المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الأولدخول عبد الرحمن بن معاوية الأندلس وتأسيس الإمارة الأموية - تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌مُقَدِّمَة

- ‌البَابُ الأَوَّلفتح العرب لإسبانيا واستقرارهم فيها

- ‌الفَصْلُ الأَوَّلمقدمة في الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية في إسبانيا قبيل الفتح العربي

- ‌الفَصْلُ الثَّانِيفتح العرب لإسبانيا

- ‌الفَصْلُ الثَّالِثالنشاط الحربي للعرب في شمال إسبانيا والتوغل في فرنسا

- ‌الفَصْلُ الرَّابِعاستقرار العرب واستيطانهم في إسبانيا

- ‌البَابُ الثَّانِيعهد الإمارة في الأندلس

- ‌الفَصْلُ الأَوَّلدخول عبد الرحمن بن معاوية الأندلس وتأسيس الإمارة الأموية

- ‌الفَصْلُ الثَّانِيأعمال الأمراء الأمويين في تثبيت السلطة والاستقرار

- ‌الفَصْلُ الثَّالِثعلاقة الدولة العربية الإسلامية مع الإمارات الإسبانية في الشمال

- ‌البَابُ الثَّالِث" عصر الخلافة

- ‌الفَصْلُ الأَوَّلتولية عبد الرحمن الناصر

- ‌الفَصْلُ الثَّانِيالأخطار الخارجية الأندلس والممالك الإسبانية الشمالية:

- ‌الفَصْلُ الثَّالِثالمظاهر الحضارية

- ‌الفَصْلُ الرَّابِعالأندلس بعد وفاة الناصر

- ‌البَابُ الرَّابِع [[سقوط الخلافة وفكرة عن دويلات الطوائف]]

- ‌الفَصْلُ الأَوَّلسقوط الخلافة

- ‌الفَصْلُ الثَّانِيفكرة عامة عن أهم دويلات الطوائف

- ‌الفَصْلُ الثَّالِثعصر المرابطين 484 - 540 هـ/1092 - 1145 م

- ‌الفَصْلُ الرَّابِععصر مملكة غرناطة (الأندلس الصغرى)

- ‌الفَصْلُ الخَامِسالمسلمون بعد سقوط غرناطة (الموريسكيون)

- ‌البَابُ الخَامِسحضارة العرب في الأندلس

- ‌الفَصْلُ الأَوَّلتاريخ الفكر العربي في الأندلس

- ‌الفَصْلُ الثَّانِيالنظم السياسية العربية في الأندلس

- ‌الفَصْلُ الثَّالِثأثر الحضارة العربية في الأندلس على أوروبا

الفصل: ‌الفصل الأولدخول عبد الرحمن بن معاوية الأندلس وتأسيس الإمارة الأموية

‌الفَصْلُ الأَوَّل

دخول عبد الرحمن بن معاوية الأندلس وتأسيس الإمارة الأموية

انتقلت الخلافة، على أثر نجاح الثورة العباسية، من الأمويين إلى العباسيين. وقد توفي آخر خلفاء بني أمية، مروان بن محمد، في مصر، وانتهى أمر بني أمية بالمشرق سنة 132 هـ/750 م وابتدأ العباسيون في أعقاب سقوط الخلافة الأموية باضطهاد أفراد البيت الأموي الحاكم، وتتبعهم بالقتل والتمثيل أينما وجدوا. وفي مصادرنا روايات عديدة عن هذا الأمر ربما كان معظمها موضوعاً، منها على سبيل المثال، أن العباسيين بتروا يد أبان بن معاوية بن هشام وقدمه، وطافوا به في كور الشام، وهو على هذه الصورة المشوهة، وأركبوه حماراً ومن ورائه مناد ينادي:" هذا أبان بن معاوية فارس بني أمية " حتى مات. كما ذبحوا عبدة بنت هشام بن عبد الملك لأنها رفضت أن تدلهم على المكان الذي أخفت فيه مجوهراتها. ونتيجة لهذه المعاملة هرب وجوه بني أمية واختفوا عند القبائل العربية في البادية. ومن هؤلاء عبد الواحد بن سليمان، والغمر بن يزيد وغيرهما. وعندما رأى العباسيون ذلك، وأن سياسة الاضطهاد لم تأت بما يرجونه من استئصال بني أمية، سلكوا سبيلاً آخر تميز بالخديعة والغدر. فأصدر أبو العباس عبد الله " السفاح "، الخليفة العباسي الأول، بياناً اعترف فيه بإسراف العباسيين في اضطهاد الأمويين، وندمهم على ذلك، وأمَّن من بقي منهم على قيد الحياة. وقد أذاع عم الخليفة عبد الله بن علي، هذا البيان في بلاد الشام، فخدع عدد كبير من بني أمية به، ولبوا دعوة عبد الله إلى الظهور، فاستطاع بهذه الطريقة أن يقتل ما يربو على سبعين رجلاً آخر منهم في مجزرة نهر أبي فطرس، قرب الرملة في فلسطين، وكان يحيى وعبد الرحمن، حفيدا الخليفة هشام بن عبد الملك، من المحظوظين القلائل الذين نجوا من هذه المذبحة البشعة (1). ولكن العباسيين استطاعوا بعد هذه المذبحة أن يلقوا القبض

(1) أخبار مجموعة، ص 46 - 50؛ المقري: 1/ 327 - 328؛ وانظر: دوزي، تاريخ مسلمي إسبانيا: 1/ 182 - 183؛ عنان، المرجع السابق، 1/ 148.

ص: 87

على يحيى ويقتلوه، أما عبد الرحمن فقد كتبت له النجاة لأنه كان غائباً في الصيد في أثناء غارة الجند على القرية التي كانا يختفيان فيها. وعندما عاد وعلم بمصير أخيه المحزن، انتهز فرصة الظلام وهرب بعد أن أوصى أختيه، أم الأصبغ، وأمة الرحمن، أن يتبعانه مع ولده سليمان، إلى قرية أخرى عينها لهم.

هروب عبد الرحمن بن معاوية إلى المغرب:

ولم يفكر عبد الرحمن في المكوث طويلاً في مخبئه الجديد بعد أن لحقت به أسرته، بل كان يفكر في التوجه نحو المغرب، ولكن العباسيين سرعان ما اكتشفوا مكانه، وداهموه من جديد. وينقل لنا مؤلف كتاب "أخبار مجموعة" رواية هروب عبد الرحمن بن معاوية على لسانه في قصة مؤثرة. فقد كان عبد الرحمن يرقد في حجرة مظلمة لرمد في عينه حين دخل عليه ابنه سليمان، خائفاً فهرع الأب ليرى ماذا يجري في الخارج. فرأى رايات العباسيين السوداء تحاول تطويق القرية فأسرع لضيق الوقت بأخذ بعض المال، وأوصى أختيه بأن يلحق خادمه بدر بما يصلحه إذا سلم من مطارديه. وكان هؤلاء قد سدوا عليه كل منافذ الهرب، فلم يبقَ أمامه وأمام أخيه الأصغر الذي رافقه سوى إلقاء نفسيهما في نهر الفرات. واستطاع عبد الرحمن أن يقطعه سباحة، ولكن الأخ عجز عن قطعه. فرجع مصدقاً وعد الجنود المطاردين لهما بالأمان إن عادا إليهم. ولكن هؤلاء قتلوه أمام عيني أخيه عبد الرحمن في الضفة الأخرى من النهر. ولما أمن عبد الرحمن من خطر مطارديه، سار متخفياً وهو ينوي التوجه إلى المغرب. وتذكر لنا هذه الرواية أن نفس عبد الرحمن كانت تحدثه بما سيكون له من شأن في المغرب أو الأندلس، وأن ذلك بسبب نبوءة كان يعرفها بنو أمية ويرددونها قبل سقوطهم (2).

ولد عبد الرحمن في سنة 113هـ/731 م في بلاد الشام في قرية تعرف بدير حنين، وقيل بل ولد بالعليا من أعمال تدمر. وكانت أمه سبية بربرية من قبيلة نفزة في شمال أفريقيا، وتدعى "راح". أما أبوه معاوية، فقد توفي شاباً في أيام أبيه هشام بن عبد الملك سنة 118هـ/736 م، فكفله وإخوته جده هشام بن عبد الملك. وكان جده يؤثره على بقية إخوته ويتعهده بالصلات والعطايا في كل شهر حتى وفاته. وظل عبد الرحمن يعيش مع أهله وإخوته في قرية دير حنين من أعمال قنسرين إلى أن حلت النكبة بأسرته،

(2) انظر: أخبار مجموعة، ص 51 - 52، ابن عذاري: 2/ 41.

ص: 88

واضطرته الظروف إلى الهرب. وبعد صعوبات بالغة استطاع الوصول إلى فلسطين، حيث التحق به مولاه بدر، ومولى أخته، سالم أبو شجاع. وكان الأخير، الذي يحتمل أن يكون من أصل بيزنطي، حسن المعرفة والاطلاع على مناطق شمال أفريقيا والأندلس، لأنه كان قد دخلها مع موسى بن نصير أو بعده، وشارك في بعض حملات الصوائف في الأندلس (3). وقد غادر عبد الرحمن ورفيقاه إلى مصر، ومنها إلى أفريقية، أي تونس الحالية، حيث لم تكن سلطة العباسيين قد اعترف بها بعد هناك. وكان العديد من اللاجئين من أفراد البيت الأموي قد ذهبوا أيضاً إلى أفريقية. ولكن هذا المكان لم يكن ملائماً جداً للجوء، لأنه كان يحكمه عبد الرحمن بن حبيب الفهري، الذي لم يعترف بسلطان العباسيين، وكان يحاول الاستقلال بالحكم، والتطلع إلى تحويل أفريقية إلى إمارة وراثية لأولاده. ولهذا السبب فقد أصبح قلقاً جداً لوجود العديد من الأمراء الأمويين في بلاده. فدبر قتل ابني الخليفة الوليد بن يزيد، كما قرر إبادة الآخرين، لكن عبد الرحمن نجح في الهرب غرباً حيث طلب الأمان بين قبائل البربر (4).

تنقل عبد الرحمن في شمال أفريقيا من مكان إلى آخر ما يقرب من خمس سنوات، فأقام أولاً عند قبيلة مكناسة البربرية في موضع يقال له باري. ثم غادر غرباً حيث حصل على تأييد بربر قبيلة نفزة، وهم أخواله، حيث كانت أمه نفزية كما أسلفنا. وقد نجح أيضاً في الحصول على حماية قبائل بربرية أخرى كبيرة في المنطقة، مثل زناته ومغيلة. وعمل أحد زعماء هذه القبيلة الأخيرة، وهو أبو قرّة، أو ابن قرّة وأنسوس المغيلي، على التستر عليه أثناء إقامته الأخيرة في شمال أفريقيا (5).

التفكير في العبور إلى الأندلس:

ويبدو أن تفكير عبد الرحمن في ولاية الأندلس ابتدأ عندما كان مقيماً بالقرب من ساحل طنجة عند قبيلة مغيلة البربرية، وكان عبد الرحمن بصفته أحد أفراد البيت الأموي، يعرف ما يجري في الأندلس، ولا بد أن يكون سالماً، مولى أخته، قد حدثه أيضاً عن هذا البلد الواسع وخيراته الكثيرة. يضاف إلى ذلك، الأخبار التي كانت تتوارد

(3) أخبار مجموعة، ص 55 - 56.

(4)

نفس المصدر، ص 54 - 55.

وقارن: أحمد بدر، دراسات في تاريخ الأندلس وحضارتها، ص 75 - 76.

(5)

ابن القوطية، ص 21؛ أخبار مجموعة، ص 55، 74.

ص: 89

إلى شمال أفريقيا عن اضطراب الأحوال في الأندلس، وتنازع القبائل العربية فيها.

وكانت الأندلس في ذلك الوقت، أي بعد سنة 130هـ/747 م تقريباً، قد صفت ليوسف ابن عبد الرحمن الفهري، وهو واليها الأخير، وللصميل بن حاتم الكلابي. فقد استطاع الأخير، الذي كان من زعماء جند قنسرين، أن يقود حرباً شعواء على الوالي أبي الخطار الكلبي، انتهت بمقتل الأخير، وهزيمة مؤيديه، الذين كان معظمهم ينتمي إلى القبائل اليمنية، وذلك في موقعة شقندة التي جرت بالقرب من قرطبة. وبعد هذه الموقعة لم يعد هناك منافس ليوسف الفهري والصميل، ولكن يوسف لم يكن له سوى الاسم واللقب، وذلك لاستئثار الصميل بالحكم وتدبير الأمور. وقد أدى هذا الأمر إلى ضجر يوسف الفهري، ففكر بإبعاد الصميل، وذلك بتوليته على مدينة سرقسطة في الشمال الشرقي من البلاد. ورحب الصميل بهذه الفكرة التي اعتقد بأنها ستتيح له السيطرة على جماعات العرب اليمنيين في تلك المنطقة (6).

استغل عبد الرحمن بن معاوية هذه الأحداث، وحاول أن يستفيد منها في تنفيذ خطته بالعبور إلى الأندلس، وإعادة السلطة الأموية إليها. وقد ساعده في هذا وجود العديد من الموالي أو الأنصار الموالين للأمويين في الأندلس، وبشكل خاص في كورتي البيرة وجيان. وهؤلاء يشكلون مجموعة الموالي الذين رافقوا الشاميين ضمن جندي دمشق وقنسرين. وقد أسلفنا أن هؤلاء كانوا على اتصال وثيق بالبيت الأموي، ولهذا فقد عرفوا بموالي بني أمية. وكانوا يتألفون من نحو خمسمئة رجل في هاتين الكورتين، وإن كان بعضهم قد عاش أيضاً في أماكن أخرى. ومن زعمائهم أبو الحجاج يوسف بن بخت، الذي كان رئيساً للموالي في جيان، وكذلك أبو عثمان عبيد الله بن عثمان، وعبد الله بن خالد، اللذان كانا من رؤساء الموالي في جند دمشق في البيرة (7). وكانت حالة هؤلاء الموالي، ومكانتهم جيدة، ويمتلكون ثروة لا بأس بها، لا سيما زعمائهم المذكورين آنفاً، حيث كانت لهم أراضٍ وممتلكات، ونفوذ كبير، وهيبة قوية بين بقية المستقرين في الأندلس يضاف إلى ذلك، أنهم خالطوا كبار القادة من الشاميين والبلديين، فضلاً عن السكان المحليين، وأفراد الأسرة القوطية المالكة السابقة. وقد حصل هؤلاء القادة الثلاثة على عشرة ضياع لكل واحد منهم، منحة من أرطباس بن غيطشة، ملك القوط السابق. فاتخذ أبو عثمان مسكنه في طرش Torrox، وهي قرية

(6) أخبار مجموعة، ص 62.

(7)

نفس المصدر، ص 66 - 67، 70؛ ابن عذاري (برواية الرازي) ص 2/ 42.

ص: 90

صغيرة، تقع بين لوشة Loja وإزناخار Iznajar، وكانت إحدي الضياع العشر التي أعطيت له من قبل أرطباس. وكذلك فقد أقام عبد الله بن خالد في الفنتين Alfontin، بالقرب من لوشة، وهي أيضاً إحدى قرى أرطباس. أما يوسف بن بخت، فقد كان يقيم في جيان (8).

اتصال عبد الرحمن بأنصاره في الأندلس:

ابتدأ عبد الرحمن اتصاله بالأندلس بأن أرسل رسالة مع مولاه بدر إلى قادة موالي بني أمية في البيرة. وقد شرح لهم في هذه الرسالة كيف أنه عانى العديد من المتاعب، وظل يجوب شمال أفريقيا مدى خمس سنوات، هرباً من مطاردات العباسيين، ووالي أفريقية، عبد الرحمن بن حبيب، الذي حاول القضاء على جميع أفراد البيت الأموي. وذكرهم في هذه الرسالة أيضاً بأنهم موالي بيته، ولذا فمن حقه عليهم أن يحموه ويساعدوه. وأخبرهم أيضاً بأنه لا يستطيع المضي إلى الأندلس خوفاً من حاكمها يوسف الفهري الذي سيعتبره عدواً منازعاً لا حق له في الولاية، مثله كمثل حاكم أفريقية. وقال لهم أخيراً إنه لن يعبر إلى الأندلس إلا إذا تلقى منهم جواباً يؤكد نجاح خطته، وإنهم مساعدوه في إعادة السلطة الأموية إلى الأندلس. وقد عبر بدر إلى الأندلس في أواخر عام 136 هـ/حزيران 754 م، وقابل أبا عثمان في طرش، فأرسل الأخير إلى عبد الله بن خالد، وقررا استشارة يوسف بن بخت، زعيم الموالي في جند قنسرين (9).

وبعد الاطلاع على الرسالة ومناقشتها من قبل الزعماء الثلاثة، قرروا أن محاولة عبد الرحمن في إعادة الحكم الأموي إلى الأندلس تستحق الدعم والتشجيع، لا سيما أنها سوف تحقق لهم في حالة نجاحها مكاسب كبيرة، وتضعهم في مصاف الحاشية المقربة للأمير. يضاف إلى ذلك، أن نجاح قضية عبد الرحمن سيضمن بالتأكيد مصالح الموالي عامة، وبشكل خاص تملكهم للعديد من الضياع الممتازة، هذا فضلاً عن أن الأمير سيعهد لهم بمعظم المناصب الرفيعة في حكومته الجديدة. ومع هذا، فقد قرر زعماء الموالي التريث، والاطلاع على رأي الصميل بن حاتم في هذا الأمر. وكانوا واثقين من إمكانية الاعتماد على كتمانه للسر، وأنه حتى في حالة رفضه للأمر، فسوف لن يشي بهم عند يوسف الفهري (10). وعلى الرغم من ذلك، فقد كان أحد زعماء

(8) ابن القوطية، ص 21، 24، 38، 40؛ أخبار مجموعة، ص 67، 76، 80.

(9)

المصدر نفسه، ص 67، ابن عذاري: 2/ 41؛ المقري: 3/ 29.

(10)

المصدر نفسه: 3/ 30؛ أخبار مجموعة، ص 67.

ص: 91

الموالي، وهو عبد الله بن خالد، يشك في مساعدة الصميل في تحقيق مشروع عبد الرحمن بن معاوية، لأن أي تغيير في نظام الحكم القائم في الأندلس سيجرد الصميل من قوته ونفوذه في البلاد. ولهذا السبب فقد قرروا أنه من الأفضل إخفاء غرض عبد الرحمن الحقيقي في طلب السلطة، والاكتفاء بشرح الحالة للصميل قائلين أن عبد الرحمن لا يريد إلا الحماية والأمان، واستعادة أملاك الخمس التي تعود إلى جده هشام ابن عبد الملك (11).

موقف الصميل من قضية عبد الرحمن بن معاوية:

وكان الصميل في هذه الأثناء محاصراً في سرقسطة من قبل بعض المجموعات العربية التي قامت بالتمرد على إدارة الصميل ويوسف المشتركة، بقيادة عامر بن عمرو العبدري، والحبحاب بن رواحة الزهري. وقد ضاق الأمر على الصميل ولم يستطيع يوسف الفهري أن ينجده لضعف أمره في قرطبة، بسبب الجفاف والجوع الذي حل في البلاد حتى إنه لم يعد يستطيع الخروج والركوب إلا بنحو خمسين رجلاً من حرسه فقط. فاضطر الصميل إلى طلب النجدة من جماعته وأبناء جنده في كورتي قنسرين والبيرة. ولكي يقدم الموالي يداً للصميل، ساهموا في الحملة التي خرجت من هذين الجندين لنجدته في سرقسطة. وإن هذه المساهمة، بطبيعة الحال ستتيح لهم الفرصة لمقابلة الصميل وعرض أمر عبد الرحمن بن معاوية عليه. فساروا بثلاثين فارساً يصحبهم بدر مولى عبد الرحمن، حيث نجحت الحملة في فك الحصار عن الصميل الذي سر سروراً عظيماً بمنقذيه، وكان هؤلاء الموالي، وبدر أيضاً من جملة الذين نالوا مكافأة الصميل المجزية. وقد باح زعماء الموالي الثلاثة إلى الصميل بسرهم أثناء عودتهم إلى قرطبة، وطلبوا مشورته، قائلين بأنهم سيكونون تبعاً لرأيه، وذلك بالموافقة على أي أمر يقبل به والامتناع عما يرفضه. فلم يجبهم في أول الأمر، ووعدهم بالتفكير في المسألة، لكنه لم يلزم نفسه بأي شيء قبل أن يصل قرطبة. ورجع الموالي إلى مناطق سكناهم في البيرة وجيان، وانتظروا هناك بضعة أشهر حتى كانت لهم الفرصة لرؤية الصميل مرة أخرى. وفي أثناء ذلك الوقت عاد بدر إلى سيده في شمال أفريقيا ليعلمه بنتائج رحلته إلى الأندلس (12).

(11) المقري، 3/ 30.

(12)

ابن عذاري: 2/ 41.

ص: 92

أما في الأندلس، فقد انشغل واليها بالتهيؤ لإخضاع المتمردين في سرقسطة، فأمر فى عام 137 هـ/754 - 755 م باستدعاء الجند من الكور، وأرسل فى طلب كل من أبي عثمان وعبد الله بن خالد لحث موالي بني أمية على الالتحاق بالحملة المتوجهة لقتال المتمردين، ولم يكن زعيماً الموالي يرغبان بمساعدة يوسف الفهري، فأخبراه بعدم إمكانية جماعتهم للمساهمة في الحملة بسبب المجاعة المستمرة في البلاد، ولأن معظم من كان لديه القدرة على المساهمة، سبق أن شارك في حملة الانقاذ التي توجهت لنجدة الصميل في سرقسطة، وهم منهكون بسبب تلك الرحلة الشتوية الشاقة. وقد قدم لهما يوسف مبلغ ألف دينار لتوزيعها على أتباعهم، لكنهما رفضا أخذ المبلغ نظراً لقلته بالنسبة إلى خمسمئة رجل من الموالي. وبعد أن غادرا الوالي، فكرا في أمر المال وإمكانية استخدامه في تسهيل قضية عبد الرحمن بن معاوية، فرجعا وأخذا الألف دينار. ثم وزعا قسماً من هذا المال على أتباعهما، دون مطالبتهم بالالتحاق بجيش يوسف، واحتفظا بالبقية لوقت الحاجة. وفي ذي الحجة 137 هـ/نيسان- أيار 755 م عسكر يوسف الفهري في (مخاضة الفتح) بالقرب من جيان لاستكمال التجميع النهائي لجيشه، وتوزيع الأعطيات على الجنود. وعندما سأل عن الموالي، أجابه أبو عثمان بإمهالهم حتى يبلغ الأمير طليطلة ثم يلحقونه بها، وذلك بعد أن يحصدوا شيئاً من شعيرهم، لأن سنة 137 هـ/754 - 755 م كانت سنة رفاء. فصدقه يوسف ولم يتبادر إلى ذهنه أنه يخدعه، وسمح له بالرجوع إلى الموالي وحثهم على الإسراع والتهيؤ، وغادر هو إلى طليطلة. ولكن أبا عثمان وعبد الله بن خالد لم يغادرا. بل بقيا لمقابلة الصميل، الذي كان ما يزال معسكراً في المنطقة. وقد طلب زعيما الموالي مقابلة الصميل على انفراد، وذكراه بأمر عبد الرحمن بن معاوية. فأجابهما الصميل: إنه لم يغفل ذلك بل فكر فيه ملياً، وكتم أمره ولم يشاور فيه قريباً ولا بعيداً، وأعلمهما أنه يرى بأن عبد الرحمن حقيق بنصره، ومستحق لهذا الأمر، وسألهما أن يكتبا له ويدعوانه للعبور إلى الأندلس. وأضاف بأن يوسف لن يستطيع التدخل، وإنه، أي الصميل، سوف يشير عليه بأن يزوج إحدى بناته من عبد الرحمن، وبهذا يصبح الأخير واحداً منهم، فإن فعل يوسف ذلك استحق الشكر والتقدير من الجميع، وإن كره، هان عليهم إقناعه بالسيف. وقد فرح الزعيمان لسماع مثل هذا الجواب الشافي، وخرجا من عند الصميل، وهما يعتقدان بأنهما قد وفقا في خطتهما (13).

(13) أخبار مجموعة، ص 70 - 72؛ فتح الأندلس، ص 48 - 49؛ انظر أيضاً: ابن عذاري: 2/ 43؛ المقري: 3/ 30.

ص: 93

وعلى الرغم من إدعاء الصميل أنه قد فكر في الأمر وتروى فيه، يبدو أنه لم يكن متاكداً تماماً من موقفه إزاء عبد الرحمن بن معاوية. فيُروى أنه حينما أعطى جوابه إلى زعيمي الموالي في ذلك الصباح، كان قد استيقظ وهو كاره ليوسف الفهري، ولم يكن يعي تماماً خطورة موافقته على دخول عبد الرحمن (14). ولهذا فبعد أن غادره أبو عثمان وعبد الله بن خالد، فكر الصميل أكثر بالأمر ودرس نتائجه الخطيرة، وماذا سيكون من أمر القبائل العربية في الأندلس، بل ماذا سيكون من أمره هو، لأنه بالتأكيد أول من سيفقد نفوذه القوي وزعامته للبلاد. وما أن أدرك الصميل ذلك، حتى بادر بإرسال أحد خدمه ليطلب إلى الزعيمين الأمويين التوقف، وذهب إليهما بنفسه، وأخبرهما عن تغيير رأيه إزاء قضية عبد الرحمن بن معاوية. وقد أوضح لهما موقفه قائلاً: بأنه قد فكر بالأمر، وتوصل إلى أنه لا يتمكن من تأييده، لأنه، أي عبد الرحمن بن معاوية، من أسرة قوية يكفي أي فرد منها أن يطغى بنفوذه على كل زعماء الجزيرة، وبضمنهم الصميل نفسه. كما لفت انتباههما إلى أنهم ملزمون جميعاً بطاعة يوسف الفهري الذي يخضع دوماً إلى آرائهم، وينفذ مطالبهم. واختتم الصميل حديثه معهم بالقول بأنه سيكون أول من يسل سيفه على عبد الرحمن ويحاربه ولكنه، مع ذلك، على استعداد لإعانته في أمره إن طلب غير السلطان والولاية، وإنه سيضمن له مواساة يوسف وإكرامه له وتزويجه من ابنته (15).

الاتصال بزعماء القبائل اليمنية ونجاح دعوة عبد الرحمن:

بعد أن فقد زعيما الموالي الأمل في مساعدة الصميل، وبالتالي مساعدة جندي قنسرين ودمشق، لم يكن أمامهما سوى الاتصال بجماعة اليمنيين الذين كانوا يضمون الكثير من البلديين الأوائل، ومعظم رجال الأجناد في حمص والأردن وفلسطين. ومن هنا ففي طريق عودتهما إلى بلدهما، فاتحا كل من يوثق به من الزعماء اليمنيين، ودعوهما إلى تأييد مشروعهما بتحويل الحكم في الأندلس إلى عبد الرحمن بن معاوية. وقد نجحا في ذلك نجاحاً كبيراً، وكانت استجابة اليمنيين مشجعة جداً. ويعود السبب في ذلك إلى أن اليمنيين كانوا منذ هزيمتهم في شقندة يتحينون الفرصة للانتصاف لأنفسهم من الصميل ويوسف. يضاف إلى ذلك، امتعاضهم من إدارة الصميل ويوسف

(14) أخبار مجموعة، ص 71؛ فتح الأندلس، ص 48.

(15)

أخبار مجموعة، ص 74؛ انظر أيضاً: ابن القوطية، ص 23 - 24.

ص: 94

المشتركة التي استهدفت تجريدهم من بعض ممتلكاتهم لصالح مؤيدي الصميل من جندي قنسرين ودمشق. ولقد كان هؤلاء اليمنيون، بالإضافة إلى الكثير من جماعات البلديين الأوائل، والبربر، وحتى بعض الأفراد القيسيين من جندي دمشق وقنسرين، الذين نفروا أيضاً من سياسة الصميل، يفضلون أي تغيير سياسي في البلاد، فسارعوا بالانضمام إلى تأييد دخول عبد الرحمن إلى الأندلس (16).

استغل موالي بني أمية نجاح الدعوة لعبد الرحمن، فعجلوا في العمل على وصوله إلى الأندلس وبخاصة أن يوسف والصميل كانا مشغولين في حملتهما على المتمردين في سرقسطة. فابتاعوا قارباً، وأرسلوا خمسمئة دينار مع وفد يتألف من أحد عشر عضواً، يرافقهم بدر الذي كان قد رجع من شمال أفريقيا. وكان هذا الوفد برئاسة تمام بن علقمة الثقفي، ويتألف في معظمه من الموالي. وكان على تمام أن ينفق المال على الأمير عبد الرحمن، ويوزع منه على مضيفه من بربر مغيلة الذين كان يعيش عند شيخهم أبو قرة المغيلي. ومن الجدير بالذكر أن هذه الخمسمئة دينار كانت من بقية المبلغ الذي أخذه الموالي من يوسف الفهري لكي يرافقوه في زحفه على سرقسطة، وقد شاءت الأقدار أن يستعمل هذا المال في نصرة زعيم آخر ينازع يوسف إمارة الأندلس. وعند وصول الوفد إلى شمال أفريقيا، قدّمهم بدر إلى سيده عبد الرحمن، وأخبره عن نجاحهم في الأندلس. وبعد أن تم استرضاء بربر مغيلة، أبحر الأمير عبد الرحمن إلى الشاطئ الاسباني، فنزل في ميناء المُنَكَّب Almunecar، وهو ميناء صغير يقع بين مدينة المرية ومالقة، في ربيع الثاني 138 هـ/أيلول 755 م. وقد استقبله كل من عبد الله بن خالد، وأبي عثمان، اللذان أخذاه أولاً إلى منزل ابن خالد في الفنتين، ومن ثم إلى مسكن ابن عثمان في قرية طُرش (17).

دخول عبد الرحمن بن معاوية إلى الأندلس:

أحدث وصول عبد الرحمن إلى الأندلس حركة نشيطة بين صفوف أنصاره من الموالي وغيرهم من اليمنيين. فجاءه إلى مقره في طُرش أبو الحجاج يوسف بن بخت، وجاءته الأموية كلها، كما وفد عليه كل من جدار بن عمرو المذحجي من أهل رية، وعاصم بن مسلم الثقفي، وأبو عبدة حسان، وغيرهم. وأخذ معسكر عبد الرحمن يزداد

(16) قارن: أخبار مجموعة، ص 74 - 82؛ ابن عذاري: 2/ 44؛ المقري: 3/ 31.

(17)

انظر: ابن القوطية، ص 24؛ أخبار مجموعة، ص 74 - 76؛ ابن عذاري: 2/ 44.

ص: 95

بالمؤيدين والأنصار من كل مكان. وعندما علم يوسف الفهري بوصول عبد الرحمن، كتب إلى عامله على البيرة، يأمره بالقبض على الداخل، ولكن عامل البيرة أجاب أنه من الصعب تنفيذ هذا الأمر، نظراً لأن عبد الرحمن كان محمياً من قبل مواليه وعدد كبير آخر من المؤيدين. وقد علم موالي بني أمية بهذه المراسلات، فأخفوا عبد الرحمن في المناطق الجبلية المجاورة. وفي الوقت نفسه حاولوا تضليل يوسف الفهري، فكتبوا إليه بأن عبد الرحمن لم يعبر إلى الأندلس طمعاً بالملك والولاية، كما يظن الأمير يوسف، بل جاء يطلب الثراء والأمان بين مواليه. وفي رواية أخرى أن عامل البيرة هاجم فعلاً عبد الرحمن وحماته، لكنه هُزم ولم يتمكن من إلقاء القبض عليه. وقد أعلم يوسف بهذا، وبكل الموقف المتعلق بنزول عبد الرحمن إلى الأندلس، من قبل رسول أرسلته زوجته أم عثمان من قرطبة. وقد وصل هذا الرسول إلى يوسف حينما كان عائداً بجيشه من سرقسطة، بعد أن قضى على التمرد وأعدم قادته هناك. وقد نصح الصميل يوسف بوجوب التوجه فوراً لملاقاة عبد الرحمن. وكان يوسف يرغب فعلاً في هذا، ولكن هذه الأنباء انتشرت بسرعة بين صفوف الجيش، وسببت قلقاً عظيماً في المعسكر. لا سيما وأن الكثيرين من أتباع يوسف كانوا متعبين من أثر حملة كانوا قد قاموا بها على بلاد البشكنس أو الباسك، كما كان البعض منهم ساخطين على يوسف والصميل لقتلهما الزعماء القرشيين المتمردين في سرقسطة. ومن هنا، فقد رفض جنود يوسف الشروع في حملة جديدة، وغادروا معسكره، ولم يبقى معه من أجناد اليمن سوى عشرة رجال. أما بقية الجيش الذي يضم الشاميين في جندي جيان والبيرة، فقد ظلوا لكنهم كانوا قد ملوا السفر، ولهذا حاولوا تهوين الأمر على يوسف وإقناعه بالمضي إلى قرطبة أولاً. لكن الصميل أصر على رأيه الأول في مهاجمة عبد الرحمن بأسرع ما يمكن، فتوجه الجيش لهذا الغرض، ولكن حلول الشتاء وهطول الأمطار وفيضان الأنهار، جعل من المتعذر الاستمرار بالحملة، لذلك أمر يوسف جنده بالرجوع إلى قرطبة (18).

ويذكر أن الذي شجع يوسف على العودة إلى قرطبة ما ترامى إلى سمعه من أن عبد الرحمن لم يدخل طمعاً بالإمارة، بل لالتماس العيش بها، ومن هنا فمن الممكن أن تنفع المفاوضة معه بدلاً من القتال. فأرسل إليه وفداً يضم ثلاثة أعضاء، ويحمل هدايا نفيسة تتضمن ملابس وخدماً وحيوانات للركوب وألف دينار. وكانت لدى الوفد تعليمات بعرض الثروة والزواج من إحدى بنات يوسف بن عبد الرحمن، فيما إذا كف

(18) انظر: أخبار مجموعة، ص 77 - 79.

ص: 96

عن المطالبة بإمارة الأندلس. وهناك إشارة إلى أن الوفد عرض على عبد الرحمن أيضاً ولاية منطقتين، هما جند دمشق في البيرة، وجند الأردن في رية (19). وقد سار الرسل نحو طُرش، ولكنهم ما إن وصلوا إلى أُرش Orch في أدنى كورة رية، حتى تركوا أحدهم مع الهدايا، حيث كان عليه أن يرجع بها إلى قرطبة في حالة عدم التوصل إلى اتفاق مع عبد الرحمن. وكان الوفد يحمل تعليمات بعرض الصلح والمصاهرة والسلم على عبد الرحمن، وقد مال بعض مؤيديه إلى قبول ذلك، فطلب الأمير من أبي عثمان أن يجيب على رسالة يوسف بالقبول. ويبدو أن أبا عثمان لم يكن راضياً عن نتائج المفاوضات، ولهذا فقد افتعل خصاماً مع أحد الرسل بشأن الرد على الرسالة، وألقى القبض عليه. ثم ذكر الموالي الأمويون لعبد الرحمن أن هذا الحادث هو فاتحة خير ونصر لهم جميعاً على يوسف الفهري. ثم أطلقوا سراح الرسول الثاني، وحاولوا الاستيلاء على الهدايا المخلفة مع الرسول الثالث في أرش، لكن الأخير، وقد علم بنبأ الخصام، نجح بالفرار إلى قرطبة (20).

تنظيم أنصار عبد الرحمن وبدء الصراع مع يوسف الفهري:

لقد كان زعماء موالي بني أمية يعرفون موقف الصميل الدقيق من الأمر، ولا يعتقدون أبداً بإمكانية التوصل إلى حل وسط بين الطرفين. ومن هنا فقد شرعوا فور وصول عبد الرحمن إلى الأندلس بالقيام بسلسلة من الاتصالات مع مختلف الجماعات في المناطق المجاورة. فتوجه يوسف بن بخت إلى كورة رية حيث ضمن تأييد جند الأردن. وكذلك سار عبد الله بن خالد إلى جند فلسطين في شذونة. أما أبو عثمان فقد بقي في طُرش ليهتم بأمر عبد الرحمن، وينظم أولئك الذين جاؤوا لنصرته. ولقد كانت ردود فعل الجندين المذكورين آنفاً مشجعة جداً، أما جندا قنسرين ودمشق، فقد وقفا إلى جانب يوسف والصميل، باستثناء بعض أفرادهما الذين انضموا إلى عبد الرحمن. وقد قرر موالي بني أمية وعبد الرحمن مغادرة كورة البيرة لعدم توفر مؤيدين كثيرين في هذه الكورة. وكانت خطتهم السير إلى الأجناد التي تضم أهل اليمن فى رية وشذونة وإشبيلية، أي أجناد الأردن وفلسطين وحمص. فساروا بستمئة فارس إلى كورة رية. وقد أيد قائد جند الأردن، جدار بن عمرو، عبد الرحمن، وطلب من خطيب جامع

(19) ابن عذاري: 2/ 45؛ فتح الأندلس، ص 52.

(20)

أخبار مجموعة، ص 80 - 82.

ص: 97

أزشُذُونَة Archidona، قاعدة كورة رية، أن يخلع يوسف الفهري ويخطب لعبد الرحمن بن معاوية، وذلك في اليوم الأول لعيد الفطر (سنة 138 هـ/8 آذار 706 م) الذي صادف دخول الأمير إلى هذه المدينة، فكانت هذه أول خطبة باسم عبد الرحمن على منابر الأندلس. وقد أيد كل أهالي أرشذونة هذا القرار وأقسموا يمين الولاء للأمير الجديد (21). وأقام عبد الرحمن ومواليه نحو عشرين يوماً في رية، أرسلوا خلالها مبعوثاً إلى عبد الرحمن بن عوسجة، زعيم البربر في منطقة تاكُرنا (إقليم رندة الحالية). وقد وافق الأخير على تأييد عبد الرحمن، وقدم أربعمئة فارس بربري من موالي الأمويين من بني الخليع في تاكُرنا فالتحقوا بقوات عبد الرحمن. وكان هؤلاء الموالي من موالي يزيد ابن عبد الملك، فأصبحوا في ولاء عبد الرحمن. إن هذه الجماعة من البربر، والجماعات البربرية الأخرى التي أيدت قضية عبد الرحمن بن معاوية، كانوا جميعاً يعملون بالتنسيق مع اليمنيين، لأنهم اعتقدوا بأن التعاون مع العشائر اليمنية المعتدلة من أجل تغيير النظام في الأندلس سوف يعمل بالتأكيد على تحسين الوضع لصالحهم. فقد تأثرت ممتلكات البربر وحيازتهم للأرض، كما هو الحال بالنسبة لليمنيين أيضاً، بإجراءات الصميل وسيطرته المطلقة على البلاد. ولكن من الناحية الأخرى، ساندت جماعات أخرى من البربر يوسف والصميل. وكان هؤلاء، بطبيعة الحال، حلفاءهم المنتفعين الذين فضلوا -مثلهم في هذا مثل الشاميين في جندي جيان والبيرة- استمرار الوضع القائم (22).

وصل عدد مؤيدي عبد الرحمن إلى نحو ألفي فارس حينما غادر رية إلى شذونة. وفي هذه الكورة الأخيرة انضم إليه عدد كبير من البربر من قبيلة مغيلة، وهم من بني الراس. وقد رحب قادة جند فلسطين، الذين كانوا مستقرين بهذه الكورة، بعبد الرحمن وأيدوه. ومن شذونة أرسل الموالي إلى جند حمص في إشبيلية، وإلى بقية المستقرين في غرب البلاد، يخبرونهم بمسيرتهم إليهم. وبعد أن جاء رد هؤلاء بالموافقة، توجه عبد الرحمن ومواليه وأنصاره إلى إشبيلية. وقد مروا في طريقهم بمورور، التي كانت مقراً للعديد من البربر الذين دخلوا مع زعيمهم، إبراهيم بن شجرة البرنسي، في طاعة عبد الرحمن. وعندما وصل الأمير الأموي إلى إشبيلية، رُحب به من قبل اليمنيين الشاميين والبلديين على حد سواء. وقد استقبله سادة هذه المنطقة، وعلى رأسهم أبو

(21) ابن القوطية، ص 25.

(22)

قارن: عبد الواحد طه، الفتح والاستقرار، ص 426.

ص: 98

الصباح يحيى اليحصبي، وحيوة بن ملامس الحضرمي، حيث أقسموا له يمين الطاعة والولاء (23). ولقد ازدادت قوات عبد الرحمن بمن انضم إليه من اليمنيين والبربر، فأصبحت تتألف من نحو ثلاثة آلاف فارس وعدد كبير من المشاة. وفي هذه الأثناء أراد يوسف والصميل أن يهاجما عبد الرحمن وهو في جند حمص، فسارا بمؤيديهما من جندي قنسرين والبيرة. ولكن ما إن سمع عبد الرحمن بهذا حتى غادر إشبيلية متوجهاً إلى قرطبة بغية الاستيلاء عليها بشكل مفاجئ. ولما أدرك يوسف والصميل، اللذان كانا يسيران بمحاذاة الجانب الآخر لنهر الوادي الكبير، غرض عبد الرحمن، شرعا بالعودة فوراً إلى قرطبة. وهكذا تقابل الجيشان وجهاً لوجه لا يفصلهما سوى نهر الوادي الكبير. كان للأجناد الثلاثة المرافقة لعبد الرحمن، أي الأردن وفلسطين وحمص، ألويتها الخاصة، بينما لم يكن للأمير الأموي علم خاص، لهذا فقد بادر أبو الصباح اليحصبي وعقد له لواء بسيطاً يتألف من عمامة مثبتة على رمح. وحدث هذا في إقليم طشانة Tocina في كورة إشبيلية، بالقرب من بلدة نوبة البحريين، التي كان يسكنها بنو بحر الذين ينتمون إلى قبيلة لخم (24).

معركة المصارة ودخول عبد الرحمن قرطبة:

كانت مياه نهر الوادي الكبير في أقصى ارتفاعها في ذلك الوقت، ولهذا فقد كان من المستحيل على الجيشين عبور النهر. ولكن عبد الرحمن كان متلهفاً لدخول قرطبة ليحصل على تأييد موالي بني أمية الموجودين في المدينة، لذلك عمد إلى إيقاد النار في معسكره ليوهم يوسف أنه مقيم، ثم حاول تحت جنح الظلام أن يسير ويسبق يوسف إلى قرطبة. وكادت خطته أن تنجح لولا تنبه يوسف وصاحبه الصميل لرحيله المفاجئ، فأسرعا عائدين لإنقاذ المدينة. فابتدأ السباق بين الجيشين للوصول إلى قرطبة؛ فكلما سار عبد الرحمن سار يوسف، وكلما عسكر أحد الجيشين، عسكر الآخر في الجهة المقابلة من النهر. وأخيراً توقف جيش يوسف عند المصارة Almazara بالقرب من قرطبة مواجهاً لمنافسه عبد الرحمن الذي فشل في دخول المدينة. وقد أدى هذا الفشل إلى استياء في جيش عبد الرحمن، وبشكل خاص بين الرعاع من هؤلاء، الذين كانوا يأملون في دخول العاصمة والتمتع بخيراتها تعويضاً عما لاقوه من صعوبات وقلة في

(23) ابن القوطية، ص 21 - 22، 25؛ أخبار مجموعة، ص 83 - 84؛ فتح الأندلس، ص 53.

(24)

ابن القوطية، ص 26! وانظر أيضاً: أخبار مجموعة، ص 84؛ فتح الأندلس، ص 54.

ص: 99

الطعام أثناء المسير، حيث أنهم لم يجدوا في طريقهم سوى بعض النباتات التي كانت تنمو في فصل الربيع على الطريق بين إشبيلية وقرطبة (25).

انتظر الفريقان ثلاثة أيام حتى ينخفض مستوى ماء النهر - من يوم الاثنين السادس من ذي الحجة إلى الخميس التاسع منه عام 138هـ/الحادي عشر إلى الرابع عشر من أيار 756 م. وفي هذه المدة كان عبد الرحمن يركز انتباهه على أمرين: الأول، هو إنهاء الترتيبات الخاصة بتنظيم قواته وتعيين القادة على الفرق العسكرية المختلفة التي يتألف منها جيشه، والأمر الآخر هو مشكلة عبور النهر دون التعرض إلى خطر الهجوم من قبل الجيش المعادي في الطرف الآخر. فعين عبد الرحمن بن نعيم الكلبي على الخيالة من أهل الشام، وبلوهة اللخمي على المشاة من اليمنيين. وأقام على مشاة بني أمية والبربر عاصم بن مسلم الثقفي، الذي بلغ من حماسه للقتال أن خلع سراويله للعبور والخوض في النهر، فسمي لذلك بالعريان. وجعل على خيل بني أمية حبيب بن عبد الملك القرشي، كما أعطى قيادة فرسان البربر إلى إبراهيم بن شجرة البرنسي، وأخيراً عهد بلواء الجيش كله إلى أحد زعماء الموالي، وهو أبو عثمان عبيد الله بن عثمان.

وبالنسبة للمشكلة الثانية، فقد شرع عبد الرحمن في الاتصال بيوسف الفهري وإجراء مفاوضات تمويهية معه بشأن التوصل إلى حل سلمي بين الطرفين. فأرسل عبد الرحمن وفداً إلى يوسف ينبئه بقبول شروطه السابقة، ورجاه ألا يعارض في عبوره هو وجنده إلى الجانب الآخر من النهر ليكون الطرفان جنباً إلى جنب تسهيلاً للمفاوضات. وقد جازت هذه الحيلة على يوسف، فلم يعترض على عبور جيش عبد الرحمن، بل بادر أيضاً بإرسال الغنم والبقر إليهم لإطعامهم. وهكذا قضى جنود الجيشين ليلتهم لا يشكّون بتمام الصلح بين الطرفين. ولكن مفاوضات عبد الرحمن مع يوسف لم تكن سوى وسيلة لتمكينه من العبور بسلام. وما أن تحقق له هذا الهدف، حتى هاجم في صباح اليوم التالي الباكر (الجمعة العاشر من ذي الحجة 138 هـ/الخامس عشر من أيار 756 م) جيش يوسف على حين غرة، واضطره للقتال دون استعداد وتنظيم كاملين. فتولى أمر المشاة على الفور ثلاثة من القادة، وهم كنانة بن كنانة، وجوشن بن الصميل، وعبد الله بن يوسف الفهري. أما خيالة أهل الشام فأعطيت قيادتها إلى علي بن عبيد الكلابي، وقد تزعم أحد موالي يوسف، واسمه خالد سَوْدي، قيادة موالي يوسف وحلفائه من البربر (26).

(25) انظر: أخبار مجموعة، ص 86.

(26)

المصدر نفسه، ص 88.

ص: 100

نشب القتال بالقرب من المصارة، وكانت المعركة قصيرة التحم فيها فرسان عبد الرحمن بالقلب والجناح الأيمن لقوات يوسف وهزموها. ومن هنا فقد فر من أرض المعركة خالد سودي وأتباعه من البربر والموالي، وقتل قادة المشاة الثلاثة المذكورين أعلاه. وقد حاول قائد الجناح الأيسر، عبيد بن علي الكلابي، أن يتدارك الموقف، لكنه لم يتمكن من الصمود أمام فرسان عبد الرحمن فقتل هو أيضاً مع الكثير من رجاله. ولم يكن أمام الصميل بن حاتم الكلابي سوى الهرب إلى جنده في جيان. أما يوسف الفهري، فقد فر هو الآخر من المعركة، وأراد الدخول إلى قرطبة، لكن منعه أحد قادة البربر فاضطر إلى الالتجاء إلى طليطلة أو البيرة (27).

بعد الانتصار دخل عبد الرحمن إلى قرطبة، ثم أدى صلاة الجمعة في مسجدها الجامع، حيث بايعه أهلها على الطاعة. وقد استغلت بعض العناصر في جيشه هذه الفرصة، وملكها الجشع فشرعت في نهب المدينة، وبشكل خاص، أماكن سكن يوسف الفهري والصميل وممتلكاتهما. هاجم اثنان من عشيرة طيء اليمنية مقر إقامة الصميل في شقندة، على مقربة من قرطبة، ونهباه، وأخذا من جملة الأشياء الثمينة صندوقاً يحوي عشرة آلاف دينار. وعندما علم عبد الرحمن بأعمال السلب والنهب التي جرت في المدينة، أمر بالكف عنها، وإعادة ما أخذ من الأموال إلى أصحابها. ولكن هذا الموقف لم يحظ بتأييد كل أنصار عبد الرحمن، وقد غضب اليمنيون واتهموه بالتعصب إلى قبيلته قريش. أما القادة العقلاء، فقد أخفوا عدم موافقتهم وقبلوا بموقفه، على الرغم من خيبة أملهم فيه. ويعود السبب في هذا إلى أن غرض اليمنيين الأول من تأييد عبد الرحمن كان التخلص من يوسف والصميل، والحصول على المزيد من المصالح والممتلكات نتيجة لتغيير النظام. ولكن موقف عبد الرحمن أثبت خطأ تقديراتهم. ومن هنا فقد أراد بعض قادتهم القيام بعمل سريع ضده والانقلاب عليه وعلى مواليه الأمويين، ليتمكنوا من الاستئثار بالأندلس وحدهم. وكان أبو الصباح اليحصبي، زعيم غرب الأندلس، من أهم القادة اليمنيين الداعين إلى هذا الأمر. ومع ذلك، فقد أُفشيت المؤامرة بسرعة إلى عبد الرحمن، فاتخذ إجراءات فورية لحماية نفسه ودولته الجديدة، فأنشأ شرطة، وعين عليها عبد الرحمن بن نعيم الكلبي، الذي كان ينتمي إلى قضاعة التي ظلت على ولائها له. وهذا أول منصب رسمي يتم إنشاؤه في عهد الأمير عبد الرحمن (28). واختار أيضاً

(27) انظر: ابن القوطية، ص 29، أخبار مجموعة، ص 91؛ ابن عذاري؛ 2/ 47.

(28)

انظر: ابن القوطية، ص 30؛ أخبار مجموعة، ص 90؛ قارن: فجر الأندلس، ص 685.

ص: 101

حرسه الخاص من مواليه، كما أحاط نفسه بموالي الأمويين في قرطبة.

نهاية عصر الولاية وقيام الإمارة الأموية في الأندلس:

قامت الدولة الأموية في الأندلس على أثر انتصار عبد الرحمن بن معاوية في معركة المصارة ودخوله قرطبة في يوم الجمعة العاشر من ذي الحجة سنة 138 هـ/14 أيار 756 م. وعلى الرغم من هذا الانتصار، لم يتمكن الأمير الأموي أن يسيطر أول الأمر على الأندلس كلها. فلقد كان ليوسف والصميل الكثير من المؤيدين، مما شجعهما على محاولة استعادة سلطانهما السابق. وقد جاءت إلى يوسف عندما كان في طريقه إلى طليطلة نجدة من الشمال الشرقي، بقيادة ابنه عبد الرحمن، تقدر بخمسمئة فارس. وفي طليطلة نال يوسف تأييد حاكمها الفهري، هشام بن عروة، الذي قدم له تعزيزات كثيرة. وقد قاد يوسف هذه القوات إلى جيان حيث كان الصميل يستنفر أتباعه هناك. فالتقيا، واستوليا على جيان، وطردا منها العامل الذي عينه عليها الأمير عبد الرحمن بن معاوية. ثم سارا إلى البيرة، وأجبرا عاملها أيضاً على الفرار إلى المناطق الجبلية المجاورة.

وبوصول هذه الأنباء إلى عبد الرحمن، وجد أنه لا مفر له من السير إليهما قبل أن يستفحل خطرهما على الوضع الجديد. وقد استخلف أبا عثمان على قرطبة، وترك معه بعض الموالي وسكان أهل المدينة من اليمنيين. ولكن ما إن علم يوسف بغياب عبد الرحمن عن قرطبة، حتى أوعز إلى ابنه أبي زيد، الذي كان في ماردة، بمفاجأة قرطبة واحتلالها. ونجح هذا الأخير في مهمته، لكنه لم يتمكن من البقاء فيها، وغادرها فور سماعه برجوع الأمير عبد الرحمن إليها، مكتفياً بأخذ أبي عثمان أسيراً معه. وقد أعاد عبد الرحمن تنظيم المدينة، وعهد بحراستها إلى رجل موثوق، هو عامر بن علي، جد بني فهر الرصافيين. ثم مضى لاستكمال حملته نحو البيرة، وعندما وصل هناك، وجد أن يوسف والصميل مستعدان للمفاوضات. ويبدو أنهما أحسا بعدم قدرتهما على الاستمرار في المقاومة، ففضلا الصلح مع عبد الرحمن. وتم التوصل إلى عقد اتفاق بين الطرفين في سنة 140 هـ/757 م، اعترف بموجبه كل من يوسف والصميل بعبد الرحمن بن معاوية أميراً على الأندلس، مقابل احتفاظهما بكل أموالهما وأملاكهما، وإعلان العفو العام عن جميع أنصارهما. وقد رضي عبد الرحمن بهذه الشروط، ووافق يوسف على أن يستودعه ابنيه، أبا زيد عبد الرحمن، وأبا الأسود محمداً، ليبقيا رهينتين حتى تهدأ الأمور، ويسود السلام. كما تبادلا الأسرى، فأطلق عبد الرحمن سراح خالد بن زيد، الرسول الذي سجن على أثر فشل المفاوضات في طُرش، مقابل إطلاق

ص: 102

سراح أبي عثمان، الذي أسر في الهجوم على قرطبة (29). ثم عاد الجميع إلى العاصمة، وسارت الأمور على خير ما يرام لفترة من الزمن، وعامل عبد الرحمن الجميع بلطف وكرم. وقد حاول بعض أعداء الوالي السابق مطالبته بحقوق لهم عنده أثناء ولايته، وادعوا أنه قد استولى هو والصميل على أراضيهم وممتلكاتهم، وطالبوا بمقاضاتهما أمام القاضي يزيد بن يحيى التجيبي. وكان هؤلاء يحسبون أن القاضي سيتحيز ضدهما، ولكنه تمالك نفسه، ولم يقض في أمرهما إلا بالحق، وأظهر براءتهما، فظلا مشمولين برعاية وإكرام الأمير (30).

ولكن الأمور لم تستمر على هذا المنوال، لأن الوضع الجديد في قرطبة لم يحظ بتأييد الكثير من الأسر القرشية من بني فهر وبني هاشم، الذين كانوا يتولون في العهد السابق أرفع المناصب في البلاد. وقد تحولت هذه المناصب الرئيسة إلى موالي الأمير، وأقربائه الذين جاءوا من المشرق، مثل عبد الملك بن عمر بن مروان، المعروف بالمرواني، وابنه عبد الله، وجزيء بن عبد العزيز بن مروان. ومن هنا، فقد بدأت الجماعات المتضررة بتحريض يوسف الفهري على الأمير الجديد. وقد أذعن يوسف لضغطهم، وحاول أن يستميل الصميل والأجناد الشاميين، لكنه فشل في حملهم على الاشتراك معه في التمرد على النظام الجديد. وعلى الرغم من هذا، فقد فر يوسف من قرطبة واستطاع أن يغري بعض البلديين والبربر في لقنت وماردة وطليطلة، فثاروا في هذه النواحي سنة 141 هـ/758 م. وقد حاول يوسف أن يستولي على مدينة إشبيلية التي كانت تحكم من قبل ابن عم الأمير عبد الرحمن، عبد الملك المرواني. ولكنه ما أن سمع بقدوم جيش عبد الرحمن إليه، حتى رفع الحصار عن إشبيلية، ومضى للقاء عبد الرحمن. وقد لاحق المرواني، وابنه عبد الله، حاكم مورور، يوسف، الذي خشي أن يقع بين كل من جيش عبد الرحمن، وجيش المرواني وابنه، فهاجم الجيش الأخير، وأسفرت المعركة عن هرب رجال يوسف، وفراره هو أيضاً إلى طليطلة. ولكنه لم يتمكن من الوصول إلى هذه المدينة والالتجاء إلى قريبه هشام بن عروة الذي كان عاملاً عليها. فقد استطاع أحد أبناء الأنصار، ويدعى عبد الله بن عمر الأنصاري، أن يتعرف عليه ويقتله على الطريق على بعد ستة كيلو مترات من طليطلة. ثم أقبل عبد الله الأنصاري برأس يوسف على الأمير عبد الرحمن، فأمر بقتل أبي زيد بن يوسف، وأبقى الابن الآخر في السجن لصغر سنه. ولما كان أحد أبناء الصميل مشتركاً في هذه المؤامرة، فإن عبد الرحمن لم يكن ليصدّق بأن

(29) أخبار مجموعة، ص 93 - 94.

(30)

المصدر نفسه، ص 94 - 95.

ص: 103

الصميل كان لا يعلم بخطة يوسف في التمرد، وأن الأخير قام بهذا العمل من تلقاء نفسه. ومن هنا، فقد اتهم الصميل بهذا التدبير، وبالتستر على هرب يوسف، وألقى عليه القبض وسجنه في قرطبة. وبعد مقتل يوسف وابنه، قتل الصميل في سجنه مخنوقاً بتدبير من عبد الرحمن الداخل (31). وهكذا صفا الجو لعبد الرحمن، وانتهى على يديه العصر الأول للعرب في الأندلس، وهو عصر الولاة، وأصبح الحاكم الشرعي للبلاد، مؤسساً بذلك إمارة أموية مستقلة حكمت الأندلس نحو ثلاثة قرون.

(31) انظر: المصدر نفسه، ص 100 - 101، فتح الأندلس، ص 61؛ ابن عذاري؛ 2/ 49؛ المقري 3/ 35 - 36.

ص: 104