلاء المماليك لا يعرفون اللغة العربية ولا يقدرون على النطق بها، فقد سموا بالخرس لعجمتهم (11). وجعل الحكم من هؤلاء حرساً له، كما قسمهم إلى سرايا خفيفة حتى تستطيع الحركة السريعة للقضاء على المتمردين على الدولة. ويذكر مؤلف كتاب " أخبار مجموعة " أنه كانت للحكم ألفا فرس مربوطة إزاء قصره المطل على نهر الوادي الكبير، ويجمعها داران، على كل دار عشرة عرفاء، تحت يد كل عريف مئة فرس.
وكان العرفاء يشرفون عليها وعلى علفها، حتى تكون مستعدة دوماً لكل ما يطرأ من أمور، فتتوجه على الفور، بأمر من الأمير، للقضاء على أية حركة معادية، أو للقبض على من تسول له نفسه القيام على الدولة (12). وهكذا استطاع هذا الأمير، ومن خلفه من الأمراء أن يثبتوا السلطة والاستقرار في البلاد، ويحموها من مخاطر المتمردين والطامعين.
2 -
محاولة الحفاظ على وحدة الأمة الروحية:
كانت الحياة الدينية في الأندلس في الفترة الأولى متأثرة ببلاد الشام، فقد اعتنق أهل الأندلس مذهب الإمام عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، إمام الشام المتوفى سنة 157 هـ/773 م. وكان هذا الإمام من المجاهدين المرابطين في مدينة بيروت ضد العدو البيزنطي. ومن هنا، فقد كان مذهبه يركز على التشريعات الحربية، وأحكام الحرب والجهاد. وكانت هذه الأمور تناسب وضع أهل الأندلس في الفترة الأولى، حيث كان وضعهم في هذه البلاد قائماً على الحرب والجهاد، ولهذا اعتنقوا مذهب الأوزاعي (13).
ومن العلماء الذين ساروا بالأندلس على نهج الأوزاعي، صعصعة بن سلام الشامي المتوفى سنة 202 هـ/817 م. وكان تلميذاً للأوزاعي، وعليه كانت تدور الفتيا بالأندلس أيام الأمير عبد الرحمن بن معاوية، وصدراً من أيام هشام بن عبد الرحمن، وولي الصلاة بقرطبة، وفي أيامه غرست الشجر في مسجد قرطبة الجامع، وهذا على مذهب الأوزاعي (14).
(11) المقري: 1/ 340 - 342.
(12)
أخبار مجموعة، ص و 129 - 130.
(13)
قارن: أحمد مختار العبادي، المرجع السابق، ص 114.
(14)
ابن الفرضي، تاريخ علماء الأندلس، ق 1، ص 203، ترجمة (610).
ولكن أهل الأندلس بدأوا باعتناق مذهب الإمام مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، المدينة المنورة، المتوفى سنة 179هـ/795 م، وذلك منذ أيام الأمير هشام بن عبد الرحمن. وقد انتقلت الفتوى تبعاً لذلك إلى رأي مالك بن أنس، وانتشر علمه ورأيه في قرطبة والأندلس جميعاً، بل في شمال أفريقيا أيضاً. وقد وضع الإمام مالك في المدينة كتاباً في الفقه والحديث سماه (الموطأ) أي السهل الواضح. ثم ذاع صيت هذا الإمام، وانتشر كتابه في العالم الإسلامي، وأقبل الأندلسيون على اعتناق مذهبه. أما كيفية وصول هذا المذهب إلى الأندلس، فترجع إلى جهود بعض الفقهاء ورجال العلم الذين كانوا يرحلون إلى الحج في الحجاز، وهناك يلتقون بالإمام مالك، ويأخذون عنه علمه ومذهبه. وعندما رجع هؤلاء إلى بلدهم وصفوا فضل مالك وسعة علمه وجلالة قدره، فانتشر رأيه وعلمه بالأندلس. وكان رائد هذه الجماعة رجل يدعى زياد بن عبد الرحمن ابن زياد اللخمي المعروف بـ (شبطون)، توفي في حدود سنة 204 هـ/819 م، وهو الذي كان فقيه الأندلس على مذهب مالك، وهو أول من أدخل موطأ مالك إلى الأندلس، وأخذ عنه تلميذه يحيى بن يحيى الليثي (15). وكان هذا الأخير المتوفى سنة 234 هـ/848 م يلقب بعاقل الأندلس، ويروى أن الإمام مالك هو الذي لقبه بهذا اللقب. فقد ارتحل يحيى إلى المدينة ولازم الإمام مالك للدراسة، فبينما هو عنده في مجلسه، مر فيل في شوارع المدينة، فخرج جميع الطلبة لمشاهدته، وبقى يحيى بن يحيى في مكانه لم يخرج، فقال له الإمام مالك:" ما لك لم تخرج لتنظر الفيل وهو لا يكون في بلادك؟ فقال له: لم أرحل لأبصر الفيل، وإنما رحلت لأشاهدك وأتعلم من علمك وهديك. فأعجبه ذلك منه، وسماه عاقل الأندلس "(16).
أما على الصعيد الرسمي، فقد استهوى مذهب مالك، كما يُروى، الأمير هشام بن عبد الرحمن الذي نقل إليه بعض الأندلسيين ثناء وإعجاب مالك بن أنس به ومدحه له بقوله: نسأل الله أن يزين موسمنا به، أو نسأل الله أن يزين حرمنا بملككم. ولهذا فقد حمل هشام الناس على مذهب الإمام مالك، وترك مذهب الأوزاعي (17). وبطبيعة الحال، لا يمكن لمذهب من المذاهب أن ينتشر في بلد ما لمجرد الإعجاب المتبادل بين إمام المذهب وأمير البلد، ولا بد أن تكون هناك عوامل أخرى سياسية واجتماعية ونفسية ساعدت على انتشار مذهب الإمام مالك في الأندلس.
(15) المصدر نفسه، قسم 1، ص 154 - 155 رقم (458)؛ المقري: 2/ 45 - 46، 3/ 230.
(16)
الحميدي، جذوة المقتبس، ص 382 - 383، رقم (909)؛ المقري: 2/ 9.
(17)
انظر: ابن القوطية، ص 43؛ أخبار مجموعة، ص 120؛ المقري: 3/ 230.
فلقد قامت الإمارة الأموية مستقلة عن المشرق، وبشكل خاص عن الدولة العباسية التي كان مذهبها الرسمي هو المذهب الحنفي. ويبدو أن تآلفاً في الموقف إزاء الدولة العباسية جمع بين مالك بن أنس والأمير هشام بن عبد الرحمن. فقد كان الإمام مالك لا يميل إلى العباسيين، حتى أنه أفتى ضدهم لصالح انضمام الناس إلى ثورة محمد ذو النفس الزكية. وقد أدت فتواه إلى غضب الخليفة أبو جعفر المنصور، ووالي المدينة الذي ضربه بالسياط. ولهذا فاعتناق أهل الأندلس، وأميرهم بشكل خاص لمذهب مالك يحمل بعداً سياسياً، ويحقق لهم النزعة الاستقلالية عن غيرهم من البلدان، ويؤكد شخصيتهم المتميزة.
ومن ناحية أخرى، فقد كان لطبيعة أهل الأندلس والمغرب أثر في تقبلهم لمذهب مالك وعزوفهم عن غيره. وذلك أن هذه الطبيعة كانت تتميز بالبساطة والبعد عن التعقيد، وهي لهذا تشبه طبيعة أهل الحجاز الذين تغلب عليهم نزعة أهل الحديث والاعتماد على مذهب مالك الذي يتقيد بنصوص القرآن والحديث، ولا يلجأ إلى استعمال الرأي والقياس إلا في حدود ضيقة. وهذا على عكس البيئة العراقية التي تتميز بالتعقيد، لأنها تضم أجناساً متعددة ومللاً مختلفة، مما أدى إلى ظهور قضايا ومشاكل جديدة لا تنطبق عليها النصوص، وتحتاج إلى الاجتهاد والاستنتاج العقلي، والقياس، وعلى هذه الأسس يقوم المذهب الحنفي، ويعرف اتباعه بأهل الرأي والقياس. أما عقلية أهل الأندلس فكانت تغلب عليها نزعة أهل الحديث، ولهذا اعتمدوا أولاً على مذهب الأوزاعي، وهو من أنصار مدرسة الحديث، ثم اعتمدوا بعد ذلك على مذهب مالك الذي يسير في هذا الاتجاه، ويعرف أصحابه بأهل الحديث.
وهناك عامل آخر ربط أهل الأندلس بأهل الحجاز أكثر مما ربطهم بأهل العراق.
ذلك أن معظم العرب الفاتحين للأندلس كانوا من أصل حجازي، وخاصة أولئك الذين جاءوا مع موسى بن نصير. أما البقية فهم من بلاد الشام ومصر، أي الذين دخلوا مع بلج بن بشر. ولم يكن في هذه الجيوش من ينتمي إلى أهل العراق. ومن هنا، فقد كان من الطبيعي أن يحاول هؤلاء الحجازيون الاتصال بأهاليهم وذويهم والعودة لأداء فريضة الحج، وقد ساعد هذا الأمر على اتصالهم بالإمام مالك والتعرف على مذهبه.
وعلى أية حال، فإن انتشار مذهب مالك، وتمسك الأمراء الأمويين به سواء بقصد الإعجاب به وتفضيله على غيره من المذاهب أم لتأكيد شخصيتهم الاستقلالية، أدى إلى نوع من الاستقرار في البلاد. لأن سياسة المذهب الواحد هذه جنبت الثغور الإسلامية، ورجال القبائل بشكل عام شرور الفتن المذهبية، وحفظت لها سلامتها ووحدتها الروحية. واستمرت الأندلس طيلة عهد الإمارة، بل طيلة العهود الإسلامية الأخرى
تعتنق هذا المذهب، وتتمتع بالاستقرار الروحي، الذي شمل أيضاً ممالك شمال أفريقيا.
ولا تزال بلدان هذه المنطقة تحتفظ باعتناقها لهذا المذهب لحد الوقت الحاضر. ولقد أثر اتخاذ العرب في الأندلس لسياسة المذهب الواحد على الممالك المسيحية المجاورة التي قامت في إسبانيا. فقد اتبعت هى الأخرى سياسة المذهب الديني الواحد واقتصرت على المذهب الكاثوليكي، وتعصبت له، فأصبحت أكثر تمسكاً وتعصباً للبابوية الكاثوليكية من البابا نفسه (18).
3 -
القضاء على الثورات والفتن الداخلية:
تعرض عصر الإمارة الأموية إلى العديد من الثورات والفتن الداخلية التي كانت تقوم بها مختلف العناصر التي تألف منها المجتمع الأندلسي الجديد. واشترك في هذه الفتن الفاتحون الذين كانوا يتألفون من القبائل العربية والبربر، كما ساهم فيها أيضاً أهل البلاد الأصليون، سواء منهم من دخل الإسلام كالمولدين، أم من بقي على دينه وتثقف بالثقافة العربية كالمستعربين ولم تندمج هذه الأجناس المختلفة بعضها ببعض، ولهذا فقد كانت الأمور تتوقف على مدى قوة وصلابة الأمراء والحكومة المركزية في قرطبة، فإذا قويت هذه الحكومة، أمكن السيطرة على هذه الأجناس، والقضاء على ما تقوم به من تمرد على السلطة. أما إذا ضعفت الحكومة المركزية، وتولى الإمارة أمير غير حازم، نشطت هذه الجماعات، وقامت بالتمرد ومحاولة الاستقلال عن الإمارة الأموية. وكانت طبيعة البلاد الجغرافية الجبلية تساعد هذه الفئات على ما تريد من التمرد والانشقاق ومحاولة الاستقلال، وسوف نتطرق فيما يأتي إلى أهم الثورات والفتن التي حدثت في عهد الأمراء الأقوياء الأوائل، ومن ثم نشير إلى الفتن والاضطرابات التي سادت أواخر عصر الإمارة، أي في الحقبة التي تميزت بضعف سلطة الحكومة الأموية والتي امتدت من وفاة الأمير عبد الرحمن الثاني في سنة 238 هـ/852 م إلى سنة 300 هـ/912 م حيث تولى الحكم عبد الرحمن الثالث الناصر لدين الله.
أولاً - ثورة القبائل العربية في عهد عبد الرحمن الأول:
لقد سبقت الإشارة إلى أن سياسة عبد الرحمن الأول الرئيسة كانت تهدف إلى السيطرة القوية على البلاد، والحد من نفوذ رجال القبائل العرب. ولهذا حاول التقليل من الاعتماد عليهم، وخلق قوة جديدة في شبه الجزيرة تعتمد على المماليك والبربر القادمين من شمال أفريقيا. وعندما أدرك رجال القبائل اليمنيون وحلفاؤهم من البربر ما
(18) انظر: العبادي، المرجع السابق، ص 121 - 125.
يرمي إليه عبد الرحمن ازدادت مخاوفهم من النظام الجديد، وابتدأوا بالثورة عليه. يضاف إلى هذا، إن مجيء عبد الرحمن إلى الحكم لم يحقق لهم ما كانوا يصبون إليه من السلطان والامتيازات، والتسلط على المنهزمين من جماعة يوسف الفهري والصميل.
وتبين لهم أن الأمير الجديد عدهم أداة للوصول إلى الحكم، ومن ثم عاملهم معاملة الأتباع الذين عليهم واجب الطاعة فقط. فكره شيوخ اليمنيين ذلك، بل إن بعضهم حاول الانقلاب على الأمير ومواليه بعد انتصاره مباشرة في معركة المصارة، كما أسلفنا.
وكان أول من رفع راية العصيان من اليمنيين على عبد الرحمن الأول هو العلاء بن مغيث الجذامي (19)، رئيس جند مصر في باجة، جنوب البرتغال الحالية، في سنة 146 هـ/763 م. وتروي المصادر العربية، أن الخليفة العباسي أبا جعفر المنصور، كان وراء هذا العصيان، فحرض العلاء على التمرد، واسترداد الأندلس للخلافة العباسية ووعده بإمارة الأندلس إن هو تمكن من النجاح والانتصار على عبد الرحمن بن معاوية. وقد أرسل له سجل تعيينه على البلاد، والرايات السوداء، شعار العباسيين، لاتخاذها أعلاماً للثورة (20). وعلى الرغم من هذا، لا يمكن للمرء أن يركن إلى هذه الروايات، لأن الخلافة العباسية لم تكن مستعدة لذلك، وأبو جعفر المنصور بالذات، كان مشغولاً في ذلك الوقت بحل المشاكل العديدة التي كانت تواجهه في المشرق العربي، وليس من المعقول أن يفكر بإرسال جند أو بالتأييد العسكري لمغامرة بعيدة جداً عن مركز دولته في العراق. يضاف إلى ذلك، أن العباسيين لم يكونوا مسيطرين حتى ذلك الحين على المغرب العربي، وكانت سلطتهم مهزوزة في أفريقية، أي تونس الحالية، فكيف يفكرون بالاستيلاء على الأندلس البعيدة. ولكن هذا لا يعني أن المنصور لم يظهر الرضى عمن يدعو باسمه في الأندلس أو في غيرها. وأغلب الظن أن العلاء بن مغيث دعا من تلقاء نفسه إلى الخلافة العباسية تقوية لحركته وإظهاراً لقدسيتها ولجمع أكبر عدد ممكن من الناقمين على نظام الحكم والمؤيدين لإحداث التغيير في البلاد. وقد انضم إلى الثورة أعداد كبيرة من اليمنيين، وجميع العناصر الساخطة على حكم عبد الرحمن، فتضخم جيش العلاء. وسارع عبد الرحمن لمحاربته، لكن العلاء انتصر عليه وحاصره في مدينة قرمونة لمدة شهرين. وأخيراً تشجع الأمير وخرج بجنوده من هذه المدينة، وهو ينوي الانتصار أو الموت، فانقضوا على جند العلاء وقتلوا منهم عدداً كبيراً بضمنهم العلاء نفسه. وتزعم الروايات أن عبد الرحمن أمر بحمل رأس العلاء ورؤوس بعض كبار
(19) يسميه بعض المؤرخين أيضاً باليحصبي، وبالحضرمي تارة أخرى.
(20)
انظر: ابن القوطية، ص 32 - 33؛ أخبار مجموعة، ص 101 - 102، ابن عذاري: 2/ 52.
مؤيديه، بعد أن حشيت بالملح والكافور، إلى القيروان حيث طرحت ليلاً في بعض أسواقها. وقد وصل خبر هذا الحادث إلى أبي جعفر المنصور، وقيل أن الرؤوس حملت من قبل بعض الحجاج إلى مكة حيث كان المنصور يؤدي مراسيم الحج، فانزعج من هذا الأمر، وقال:" الحمد لله الذي جعل بيننا وبين مثل هذا -يقصد عبد الرحمن بن معاوية- من عدونا بحراً "(21). ولقد لقب المنصور على أثر هذا الحادث، الأمير عبد الرحمن بن معاوية، بلقب " صقر قريش " وذلك اعترافاً منه بقوة وعزيمة هذا الأمير الذي استطاع أن يؤسس بمفرده دولةً، ويمصر الأمصار، ويجند الأجناد، ويدون الدواوين، وينال مُلكاً بعد انقطاعه بحسن تدبيره وشدة شكيمته (22).
وبعد نحو ثلاث سنوات على فشل حركة العلاء بن مغيث، ثار قائد عربي آخر يدعى سعيد اليحصبي المطري في نبلة Niebla انتقاماً لدماء الذين قتلوا مع العلاء. وقد انضم إليه عدد كبير من اليمنيين، فسار إلى إشبيلية واستولى عليها، ثم نزل بقلعة رعواق الواقعة على نهر الوادي الكبير بالقرب من إشبيلية وتحصن بها. فسار إليه عبد الرحمن وحاصره واضطره إلى الخروج والقتال، وكانت النتيجة مقتل قائد الثورة والعديد من أتباعه وتفرق الباقين حيث عفا عنهم الأمير عبد الرحمن. وفي هذا العام نفسه أي 149 هـ/766 م، ثار أبو الصباح بن يحيى اليحصبي. وكان الأمير قد ولاه على إشبيلية، بعد قيام الإمارة الأموية، لكنه كان يشك في ولائه منذ دعوته للإطاحة به بعد انتهاء معركة المصارة. ولهذا فقد عزله بعد فشل ثورة المطري، فنقم عليه أبو الصباح، فكاتب الأجناد وألّبهم على عبد الرحمن. وعندما تبين للأمير عظم نفوذ أبي الصباح وقوته وتأثيره على الأجناد، حاول التفاوض معه واستدراجه بالحيلة إلى قرطبة حيث قتله في العام نفسه، فتفرق جنده " (23).
وقد كان لمقتل أبي الصباح أثر بالغ على القبائل اليمنية في غرب الأندلس، لأنه كان سيد عرب هذه المناطق، وكان أقرباؤه زعماء لكور متعددة فيها. فازدادت نقمتهم على عبد الرحمن، وتحينوا الفرص للثورة عليه. وقد سنحت لهم الفرصة في سنة 156 هـ/772 م. عندما كان الأمير مشغولاً بالقضاء على إحدى ثورات البربر في وسط البلاد، فثار اليمنيون في إشبيلية ولبلة وباجة بقيادة حيوة بن ملامس الحضرمي، وعبد الغفار اليحصبي، وانضم
(21) ابن القوطية، ص 33 - 34؛ أخبار مجموعة، ص 103؛ ابن عذاري: 2/ 52.
(22)
أعمال الأعلام، ص 9 - 10.
(23)
أخبار مجموعة، ص 105 - 106؛ فتح الأندلس، ص 63 - 64؛ ابن عذاري: 2/ 53 - 54.
إلى الثورة أيضاً كل من عمر بن طالوت اليحصبي وكلثوم بن يحصب، وقصدوا جميعاً قرطبة. ومما زاد في خطر هذه الثورة، انضمام العديد من البربر المؤيدين لليمنيين في المنطقة إليها. وقد سارع عبد الرحمن للقضاء عليها وإخمادها، واستخدم أسلوب التفريق بين البربر واليمنيين، مستعيناً بمواليه من البربر مثل بني خليع وبني وانسوس وغيرهما. فداخل هؤلاء بني جلدتهم في معسكر الثوار وأقنعوهم بالتخلي عن زعماء الثورة والانضمام إلى عبد الرحمن الذي وعدهم بالعطاء وضمهم إلى الديوان. وفي المعركة التي وقعت فيما بعد بين الطرفين تخلى البربر عن حلفائهم اليمنيين، وانضموا إلى جيش عبد الرحمن، فوقعت الهزيمة على الثوار وقتل معظم قادتهم (24).
ثانياً - ثورات البربر:
بالإضافة إلى مساهمة البربر في معظم الثورات التي قامت بها القبائل العربية في الأندلس، كانت لهم حركاتهم الخاصة بهم ضد السلطة الأموية. ويرجع السبب في هذا إلى عدة عوامل، منها أن الكثير منهم كانوا حلفاء للقبائل العربية وتربطهم مصالح مشتركة، فيثورون معهم تبعاً لذلك. وكانوا منذ فترة الفتح وعصر الولاة متبرمين من أوضاعهم ويميلون إلى الشغب والتمرد. ولكن بمرور الزمن ظهرت عوامل أخرى دفعت جماعات من هؤلاء البربر إلى الثورة ورفع راية العصيان ضد السيادة العربية. فقد استغل أحد رجالهم، المدعو شقيا بن عبد الواحد المكناسي، سذاجة البربر، فادعى أنه من ولد الحسن بن علي، وأنه فاطمي النسب، خاصة وأن اسم أمه كان فاطمة، فاتخذ له اسماً عربياً هو عبد الله بن محمد، وأخذ يدعو الناس لنفسه والثورة على حكومة قرطبة. وقد بدأت دعوة هذا الرجل الذي كان بالأصل معلماً للصبيان في شنتبرية Santaver الواقعة في شرق الأندلس، ثم امتدت إلى أقاليم عديدة في وسط وشمال إسبانيا وغربها مثل ماردة وقورية ومادلين. وتبعه العديد من بربر هذه المناطق الذين آمنوا بدعوته، أو طمعوا بالحصول على امتيازات أو وضع أفضل في حالة الانتصار. واستمرت هذه الحركة التي قامت في عهد عبد الرحمن الأول ما يقارب عشر سنوات 151 - 160 هـ/768 - 777 م.
وكان الأمير خلالها يسيّر عليه العديد من الحملات التي كانت تفشل في القضاء على أتباعه المتمردين لاعتصامهم بالجبال المنيعة، وتجنبهم للمعارك الحاسمة في السهول. ولم يتمكن الأمير عبد الرحمن من القضاء على هذه الحركة إلا بالتعاون مع أحد زعماء
(24) ابن القوطية، ص 31 - 32؛ أخبار مجموعة، ص 107 - 108؛ ابن عذاري: 2/ 50 - 51؛ وانظر أيضاً: دوزي، المرجع السابق، ص 221 - 227؛ سالم، المرجع السابق، ص 197 - 200.
البربر الآخرين، وهو هلال المديوني، الذي عينه على شنتبرية، وأوكل إليه مهمة القضاء على التمرد. وقد استطاع هذا الأخير أن يدبر مؤامرة لاغتيال زعيم الحركة شقيا في سنة 160هـ/777 م. وهكذا انتهت هذه الثورة (25).
وقد قام البربر ببعض الحركات الأخرى للعصيان على السلطة الأموية، منها تمرد إبراهيم بن شجرة البرنسي في مورور، ومنها تمرد بربر نفزة، لكن الأمير عبد الرحمن الأول استطاع القضاء عليها بسهولة (26). أما في عهد خلفائه، فقد استمرت جماعات عديدة من البربر في العصيان والفتنة. ففي عهد هشام بن عبد الرحمن، هاجت الفتنة ببلاد تاكُرُنّا، وهي إقليم رندة الحالية، وأعلن سكانها من البربر الخلاف على السلطة، وأغاروا على الناس، وهاجموا الإقليم بكامله، وقتلوا العديد من العرب. فأرسل إليهم هشام الأجناد التي أنذرتهم أولاً، ولما لم تجد منهم إلا إصراراً على التمرد، هاجمتهم وقتلت العديد منهم، وفر الباقون إلى طلبيرة وترجيلة، وظلت تاكرنا خالية من السكان نحو سبع سنوات.
وكانت مدينة ماردة في غرب إسبانيا بؤرة لثورات البربر، فقامت فيها ثورة في عهد الحكم بن هشام دامت نحو سبع سنوات. وقد تزعم هذه الثورة أصبغ بن عبد الله بن وانسوس، الذي كان قائداً للأمير، ويبدو أنه أراد التمتع بمزيد من الاستقلال في إدارة المدينة، فساءت العلاقة بينه وبين حكومة قرطبة، وساعد على هذا أن بعض أعدائه أوقع بينه وبين الأمير. ولكن أصبغ طلب الأمان بعد سبع سنوات، فأمنه الحكم ودعاه للإقامة في قرطبة، والتردد على ضياعه في ماردة (27). وقد قام البربر بتحرك خطير آخر في ماردة في عهد عبد الرحمن الثاني، وذلك سنة 213 هـ/828 م. وقد أشعل نار الثورة هذه المرة رجل بربري واسمه محمود بن عبد الجبار، وهو من قبيلة مصمودة، وانضم إليه أحد المولدين واسمه سليمان بن مرتين. وقد استقل هذان الزعيمان في المدينة، ولم تفلح محاولات الأمير في استعادتها إلا بعد أن توجه بنفسه إليها وحاصرها وافتتحها في عام 216 هـ/834 م. وقد فر الثائران من المدينة، ثم استقل محمود بن عبد الجبار بالحركة، تساعده أخته جميلة، التي اشتهرت بالحسن البارع والشجاعة والنجدة والفروسية، وزحف إلى بطليوس، ثم إلى أكشونبة وباجة، وعندما ضايقته حملات الأمير، اضطر إلى الهرب إلى جليقية، والالتجاء إلى ملكها ألفونسو الثاني. ولكنه اكتشف بعد حين أنه
(25) انظر: أخبار مجموعة، ص 107 - 111؛ ابن عذاري: 2/ 54 - 55؛ فتح الأندلس، ص 64 - 65؛ وقارن: العبادي، المرجع السابق، ص 109 - 110.
(26)
أخبار مجموعة، ص 111؛ ابن عذاري: 2/ 56 - 58.
(27)
ابن عذاري: 2/ 64، 72.
تورط في موقفه، وأن الملك الاسباني لا يساعده في حركته الانفصالية إلا ليحقق مكاسب سياسية لمملكته على حساب الإمارة الأموية. فحاول العودة إلى الطاعة، لكن ألفونسو أفسد عليه خطته واضطره للقتال، فقتل وأسرت أخته جميلة (28).
ثالثاً - حركة أو هيجة الرّبَضْ:
تعني كلمة الربض من الناحية اللغوية الحي أو الضاحية، والمقصود بها هنا المنطقة السكنية الجديدة التي استحدثت في قرطبة بعد أن أصلح الأمير هشام بن عبد الرحمن الجسر الذي يصل قرطبة القديمة المسورة بالضفة الأخرى من النهر، حيث تقع ضاحية شقندة. وقد سكن الكثير من الفقهاء هذه الضاحية لقربها من المسجد، الذي كان على الجانب الآخر من النهر في قرطبة القديمة. كما استقر أيضاً في هذا الحي أو الربض العديد من الحرفيين وأهل الأسواق، والتجار، ومعظم هؤلاء من المولدين.
وتعود جذور هذه الفتنة التي قادها الفقهاء المالكيون ضد الأمير الحكم بن هشام إلى انتشار قوة وتسلط هؤلاء الفقهاء في عهد أبيه هشام الذي كان يعمل بمشورتهم ويتأثر بنفوذهم. ولكن الحكم كان يختلف عن أبيه، فلم يكن ميالاً لقبول وصاية الفقهاء ولم يستسلم لتأثيرهم، بل كان على العكس يميل إلى اللهو والصيد وغيرها من الأمور التي لا يستسيغها الفقهاء. وهكذا نشأت هوة عميقة بين هؤلاء وبين الحكم الذي حدّ من نفوذهم. ولقد بدأوا بمحاربته بوسائل شتى، أهمها تأليب العامة عليه والطعن بسلوكه الديني والأخلاقي. استجاب العامة من سكان الربض لهذا التحريض، لأنهم أرادوا أن يكون لهم صوت مسموع في المجتمع، وخاصة أنهم كانوا طبقة اجتماعية كبيرة. لها آمالها وتطلعاتها الاجتماعية والسياسية. وكان للحكم أيضاً دوره في تأجيج هذه الفتنة بما وضعه من ضرائب جديدة ومغارم على الشعب (29).
مرت هذه الفتنة بدورين، الأول حينما حاول وجوه أهل قرطبة وفقهاؤها القيام بمؤامرة لعزل الحكم في عام 189 هـ/804 - 805 م، واختيار أحد أقاربه من الأسرة الأموية الحاكمة بدلاً منه. ولكن هذا الأخير، واسمه محمد بن القاسم، تظاهر بالرضا، ثم أفشى بسر المؤامرة، وأسماء المتآمرين إلى الحكم. فقبض عليهم الأمير وصلبهم،
(28) انظر: ابن القوطية؛ ص 67؛ ابن حزم، جمهرة أنساب العرب، ص 501؛ عنان المرجع السابق: 1/ 237 - 258، بيضون، المرجع السابق، ص 241 - 242.
(29)
أعمال الأعلام، ص 15.
وكان عددهم كبيراً بضمنهم فقهاء كثيرون (30). وقد ازداد سخط الفقهاء والعامة بعد هذه الحادثة، وأخذوا يتحينون الفرص للقيام على الأمير الحكم. وأدرك الأمير هذه الحقيقة فقام باتخاذ إجراءات عديدة لحماية نفسه وتحصين مدينة قرطبة ضماناً أمام أية محاولة للثورة، فأتقن بناء سورها ورممه، كما حفر حولها خندقاً، وقوى أبواب قصره، ثم أكثر من شراء واستخدام المماليك والعبيد في الجيش، كما أسلفنا.
أما الدور الثاني الذي مرت به هذه الفتنة، فقد وقع بعد نحو أربعة عشر عاماً من مؤامرة الفقهاء الأولى وإعدامهم. وكان السبب المباشر لهذه الفتنة بسيطاً في حد ذاته، لكنه كان كالشرارة التي فجرت هيجان الخلاف بين أهل الربض الجنوبي ومحرضيهم من الفقهاء. فقد نشب خلاف بين حداد وأحد حراس الأمير بشأن إصلاح سيف الأخير وذلك بسبب تباطؤ الحداد في إنجاز العمل. ولم يلبث هذا الخلاف أن تطور إلى نزاع أدى إلى مقتل الحداد، وقد أثار هذا الحادث غضب أهل الربض من المولدين على زميلهم الحداد، فقتلوا الجندي، وتجمهروا يريدون التوجه إلى قصر الإمارة، وقتل الأمير الحكم باعتباره مسؤولاً عما حدث. فعبروا الجسر على الرغم من مقاومة حرس الأمير، وأحاطوا بالقصر الذي تحصن فيه الأمير وأتباعه. وتزعم بعض المصادر أن الحكم لم يفقد جرأته وشجاعته في ذلك الموقف، وصمم على القتال حتى الموت، فقد طلب من خادمه أن يأتيه بقارورة عطر، وعندما جاءه بها أفرغها على رأسه. فتساءل الخادم عن جدوى التطيب في مثل هذا الوقت، فأجابه الحكم: أنه إنما يتطيب حتى يعرف قاتله رأسه ويميزه عن رؤوس الآخرين. وهو يشير بطبيعة الحال، إلى أنه قد هيأ نفسه للموت أو للظفر بالعدو (31). وقد تفتق ذهنه عن خطة ذكية للقضاء على المتمردين، فدعا رئيس حرسه الخاص للدفاع عن القصر، وأرسل اثنين من قواده ليعبروا النهر من مخاضة ضحلة بعيداً عن الجسر الذي يسيطر عليه المتمردون فتمكنت هذه القوة التي يقودها القائدان، عبد الله بن عبد الله البلنسي وإسحاق بن المنذر القرشي، من العبور وتوجهت إلى منازل أهل الربض وأشعلت فيها النيران. وعندما أحس المتمردون بذلك، تفرقت صفوفهم وتوجه قسم كبير منهم لإنقاذ أهله وماله، فوقعوا بين جند الأمير من الإمام والخلف، وقتل منهم عدد كبير جداً.
وبعد انتهاء المقاومة ألقي القبض على نحو ثلاثمئة رجل من زعماء الفتنة، وصلبوا
(30) ابن القوطية، ص 50 - 51؛ ابن عذاري: 2/ 71.
(31)
أخبار مجموعة، ص 131.
صفاً واحداً على نهر الوادي الكبير، ثم أمر الحكم بهدم الربض، وحرث أرضه وزراعتها، ونفي من تبقى من سكانه إلى خارج الأندلس. وقد ظل الربض، الذي ما يزال موقعه يعرف لحد الآن باسم Arrabal، مهجوراً من السكان لما يقرب من قرنين من الزمان بعد عهد الحكم الذي اقترن اسمه باسم هذا المكان، فسمي بالحكم الربضي (32).
إن الأمر المهم في هذه الفتنة هو نتائجها سواء على الصعيد الداخلي أم على الصعيد الخارجي. فبالنسبة إلى الأندلس أدى القضاء على هذه الهيجة التي أثارها الفقهاء إلى توطيد الحكم للإمارة الأموية، لأنها أزالت قوة ونفوذ الفقهاء، وحررت الأمراء من وصايتهم وتدخلهم. أما بالنسبة إلى نتائجها الخارجية، فقد كانت على نطاق أوسع وأشمل، ذلك أن أفواج الربضيين المنفيين إلى خارج الأندلس حطت في أماكن عديدة وأثرت على سير الأحداث فيها. فقد استقر فريق منهم في المغرب حيث سمح لهم إدريس الثاني أمير الأدارسة بالإقامة في مدينة فاس التي أسسها والده إدريس الأول، فأقاموا بالحي المعروف بحي الأندلسيين، ونقلوا معهم مظاهر الحضارة الأندلسية، وطبعوا المدينة بطابع أندلسي جميل من حيث الصناعة، والأبنية البيضاء ذات الحدائق الداخلية. وهكذا سيطروا على مدينة فاس حتى أنها أصبحت تدعى باسمهم مدينة الأندلسيين. أما الفريق الآخر من الربضيين، فقد واصلوا سيرهم في البحر، حتى وصلوا إلى مدينة الإسكندرية في مصر وسيطروا عليها مستغلين الفوضى والاضطراب الذي حل بالبلاد جراء الفتنة بين الأمين والمأمون. وعندما استقرت الأمور للأخير أرسل قائده عبد الله بن طاهر بن الحسين، فحاصر الأندلسيين الذين اضطروا إلى مصالحته، واتفقوا معه على مغادرة البلاد وعدم التوجه إلى أية بقعة تابعة للعباسيين، وكان ذلك في سنة 212 هـ/827 م. ثم اتجهوا إلى جزيرة كريت، وكانت تسمى أقريطش، وهي تابعة للدولة البيزنطية، فاستولوا عليها بقيادة زعيمهم أبي حفص عمر بن عيسى البلوطي (33)، وأسسوا فيها دولة حكمت نحو مئة وخمسة وثلاثين عاماً، ونشروا فيها الإسلام، وأسسوا المدن، ومنها مدينة الخندق التي اتخذوها عاصمة لهم، وقد صارت كريت قاعدة بحرية إسلامية مهمة تهدد سواحل الإمبراطورية البيزنطية بما تقوم به من حملات على ممتلكاتها وتجارتها. ولكن أمر هذه
(32) ابن عذاري: 2/ 77؛ أعمال الأعلام، ص 16؛ وانظر: العبادي، المرجع السابق، ص 130 - 131؛ أحمد بدر، المرجع السابق، ص 122 - 223.
(33)
يدعى بالبلوطي نسبة إلى فحص البلوط، وهي منطقة تقع إلى الغرب من قرطبة، وعن كريت تحت ظل الأندلسيين، انظر: د: اسمت غنيم، الإمبراطورية البيزنطية وكريت الإسلامية، جدة، 1977؛ خليل إبراهيم السامرائي، إمارة كريت الأندلسية، مجلة الجامعة، الموصل، أيلول 1978.
الدولة الإسلامية انتهى بتغلب البيزنطيين عليها، واسترجاع جزيرة كريت في عهد الإمبراطور رومانوس الثاني في عام 349 هـ/960 م، فتفرق أمر الأندلسيين فيها، وبقية المسلمين، فرجع قسم منهم إلى الأندلس، وقسم آخر إلى مصر وصقلية (34). وهكذا نرى أن فتنة الربض لم تؤثر فقط على الأندلس، بل شمل تأثيرها أماكن بعيدة جداً، وحمل الألوف من الأندلسيين هذا التأثير الإيجابي الفعال إلى الأماكن التي هاجروا إليها.
رابعاً: - حركات المولدين:
لقد سبقت الإشارة إلى أن المولدين كانوا من سكان أهل البلاد الإسبان والقوط الذين اعتنقوا الدين الإسلامي منذ الفتح، واندمجوا في المجتمع الجديد الذي يضم العرب والبربر والمولدين والمستعمَرين، أي النصارى الإسبان الذين آثروا الاحتفاظ بدينهم، لكنهم تأدبوا بآداب اللغة العربية، وبعادات العرب. وقد كان المولدون يطمحون إلى وضع اجتماعي وسياسي أفضل، وذلك بمشاركة العرب في الحكم والسلطان.
ثم تحول موقفهم بالتدريج إلى التمرد ومحاولة الاستقلال عن سلطان بني أمية في قرطبة. ومما شجع المولدين على السير بهذا الاتجاه، تركز مجموعات كبيرة منهم في مناطق جغرافية تساعد على الانفصال والتمرد، وبشكل خاص في مناطق الثغور، أي المدن القريبة من خط الحدود مع الدول المسيحية في الشمال، مثل سرقسطة في الشمال الشرقي وطليطلة في الوسط، وماردة في الغرب. وقد دعمت قرطبة بعض القبائل العربية في المناطق التي كثرت فيها حركات المولدين، مثال ذلك أسرة بني تجيب العربية التي سكنت في منطقة الثغر الأعلى. ونظراً لكثرة حركات المولدين وثوراتهم في عهد الإمارة الأموية، فسوف نقتصر على مثال واحد فقط عن مدينة طليطلة، التي ثار فيها المولدون على الأمير الحكم الأول، وابنه عبد الرحمن الثاني.
فبالإضافة إلى كثرة عدد المولدين في طليطلة، فإن أهلها لم ينسوا عز هذه المدينة ومجدها قبل الفتح، وأنها كانت عاصمة البلاد. وكان أهلها يعتزون أيضاً بثروتهم وحصانة مدينتهم التي تقع على نهر تاجة، ولذا نجدهم يساهمون في الكثير من الفتن التي كانت تقوم على حكومة قرطبة، ويتحينون الفرص دائماً لشق عصا الطاعة، والاستقلال بمدينتهم. ولكن الأمراء الأمويين قاوموا هذه الثورات والفتن، واستعملوا
(34) انظر: ابن القوطية، ص 51 - 52؛ أعمال الأعلام، ص 16؛ المقري: 1/ 339؛ سالم، المرجع السابق، ص 224 - 225؛ أحمد العدوي، الدولة الإسلامية وإمبراطورية الروم، القاهرة، 1958، ص 107 - 110؛ أحمد بدر، المرجع السابق، ص 124 - 125.
أساليب قاسية جداً في سحق حركات المولدين، وتثبيت السلطة الأموية في البلاد.
ثار المولدون في طليطلة على الأمير الحكم عام 181هـ/797 م، وتزعم الثورة رجل يدعى عبيدة بن حُمَيْد. وقد استطاع الحكم أن يقضي على هذه الثورة بواسطة مولد من مدينة وشقة اسمه عمروس بن يوسف، وقد نجح هذا الأخير بإغراء بعض وجهاء المدينة لاغتيال عبيدة بن حميد، وبهذا خمدت الثورة إلى حين. وحاول الحكم استخدام أسلوب الدهاء والحيلة مع أهل المدينة، فعين عليهم عمروس بن يوسف حتى يطمئنوا إليه لأنه من بني جلدتهم. وعندما أنس إليه أهل طليطلة، تظاهر أمامهم بأنه أكثر منهم حقداً على الأمير الحكم وعلى بني أمية عامة، فوثقوا به ومنحوه طاعتهم وأطلعوه على أسرارهم. ولكنه، وبتوجيه من الأمير الحكم كان يبيت لهم خطة دموية للقضاء على مقاومتهم المستمرة. فأقنع زعماءهم بضرورة بناء قلعة حصينة بظاهر طليطلة بحجة إيواء الجند والمماليك، بعيداً عنهم وعن نسائهم. فبُنيت القلعة وأُخذ التراب اللازم لبنائها من نفس المكان، فظلت فيه حفرة كبيرة. وأخبر الأمير الحكم بانتهاء البنيان لاتخاذ الخطوة التالية من العمل، فسير الحكم جيشاً بقيادة ابنه عبد الرحمن، بحجة مقاتلة النصارى في الشمال. وعندما وصل هذا الجيش بالقرب من طليطلة أُعلن عن انسحاب العدو، وبدأ الجيش بالتهيؤ للرجوع. لكن عمروس خرج إلى الأمير، مع وجهاء أهل المدينة، ودعوه للدخول، فوافق الأمير عبد الرحمن بعد تمنع. ثم أقام عمروس وليمة كبيرة للأمير، دعا إليها زعماء المدينة وكبار الشخصيات فيها. فحضروا إلى القلعة التي احتشد فيها الجند، وقد أوهمهم عمروس أنهم إذا انتهوا من طعامهم خرجوا من باب غير الباب التي دخلوا منه. ولكن أحداً منهم لم يستطع الخروج لأن الجند الذين اصطفوا على طرف الحفرة قتلوا كل الداخلين دون أن يشعر بهم الباقون، وهكذا بلغ عدد القتلى نحو سبعمئة رجل (35). ومن المؤرخين من يبالغ فيجعل عددهم خمسة آلاف وثلاثمئة رجل (36).
ويدل هذا على عظم أمر هذه المذبحة التي سميت بوقعة الحفرة والتي جردت المدينة من زعمائها، وأعيانها المتطلعين دوماً إلى الثورة. ولكن هذه القسوة لم تمنع طليطلة من التمرد على الأمراء الأمويين إلا لفترة قصيرة، فسرعان ما تواصلت الثورة ثانية في عهد الحكم نفسه، وفي عهد خلفائه من بني أمية. ثم اتخذت ثورات المولدين بعداً أخطر حين تولى السلطة أمراء ضعاف، فظهرت بوادر التفكك والتجزء والحركات الانفصالية، مثل حركة ابن حفصون، كما سنرى فيما بعد.
(35) ابن عذاري: 2/ 70.
(36)
ابن القوطية، ص 48، وانظر أيضاً، ص 45 - 49.
خامساً - حركات المستعربين:
لم يقم المستعربون بحركات عنف وتمرد على الدولة الأموية في الأندلس على نطاق واسع، ولكن بعضهم شارك في فتن المولدين التي كانت تقوم في المناطق المختلفة من البلاد. ومع هذا، فقد حاول بعض المستعربين المتطرفين في قرطبة إثارة فتنة هوجاء ضد الحكم العربي الإسلامي في الأندلس. وكان أبطال هذه الحركة جماعة من غلاة رجال الدين المتعصبين الذين نقموا على سيادة العرب والإسلام في البلاد. والواقع أن دوافع هؤلاء لم تكن لها علاقة بأي اضطهاد ديني للمسيحيين، لأن التسامح الديني كان سائداً في الأندلس، وبشكل خاص في عهد الأمير عبد الرحمن الثاني الذي حدثت في عهده هذه الحركة. فكانت حرية المعتقد مضمونة، وعاش رجال الدين المسيحي من أساقفة ورهبان في أمن وسلام، لا يتعرض لهم حكام المسلمين بسوء وكان المستعربون بشكل خاص قد تحسنت حالتهم الاجتماعية والاقتصادية إلى حد كبير، بل إن عدداً كبيراً منهم استطاع أن ينال مراتب عالية في الإدارة والجيش. وامتهن الباقون التجارة في المدن والثغور، كما عملوا في مزارعهم الخاصة أو في ضياع المسلمين دون إكراه أو استغلال.
ولكن هذه الحالة الفريدة من التسامح، التي رضي ورحب بها غالبية المستعربين، لم تلقَ التأييد من جانب القسس المتعصبين في الكنائس والأديرة، الذين ظلوا قابعين في أماكنهم بعيدين عن التطور الذي حل بجماعتهم. ذلك التطور والاندماج الذي أدى إلى تكلم المستعربين بلغة الفاتحين العرب، وتفننهم في استخدام الفصحى وقول الشعر، وقراءة أمهات كتب الأدب. بل إن الكثير من المستعربين اقتبسوا عادات الفاتحين وتقاليدهم الاجتماعية التي كانت، كما يرى رجال الدين المتعصبون لا تتلاءم مع العقيدة المسيحية، مثل الختان، واتخاذ الجواري، والمصاهرة مع المسلمين. والحقيقة أن إطلاق اسم المستعربين Mozarabes على هؤلاء، يدل دلالة قاطعة على مدى الميول والاتجاهات نحو الثقافة العربية، التي كانت تتغلغل في نفوس هذه الطبقة من المجتمع الأندلسي. فأهملوا دراسة اللغة اللاتينية، التي هي لغة الدين المسيحي، وانصرفوا عن قراءة المصنفات الدينية المكتوبة بها، فأدى هذا بالتدريج إلى ذوبان الحضارة المسيحية اللاتينية. ولقد بلغت اللغة اللاتينية في بعض أجزاء إسبانيا درجة كبيرة من الانحطاط، حتى بات من الضرورة أن تترجم قوانين الكنيسة الاسبانية القديمة والإنجيل إلى اللغة العربية ليسهل استعمالها على المسيحيين.
أفزعت هذه الحالة غلاة المتعصبين من رجال الدين، وبدا لهم مستقبل الكنيسة مخيفاً، لإعراض أبنائهم عن الثقافة المسيحية والاتجاه نحو الاستعراب. وعندما لم يفلحوا في وقف هذا التيار، حاولوا افتعال أزمة مع الحكم العربي المتسامح، وذلك بإظهار الاستخفاف بالإسلام، وسب نبيه محمد عليه الصلاة والسلام، والتقول عليه بالباطل إلى حد الشطط، استفزازاً لمشاعر المسلمين وانتهاكاً لحرمة ديانتهم جهراً وبغير سبب. وكانوا بهذا يرمون إلى خلق جو من التوتر والشعور بالاضطهاد، لأن الشرع الإسلامي يعاقب على هذه الجريمة بالموت. ومن ثم يبدو للمسيحيين بأن المسلمين يقتلون إخوانهم ويضطهدونهم، وهكذا يمكن استعادة من أسلم من هؤلاء، أو حملهم على عدم التعاطف والتعاون مع المسلمين.
ولقد تزعم هذه الفتنة المتطرفة وحرض عليها بعض الغلاة من أمثال أيلوخيو Eulogio، والفارو Alvaro، وذلك في أواخر عهد الأمير عبد الرحمن الثاني. فكانا يدعوان النصارى إلى سب الرسول صلى الله عليه وسلم والطعن في الإسلام علناً، واقتحام المساجد والاعتداء على المسلمين والتقليل من شأن دينهم. وعلى الرغم من أن عدد هؤلاء المتعصبين الانتحاريين لم يكن يزيد في مجموعه عن أربعين شخصاً، لكن حكومة قرطبة خشيت سوء عاقبة هذه الحوادث، وأثرها على شعور عامة المسلمين. فلم تجد مناصاً من تطبيق الشرائع والقوانين بمعاقبة هؤلاء بالموت، لأن عدم معاقبتهم يؤدي إلى استخفاف الناس، وقلة اكتراثهم بسلطة الدولة ودينها الرسمي، وذيوع حركة التمرد بين عدد كبير من المتطرفين. ومع هذا، فلم يشأ الأمير عبد الرحمن أن يلجأ إلى وسائل متطرفة للقضاء على الحركة، ولم ينتقم من جميع المستعربين، بل اكتفى بالأحكام القضائية التي كان يصدرها القضاة على من يثبت عليه القيام متعمداً بسبب الإسلام والنيل من نبيه الكريم. وظلت هذه الموجة من الغلو مستمرة في قرطبة، حتى ضج منها المسيحيون المعتدلون وأظهروا استياءهم من " الاستشهاد " الذي كان يطلبه المتطرفون.
والذي هو في حقيقة الحال نوع من الانتحار الذي حرمه الدين المسيحي. وقد عقد في عام 237 هـ/852 م مجمع ديني في قرطبة يضم كل أساقفة الأندلس برئاسة مطران إشبيلية، ومثل الأمير عبد الرحمن فيه أحد المستعربين المسيحيين، وهو غومز بن أنطونيان، الذي كان كاتباً عند الأمير. فعرض غومز حالة المنتحرين على المجمع ونتائجها السلبية على كل المستعربين في البلاد. وقد وافق جميع أعضاء المجمع -باستثناء أسقف قرطبة الذي لزم جانب المتطرفين- على إصدار قرار استنكروا فيه حركة المسيحيين المتطرفين، وعدوها حركة مخالفة لتعاليم الكنيسة. ولكن هذه الفتنة الدينية،
التي جاءت نتيجة الاستعراب، استمرت بقية عهد الأمير عبد الرحمن الثاني، ولم تنته إلا في بداية حكم ابنه الأمير محمد، حيث أعدم أيلوخيو المحرض عليها في عام 245هـ/859 م (37).
سادساً - الفتن والاضطرابات في فترة ضعف الإمارة الأموية:
ابتدأت بوفاة عبد الرحمن الثاني أو الأوسط عام 238 هـ/852 م فترة مضطربة، تمزقت فيها وحدة الأندلس السياسية، وقام المنشقون والمتمردون في كل مكان على حكومة الإمارة في قرطبة. ولم يكن الأمراء الذين تولوا في هذه الفترة، التي امتدت نحو اثنين وستين عاماً، يضاهون في كفاءتهم ومقدرتهم الأمراء الأوائل، وإن كان بعضهم يتمتع بمواهب جيدة في الإدارة والقيادة، ولكن ظروف العصر كانت غير عادية، وبالتالي تحتاج إلى رجال أفذاذ، وحكام غير اعتياديين. ومن هنا، فإنه من غير الصواب تحميل أمراء هذه الفترة الثلاثة، وهم كل من الأمير محمد بن عبد الرحمن، وابنيه المنذر بن محمد، وعبد الله بن محمد، مسؤولية الانهيار السياسي والاضطراب التي ميزت هذه الحقبة. فلقد كانت البيئة الاجتماعية في الأندلس غير منسجمة، لأنها تتألف من شعوب وأجناس مختلفة تتنافر مصالحها مع بعضها البعض، ولا يجمعها سوى قوة السلطة المركزية في قرطبة. وهذه الفئات، كما أسلفنا، كانت تتألف من أهالي البلاد، بنوعيهم المسلمين الذين سموا بالمولدين، والمستعربين الذي ظلوا على ديانتهم المسيحية، وكذلك من الفاتحين العرب والبربر. ولم يكن الانسجام التام سائداً حتى بين الفاتحين أنفسهم، فالخلافات بين القبائل العربية كانت ما تزال تعمل عملها في الفرقة، وكذلك البربر الذين كان عددهم يفوق عدد العرب، ولهم طموح شديد، وتتنازعهم مشاعر السيطرة، والمشاركة في الحكم.
لقد كانت قوة الأمراء الأوائل هي العامل الوحيد الذي جمع بين هذه الأجناس، وجعلها تعيش في وئام مع بعضها، ولكن ما إن غابت هذه القوة حتى بدأت العناصر المختلفة بالتحرك والوثوب على سلطة الإمارة. وساعدها على ذلك طبيعة البلاد
(37) لم يتطرق المؤرخون العرب إلى هذه الحركة التي ذكرت في مصادر أوروبية فقط، انظر على سبيل المثال: Levi-Provençal، op. cit.، vol. I. pp. 225-239؛ أرنولد، الدعوة إلى الإسلام، ترجمة: حسن ابراهيم حسن، القاهرة، 1971، ص 157 - 167؛ وانظر أيضاً: عنان المرجع السابق، ص 194 - 206؛ بيضون، المرجع السابق، ص 244 - 251.
الجغرافية الجبلية، وسهولة إعلان العصيان والالتجاء إلى المناطق المنيعة. كما زاد من هذه الحالة أيضاً وقوّاها، العلاقة العدائية التي كانت سائدة بين الإمارة الأموية، والإمارات النصرانية الاسبانية في الشمال، التي كانت تساعد في إذكاء روح التنافر والخلاف بين هذه الأجناس، وتحضها على شق عصا الطاعة، خدمة لمصالحها التوسعية في الأندلس (38). وقد أوضح لنا مؤرخ أندلسي، وهو ابن الخطيب، الأسباب التي أدت إلى كثرة الثوار والمتمردين في الأندلس، ودوافعهم للقيام على حكومة الإمارة في قرطبة، وهي تتلخص في ثلاثة أسباب، الأول: هو منعة البلاد وحصانة المعاقل وبأس أهلها بسبب تجاورهم مع النصارى في الشمال، والثاني: هو علو الهمم وشموخ الأنوف، وقلة الاحتمال للطاعة، لأن من دخل الأندلس من العرب والبربر كانوا أشرافاً يأنف بعضهم من الإذعان لبعض، والثالث: هو الاستناد عند الضيق والاضطرار إلى ملوك النصارى الذين كانوا يحرصون على ضرب المسلمين بعضهم ببعض (39).
لقد أطلق المؤرخون على هذا العصر، الذي تميز باضمحلال السلطة الأموية واقتصارها على قرطبة ونواحيها فقط، اسم عصر الانتكاسة، أو دويلات الطوائف الأولى، تمييزاً له عن عصر الطوائف الذي أعقب سقوط الخلافة الأموية في قرطبة عام 422 هـ/1031 م. فظهرت في هذه الحقبة جماعات عديدة خرجت على السلطة واستقلت في النواحي التي كانت تستقر فيها، وسنذكر باختصار أهم هذه الجماعات:
أ - الخارجون من العرب:
ومن أهم هؤلاء بنو حجاج، الذين استقلوا بإشبيلية وقرمونة بزعامة إبراهيم بن حجاج بن عمير اللخمي. وقد ازدهرت إشبيلية في عهده، كما نافس أمير قرطبة وقلده فى عظمة بلاطه، ومظاهر الترف، واجتذاب الأدباء والشعراء، وتشجيع رجال العلم. وكان الكاتب أحمد بن عبد ربه، صاحب كتاب " العقد الفريد " من أشهر من تألق في بلاطه (40).
وبرز بعض الزعماء العرب الآخرون في جهات عديدة من البلاد مثل محمد بن أضحى الهمداني، وسعيد بن سليمان بن جودي في كورة البيرة، وبنو المهاجر التجيبيون
(38) قارن: أحمد مختار العبادي، المرجع السابق، ص 167 - 168؛ بيضون، المرجع السابق، ص 265 - 266، 285.
(39)
أعمال الاعلام، ص 36، وانظر: سالم، المرجع السابق، ص 244.
(40)
المقتبس، نشر: أنطونيا، ص 11 - 12؛ ابن عذاري: 2/ 125 - 131.
الذين انفردوا بحكم سرقسطة (41).
ب - الخارجون من البربر:
يعد بنو موسى بن ذي النون من أشهر الخارجين على الأمراء في فترة الضعف، ثاروا في شنت برية، وسيطروا على الثغر الأدنى، أي طليطلة وما جاورها. كما ثار خليل وسعيد، ابنا المهلب من بيوتات البربر الكبيرة في كورة البيرة. واستقل بنو الملاح بزعامة عمر بن مضم الهنزولي الملاحي بمدينة جيان (42).
ج - الخارجون من المولدين:
يعد عمر بن حفصون من أشهر الثوار الخارجين على السلطة الأموية في قرطبة. وكان هذا من أسرة فقيرة اعتنقت الإسلام منذ عهد الحكم بن هشام، عاش في بداية حياته في إقليم رندة، ثم فر إلى المغرب بعد ارتكابه لجريمة قتل، لكنه عاد إلى الأندلس واستولى على حصن روماني منيع اسمه ببشتر Bobastro في المناطق الجبلية الجنوبية في إقليم رية. وقد التفت حوله جماعة من المولدين وذلك في سنة 267 هـ/ 880 م، حيث أخذ بمهاجمة الجهات المجاورة لمنطقته والتوسع في الإغارة حتى وصل إلى المناطق القريبة من قرطبة ذاتها. وقد عاصرت حركة هذا المتمرد الأمراء الثلاثة الذين حكموا في هذه الحقبة. ولم يستطع أي منهم القضاء على حركته. وفي أواخر أيامه تحول إلى المسيحية، ظناً منه أن هذا الإجراء سيكتب النجاح لتمرده. ولكن بواعث هذا التحول تبدو سياسية أكثر منها عقائدية، قصد منها تلقي الدعم من المستعربين، ومن ملوك الدويلات النصرانية الاسبانية لإسقاط دولة العرب في الأندلس. ولم تنته حركة عمر بن حفصون إلا في عهد أمير الأندلس العظيم عبد الرحمن الناصر لدين الله (43).
ومن المولدين الآخرين الذين كونوا دويلات مستقلة عن قرطبة، بنو قسي أو بنو موسى بن فرتون، الذين تمردوا في الثغر الأعلى في شمال شرق إسبانيا. وكذلك بنو مروان الجليقي، الذين استقلوا بولاية بطليوس في غرب إسبانيا وسعدون بن فتح السرنباقي الذي ثار بالقرب من مدينة قلنبرية Coimbra في البرتغال الحالية، وكان
(41) المقتبس، نشر انطونيا: ص 20 - 21، 29 - 31؛ ابن عذاري: 2/ 137 - 138، 134.
(42)
المقتبس، (انطونيا)، ص 19، 25، 31.
(43)
ابن القوطية، ص 90 - 94؛ المقتبس، (انطونيا) ص 128؛ ابن عذاري: 2/ 106.
صديقاً لعبد الرحمن بن مروان الجليقي (44).
ولقد استمرت هذه الجماعات في تمردها وانفصالها عن السلطة الأموية، طيلة فترة الفوضى التي أشرنا إليها. ولم يستطع الأمراء أن يقوموا بإجراءات فعالة لاستعادة وحدة البلاد، والقضاء على هذه الفتن على الرغم مما بذلوه من جهد وحملات وجهوها إلى مناطق المتمردين المختلفة. وظهر بوضوح أن الحكم العربي في الأندلس بات على وشك الانتهاء، لولا أن قيض الله لهذا البلد أميراً شاباً نهض بأعباء الحكم، وقضى على كل الفتن والاضطرابات، ونقل البلاد إلى عهد جديد ومرحلة زاهرة، هي مرحلة الخلافة الأموية، ذلكم هو عبد الرحمن بن محمد، حفيد الأمير عبد الله آخر أمراء عهد الإمارة الأموية.
ب - إنجازات الأمراء على الصعيد الخارجي:
تعرضت الأندلس أثناء فترة الإمارة إلى بعض الاعتداءات الخارجية التي حاول الأمراء الأمويون التصدي لها والوقوف بحزم أمام خطرها. ومن أهم هذه الاعتداءات، هجوم شارلمان ملك الكارولنجيين على الأندلس في عهد عبد الرحمن الأول، وغارات النورمان على الأندلس.
1 -
هجوم شارلمان على الأندلس:
يعد شارلمان، حفيد شارل مارتل، من أعظم شخصيات الأسرة الكارولنجية التي حكمت مملكة الفرنجة، فقد أصبحت هذه المملكة القوة الرئيسة للمسيحية في أوروبا، وكان يثيرها نمو القوة العربية الإسلامية في الأندلس. لذلك فقد كانت تحاول دائماً الاستفادة من الاضطرابات الداخلية التي تحدث في الأندلس، وتشجع روح التمرد والخلاف على الأمراء الأمويين. وحدث في عهد عبد الرحمن الأول أن تمرد بعض الزعماء العرب في منطقة سرقسطة يتزعمهم سليمان بن يقظان الكلبي الأعرابي والحسين ابن يحيى الأنصاري. ثم أخذ تمردهما بعداً خطيراً حين قررا الاستعانة بشارلمان ملك الكارولنجيين لتحقيق مآربهما وأطماعهما في الحكم. فقد استدعى سليمان شارلمان، الذي تسميه المصادر العربية باسم (قارلة)، إلى بلاد المسلمين، ووعده بتسليم مدينة
(44) ابن القوطية، ص 88 - 90؛ المقتبس، (انطونيا) ص 16 - 17، 23؛ وانظر أيضاً: سالم، المرجع السابق، ص 253 فما بعدها.
سرقسطة إن هو ساعده على قتال عبد الرحمن. فرحب شارلمان بهذا المشروع، خاصة بعد أن فرغ من قتال السكسون وأجبرهم على اعتناق المسيحية. وكانت دوافع شارلمان للهجوم على الأندلس سياسية بحتة، وإن كانت مبطنة بمظهر ديني هدفه حماية النصرانية، وتخليص جليقية من أيدي المسلمين (45). وفي الحقيقة كان شارلمان يريد تأمين حدوده الجنوبية بالاستيلاء على بعض المدن والقواعد في إسبانيا، بل إنه كان يرمي إلى السيطرة على إسبانيا كلها لو تيسر له ذلك ويدل على هذه السياسة التوسعية، ضخامة الجيش الذي حشده شارلمان لهذه الحملة، وكذلك مهاجمته لبلاد البشكنس، الذين كان قسم منهم من النصارى. ولهذا فلم تكن النزعة الدينية بارزة في هذه الحملة (46).
ويرى بعض المؤرخين في مشروع شارلمان مؤامرة دولية واسعة النطاق، شارك فيها الخليفة العباسي محمد المهدي متحالفاً مع الكارولنجيين في سبيل القضاء على عبد الرحمن الأول واسترداد الأندلس (47). ولكن هذا الرأي بحاجة إلى أدلة قوية، وهو عرضة للتشكيك، ولا يمكن الأخذ به بسهولة. فلم يكن المتآمرون يعملون إلا في سبيل مصالحهم الخاصة، فشارلمان تحدوه أطماع التوسع وضم البلاد، وبقية الزعماء الخونة الذين ارتضوا التعامل معه، لم يكن يدفعهم إلا شهوة الحكم والسيطرة، ولو كان ذلك خلاف مصالح الأمة والمبادئ. أما ما يقال عن اتصال أحد المتمردين، وهو عبد الرحمن بن حبيب الفهري المعروف بالصقلي، بالخليفة المهدي، فلا يقوم عليه دليل قوي في المصادر العربية (48). وربما كان هذا قد عمل تحت ستار الخلافة العباسية ليحمل الناس على الالتفاف حوله. ولا يمكن أن يكون للعباسيين أية علاقة بما حدث في الأندلس، لبعدهم عنها، ولأنهم كانوا مشغولين بمشاكلهم السياسية الخاصة بهم التي هي أوجب من الإنصراف إلى التفكير في الأندلس البعيدة (49).
قام شارلمان بالتوجه إلى إسبانيا في سنة 162 هـ/778 م وذلك تنفيذاً للاتفاق الذي بينه وبين المتآمرين. فاتجه نحو جبال البرتات وعبرها، ثم هاجم بنبلونة عاصمة الباسك
(45) انظر: كارلس ديفز، شارلمان، ترجمة: السيد الباز العريني، القاهرة، 1959، ص 98.
(46)
انظر: عنان، المرجع السابق: 1/ 173 - 174.
(47)
العبادي، المرجع السابق، ص 106، سالم، المرجع السابق، ص 201؛ إبراهيم طرخان،
المسلمون في أوروبا في العصور الوسطى، القاهرة، 1966، ص 172.
(48)
انظر: أخبار مجموعة، ص 110 - 111.
(49)
قارن: بيضون، المرجع السابق، ص 203.
واستولى عليها. واستمر في زحفه آملاً أن تفتح له سرقسطة أبوابها. ويبدو أن الحسين بن يحيى الأنصاري رفض الاستمرار في المؤامرة، فأغلق أبواب المدينة أمام شارلمان الذي شرع في حصارها تمهيداً للاستيلاء عليها بالقوة. ولكن الظروف ساعدت الأندلس، وبشكل خاص الأمير عبد الرحمن الأول، وذلك بفشل خطط شارلمان الذي تلقى أنباء تفيد بحدوث اضطرابات في بلاده، فاضطر إلى رفع الحصار عن سرقسطة، ورجع إلى بلاده بعد أن أخذ سليمان الأعرابي معه، ودمر في طريقه مدينة بنبلونة.
وبينما كان شارلمان يعبر مع جنوده من ممر رنسفالة أو باب شزروا، كما يسميها العرب، في جبال البرتات، هاجمته قوة مؤلفة من البشكنس أو الباسك، وقضت على مؤخرة جيشه (50). وفي مصادرنا العربية ما يشير إلى اشتراك العرب في هذا الهجوم الذي قاده اثنان من أبناء سليمان الأعرابي، وهما مطروح وعيشون، اللذان استنقذا أباهما من الإفرنج ورجعا به إلى سرقسطة (51). وتشير المصادر الأوروبية إلى أن هذا الهجوم قد أفنى مؤخرة جيش شارلمان وقتل عدة قواد من أشهرهم، رولان Roland. وكان مصرع هذا القائد موضوعاً لأنشودة ملحمية تشيد ببطولة هذا القائد وإخلاصه، وهي من شعر الملاحم الفرنسي وتعرف باسم أنشودة رولان (52).
وقد استطاع عبد الرحمن بعد فشل هجوم شارلمان أن يستعيد سرقسطة من المتمردين. أما شارلمان، فقد اضطر للتخلي عن سياسته العدوانية إزاء الأندلس، ولجأ إلى سياسة الدفاع وإقامة الحصون على الحدود، كما اضطر أيضاً إلى مهادنة الأمير عبد الرحمن، حتى يتفرغ لمشاكله الداخلية. ويذكر المقري أن اتصالات جرت بين العاهلين، لإحلال السلم بين دولة الفرنجة والأندلس، بل إن شارلمان طلب المصاهرة لتقوية العلائق بين البلدين، فتم السلم ولم تتم المصاهرة (53). ولم يقم الأخير بأية مغامرة أخرى في إسبانيا، ونزع من خياله فكرة الاستيلاء عليها وضمها إلى أملاكه.
(50) دوزي، المرجع السابق، ص 230.
(51)
ابن الأثير، ج 6، ص 14.
(52)
انظر: ديفز، المرجع السابق، ص 102 - 103.
Levi-Provençal، op. cit.، vol. I. pp. 125 - 126.
(53)
المقري: 1/ص 330 - 331.
2 -
غارات النورمان على الأندلس:
كان النورمان أو (الفيكنج) Vikings من الأمم البحرية العريقة التي تسكن في البلاد الاسكندنافية، أي السويد، والنرويج، والدانمارك الحالية. وكلمة النورمان، تعني سكان الشمال، وهي تحريف لكلمة Norsemen الانكليزية أو Normandos الاسبانية (54). وقد وردت تسمية هذه الأقوام في مصادرنا العربية بأشكال مختلفة، مثل المجوس، والأردمانيون. وكان من طبيعة هؤلاء النورمان حب المغامرة وجوب البحار بحثاً عن الأماكن الضعيفة في الشواطئ لمهاجمتها وسلبها. وقد شمل نشاطهم مناطق عديدة من الجزر البريطانية، وبلاد الإفرنج، إضافة إلى الشواطئ الأندلسية والمغربية. ويهمنا من هذه الجماعات تلك التي تنتمي إلى الدانمارك، والتي قامت بمهاجمة السواحل الأندلسية على فترات مختلفة، مدفوعة بدوافع اقتصادية بحتة، نظراً لما تتمتع به هذه السواحل من غنى ورخاء.
تعرضت شواطئ الأندلس الغربية إلى هجمات النورمان لأول مرة في أواخر عام 229 هـ/844 م، وذلك في عهد إمارة الأمير عبد الرحمن الثاني. فقد هاجم أسطول نورماني قوامه عدد كبير من المراكب والقوارب مدينة أشبونة، ولبثوا في مياهها نحو ثلاثة عشر يوماً التحموا فيها مع المسلمين في عدة معارك. وقد قاوم حاكم المدينة وهب الله بن حزم هذا الهجوم، وكتب إلى عبد الرحمن الثاني ينبئه بالأمر، فكتب الأمير إلى عمال الثغور والسواحل بالاحتراس (55). ولكن النورمان وجهوا ضربة أخرى إلى سواحل الأندلس الغربية، فدخلوا في أوائل عام 230 هـ/844 م مصب نهر الوادي الكبير بعد أن مروا بقادس وعاثوا فيها. ثم تابعوا سيرهم حتى أدركوا مدينة إشبيلية وسيطروا عليها لعدة أيام. مارسوا خلالها أبشع جرائم القتل والتخريب والنهب. كما أشعلوا النار في مسجد إشبيلية الجامع (56).
وقد فوجئ أهل الأندلس بهذا الخطر الجسيم، وبخاصة أن البحرية الأندلسية لم تكن قد وصلت إلى مرحلة قوية بعد، ولم تكن تمتلك سوى سفن قليلة تتركز في السواحل الشرقية، وبشكل خاص في المرية. ومع هذا، فقد أمر الأمير عبد الرحمن
(54) انظر: العبادي، المرجع السابق، ص 148.
(55)
العذري، نصوص عن الأندلس، ص 98؛ ابن عذاري: 2/ 87.
(56)
ابن القوطية، ص 66؛ ابن عذاري: 2/ 87 - 88.
الأوسط باتخاذ إجراءات سريعة. وتشكيل فرق برية لمطاردة الغزاة في منطقة إشبيلية، والحيلولة دون تقدمهم في البلاد. فأخذوا يضعون لهم الكمائن، ويبثون السرايا التي تمنع النورمان من الرجوع إلى مراكبهم، كما جاءت إلى المنطقة إمدادات من قرطبة ومن الثغر الأعلى مما أدى إلى انهزام النورمان وتكبدهم خسائر فادحة بالقرب من قرية طلياطة Tejada بين لبلة وإشبيلية (57).
وهكذا خرج النورمان من إشبيلية بعد أن عاثوا فيها ما يقارب اثنين وأربعين يوماً.
وقد نبه هذا الأمر الخطير الأذهان إلى ضرورة الاهتمام بالبحرية الأندلسية، وإقامة المراكز الدفاعية على السواحل الغربية. فشرع الأمير عبد الرحمن الأوسط بالقيام بعدة إجراءات سريعة، منها بناء سور حول مدينة إشبيلية ليقيها من أي هجوم مباغت. كما أمر ببناء دار لصناعة السفن الحربية في ميناء المدينة، واستخدم رجالاً متمرسين في حماية السواحل البحرية، ووسع عليهم بالأموال والآلات، التي شملت استخدام النفط المشتعل لقذفه على سفن الأعداء (58).
لم يكتف الأمير عبد الرحمن الأوسط بهذه الإجراءات، بل حاول أيضاً القيام بعمل دبلوماسي ليبعد خطر النورمان عن بلاده، فجرت اتصالات بينه وبين ملك الدانمارك لإحلال السلم بين الطرفين. وقد انتدب الأمير عبد الرحمن أحد الرجال البارزين في بلاطه للقيام بسفارة إلى بلاد النورمان، وهو الشاعر يحيى بن حكم الغزال. وقد أسهب ابن دحية في وصف هذه السفارة وما تعرضت له من الأهوال في الطريق، وجهود الغزال والوفد الأندلسي في الاجتماع بالنورمان والاتصال بهم (59). ويبدو أن ما توصل إليه هذا الوفد لم يكن إلا اتفاقاً مرحلياً، لأن النورمان عاودوا هجومهم على الأندلس في عهد الأمير محمد بن عبد الرحمن، وذلك في سنة 245 هـ/859 م وسنة 247 هـ/861 م (60).
ولكن لم يستطع النورمان أن يحققوا في هذين الهجومين انتصاراً يذكر، بل على العكس
(57) المصدر نفسه، ج 2، ص 87 - 88؛ العذري، ص 100.
(58)
انظر: ابن القوطية، ص 67.
(59)
المطرب في أشعار أهل المغرب، تحقيق: مصطفى عوض الكريم، الخرطوم، 1954، ص 130 فما بعدها؛
A. Ali El-Hajii، Andalusian Diplomatic Relations With Western Europe During the
Umayyad Period، Beirut، 1970، pp. 171 ff.
(60)
المقتبس، تحقيق مكي، ص 307 - 309، 311 - 312؛ العذري، ص 118 - 119؛ ابن عذاري: 2/ 96.
دُحِروا، وردوا على أعقابهم دون أن يتمكنوا من إلحاق أذى كبير بالمسلمين. ويعود السبب في ذلك إلى أن جهود الأمير عبد الرحمن الأوسط كانت قد أينعت في عهد ولده الأمير محمد، فكان للاحتياطات الدفاعية التي اتخذها في تقوية الأسطول والمحارس والرباطات التي أقامها على طول الساحل الغربي للأندلس، أثر كبير في رد الغزاة والتقليل من شأن هجومهم (61).
(61) لمزيد من التفصيلات عن غارات النورمان على الأندلس، انظر المراجع الآتية:
محمد عبد الله عنان، " بين عرب الأندلس والنورمان " مجلة الهلال، ج 3، القاهرة، 1944؛ حسين مؤنس، " غارات النورمان على الأندلس " القاهرة، 1949؛ خليل إبراهيم صالح السامرائي، الثغر الأعلى الأندلسي، ص 269 - 282.